الرئيسية / مقالات اسلامية / عقيدتنا / الأذان بين الأصالة والتحريف (لـ علي الشهرستاني)6
0

الأذان بين الأصالة والتحريف (لـ علي الشهرستاني)6

الله جلّ وعلا ورفعه لذكر الرسول(صلى الله عليه وآله)
هذا، ونحن نعلم بأنّ الذي رفع ذكرَ الرسول هو الله في محكم كتابه، وإليك أقوال بعض العلماء والمفّسرين لتقف على المقصود، وأنّه أمر ربّاني، وليس كما تصوره أبو سفيان ومعاوية والأمويّون ومن لف لفهم:
قال الشافعي: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} قال: لا أُذكَر إلاّ ذُكِرتَ معي “أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله”(1). يعني ـ والله أعلم ـ ذكره عند الإيمان والأذان، ويحتمل ذكره عند تلاوة الكتاب وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية.
وقال النووي في شرحه على مسلم ـ بعد ذكره المشـهورَ عن الشافعي في رسالته ومسنده في تفسير قوله تعالى {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} ـ: “وروينا هذا التفسير مرفوعاً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن جبرئيل عن ربّ العالمين…”(2).
وفي مصنف ابن أبي شيبة الكوفي: حدّثنا ابن عيينة، عن ابن نجيح، عن مجاهد {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} يقال: ممن هذا الرجل؟
فيقول: من العرب.
____________
1- الرسالة للإمام الشافعي: 16، المسند للإمام الشافعي: 233، المجموع 1: 577، تلخيص وانظر: الحبير 3: 435، تفسير القرآن لعبد الرزاق الصنعاني 3: 437، وفي السنن الكبرى 3: 209 (باب ما يستدل به على وجوب ذكر النبيّ في الخطبة) وبعد ذكره لقول الشافعي قال: ويذكر عن محمد بن كعب القرظي مثل ذلك. وانظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير 1: 28.
2- شرح النووي على صحيح مسلم 1: 160 باب مقدّمة الصحيح.
الصفحة 110
فيقال: من أيّ العرب؟
فيقول: من قر يش.
{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} لا أُذكرُ إلاّ ذكرتَ “أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله”(1).
حدّثنا شريك بن عبدالله، عن ابن شبرمة، عن الحسن في قوله {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}: أي مُلِئ حكماً وعلماً {وَوَضَعْنَا عَنكَ وَزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ} قال: ما أثقل الحمل الظهر {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} بلى لا يذكر إلاّ ذكرت معه…(2).
وفي دفع الشبه عن الرسول للحصني الدمشقي في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: المراد الأذان والاقامة والتشهّد والخطبة على المنابر، فلو أنّ عبداً عَبَد الله وصدّقه في كلّ شيء ولم يشهد أن محمّداً رسول الله لم يسمع منه ولم ينتفع بشيء وكان كافراً.
وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ثمّ إنّ النبيّ سأل جبرئيل (عليه السلام) عن هذه الآية(3)، فقال: قال الله عزّ وجلّ: اذا ذكرتُ ذُكِرتَ معي.
وقال قتادة رضي الله عنه: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، وقيل: رفع ذكره بأخذ الميثاق على النبيين وألزمهم الإيمان به والإقرار به.
وقيل {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} ليعرف المذنبون قدر رتبتك لديَّ ليتوسّلوا بك إليَّ فلا أردّ أحداً عن مسألته، فأعطيه أياها إمّا عاجلاً وإمّا آجلاً، ولا أخيّب من توسّل بك وإن كان كافراً(4).
____________
1- المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي 6: 315، كتاب الفضائل ـ الحديث 31680.
2- المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي 6: 315، كتاب الفضائل ـ الحديث 31681.
3- آية {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}.
4- دفع الشبه عن الرسول للحصني الدمشقي: 134.
الصفحة 111
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}، فليس خطيب ولا شفيع ولا صاحب صلاة إلاّ ينادي بها: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، فقرن الله اسمه باسمه في مشارق الأرض ومغاربها، وذلك مفتاحاً للصلاة المفروضة، ثمّ أورد حديث ابن لهيعة، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله في قوله {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} قال: قال جبرئيل: قال الله: إذا ذكرتُ ذكرتَ(1).
وفي جامع البيان للطبري: حدّثنا ابن عبدالأعلى، قال: حدّثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): ابدؤوا بالعبوديّة وثنّوا بالرسالة، فقلت لمعمر: قال “أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده” فهو العبودية، “ورسوله” أن تقول: عبده ورسوله.
حدّثنا بشر، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيد، عن قتادة {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهّد ولا صاحب صلاة إلاّ ينادي بها: “أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمّداً رسول الله”.
حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحرث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله أنّه قال: أتاني جبرئيل فقال: إنّ ربّي وربّك يقول: كيف رفعت لك ذِكرك؟ قال: الله أعلم.
قال: إذا ذُكِرتُ ذُكِرتَ معي(2).
وفي زاد المسير لابن الجوزي: قوله عزّوجلّ {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} فيه خمسة أقوال:
____________
1- البداية والنهاية 6: 288 باب القول فيما أُعطي إدريس(عليه السلام).
2- تفسير الطبري 30: 151.
الصفحة 112
أحدها: ما روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله أنّه سأل جبرئيل عن هذه الآية فقال: قال الله عزّ وجلّ: إذا ذُكرتُ ذكرتَ معي ; قال قتادة: فليس خطيب ولا متشهّد ولا صاحب صلاة إلاّ يقول: “أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله”، وهذا قول الجمهور.
والثاني: رفعنا لك ذكرك بالنبوّة ; قاله يحيى بن سلام.
والثالث: رفعنا لك ذكرك في الآخرة كما رفعناه في الدنيا ; حكاه الماوردي.
والرابع: رفعنا لك ذكرك عند الملائكة في السماء.
والخامس: بأخذ الميثاق لك على الأنبياء وإلزامهم الإيمان بك والإقرار بفضلك ; حكاهما الثعلبي(1).
أهل البيت ورفع ذكر رسول الله
ومن هذا المنطلق كان أئمّة أهل البيت: يشيدون بهذه المفخرة، ويجعلونها أكبر إرغام لأعداء النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأعدائهم، الذين أرادوا تحريف هذا الرفع للذكر وحطّه إلى مرتبة الأحلام والاقتراحات، وأرادوا أن يطفئوا نور الله فأبى الله إلاّ أنّ يتمّ نوره.

يُريدُ الجاحدونَ لِيطفؤوُه ويأبى الله إلاّ أن يُتمَّهْ

ففي الندبة الرائعة ـ التي وجّهها إمام البلاغة عليّ بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة الزهراء إلى ابن عمّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيث أرسل دموعه على خدّيه وحوّل وجهه إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ قال فيما قال:

سلامٌ عليك يا رسول الله سلام مودّع لا سَئم ولا قال، فإنْ

____________
1- زاد المسير لابن الجوزي 8: 272.
الصفحة 113

أنصرف فلا عن مَلالة، وإن أقِم فلا عن سوء ظنٍّ بما وَعَد الله الصابرين، والصبرُ أيمنُ وأجمل، ولولا غلبةُ المستولين علينا لَجعلتُ المقام عند قبرك لِزاماً، واللَّبثَ عنده معكوفاً، ولاَعولتُ إعوالَ الثكلى على جليل الرزيّة، فبعينِ الله تُدفَنُ ابنتُك سرّاً… ولم يَطُل العهد، ولم يَخلُ منك الذّكر، فإلى الله يا رسول الله المشتكى، وفيك أجمل العزاء، وصلوات الله عليك وعليها ورحمة الله وبركاته(1).

وفي هذه الندبة التصريح بأنّ المستولين قلّلوا أو حاولوا التقليل من شأن الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته، وذلك بعد وفاته مباشرة ولمّا يخلق الذكر، وأنّ أمير المؤمنين علياً لو استطاع لجعل مقام رسول الله في محلّه الرفيع الذي وضعه الله فيه، لكنّ الظروف القاسية التي كانت محيطة به لم تتح له الفرصة، فقلّ ذكر النبيّ عند مَن اشتغلوا بمشاغل الدنيا وتركوا النبيّ وذكره أو كادوا، وهذا ممّا جعل الإمام يقول: لجعلتُ المقام عند قبرك لزاماً، واللبث عنده معكوفاً.
وقد أشـارت فاطمة الزهراء في خطبتها التي خطبتها في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى هذه المسألة نفسها، وأنّ هناك قوماً حاولوا إطفاء نور الله وخفض منزلة النبيّ (صلى الله عليه وآله) مع قرب العهد وحَداثة ارتحال النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فقالت:

فلمّا اختارَ اللهُ لنبيّه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه، ظهرت فيكم حسكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين… هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لمّا

____________
1- مصنّفات الشيخ المفيد 13: 281 ـ 282 المجلس 33، ح 7، أمالي الطوسي: 110، الكافي 1: 459، دلائل الإمامة 138.
الصفحة 114

يندمل، والرسول لمّا يُقبَر…. ثمّ أخذتم تورون وقدتَها، وتهيجون جمرتَها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجَليّ، وإهمال سُنَن النبيّ الصفيّ(1)…

ولذلك كانت تبكي عند قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتقول: لقد أصبت بخير الآباء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واشوقاه إلى رسول الله، ثمّ انشأت تقول:

إذا مات يوماً ميّت قلّ ذكرُهُ وذكرُ أبي مذ مات والله أكثرُ(2)

وأشارت بذلك إلى أنّ الله سبحانه وتعالى رفع ذكر نبيّه في حياته، وقدّر له أن يرفع بعد وفاته، وإن ظنّ من ظَنَّ أنّه أبترُ إذا مات انقطع ذكره، وارتدّ مَن ارتدّ لعروجه ومقارنة اسمه باسم ربّ العالمين، وغضب من غضب وحاول عزو ذلك إلى أنّه من اقتراح عمر أو من النبيّ نفسه وأراد له السحق والدفن، كلّ تلك المحاولات التحريفية باءت بالفشل وخلد ذكر النبيّ في الأذان والتشهد وفي كلّ موطن يذكر فيه اسم رب العالمين.
ولو قرأت مقولة الإمام الحسن لمعاوية لمّا استنقص عليّاً وحاول الحطّ من ذكره لرأيت الأمر كذلك ; إذ قال له:

أيها الذاكر علياً، انا الحسن وأبي عليّ وأنت معاوية وأبوك صخر، وأُمّي فاطمة وأُمّك هند، وجدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجدّك حرب، وجدّتي خديجة وجدّتك قتيلة ; فلعن الله أخمَلَنا ذِكراً، وألأمنا حَسَباً، وشَرّنا قدماً،

____________
1- الاحتجاج: 101 ـ 102 والنصّ عنه. وانظرها في دلائل الإمامة: 114 ـ 118، وشرح نهج البلاغة 16: 251.
2- كفاية الأثر: 198 (باب ما جاء عن فاطمة من النصوص).
الصفحة 115

وأقدمنا كفراً ونفاقاً.
فقال طوائف من أهل المسجد: آمين.

