الرئيسية / مقالات اسلامية / عقيدتنا / النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والمهدي (عليه السلام)
14720606_1131220746915011_7365214312137008187_n

النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والمهدي (عليه السلام)

المحاضرة الثالثة:النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم) والمهدي(عليه السلام)- السيد منير الخبار

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم:

(وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (الأنبياء: 107).

وانطلاقاً من الآية المباركة نتحدَّث عن محاور ثلاثة:
المحور الأوّل: الحقيقة المحمّدية والرحمة:

كثير منّا سمع أو قرأ هذا المصطلح وهو مصطلح الحقيقة المحمّدية, فما معنى الحقيقة المحمّدية؟ وحتَّى نفهم هذا المصطلح نذكر أموراً ثلاثة:

الأمر الأوّل: يقول الفلاسفة: كلّ موجود يمرّ بمرحلتين من الوجود: الوجود الإجمالي، والوجود التفصيلي.

مثلاً الشجرة المثمرة وجودها تفصيلي فلها ساق وأغصان وثمار, لكنَّها كانت موجودة قبل هذا الوجود بوجود آخر وهو الوجود الإجمالي المختصر في البذرة, وهكذا الإنسان الذي غزى الفضاء وسيطر على الكون قبل أن يوجد بوجوده التفصيلي كان موجوداً بوجود إجمالي ضمن نطفة, ثمّ تحوَّل الآن إلى وجود تفصيلي جسد وعقل ومشاعر:

ما بال من أوّله نطفة

وجيفة آخره يفخرُ

حتَّى القرآن الكريم مرَّ بهاتين المرحلتين، فهذا القرآن الذي نقرأه الآن وجود تفصيلي وسور وآيات وأوامر ونواهي، لكن كان له وجود إجمالي في الكتاب المكنون، والقرآن الكريم نفسه يفصح عن هذه الحقيقة، يقول: (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود: 1)، ويقول أيضاً: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ) (الواقعة: 77 _ 79).

فكلّ شيء مرَّ بوجودين، وجود إجمالي ووجود تفصيلي، وقد صرَّح القرآن الكريم بهذا المعنى فقال: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) (الحجر: 21)، وقال في آية أخرى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) (القمر: 49)، أي وضعنا له حدوداً وقدراً عندما أنزلناه إلى عالم الوجود المادي.

وأيضاً هذا الوجود كلّه من أصغر ذرّة إلى أعظم مجرَّة بسماواته بأرضيه بنجومه بشموسه، كان موجوداً وجوداً إجمالياً قبل أن يوجد وجوداً تفصيلياً فهو قد مرَّ بمرحلتين: مرحلة وجود إجمالي مختصر يسمّى بـ (الفيض الأقدس) بتعبير الفلاسفة، ثمّ تحوَّل إلى وجود تفصيلي أصبح سماءاً وأرضاً وشمساً وقمراً وإنساناً وجماداً وحيواناً ونباتاً وسمّي بـ (الفيض المقدَّس), وهذا الوجود التفصيلي سيرجع مرَّةً ثانيةً يوم القيامة إلى الوجود الإجمالي المختصر، قال تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) (الأنبياء: 104).

الأمر الثاني: ورد في تراثنا الإسلامي شيء يسمّى بـ (عالم الأنوار) بمعنى أنَّ الله خلق محمّداً وآل محمّد من نور قبل أن يخلق الكون، فعن الإمام الباقر (عليه السلام): (… أمَا علمت أنَّ محمّداً وعلياً صلوات الله عليهما كانا نوراً بين يدي الله عز وجل قبل خلق الخلق بألفي عام؟…)(14)، وأنت تقرأ في زيارة الجامعة: (خَلَقَكُمُ اللَّهُ أنْوَاراً فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحْدِقِينَ)(15)، وفي زيارة الإمام الحسين (عليه السلام): (أشْهَدُ أنَّكَ كُنْتَ نُوراً فِي الأصْلابِ الشَّامِخَةِ وَالأرْحَام الْمُطَهَّرَةِ)(16).

وعالم الأنوار هو الذي سمَّيناه (الفيض الأقدس) وهو الذي سمَّيناه (الوجود الإجمالي)، وهذا الوجود الإجمالي للكون هو نور محمّد وآل محمّد، إذن أوّلاً خلق الله المادة النورية المسمّاة بنور محمّد وآل محمّد المسمّاة بالوجود الإجمالي المسمّاة بالفيض الأقدس، ثمّ أفاض منها الوجود كلّه فتحوَّل الوجود بتلك المادة النورية إلى وجود تفصيلي، هذا هو الحقيقة المحمّدية.

الهوامش:

(1) راجع: تفسير الميزان 15: 381.

(2) تأويل الآيات 1: 403/ ح 6؛ بحار الأنوار 51: 59/ ح 56.

(3) تفسير القمي 2: 129؛ بحار الأنوار 51: 48/ ح 11.

(4) المزار لابن المشهدي: 579/ الدعاء للندبة.

(5) تفسير الثعلبي 8 : 314.

(6) مصباح المتهجّد: 366/ الرقم (492/103).

(7) أنظر: البداية والنهاية 3: 166 – 168؛ السيرة الحلبية 2: 53 – 58.

(8) مناقب آل أبي طالب 3: 295.

(9) أمالي الصدوق: 131/ ح (119/4).

