5

فقه الأحزان

عِظَمُ الأجر على قَدْر المصاب

ليستْ كلُّ المصائب النازلة على الناس بمستوى واحد، فإن المصيبة بفقد عزيز قد تختلف باختلاف الظروف التي فقد فيها, فقد يموت الإنسان الشيخ في فراش المرض، فتكون المصيبة في أهله وعياله يسيرة، وليست بالفظيعة. وقد يموت شابٌّ في مقتبل العمر، فتشعر بالحزن يعم سائر بلدته, وقد يكون الفقيد شهيداً في سوح النضال والجهاد، فيترك الأثر الكبير في المجتمع، ويفتخر باستشهاده وتضحيته بنفسه في سبيل الله والأمَّة, ولهذا فإن التسلية عن المصاب لا بد وأن تتنوع بحسَبِ نوع

18- الشهيد الثاني -مسكن الفؤاد عند فقد الأحبّة والأولاد – ص 51


المصاب الذي لحق بأصحاب العزاء.

فبالصبر يثبُت الأجر، وبإيكال الأمر لله تعالى والتسليم إليه، والاسترجاع، كما في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام:”الضربُ على الفخذ عند المصيبة يُحْبِطُ الأجر، والصبر عند الصدمة الأولى أعظم، وعِظَمُ الأجرِ على قَدْرِ المصيبة، ومن استرجع بعد المصيبة، جدَّد الله له أجرها كيوم أصيب بها” 19.

والاسترجاع هو قول المؤمن: “إنا لله وإنا إليه راجعون”.

ولعل الأجدر بالمؤمن الحقيقي، المدرك لما في الصبر على المصائب من الأجر والثواب، أن يكون صابراً، راضياً، مسلماً بما ابتلاه الله تعالى به, لأنه في الحقيقة فرصة ثمينة للحصول على أعظم زاد يستعين به فيما لو كان حلول الأجل عليه, ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: “لا تَعُدَّنَّ مصيبةً أعطيت عليها الصبر، واستوجبت عليها من الله ثواباً بمصيبة, إنما المصيبة التي يُحْرَمُ صاحبها أجرها وثوابها إذا لم يصبر عند نزولها” 20.

الصلاة خير معين على الصبر

وردت في الروايات الشريفة بعضُ الأعمال التي تعين المرء

19- الشهيد الثاني -مسكن الفؤاد عند فقد الأحبّة والأولاد – ص 53

20- الريشهري- ميزان الحكمة- ح 10079


حين نزول المصاب به منها الصلاة, ففي الرواية أن النبيّ صلى الله عليه وآله و سلم كان إذا نزل بأهله شدة أمرهم بالصلاة، ثم قرأ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ 21.

وعن ابن عباس أنه نُعي إليه أخوه “قُثُمْ” وهو في سفر فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق فأناخ، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ 22 23.

مقام الرضا

بعد أن ذكرنا ما في الصبر من الثواب الجزيل والأجر الكبير, سنشير بشكل مختصر إلى مقام الرضا، وهو مرتبة أعظم من الصبر, وعن هذه المرتبة يقول الشهيد الثاني قدس سره{:

“إعلم أن الرضا ثمرةُ المحبة لله، من أحب شيئاً أحب فِعله. والمحبة ثمرةُ المعرِفة، فإن من أحب شخصاً إنسانياً لاشتمالِه

21- طه: 132

22- البقرة: 45

23- الشهيد الثاني – مسكن الفؤاد عند فقد الأحبّة والأولاد- ص 56


على بعضِ صفات الكَمال أو نعوتِ الجَمال، يزدادُ حبهُ له كلما زاد به معرفةٍ، وله تصوراً. فمن نظر بعين بصيرته إلى جلالِ الله تعالى وكماله…أحبه، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُباً للهِ﴾، ومتى أحبه استحسن كل أثرٍ صادر عنه، وهو يقتضي الرضا.

… واعلم أن الرضا فضيلةٌ عظيمة للإنسان، بل جماع أمر الفضائل يُرجع إليها، وقد نبه الله تعالى على فضله، وجعله مقروناً برضا الله تعالى وعلامة له، فقال: ﴿رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْه﴾ 24 ﴿ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ 25, وهو نهاية الإحسان، وغاية الامتنان. وجعله النبي صلى الله عليه وآله و سلم دليلاً على الإيمان، حين سأل طائفةً من أصحابه:”ما أنتم؟ قالوا مؤمنون، فقال: ما علامة إيمانكم؟ قالوا: نصبر على البلاء، ونشكر عند الرخاء، ونرضى بمواقع القضاء، فقال:مؤمنون ورب الكعبة” 26.

وفي أخبار داوود عليه السلام: “ما لأوليائي والهَمَّ بالدنيا، إن الهم يُذْهِبُ حلاوة مناجاتي من قلوبهم، يا داوود، إن محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين لا يغتمون” 27.

وقال الامام الصادق عليه السلام “إنا أهل بيت نجزع قبل المصيبة

24- المائدة: 119

25- التوبة: 72

26- الشهيد الثاني – مسكن الفؤاد عند فقد الأحبّة والأولاد- ص 79

27- م. ن. ص 80


فإذا أمر الله عزَّ وجلَّ رضينا بقضائِه وسلَّمنا لأمره، وليس لنا أن نكره ما أحب الله لنا” 28.

شاهد أيضاً

16

فقه المسجد

 آداب المسجد تمهيد ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. حينما يكون ...