قال فضل: فقال يحيى بن معين: ونحن نقول: آمين، قال أبو عبيد: ونحن أيضاً نقول: آمين، قال أبو الفرج: وأنا أقول: آمين(1).
هذا وإن ماسأة كربلاء وقضية الإمام الحسين تؤكّد ما قلناه وأن الإمام خرج للإصلاح في أمة جدّه لمّا رأى التحريفات الواحدة تلو الآخرى تلصق بالدين، وعرف بأنّهم يريدون ليطفئوا نور الله ورسوله.
والعقيلة زينب قد أشارت إلى هذه الحقيقة عندما خاطبت يزيد بقولها:

“كد كيدك، واسْعَ سعَيك، واجهَد جهدك، فوالله الذي شرّفنا بالوحي والكتاب والنبوّة والانتخاب لا تُدرِك أمدَنا، ولا تَبلُغ غايتنا، ولا تمحو ذِكرَنا، ولا تُميتَ وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلاّ فَنَد، وأيامك إلاّ عَدَد، وجمعك إلاّ بَدَد، يوم ينادي المنادي: ألا لعنةُ الله على الظالم العادي…”(2)

وكأنّ الإمام السجّاد عليّ بن الحسين أراد الإلماح إلى قضية الاختلافات الأذانيّة، وعداء معاوية مع ذكر اسم النبيّ محمّد في الأذان، حين عرّض بيزيد لمّا أمرَ المؤذن أن يؤذّن ليقطع خطبة الإمام عليّ بن الحسين في مسجد دمشق..
قالوا: قال الإمام عليّ بن الحسين: يا يزيد، ائذَن لي حتّى أصعد هذه الأعواد… فأبى يزيد، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، ائذن له ليصعد فلعلّنا نسمع
____________
1- مقاتل الطالبيين: 70 والنص عنه، الارشاد للمفيد 2: 15، مناقب ابن شهرآشوب 4: 36، شرح نهج البلاغة 16: 47، كشف الغمة 1: 542.
2- الاحتجاج 309، بحار الأنوار 45: 135، اللهوف لابن طاووس ومثير الأحزان وغيرها.
الصفحة 116
منه شيئاً، فقال لهم: إن صعد المنبر هذا لم ينزل إلاّ بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان، فقالوا: وما قَدرُ ما يُحسِن هذا؟! فلم يزالوا به فإذن له بالصعود، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال:

أيّها الناس، أُعطينا سِتّاً وفُضّلنا بسبع، أُعطينا العلم والحلم… وفُضّلنا بأنّ منّا النبيّ المختار محمّد، ومنّا الصدّيق، ومنّا الطيّار، ومنا أسد الله وأسد الرسول، ومنّا سيّدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومنّا سبطا هذه الأمّة وسيّدا شباب أهل الجنة، فمَن عَرَفني فقد عرفني، ومَن لم يعرفني أنبأتُه بحسبي ونسبي: انا ابن مكّة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا… أنا ابن من حُمِلَ على البراق في الهوا، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فسبحان من أسرى، أنا ابن من بَلَغ به جبرئيل إلى سِدرة المنتهى، أنا ابن مَن دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلّى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن محمّد المصطفى…(1)

قال: ولم يزل يقول: أنا أنا حتّى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أن تكون فتنة، فأمر المؤذن أن يؤذّن فقطع عليه الكلام وسكت.
فلمّا قال المؤذّن: “الله اكبر” قال عليّ بن الحسين: كبّرتَ كبيراً لا يقاس، ولا يُدرَك بالحواس، ولا شيء أكبر من الله.
فلمّا قال: “أشهد أن لا إله إلاّ الله” قال عليّ بن الحسين: شَهِد بها شَعري
____________
1- كفاية الأثر 198.
الصفحة 117
وبَشري ولحمي ودمي ومخّي وعظمي.
فلمّا قال: “أشهد أنّ محمّداً رسول الله” التفت عليّ بن الحسين من أعلى المنبر إلى يزيد وقال: يا يزيد! محمّدٌ هذا جدّي أم جدّك؟ فإن زعمت أنّه جدّك فقد كذبت، وإن قلت أنّه جدّي فلم قتلتَ عِترته(1)؟
وها هنا ثلاث ركائز مهمة في هذه الخطبة:
أولّها: إن يزيد خاف أن يذكر الإمامُ السجّادُ فضائحَ يزيد ومعاوية وآل أبي سفيان، مع أنّ الإمام في خطبته هذه لم يذكر صريحاً شرك أبي سفيان ولا معاوية ولا كونهما ملعونين، كما لم يذكر هنداً وما كان منها في الجاهلية من سوء السيرة، ولا ما كان من بقرها بطن حمزة ولا ولا… فكانت الفضيحة لهم ببيان الحقائق النيّرة، وما حرّفه المحرّفون، وبيان مقامات النبيّ وعترته.
وثانيها: إنّ قسطاً مهمّاً من الخطبة انصبَّ على حقيقة الإسراء والمعراج ; إذ فيها العناية المتزايدة ببعض تفاصيلهما، والتأكيد على أنّهما حقيقة عيانيّة بدنيّة كانت للنبيّ (صلى الله عليه وآله)، لا أنّها رؤيا وحُلُم كما يدّعيه الأمويّون، فكان الإسراء والمعراج فيهما رفع ذكر النبيّ وتشريع الأذان والصلاة، وفيهما رفع ذكر آل النبيّ (صلى الله عليه وآله) تبعاً له.
كما أنّ في الخطبة حقيقة أنّ عليّاً هو الصدّيق لا غيره، وأنّ فاطمة سيّدة نساء العالمين، لا كما حرّفوا من أنّ الصدّيق هو أبو بكر، وأنّ اسمه على قائمة العرش، مع أنّ الحقيقة هي أنّ عليّاً هو الصديق وأن اسمه مكتوب على العرش ـ كما سيأتيك بيانه لاحقاً ـ وأن الصدّيقة فاطمة الزهراء قد كذَّبت أبا بكر الصديق!!! وقالت له: لقد جئتَ شيئاً فَريّاً(2) وكذا الإمام عليّ فانه كذب من ادعى الصدّيقية في أبي بكر
____________
1- مقتل الحسين للخوارزمي 69 ـ 71، والفتوح لابن أعثم 3: 155.
2- تثبيت الإمامة 30، بلاغات النساء 14، شرح نهج البلاغة 16: 212، 251، جواهر المطالب 1: 161.
الصفحة 118
بقوله: أنا عبدَالله وأخو رسوله، وأنا الصدّيق الاكبر، لا يقولها بعدي إلاّ كذاب مفتري، لقد صليت قبل الناس بسبع سنين(1).
وقال في آخر: أنا الصدّيق الأكبر، والفاروق الأول، أسلمت قبل إسلام أبي بكر، وصليت قبل صلاته(2).
وعن معاذة قالت: سمعت عليّاً وهو يخطب على منبر البصرة يقول: أنا الصدّيق الأكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم [أبو بكر](3)، فلا يعرفُ بعد هذا من هو الصادق ومن هو الكاذب ومن هو الصدّيق ومن هي الصدّيقة في قاموس القوم؟ وقد مرّ عليك أنّ معاوية حرّف كلّ فضيلة لعليّ وجعلها في غيره.
وثالثها: أنّ يزيد لمّا أمر المؤذّن بالأذان ليقطع كلام الإمام، كان الإمام السجّاد يوضّح كلّ فقرة من فقرات الأذان، مُعرِّضاً بمن يتلفّظون بألفاظه دون وعي لمفاهيمه، وهو ما سنقوله لاحقاً من أنّه يحتوي على مفاهيم الإسلام، وأنّه وجه الدين، وأنّه ثبت بالوحي، لا كما أرادوا تصويره بأنّه مجرّد إعلام قابل للزيادة والنقصان، وُضع بأحلام واقتراحات من الصحابة!!
وفي قول السجّاد (عليه السلام) “يا يزيد! محمّد هذا جدّي أم جدّك” بيان لارتفاع ذكر النبيّ وآله، وأنّ الأمويّين لم يفلحوا في حذف اسمه من الأذان وإخماد ذكره،
____________
1- مستدرك الحاكم 3: 112 وقال: صحيح على شرط الشيخين وتلخيصه للذهبي، وشرح نهج البلاغة 13: 228، 1: 30، سنن ابن ماجه 1: 44 ح 120 قال في الزوائد: هذا اسناد صحيح ورجاله ثقات، تاريخ الطبري 2: 310، والآحاد والمثاني 1: 148 وغيرها.
2- شرح نهج البلاغة 4: 122، 13: 200، والمعارف لابن قتيبة 97. وفيه قال عليّ(عليه السلام): أنا الصدّيق الأكبر آمنتُ قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم أبو بكر.
3- شرح نهج البلاغة 13: 228، وأنساب الاشراف بتحقيق المحمودي 146، الآحاد والمثاني 1: 151، والمعارف لابن قتيبة 99.
الصفحة 119
ومحاولة إدراج اسم “أمير المؤمنين”(1)!!! معاوية في آخر الأذان، وإن نجحوا ظاهريّاً في إخماد ثورة الحسين وقتله وقتل عترة النبيّ (صلى الله عليه وآله).
فالأذان المشرع من الوحي كان مفخرة آل النبيّ، وبياناً لارتفاع ذكره وذكر آله، لا كما قيل فيه من أنواع المختلقات.
ويؤكد ذلك أنّه لمّا قدم عليّ بن الحسين بعد قتل أبيه الحسين (عليه السلام) إلى المدينة استقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيدالله وقال:

يا عليّ بن الحسين، مَن غَلَب؟ وذلك على سبيل الشماتة فقال له عليّ بن الحسين: إذا أردتَ أن تعلم من غَلَب ودخل وقت الصلاة فأذِّن ثمّ أقِم(2).

وذلك أنّ ذكر الرسول المصطفى خُلّد في الأذان والإقامة رغم نصب الناصبين وعداء المعادين، وبه خلود ذكر آل النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فيكونون هم الغالبين لا بنو أميّة ولا من غصبوا الحقوق وحرَّفوا المعالم عن سُنَنها ومجاريها.
وقد كانت نعرة البغض لرهط النبي وآله مترسّخة متجذرة في نفوس الأمويين إلى أبعد الحدود، حتّى وصلت بهم درجة الإحساس بالتعالي والتيه والكبر إلى أن يحاسبوا حتّى من يمدحهم غاية المدح فيما إذا قدّم عليهم آل الرسول، فقد افتخر ابن ميادة الشاعر بقومه بعد رهط النبي وبعد بني مروان، فقال:

فَضَلْنا قريشاً غيرَ رهطِ محمَّدِ وغيرطَ بني مروان أَهلِ الفضائلِ

فقال له الخليفة الاموي الوليد بن يزيد: قدَّمْتَّ رهطَ محمّد قبلنا؟! فقال ابن
____________
1- مر عليك قبل قليل قول السيوطي في كتاب الوسائل إلى معرفة الأوائل 26: أن أوّل من أمر المؤذن أن يشعره ويناديه فيقول: السلام على أمير المؤمنين الصلاة يرحمك الله، معاوية بن أبي سفيان.
2- أمالي الطوسي 687 ـ 688، مجلس يوم الجمعة السابع من شعبان 457 هـ.
الصفحة 120
ميادة: ما كنت أظنه يمكن إلاّ ذاك(1).
فها هو الشاعر يصرّح ـ طبقاً لضرورات الدين ـ بأنه لا يمكن للمسلم إلاّ أن يقدّم رهط النبي (صلى الله عليه وآله) على قومه وعلى جميع الاقوام، لكن العقلية الأموية والمروانية كانت تسعى في طمس آثار آل الرسول بكل ثقلها وجهدها.
وفي العصر العباسي، دخل الإمام عليّ الهادي (عليه السلام) يوماً على المتوكّل فقال له المتوكل: يا أبا الحسن مَن أشعر الناس؟ ـ وكان قد سأل قبله عليّ بن الجهم، فذكر شعراء الجاهلية وشعراء الإسلام ـ فلما سأل الإمامَ قال: عليّ الحماني حيث يقول:

لقد فاخَرَتْنا من قريش عصابةٌ بمطّ خُدود وامتدادِ أصابعِ
فلمّا تَنازَعنا المقالَ قضى لنا عليهم بما نهوى نداءُ الصَّوامعِ

قال المتوكّل: وما نداء الصوامع يا أبا الحسن؟ قال: “أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله” جدّي أم جدّك؟ فضحك المتوكل ثمّ قال: هو جدّك لا ندفعك عنه(2).

تَرانا سُكوتاً والشهيدُ بفضلِنا تَراهُ جَهيرَ الصوتِ في كلِّ جامعِ
بأنّ رسولَ اللهِ أحمدَ جدُّنا ونحن بَنوهُ كالنجومِ الطَّوالعِ(3)

فكان الأذان وفيه اسم محمّد، المرفوع ذكره، المستتبع لرفع ذكر الأئمّة من أولاده(4)، كان ذلك أكبر مفخرة للمسلم الحقيقي، كما كان يؤذي أعداء الإسلام
____________
1- انظر انساب الاشراف 13: 128. وفيه انّ إبراهيم بن هشام بن عبدالملك قال لابن ميادة: يا ماصَّ بظر أمّه أنت فضلت قريشاً، وجرّده فضربه مائة سوط أو أقل.
2- أمالي الطوسي 293.
3- انظر: ديوان عليّ الحمّاني 81، ومناقب ابن شهرآشوب 4: 406 وفيه: “عليهم” بدل: “تراه”.
4- لأنّه(صلى الله عليه وآله) أمر أن لا يصلوا عليه الصلاة البتراء.
الصفحة 121
الذين ارتدوا بسبب المعراج، ويؤذي من أرادوا جعل الأذان وفصوله أحلاماً واقتراحات، ويؤذي معاوية الذي أرّقه ذكر اسم “محمّد” واقترانه باسم ربّ العالمين، ويؤذي أولاد طلحة وقتلة الحسين (عليه السلام)، كما كان يؤرق المتوكّل العباسي، وكلّ رموز التحريف وأرباب الطموحات السلطويين، وكلّهم من السلك القرشي المعادي لله وللرسول ولعترة الرسول صلوات الله عليهم أجمعين.
القدرة الإلهيّة وفشل المخطّطات
إن قريشاً سعت للوقوف أمام الدعوة ودأبت على طمس معالم الإسلام، لكن الله أبى إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (1).
وقد مرّ عليك قول معاوية بن أبي سفيان: (إلاّ دفناً دفناً) في حين أن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}.
وقال السدّي في تفسير قوله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}: كانت قريش يقولون لمن مات الذكور من أولاده: أبتر، فلمّا مات ابنه (صلى الله عليه وآله): القاسم، وعبدالله بمكّة، وإبراهيم بالمدينة، قالوا: بُتِرَ، فليس له من يقوم مقامه.
ثمّ إنّه تعالى بيّن أنّ عدوّه هو الموصوف بهذه الصفة، فإنّا نرى أنّ نسل أولئك الكفرة قد انقطع، ونسله عليه الصلاة والسلام يزداد كلّ يوم وينمو وهكذا إلى يوم القيامة(2).

فقد أشار الفخرالرازي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّا

____________
1- التوبة: 32.
2- التفسير الكبير 32: 133.

وكان الأمويون يحسدون آل البيت على ما آتاهم الله من فضله، وقد جاء في تفسير قوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى…} أنّها نزلت في عليّ (عليه السلام) وما خُصَّ به من العلم(2).
وعن ابن عبّاس في قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} قال: نحن الناس دون الناس(3).
وعن محمّد بن جعفر في قوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ}، قال: نحن المحسودون، وعن ابن عبّاس في قوله {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} قال: نحن الناس المحسدون و”فضله” النبوة(4).
فسبحانه جل شأنه رفع ذكرَ محمّد وآل محمّد بآيات التطهير والمودّة والمباهلة وسورة الدهر وبراءة وغيرها من السور والآيات الكثيرة، ولو تدبّر المطالع في سورة الضحى لعرف نزولها في مدح النبيّ محمّد وأنّه جلّ شأنه ذكره بثلاثة أشياء
____________
1- التفسير الكبير 32: 124.
2- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7: 220.
3- المعجم الكبير 11: 146، مجمع الزوائد 7: 6 والنص له.
4- شواهد التنزيل 1: 183.
الصفحة 123
تتعلق بنبوته، منها: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} وفي سورة ألم نشرح شرّفه بثلاثة أشياء أوّلها: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}، وثانيها: {وَوَضَعْنَا عَنكَ وَزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}، وثالثها: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} (1).
قال الإمام فخر الدين الرازي: جعل الله تعالى أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله) مساوين له في خمسة أشياء:

أحدها: المحبة ; قال الله تعالى: {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}، وقال لأهل بيته {قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}.

والثانية: تحريم الصدقة ; قال (صلى الله عليه وآله): لا تحل الصدقة لمحمّد ولا لآل محمّد، إنّما هي أوساخ الناس.

والثالثة: الطهارة ; قال الله تعالى: {طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} أي يا طاهر، وقال لأهل بيته: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}.

والرابعة: في السلام ; قال: “السلام عليك أيّها النبيّ”، وقال لأهل بيته {سلام على آل يس} (2).

والخامسة: في الصلاة على النبيّ (صلى الله عليه وآله) وعلى الآل في

____________
1- التفسير الكبير 32: 118.
2- قرأ نافع وابن عامر ويعقوب هذه الآية بفتح الهمزة ومدّها وقطع اللام من الياء كما في آل يعقوب، “النشر في القراءات العشر 2: 360 وتحبير التيسير: 170″ وللتأكيد أقرأ في مصحف المدينة النبوية برواية ورش عن نافع المدني والمطبوع في المملكة العربية السعودية صفحه 407 الآية: 130 من سورة الصافّات.
الصفحة 124

التشهّد(1).

وبهذا فقد عرفنا ـ وعلى ضوء الصفحات السابقة ـ بأن المجتهدين كانوا وراء فكرة الرؤيا، وأنّ رأسها الأمويون، استغلوا ما طرح في عهد الصحابة لما يريدون القول به لاحقاً.
فإنّ النصوص السـابقة وضّحت لنا بأنّ الصحابة اقترحوا على رسول الله بأن يتخذ ناقوساً مثل ناقوس النصارى أو بوقاً مثل قرن اليهود ورسول الله لم يرضَ بذلك حتّى أُري عبدالله بن زيد أو غيره الأذان.
وجاء في كتاب (من لا يحضره الفقيه) عن الإمام (عليه السلام) أنّه قال: كان اسم النبيّ (صلى الله عليه وآله) يكـرّر في الأذان، فأوّل مَن حـذفـه ابن أروى(2). وهـو عثـمان بـن عفّان.
وهذا يتّفق مع ما قاله محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن هاشم في كتاب العلل وهو يذكر علل فصول الأذان حتّى يقول:…. وقوله: (حيّ على خير العمل) أي حث على الولاية، وعلّة أنّها خير العمل أن الأعمال كلّها بها تقبل.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، فألقى معاويةُ من آخر الأذان (محمّد رسول الله) فقال: أما يرضى محمّد أن يذكر في أوّل الأذان حتّى يذكر في آخره(3).
____________
1- انظر: نقل كلام الفخر الرازي في: نظم درر السمطين 240، والصواعق المحرقة 233 ـ 234، وينابيع المودّة 1: 130 ـ 131، وجواهر العقدين 2: 166.
2- من لا يحضره الفقيه 1: 299، كتاب الصلاة باب الأذان والإقامة.
3- بحار الأنوار 81: 170، عن العلل لابن هاشم، وقد علّق المجلسي على كلامه بقوله:… وكون الشهادة بالرسالة في آخر الأذان غريب، ولم أره في غير هذا الكتاب.
أقول: قد يكون المراد من الشهادة بالرسالة في آخر الأذان هو ما جاء في بعض الروايات من استحباب ذكر الرسول وجعله الوسيلة إلى الله في آخر الأذان، وكلما سمع المسلم الشهادة بالنبوة في الأذان وغيره. وهذا ما حذفه معاوية، قال الشرواني في حواشيه 3: 54 (.. وصريح كلامهم أنّه لا يندب الصلاة على النبيّ بعد التكبير، لكن العادة جارية بين الناس بإتيانها بها بعد تمام التكبير، ولو قيل باستحبابها عملاً بظاهر {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} وعملاً بقولهم: إنّ معناه “لا أذكر إلاّ وتذكر معي” لم يكن بعيداً، فتأمل.
الصفحة 125
وقد مر عليك ما رواه عبدالرزاق عن إبراهيم من أنّ أوّل من أفرد الإقامة معاوية، وقال مجاهد: كانت الاقامة مثنى كالأذان حتّى استخفّه بعض أمراء الجور فأفرده لحاجة لهم(1).
وجاء في مجمع الزوائد عن عبدالرحمن بن ابن ليلى قال: كان علي بن أبي طالب اذا سمع المؤذن يؤذن قال كما يقول فإذا قال: اشهد ان لا إله إلاّ الله واشهد ان محمّداً رسول الله. قال علي: اشهد أن لا إله إلاّ الله واشهد ان محمّداً رسول الله وأن الذين جحدوا محمّداً هم الكافرون(2).
بعد ذلك لا غرابة عليك في تصريح الصادق (عليه السلام) بأنّ الحكومات والنواصب منهم على وجه التحديد حرّفوا أو حاولوا تحريف الحقائق، فقد عرفنا سياسة التحريف عند الأمويين ومسخهم للحقائق وأنّ عملهم هذا يصب في المخطط الهادف إلى إبدال كلّ ما جاء من حقائق الإسلام وكلّ ما كان من فضائل الإمام عليّ وأصحاب نهج التعبد.

فقد روى القاسم بن معاوية خبراً قال فيه:

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): هؤلاء يروون حديثاً في معراجهم أنّه لما أسري برسول الله رأى على العرش مكتوباً “لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، أبو بكر الصديق”.

____________
1- أبو الوفاء الأفغاني في تعليقته على كتاب الآثار 1: 107، وانظر: المصنّف لعبدالرزاق 1: 463/1793.
2- مجمع الزوائد 1: 332.
الصفحة 126

فقال: سبحان الله، غيروا كل شيء حتّى هذا؟!!

قلت: نعم.

فقال الصادق (عليه السلام) ما ملخّصه: إنّ الله تعالى لمّا خلق العرش، والماء، والكرسي، واللوح، وإسرافيل، وجبرائيل، والسماوات والأرضين، والجبال، والشمس، والقمر، كان يكتب على كلّ منها “لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ أمير المؤمنين”. ثمّ قال (عليه السلام): فإذا قال أحدكم “لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله” فليقل “عليّ أمير المؤمنين”(1).

فالقارئ البصير لو تدبّر في النصوص الصادرة عن الأئمة لعرف أنّ رسالتهم هي تصحـيح للأفكار الخاطـئة المبثوثة في الشريعة والتاريخ، ويتأكد لك مدعانا لو طبق على ما نحن فيه، من وجود تيار يحمي فكرة الرؤيا وهم النواصب وأعداء النبيّ والإمام عليّ بن أبي طالب، وهؤلاء النواصب كانوا لا يستسيغون ذكر الرسول محمّد في الأذان، أو يتصورون أنّ الشهادة الثانية من وضعه (صلى الله عليه وآله)، فكيف يقبل أمثال هؤلاء بشرعية شيء فيه تنويه ورفعة لمنزلة آل الرسول (صلى الله عليه وآله)، والنواصب هم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ويجعلون مكانها مفاهيم اُخرى، وقد أشرنا سابقاً إلى بعضها، وإليك نَصَّـين آخرين في هذا السـياق، إذ جاء في أصل زيـد النرسـي، عن الإمام الكاظم بأن الصـلاة خير من النـوم من بدع بني أميّـة(2)، وهي توكّـد ما نريد الوصـول إليه من حقيقـة الأذان وكيفـية وقـوع
____________
1- انظر: الاحتجاج 158.
2- أصل زيد النرسي54، وعنه في مستدرك الوسائل 4: 44 ح 4140/2.
الصفحة 127
التحـريف فـيه.
فقد روى الصدوق وعليّ بن إبراهيم، عن عمر بن أُذينة، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: يا عمر بن أُذينه، ما ترى هذه الناصبة؟
قال: قلتُ: في ماذا؟
فقال: في أذانهم وركوعهم وسجودهم.
قال: قلت: إنّهم يقولون: إنّ أبيّ بن كعب رآه في النوم.
فقال: كذبوا، فإنّ دين الله عزّ وجلّ أعزّ من أن يُرى في النوم.
فقال سدير الصيرفي للإمام: جُعلت فداك، فأَحِدث لنا من ذلك ذِكراً(1)، فبدأ الإمام الصادق (عليه السلام) ببيان عروج الرسول إلى السماوات السبع وذكر لهم خبر الأذان والصلاة هناك.
ولو أحببت الوقوف على ملابسات هذه الأمور أكثر فأكثر، ومعرفة دور قريش وأتباعهم من النواصب في تحريف النصوص وما يتعلق بالإمام عليّ على وجه التحديد، فتمعن فيما نقوله تحت العنوان الآتي:
من هم الثلاثة أو الأربعة؟
بعد أن وقفت على بعض تحريفات بني أميّة نوقفك الآن مع عبارة مبهمة تذكرها كتب الصحاح والسنن في خبر الإسراء، مفادها أنّ جبريل لمّا نزل بأمر الإسراء
____________
1- الكافي كتاب الصلاة باب النوادر 3: 482 ـ 486/1. وللمزيد من الاطّلاع يمكنك مراجعة خبر الإسراء في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّي 2: 3 ـ 12. وانظر: علل الشرايع 2: 313 باب علل الوضوء والأذان والصلاة، وعنه في بحار الأنوار 18: 354.
الصفحة 128
رأى ثلاثة رجال نائمين، فقال إسرافيل لجبرئيل: أيّهم هو؟ فقال: أوسطهم.
وكان النائم في الوسط هو النبيّ محمّد، فالآن نتساءل: من هما الاثنان الآخران يا ترى؟ ولماذا الإبهام في اسميهما؟
أخرج مسلم في صحيحه، وأبو عوانة في مسنده، والترمذي في سننه، وابن خزيمة في صحيحه، والنصّ للأول بسنده عن قتادة، عن أنس بن مالك، لعلّه قال عن مالك بن صعصعة (رجل من قومه)، قال: قال نبيّ الله: بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين…(1)
وفي مسند أحمد، والمجتبى للنسائي، والسنن الكبرى له أيضاً، والنصّ للأوّل… عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: بينا أنا عند الكعبة بين النائم واليقظان فسمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة… فأُتِيتُ بطست من ذهب…. ثمّ أُتيتُ بدابّة دون البغل وفوق الحمار، ثمّ انطلقت مع جبرئيل (عليه السلام)… الحديث(2).
على أنّ البخاري وغيره أرجعوا هذا الخبر إلى قبل أن يبعث الرسول (صلى الله عليه وآله)، فجاء في الصحيحين عن شريك بن عبدالله بن أبي نمر: سمعت أنس بن مالك يحدّثنا عن ليلة أُسري بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) من المسجد الكعبة: جاء ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في مسجد الحرام، فقال أوّلهم: أيّهم هو؟ فقال: أوسطهم هو خيرهم، وقال
____________
1- صحيح مسلم 1: 149 كتاب الإيمان باب الإسراء برسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى السماوات وفرض الصلوات ح 264، مسند أبي عوانة 1: 107، وصحيح ابن خزيمة 1: 153، كتاب الصلاة، باب بدء فرض الصلوات الخمس، تفسير القرطبي 20: 104، أسد الغابة 4: 281، الديباج للسيوطي 1: 207، وانظر: جامع البيان 15: 4، وسنن الترمذي 5: 442 ح 3346، كتاب تفسير القرآن باب “من سورة ألم نشرح”.
2- مسند أحمد 4: 207، 210، سنن النسائي 1: 217، السنن الكبرى 1: 138.
الصفحة 129
آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك، فلم يَرَهم حتّى جاءوا ليلة أخرى فيما يرى قلبه والنبيّ (صلى الله عليه وآله) نائمة عيناه ولا ينام قلبه.. فتولاّه جبرئيل ثمّ عرج به إلى السماء(1).
وفي هذه الضبابية وهذا الإبهام نرى كتب شروح الحديث عند أهل السنّة والجماعة لا توضّح إلاّ بعض الشيء عن هؤلاء، فحكى السندي في حاشيته على النسائي وضمن تفسيره لهذا الحديث.. “قالوا: هما حمزة وجعفر…”(2).
وفي شرح مسلم باب الإسراء: روي أنّه كان نائماً معه حينئذ عمّه حمزة بن عبدالمطّلب وابن عمّه جعفر بن أبي طالب(3).
وفي فتح الباري بشرح صحيح البخاري:… فقال أوّلهم: أيهم هو، فيه إشعار بأنّه كان نائماً بين جماعة أقلّهم اثنان وقد جاء أنّه كان نائماً معه حينئذ حمزة ابن عبدالمطّلب وجعفر بن أبي طالب ابن عمّه(4).
وقال البناء في الفتح الربّاني(5) والمباركفوري في تحفة الأحوذي(6)، والكلام للأوّل: قال الحافظ: والمراد بالرجلين، حمزة وجعفر، وأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) حين كان نائماً
____________
1- صحيح البخاري 5: 33 ـ 34 / كتاب المناقب ـ باب “كان النبيّ تنام عينه ولا ينام قلبه”. وانظر: 9: 824، كتاب التوحيد ـ باب “وكلّم الله موسى تكليما”، وصحيح مسلم 1: 148، كتاب الإيمان، باب “الإسراء برسول الله (صلى الله عليه وآله) “، وسنن البيهقي 7: 62.
وقال ابن حجر في فتح الباري 13: 409: “وقوله: قبل أن يُوحى إليه” أنكرها الخطّابي وابن حزم وعبدالحقّ والقاضي عياض والنووي، وعبارة النووي: وقع في رواية شريك هذه أوهام أنكرها العلماء، أحدها قوله: قبل أن يوحى إليه، وهو غلط لم يَوافَق عليه.
2- حاشية السندي على النسائي 1: 217، كتاب الصلاة باب فرض الصلاة وذكر اختلاف الناقلين.
3- هذا ما حكاه مهمّش تفسير القرطبي 20: 104. ولم نقف عليه في مظانّه.
4- فتح الباري بشرح صحيح البخاري 13: 409 ـ 410، كتاب التوحيد.
5- الفتح الربّاني 20: 248.
6- تحفة الأحوذي 9: 193.
الصفحة 130
بينهما.
هكذا عرّفت كتب الشروح اسم الرجلين دون ذكر سند أو رواية في ذلك، لكنّ كتب الشيعة الإماميّة والإسماعيليّة والزيديّة رَوَت بأسانيدها أسماء الذين كانوا نائمين مع النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وهم: عليّ، وحمزة، وجعفر، كانوا يحيطون به عن يمينه وشماله وتحت رِجلَيه..
روى عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبدالله بن المغيرة، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً}، قال: روي عن رسول الله أنّه قال: بينا أنا راقد بالأبطح، وعليٌّ عن يميني، وجعفر عن يساري، وحمزة بين يَدَيّ، وإذا أنا بخفق أجنحة الملائكة وقائل منهم يقول: إلى أيّهم بُعِثتَ يا جبرئيل؟ فقال: إلى هذا، وأشار إليّ. ثمّ قال: هو سيّد ولد آدم وحوّاء، وهذا وزيره ووصيّه وختنه وخليفته في أمّته، وهذا عمّه سيد الشهداء حمزة، وهذا ابن عمّه جعفر له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنّة مع الملائكة، دعه فلتنم عيناه ولتسمع أُذناه ولْيَعِ قلبه…(1)
وروى القاضي النعمان في شرح الأخبار عن الطبري ; رفعه إلى حذيفة اليماني، قال: خرج إلينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوماً وهو حاملٌ الحسنَ والحسينَ (عليهما السلام) على عاتقه، فقال: هذان خير الناس أباً وأمّاً ; أبوهما عليّ… إلى أن قال: إنّ الله عزّوجلّ اختارنا أنا وعليّا وحمزة وجعفر يوم بعثني برسالته وكنت نائماً بالأبطح، وعليّ نائم عن يميني، وحمزة عن يساري، وجعفر عند رجلي، فما انتبهت إلاّ بحفيف أجنحة الملائكة، فنظرت فإذا أربعة من الملائكة وأحدهم يقول لصاحبه: يا جبرئيل، إلى أيّ الأربعة أُرسِلتَ؟ فرفسني برِجلي وقال: إلى هذا.
____________
1- تفسير عليّ بن إبراهيم 2: 13 تأويل الآيات 1: 269، تفسير نور الثقلين 3: 100 عنه.
الصفحة 131
قال: ومَن هذا؟!
قال: محمّد سيّد المرسلين.
قال: ومَن هذا عن يمينه؟!
قال: عليّ سيّد الوصيّين.
قال: ومن هذا عن يساره؟!
قال: حمزة سيّد الشهداء.
قال: ومن عند رجليه؟
قال: جعفر الطيّار في الجنَّة.(1)
وروى الشيخ الطوسي بإسناده عن إبراهيم بن صالح بن زيد بن الحسن، عن أبيه، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رقدتُ بالأبطح على ساعدي وعليٌّ عن يميني، وجعفر عن يساري، وحمزة عند رِجلي، قال: فنزل جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، ففزعت لخفق أجنحتهم. قال: فرفعت رأسي فإذا إسرافيل يقول لجبرئيل: إلى أيّ الأربعة بُعثتَ وبُعثنا معك؟ قال: فرفس برِجله فقال: إلى هذا… إلى آخر الرواية(2).
وروى المرشد بالله يحيى بن الحسين الشجري ـ من الزيديّة ـ في الأمالي الخميسيّة بإسناده عن ابن عباس، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في قول الله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} فإنّا أهل بيت مُطهَّرون من الذنوب، ألا وإن الله اختارني من ثلاثة من أهل بيتي على جميع أمّتي وأنّا سيّد الثلاثة، وسيّد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر.
____________
1- شرح الأخبار 1: 120 ـ 121 ح 46.
2- الأمالي للطوسي: 731 مجلس يوم الجمعة الثالث والعشرين من ذي الحجّة سنة 457 هـ.
الصفحة 132
قال أهل السدة: يا رسول الله، سَمِّ لنا الثلاثة نعرفهم؟ فبسط رسول الله كفَّه الطيّبة المباركة ثمّ حلق بيده، قال: اختارني وعليّاً وحمزة وجعفراً، كنا رقوداً بالأبطح ليس منّا إلاّ مسجّى بثوبه، عليّ عن يميني، وجعفر عن يساري، وحمزة عند رجلي، فما نبّهني من رقدتي غير حفيف أجنحة الملائكة وبرد ذراع عليّ تحت خدي، فانتبهت من رقدتي، وجبرئيل في ثلاثة أملاك، فقال له بعض الأملاك الثلاثة: يا جبرئيل، إلى أيّ هؤلاء الثلاثة أُرسِلتَ؟
فحرّكني برجله وقال: إلى هذا وهو سيّد ولد آدم.
فقال له أحد الثلاثة: ومَن هو، سمِّه؟
فقال: هذا محمّد سيّد المرسلين، وهذا عليّ خير الوصيّين، وهذا حمزة سيّد الشهداء، وهذا جعفر له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنّة حيث يشاء(1).
ولو حقّقنا في رجال الخبر المروي في تفسير عليّ بن إبراهيم ـ والذي رواه المرحوم شرف الدين الحسيني (من أعلام القرن العاشر) مسنداً في تاويل الآيات ـ لرأيناهم ثقات لم يرد فيهم جرح، ويؤيّده ما حكاه القاضي النعمان المصري في شرح الأخبار والطوسي والمرشد بالله في أماليهما، فنحن لو جمعنا هذين النصين مع ما جاء في الإمام عليّ وأنّه أحد سادات أهل الجنّة السبعة بنص رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنّ مثاله كان في الجنَّة وقد رأى ذلك رسول الله حينما أسري به إلى السماء، لعرفنا حقيقة أخرى كانت بنو أميّة تخفيها وتخاف نشرها وشيوعها بين الناس، بل سعت لطمسها وإبدالها بأخبار أخرى في الصحابة.
وإذا أردتَ أن تقف على جلية الأمر، فلاحِظْ أنّ هناك مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة، ومجموعة من الآيات الكريمة فسّرها الرسول الأكرم،
____________
1- الأمالي الخميسية 151.
الصفحة 133
وفيها تجد عليّاً وحمزة وجعفراً في إطار واحد لا ينفصلون، وعلى نسق فريد من الكرامة فيه لا يتفرقون.
فقد أخرج الحاكم وابن ماجة بسندهما عن أنس بن مالك أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: نحن بنو عبدالمطلب سادة أهل الجنّة ; أنا وعليّ وجعفر وحمزة والحسن والحسين والمهدي، ثمّ قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه(1).
وقد روى ابن عساكر بسنده عن حبشي بن جنادة، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: إنّ الله اصطفى العرب من جميع الناس، واصطفى قريشاً من العرب، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني واختارني في نفر من أهل بيتي: عليّ وحمزة وجعفر والحسن والحسين(2).
وقد روى عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خير الناس حمزة وجعفر وعليّ(3).
وروى الحاكم الحسكاني بسنده عن عبدالله بن عباس، في قول الله تعالى {أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ} (4)، قال: نزلت في حمزة وجعفر وعليّ، وذلك أنّ الله سبحانه وتعالى وعدهم في الدنيا الجنّة على لسان نبيّه (صلى الله عليه وآله)، فهؤلاء يلقون ما وعدهم الله في الآخرة(5)…
____________
1- المستدرك على الصحيحين 3: 211 والنصّ عنه، وهو في سنن ابن ماجة 2: 1368 باب خروج المهديّ ح 4087، وفيه: “نحن ولد عبدالمطّلب”… ونحو الأوّل في طبقات المحدّثين بإصفهان 2: 291، وأيضاً في سبل الهدى والرشاد 11: 7.
2- كنز العمّال 11: 756، ح 3368، عن ابن عساكر.
3- شرح نهج البلاغة 15: 72.
4- القصص: 61.
5- شواهد التنزيل 1: 564، ح 601. وانظر: نهج الإيمان 514.
الصفحة 134
وروى الحاكم الحسكاني أيضاً بسنده عن عبدالله بن عبّاس في قول الله تعالى {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ} (1)، يعني عليّاً وحمزة وجعفرا {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ} يعني حمزة وجعفرا {وَمِنْهُم مَن يَنظُرُ} يعني عليّاً كان ينتظر أجله والوفاء لله بالعهد والشهادة في سبيل الله، فوالله لقد رزق الشهادة(2).
وبإسناده أيضاً عن زيد، قال: سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ، قلت له: أخبرني عن قوله تعالى {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ} (3)، قال: نزلت في عليّ وحمزة وجعفر(4)…
فهؤلاء الثلاثة كانوا يحوطون النبيّ كما تحوط عينَ الناظر الهُدُبُ، وكانوا هم عماد المدافعين عنه في أوائل الدعوة الإسلاميّة، وقد أعلنوا إسلامهم بكل جرأة وتحدّ للحشود القرشية المتظافرة على الفتك برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وها قد رأيت الأحاديث النبوية الشريفة والآيات القرآنية الكريمة كيف تعدهم لئالئ في سلك ونظام واحد، فلماذا يحذف اسم “عليّ” من هذه الكوكبة؟! ما يكون ذلك إلاّ من صنيع المبغضين له والأمويين ومن لفّ لفَّهم، ويكفيك هذا دليلاً دامغاً على أنّ (نهج الأذان المنامي) حاول التعتيم على الحقيقة المحمدية العلوية، وحاول القضاء على (نهج الأذان السماوي)، فلم يتمكنوا من ذلك.
وهؤلاء الثلاثة ـ عليّ وحمزة وجعفر ـ كانت فضائلهم متماسكة متناسقة حتّى سارت على السنة الشعراء، فقد قال الكميت في بائيته الرائعة:
____________
1- الأحزاب: 23.
2- شواهد التنزيل 2: 6، ح 628. وانظر: التبيان 5: 318، وتفسير القمّي 2: 188.
3- الحجّ: 40.
4- شواهد التنزيل 1: 521، ح 552.
الصفحة 135

أولاك نبيّ الله منهم وجعفر وحمزة ليث الفَيلقَين الُمجرَّبُ
هُمُ ما هُمُ وتراً وشَفعاً لقومِهم لفقدانهم ما يُعذَرُ المُتَحَوِّبُ
قتيل التَّجوبي الذي استوأرت به يساق به سَوقاً عنيفاً ويجنبُ

قال شارح القصيدة: قتيل التجوبي هو عليّ بن أبي طالب، وتجوب قبيلة وهم في مراد(1).
ولمّا هجا أحدُ الشعراء ـ من ولد كريز بن حبيب بن عبدشمس ـ محمّد بن عيسى المخزومي، أجابه شاعرٌ آخر فذكر معايب بني عبدشمس وأنهم لم يكن لهم ما يذكر في الجاهلية من أمر اللواء والندوة والسقاية والرفادة، وذكر حقدهم على النبيّ وآل النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فقال:

لا لواءٌ يُعدّ يا بن كريز لا ولا رِفْدُ بيتِه ذي السَّناءِ
لا حجابٌ وليس فيكم سِوى الكبـ ر وبُغضِ النبيِّ والشهداءِ
بين حاك ومُخْلج وطريد وقتيل يَلْعَنْهُ أهلُ السماءِ
ولهم زمزمٌ كذاك وجِبريـ ـلُ ومجدُ السقايةِ الغَرّاءِ

قال ابن أبي الحديد: قال شيخنا أبو عثمان: فالشهداء عليّ وحمزة وجعفر، والحاكي والمخلج هو الحكم بن أبي العاص… والطريد اثنان: الحكم بن أبي العاص ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وهما جدّا عبدالملك بن مروان من قبل أمّه وأبيه(2)…
وعلى كلّ حال، فإن المنصف لا يرتاب في أنّ الأذان كان تشريعه سماوياً لا رؤيؤيا، وكان عليّ وحمزة وجعفر، محيطين بالنبيّ (صلى الله عليه وآله)، لكن الحكومات
____________
1- الروضة المختارة 40.
2- انظر: شرح نهج البلاغة 15: 198 ـ 199.
الصفحة 136
والسياسات حذفت اسم عليّ (عليه السلام) محاوِلةً إبعاد هذه المكرمة عنه وهي أقرب إليه من حبل الوريد، وهذه ليست أوّل فعلة من فعلات المحرّفين، بل لها نظائر ونظائر إلى ما شاء الله.
وما ذكرهم مثال بلال وغيره من الصحابة في خبر الإسراء والمعراج وتركهم ذكر مثال عليّ إلاّ شاهد آخر على ما حرفوا في الأذان السماوي، الذي تبناه عليّ وأولاده وأصحابه.
فقد روى مضمون ذلك جابر بن عبدالله الانصاري، وأبو أمامة الباهلي، وبريده، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وسهل بن سعد الساعدي عن رسول الله بنصوص متقاربة.
فأمّا ما رواه جابر ـ فقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما(1)، وأبو داود الطيالسي(2)، وأحمد(3) في مسنديهما، وابن حبان في صحيحه(4) ـ والنص للبخاري ـ وهو:
قال رسول الله: أُريتني دخلت الجنَّة، فإذا أنا بالرميضاء امرأة أبي طلحة، وسمعت خشفة فقلت: من هذا؟
قال [جبرئيل]: هذا بلال. قال: ورأيت قصراً بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقال: لعمر، فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك.
____________
1- صحيح البخاري والنصّ عنه 5: 70 ح 199، باب مناقب عمر بن الخطاب، وانظر: صحيح مسلم 4: 1908 ح 2457 باب من فضائل أمّ سليم أمّ أنس بن مالك وبلال، وانظر: صحيح مسلم 4: 1862 باب فضائل عمر بن الخطّاب ح 2394.
2- مسند أبي داود الطيالسي 238 ح 1715 و1719، ما رواه محمد بن المنكدر عن جابر.
3- مسند أحمد 3: 389 ـ 390.
4- صحيح بن حبّان 15: 309 في ذكر قصر عمر في الجنّة، وص 559 في ذكر ايجاب الجنّة لبلال و16: 161 في ذكر أمّ حرام في الجنّة.

فقال عمر: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، أعليك أغار؟!
وفي رواية أبي أمامة التي رواها أحمد في مسنده(1) والطبراني في الكبير(2)والهيثمي في مجمع الزوائد(3) ـ والنصّ عن أحمد ـ قال: قال رسول الله: دخلت الجنَّة فسمعت فيها خشفة بين يدي، فقلت: ما هذا؟ قال: بلال.
قال: فمضيت فإذا أكثر أهل الجنَّة فقراء المهاجرين(4) وذراري المسلمين ولم أرَ أحداً أقلّ من الأغنياء والنساء… ثمّ خرجنا من أحد أبواب الجنَّة الثمانية، فلمّا كنت عند الباب أتيت بكُفّة فوُضعت فيها ووُضِعت أمّتي في كفّة، فرجحتُ بها، ثمّ أتي بأبي بكر فوضع في كفّة وجيء بجميع أمّتي في كفّه فوضعوا فرجح أبو بكر، وجيء بعمر فوضع في كفّة وجيء بجميع أمّتي فوضعوا فرجح عمر، وعرضت أمّتي رجلاً رجلاً(5) فجعلوا يمرّون فاستبطأت عبدالرحمن بن عوف، ثمّ جاء بعد الأياس…
وأمّا رواية عبدالله بن بريدة عن أبيه والتي أخرجها الطبراني في الكبير(6)وابن أبي شيبة في المصنّف(7) وابن حبّان في الصحيح(8) وأحمد في المسند(9)والترمذي في السنن(10) وابن خزيمة في الصحيح(11) والحاكم في المستدرك(12)
____________
1- مسند أحمد 5: 259.
2- المعجم الكبير 8: 281 ح 7923 باختصار، مسند الروياني 2: 277.
3- مجمع الزوائد 9: 59، 10: 262.
4- لا يفوتك عدم ذكر الأنصار في هذا الحديث.
5- لاحظ عدم ذكر عثمان وعليّ في هذا الحديث فقد يكون للخوارج يد في وضعه.
6- المعجم الكبير 1: 337 ـ 338 ح 1012.
7- المصنّف لابن أبي شيبة 6: 399 ح 32325.
8- صحيح ابن حبّان 15 ـ 561، 562.
9- مسند أحمد 5: 354 و360.
10- سنن الترمذي 5: 620 ح 3689.
11- صحيح ابن خزيمة 2: 214 ح 1209.
12- المستدرك على الصحيحين 1: 313 و3: 285.
الصفحة 138
ـ والنصّ للترمذي ـ فهي، قال: أصبح رسول الله فدعا بلالاً، فقال: يا بلال، بم سبقتني إلى الجنَّة؟ ما دخلت الجنَّة قطّ إلاّ سمعت خشخشتك أمامي.
وأمّا ما رواه أنس بن مالك ـ والذي جاء في مسند عبد بن حميد(1) ـ فهو: قال أنس: قال رسول الله: دخلتُ الجنّة فسمعت خشفة فقلت: ما هذه؟ فقالوا: هذا بلال، ثمّ دخلت الجنّة فسمعت خشفة، فقلت: ما هذه؟ قالوا: هذه الغميضاء بنت ملحان وهي أمّ سليم أمّ أنس بن مالك.
وأمّا ما رواه أبو هريرة ـ والذي أخرجه البخاري(2) ومسلم(3) وابن حبّان(4) في صحاحهم، وابن عساكر في تاريخ دمشـق(5) ـ فهو: أن النبيّ قال لبلال عند صلاة الفجر: يا بلال، حدّثني بأرجى عمل عملتَه في الإسلام فإني سمعت دفّ نعلَيك بين يدَيّ في الجنَّة، قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أنيّ لم أتطهّر طهوراً في ساعة ليل أو نهار إلاّ صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلّي.
وأمّا رواية سهل بن سعد ففيها: قال: قال رسول الله: دخلت الجنَّة فإذا منظر آت فنظرت فإذا هو بلال(6)..
كلّ هذه النصوص ظاهرة في أنّه (صلى الله عليه وآله) رأى ذلك في معراجه إلى السماء، وهناك نصّان آخران يوضحان ذلك ; فقد روى الطبراني في الكبير بإسناده عن وحشي بن حرب، عن أبيه، عن جدّه: أنّ رسول الله لمّا أسري به في الجنَّة سمع
____________
1- منتخب مسند عبد بن حميد 399 ح 1346.
2- صحيح البخاري 2: 499 كتاب التهجّد بالليل، باب فضل الطهور بالليل والنهار، ح 1074 والنصّ عنه، وج 5: 93 كتاب فضائل أصحاب النبيّ باب مناقب بلال بن أبي رباح.
3- صحيح مسلم 4: 1910 باب من فضائل بلال ح 2458.
4- صحيح ابن حبّان 15: 565.
5- تاريخ دمشق 10: 453 ـ 454.
6- مسند أحمد 2: 333.
الصفحة 139
خشخشة، فقال: يا جبرئيل، ما هذه الخشخة؟ قال: هذا بلال.
قال أبو بكر: ليت أمّ بلال ولدتني وأبو بلال وأنا مثل بلال(1) رواه الطبراني ورجاله ثقات.
وفي مسند أحمد(2) ومجمع الزوائد(3) والأحاديث المختارة(4) وتفسير ابن كثير(5) عن ابن عبّاس، والنصّ لأحمد: بسنده عن ابن عبّاس، قال: ليلة أسري بنبيّ الله (صلى الله عليه وآله) ودخل الجنَّة فسمع من جانبها وَجساً، قال: يا جبرئيل، ما هذا؟ قال: هذا بلال المؤذّن.
فهذه النصوص تشير إلى وجود مثال بلال في الجنّة وإن جدّ بعض الأعلام إلى تضعيفها(6) وحملها على كونها كانت في المنام لا اليقظة، لكنّهم بهذا التعليل أو ذاك لا يمكنهم التقليل من حجيّتها عند القائلين بها، وذلك لحجيّة رؤيا الأنبياء عند جميع المسلمين، وقد يكون ما رآه الرسول معنى آخر لتجسّم الأعمال والذي يذهب إلى القول به جماعة من المسلمين.
وبعد هذا فلا مانع من أن نذكر بعض الروايات الدالّة على وجود اسم عليّ في العرش والكرسي، والتي لا نستبعد أن تكون حكومة الأمويين وضعت الأحاديث الآنفة في مقابلها، محاولةً منهم لطمس فضائل عليّ والتقليل من أهمّيتها، وذلك طبق المنهج الذي رسموه وخططوه في ذلك كما تقدم بيانه، إذ أن حديث رجحان كفّة أبي
____________
1- المعجم الكبير 22: 137، مجمع الزوائد 9: 299.
2- مسند أحمد 1: 257.
3- مجمع الزوائد 9: 300.
4- الأحاديث المختارة 9: 552.
5- تفسير ابن كثير 3: 14.
6- فيض القدير 3: 517، فتح الباري 3: 26 ـ 27، نيل الاوطار 3: 81، تحفة الاحوذي 10: 120.
الصفحة 140
بكر وعمر على كفّة الناس أجمعين هو تحريف للحديث الثابت عن رسول الله: ضربة عليّ يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين(1)، وإليك الان بعض تلك الروايات المشيرة إلى وجود اسم الإمام عليّ على ساق العرش:
روى الصدوق في “من لا يحضره الفقيه” عن عليّ (عليه السلام)، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال في وصية له: يا عليّ، إنّي رأيت اسمك مقروناً باسمي في ثلاثة مواطن، فأنست بالنظر إليه، إني لمّا بلغت بيت المقدس في معراجي إلى السماء وجدت على صخرتها “لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره”.
فقلت لجبرئيل: مَن وزيري؟
قال: عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
فلما انتهيت إلى سدرة المنتهى وجدتُ مكتوباً عليها: “إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا وحدي، محمّد صفوتي من خلقي، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره”، فقلت لجبرئيل: مَن وزيري؟ فقال: عليّ بن أبي طالب.
فلمّا جاوزتُ سِدرةَ المنتهى انتهيت إلى عرش ربّ العالمين جلّ جلاله، فوجدت مكتوباً على قوائمه: “إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا وحدي، محمّد حبيبي، أيّدته بوزيره ونصرته بوزيره”(2).
وفي كتاب كمال الدين وتمام النعمة للصدوق بإسناده إلى وهب بن منبّه، رفعه عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله لعليّ: لمّا عرج بي ربيّ جلّ جلاله أتاني النداء: يا محمّد.
____________
1- شرح المقاصد للتفتازاني 5: 298.
2- من لا يحضره الفقيه 4: 373 ـ 374، وفي تاريخ دمشق 47: 344 بسنده عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال النبي(صلى الله عليه وآله): لما عُرج بي رأيت على ساق العرش مكتوباً: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله أيّدته بعليّ ونصرته بعليّ.
الصفحة 141
قلت: لبيّك ربَّ العظمة لبيّك، فأوحى الله إليَّ: يا محمّد، فيمَ اختصم الملأ الأعلى؟
فقلت: إلهي، لا علم لي.
فقال: يا محمّد، هلاّ اتَّخذت من الآدميّين وزيراً وأخاً ووصيّاً من بعدك؟
قلت: إلهي، ومَن أتّخذ؟ تخيَّرْ أنت يا إلهي. فأوحى الله إليّ: يا محمّد، قد اخترتُ لك من الآدميّين عليّ بن أبي طالب.
فقلت: إلهي، ابن عمّي؟
فأوحى الله إليّ: يا محمّد، إنّ عليّاً وارثك ووارث العلم من بعدك، وصاحب لوائك لواء الحمد يوم القيامة، وصاحب حوضك يسقي مَن ورد عليه من مؤمني أمّتك.
ثمّ أوحى الله إليّ: يا محمّد، إنّي قد أقسمت على نفسي قسماً حقاً، لا يشرب من ذلك الحوض مُبغض لك ولأهل بيتك وذريّتك الطيّبين الطاهرين، حقّاً أقول يا محمّد: لأُدخِلنّ جميع أمّتك الجنَّة إلاّ مَن أبى من خلقي، فقلت: إلهي، هل واحد يأبى من دخول الجنَّة؟
فأوحى الله إلي: بلى.
فقلت: وكيف يأبى؟
فأوحى الله إلي: يا محمّد، اخترتُك من خلقي، واخترتُ لك وصيّاً من بعدك، وجعلته منك بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدك، وألقيت محبّته في قلبك، فجعلته أباً لولدك، فحقّه بعدك على أمّتك كحقّك عليهم في حياتك، فمن جحد حقّه فقد جحد حقّك، ومن أبى أن يواليه فقد أبى أن يواليك، ومن أبى أن يواليك فقد أبى أن يدخل الجنّة، فخَرَرتُ لله ساجداً شكراً لما أنعم عليّ… والخبر
الصفحة 142
طويل اكتفينا منه بهذا المقدار(1).
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم بإسناده عن أبي بردة الأسلمي، قال: سمعت رسول الله يقول لعليّ: يا عليّ، إنّ الله أشهَدَك معي في سبع مَواطن: أمّا أوّل ذلك فليلة أُسري بي إلى السماء، قال لي جبرئيل: أين أخوك؟
فقلت: خلّفته ورائي.
قال: ادعُ الله فليأتك به، فدعوتُ الله وإذا مِثالُك معي وإذا الملائكة وقوف صفوف، فقلت: يا جبرئيل، من هؤلاء؟ قال: هم الذين يباهيهم الله بك يوم القيامة، فدنوت فنطقت بما كان وما يكون إلى يوم القيامة.
والثاني حين أُسري بي من المرّة الثانية، فقال لي جبرئيل: أين أخوك؟ فقلت: خلّفته ورائي، فقال: ادعُ الله فليأتك به، فدعوتُ الله فإذا مثالك معي، فكُشِط لي عن سبع سماوات حتّى رأيت سُكّانها وعُمّارها وموضع كلّ ملك منها… إلى أن قال:
وأمّا السادس: لمّا أُسري بي إلى السماء جمع الله لي النبيّين فصلّيت بهم ومثالك خلفي(2).
وفي عيون أخبار الرضا، بسنده عن أمير المؤمنين، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لمّا أسري بي إلى السماء أوحى إليّ ربّي جلّ جلاله فقال: يا محمّد، إنّي اطّلعتُ إلى الأرض اطّلاعةً فاخترتك منها فجعلتك نبيّاً، وشَقَقتُ لك من اسمي اسماً، فأنا المحمود وأنت محمّد.
ثمّ اطّلعت الثانية فاخترت منها عليّاً وجعلته وصيّك وخليفتك وزوج ابنتك وأبا ذريّتك، وشَقَقْتُ له أسماً من أسمائي ; فأنا العليّ الأعلى وهو عليّ.
____________
1- كمال الدين وتمام النعمة 250 ـ 251 وانظر: تفسير نور الثقلين 4: 470.
2- تفسير عليّ بن إبراهيم 2: 335 ـ 336 في تفسير سورة النجم وعنه في تفسير نور الثقلين 5: 158 سورة النجم ح 55.
الصفحة 143
وجعلت فاطمة والحسن والحسين من نوركما، ثمّ عرضت ولايتهم على الملائكة، فمَن قَبِلها كان عندي من المقرّبين(1)…
وفي كمال الدين وتمام النعمة، بإسناده إلى عبدالسلام بن صالح الهروي، عن عليّ بن موسى الرضا، عن آبائه، عن عليّ: عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في حديث طويل، قال فيه:… فنظرت ـ وأنا بين يَدَي ربّي ـ إلى ساق العرش، فرأيتُ اثني عشر نوراً، في كلّ نور سطر أخضر مكتوب عليه اسم كلّ وصيّ من أوصيائي، أولهم عليّ بن أبي طالب وآخرهم مهديّ أمّتي.
فقلت: يا ربّ، أهولاء أوصيائي مِن بَعدي؟ فنُوديتُ: يا محمّد، هؤلاء أوليائي وأحبّائي وأصفيائي وحجّتي بعدك على بريّتي، وهم أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك. وعزّتي وجلالي لأظهرنّ بهم دِيني، ولأُعلينّ بهم كلمتي، ولأطهرنّ الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأملّكنّه مشارق الأرض ومغاربها، ولأسخرنّ له الرياح، ولأذللنّ له الرقاب الصِّعاب، ولأرقينّه في الأسباب، ولأنصرنّه بجندي، ولأمدنّه بملائكتي حتّى يُعلن دعوتي ويجمع الخلق على توحيدي، ثمّ لأديمنّ ملكه، ولأداولنّ الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة(2).
وفي أصول الكافي، بإسناده عن الإمام عليّ (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال:… فإنه لمّا أسري بي إلى السماء الدنيا فنسبني جبرئيل لأهل السماء استودع الله حبّي وحبّ أهل بيتي وشيعتهم في قلوب الملائكة، فهو عندهم وديعة إلى يوم القيامة(3)…
وقد مر عليك خبر سدير الصيرفي وعمر بن أُذينة في الإسراء والمعراج، وقول
____________
1- عيون أخبار الرضا 2: 61.
2- كمال الدين وتمام النعمة 256.
3- الكافي 2: 46 كتاب الإيمان والكفر، باب نسبة الإسلام ح 3.
الصفحة 144
الإمام الصادق للاخير: يا عمر، ما ترى هذه الناصبة في أذانهم وركوعهم وسجودهم؟! نحن جئنا بهذه النصوص كي نؤكد على صحّة ما قاله الإمام الصادق عن النواصب ودورهم في تحريف الأمور وخصوصاً المسائل التي فيها اسم الإمام عليّ بن أبي طالب وأهل بيت الرسول، وان تحريفاتهم لا تقتصر على مفردة أو مفردتين في التاريخ والشريعة، بل شملت جميع مراحل التشريع من الاسراء حتّى ما لا نهاية، وإنّك لو مررت بالتاريخ والحديث ودرستهما دراسة واقعية بعيداً عن التعصب لوافقتنا فيما قلناه وستقف على عشرات الروايات الدالّة على مكانة الإمام عليّ والتي سنتعرض لها في الشهادة الثالثة لاحقاً بإذن الله تعالى.
نحن لا نريد التفصيل في مثل هذه الموارد، بل نذكّر القارئ الكريم بما مرّ عليه من كلام شيخ ابن أبي الحديد من أنّ الأمويّين سـعوا إلى تحريف الفضائل الثابتة في عليّ وجعلها في عثمان وأبي بكر وعمر، ونحن لو تابعنا السير التاريخي لوقفنا على التحريف اللفظي والمعنوي لبني أميّة، فكما أنهم جعلو اللعنة سمة وشرفاً للملعونين!! فقد أوّلوا كلام الرسول في معاوية (لا أشبع الله بطنك) بأنّه دعا له بأنّه سيأتي يوم القيامة خميص البطن لا شيء عليه(1).
وخير مثال على التحريف المعنوي هو ما أشاعه معاوية في واقعة صفّين عند
____________
1- والاغرب من هذا ما قاله ابن كثير في البداية والنهاية 8: 123، وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه واخراه.
أمّا في الدنيا فإنّه لما صار إلى الشام اميراً كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع اكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً ويقول والله ما اشبع وانما اعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك.
وأمّا في الآخرة… فإن رسول الله قال: اللهم انما أنا بشر فإيما عبد سببته أو جلدته أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة… وهذا الحديث فضيلة لمعاوية.
الصفحة 145
مقتل عمّار بن ياسر ـ لمّا تناقل الجندُ كلامَ رسول الله “تقتلك الفئة الباغية” ـ بأن الإمام عليّ بن أبي طالب هو القاتل له حيث أخرجه وزجّ به في المعركة، ولما سمع الإمام عليّ بن أبي طالب بهذه المقالة قال ما مفاده: وعلى هذا الكلام يكون رسول الله هو الذي قتل حمزة لأنّه أخرجه لحرب المشركين!(1)
وأقبح منه ما روي أنّه قال لأهل الشام: إنّما نحن الفئة الباغية التي تبغي دم عثمان(2)!
فللأمويين تحريفات لفظية وتحريفات معنوية كثيرة، وإنّ هذه الدراسة تريد أن توضح أمثال هذه الأمور في الشريعة والتاريخ وانعكاساً على الأذان هنا.
فلا يجوز حمل بعض التحقيقات حول الأمويين وعقيدتهم في الاسراء والمعراج و… على الإسهاب والخروج عن البحث، بل ما كتبناه هو المقصود، ولولاه لما فهمنا ملابسات التشريع الذي نحن بصدد بيانه.
بلى، إنّهم لم يكونوا يحبّون آل الرسول، بل لم يحبّوا كلّ من أحبّه الرسول، بل كانوا يتعاملون مع آل الرسول بالشدة والبغض، فقد ذكر المناوي في فيض القدير، وكذا القرطبي في تفسيره واقعة دارت بين مروان بن الحكم وأسامة بن زيد.
وأسامة كان ممن يحبهم رسول الله ـ حسب نص القرطبي وغيره ـ وكان الخليفة عمر بن الخطاب أعطاه خمسة آلاف درهم ولابنه عبدالله ألفي درهم، فسأل عبدالله عن سر ذلك فأجابه عمر أنّه فعل ذلك لمحبة رسول الله له.

قال القرطبي: وقد قابل مروان هذا الواجب (أي محبّة مُحِبِّ رسول الله) بنقيضه، وذلك أنّه مرّ بأسامة وهو يصلّي بباب بنت رسول الله.

____________
1- أنظر: توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار للصنعاني ج2: 257 ط دار احياء التراث.
2- الإمامة والسياسة 1: 146.
الصفحة 146

فقال مروان: إنّما أردت أن تُري الناس مكانك، فقد رأينا مكانك! فَعَل الله بك وفعل، وقال قولاً قبيحاً.

وقال له أسامة: آذيتني وإنّك فاحش متفحّش، وقد سمعتُ رسول الله يقول: إنّ الله يُبغض الفاحش المتفحش.

فانظر ما بين الفعلين وقِس ما بين الرجلين، فلقد آذى بنو أميّة رسول الله في أحبابه وناقضوه في مَحابّه(1).

وعليه فالذي يجب القول به هنا، هو أنّ خبر الإسراء ثابت بالكتاب، والمعراج ثابت بالسنة ـ وإن لم يفرّق البعض بينهما فأطلق الإسراء على كليهما تساهلاً ـ وهذا ما جعل المجال مفتوحاً للإجمال والتفصيل والتلاعب والتشكيك في خبر المعراج أكثر من أخبار الإسراء.
فهل يرجع إجمالهم في نقل أخبار المعراج إلى عدم وقوفهم على نقول أهل بيت الوحي والنبوة؟ أم يرجع إلى أنّهم أجملوا ذلك عن قصد وعمد؟ لعلّك عرفت جواب هذا السؤال ممّا مرّ، فأغنى ذلك عن الإطالة.
وبهذا يكون ما كتبناه هو أشارة إلى دواعي الأمويين ومن لفّ لفهم في تحريف خبر الأذان، وكيف ربطوا خبر الإسراء والمعراج بالشجرة الملعونة، مدّعين أنّها شجرة الزقوم، بل كيف ربطوها بمسائل أخرى وقضايا مصيرية في الشريعة والتاريخ، كلّ ذلك للتشكيك في مقام الرسول (صلى الله عليه وآله) والقول بأنّ منامه المعراجي هذا يشابه الأذان ويحتاج إلى شاهد لتثبيت صحته.
____________
1- تفسير القرطبي 14: 240، وعنه في فيض القدير 1: 618.

شاهد أيضاً

0

الأذان بين الأصالة والتحريف (لـ علي الشهرستاني)15

فلا شيء عليه(1). وقال ابن البراج (ت 481 هـ) في مهذبه: ويستحب لمن أذّن أو ...