(10) الكافي 2: 636/ باب ما يجب من المعاشرة/ ح 5.

(11) مشكاة الأنوار: 134؛ بحار الأنوار 85 : 119/ ح 83 .

(12) المزار لابن المشهدي: 581 و582/ الدعاء للندبة.

(13) المزار لابن المشهدي: 584/ الدعاء للندبة.

(14) علل الشرائع 1: 174/ باب 139/ ح 1.

(15) المزار لابن المشهدي: 529.

(16) مصباح المتهجّد: 721/ الرقم (806/75).

والمحقّق الأصفهاني أستاذ سيّدنا الإمام الخوئي (قدس سرهما) يقول في حقّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم):

وقد تجلّى من سماء العظمه

من عالم الأسماء أسمى كَلِمَهْ

إذن عرفنا أنَّ الحقيقة المحمّدية هي الوجود الإجمالي، وبما أنَّ الوجود الإجمالي هو الرحمة لأنَّ الرحمة هي الوجود، قال تبارك وتعالى: (الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) (طه: 50)، نعرف أنَّ الحقيقة المحمّدية هي: الرحمة العامّة, وبالتالي فقد وصلنا إلى معنى من معاني الآية: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (الأنبياء: 107).

ما هي علاقة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعالمين؟ عالم السماء, عالم الأرض, عالم الجنّ, عالم الملائكة, عالم النبات, عالم الجماد، عالم الحيوان، إنَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر خلق على الأرض وأرسل إلى المجتمع البشري, فما هي علاقته بالعالمين؟

والجواب يتَّضح على ضوء المعنى الذي ذكرناه وهو الحقيقة المحمّدية، لأنَّ النبيّ نور خلق قبل الكون باعتباره الوجود الإجمالي والفيض الأقدس الذي خلق قبل الكون، ومنه وجد الكون وأفيض الكون، لذلك كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) (رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) لجميع العالمين.

الأمر الثالث: يقول علماء العرفان: (لكلّ حقيقة رقيقة)، ويُقصد بها أنَّ لكلّ حقيقة مدداً ونبعاً يمدّها، وذلك النبع الذي يمدّها هو الرقيقة، ولتقريب الفكرة فإنَّ المصباح حقيقة لكن الرقيقة هو المدد الذي يمدّه بالضوء وهو الطاقة الكهربائية، فكلّ حقيقة لها رقيقة، قال تعالى: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) هذه كلّها حقيقة، والرقيقة، (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ) الشجرة هي النبع وهي الرقيقة، (مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ) (النور: 35)، فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الرقيقة لكلّ الحقائق وهو الشجرة المباركة وليس كما يصوّره بعض كتب إخواننا أهل السُنّة: (محمّد يحكّ المني من ثوبه)(1)، و(نام عن صلاة الصبح)(2)، إنَّما محمّد هو الرحمة العامّة للعالمين جميعاً، محمّد هو الوجود والفيض الأقدس الذي سبق هذا الكون وأفيض منه هذا الكون، هذه هي الحقيقة ولكن من يشعر برقيقة هذه الحقيقة؟ ومن يشعر بلذّة النور المحمّدي؟ إنَّ الذي يشعر به خواصّ من الناس وهم المحسنون، قالت الآية المباركة: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف: 56)، وقال تبارك وتعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) (الأعراف: 156).

عندنا حديث مشهور يلفت الانتباه، فقد ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال: (أوّلنا محمّد، وأوسطنا محمّد، وآخرنا محمّد)(3)، وقد يتصوَّر البعض أنَّ النبيّ بصدد بيان الأسماء، ولكن الصحيح هو أنَّ الحديث بيان لمراحل الحقيقة المحمّدية، حيث إنَّ الحقيقة المحمّدية نور يمرُّ بمراحل، هذا النور له مبدأ، وله وسط، وله منتهى، ومبدأ هذا النور الذي سرى نزل من السماء إلى الأرض هو المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنَّه هو الذي بذر بذرة الدعوة، ووسط هذا النور الإمام الباقر الذي بقر العلم بقراً لأنَّ على يده تأسَّست دعائم المذهب، والمنتهى هو الذي يحقّق الدولة التامّة والعدالة التامّة على الأرض كلّها، وهو الذي بيده تظهر ثمرة جهود الأنبياء وجهود المرسلين وتضحيات الأولياء والأوصياء، قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) (القصص: 5)، إذن الأخير هو الذي يحقّق الثمرة المطلوبة.

من هنا نعرف أنَّ الإمام المنتظر (عليه السلام) هو امتداد لجدّه المصطفى، فكما كان النبيّ رحمة للعالمين فالإمام المنتظر أيضاً رحمة للعالمين، وكما كان النبيّ قطعة من الرحمة فالمهدي أيضاً قطعة من الرحمة.
المحور الثاني: مظاهر الرحمة المحمّدية في المهدي (عليه السلام):

هناك ثلاثة مظاهر:
المظهر الأوّل: خُلُق الرحمة:

إنَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان خلقه رحمة، يقول القرآن الكريم: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: 159)، حيث كان (صلى الله عليه وآله وسلم) قطعة من التواضع، والألفة، والمحبّة، والقرآن يصف خلقه، قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4)، وهذه الصورة الجميلة الرائعة لشخصية النبيّ نفسها تتصوَّر وتتجسَّد في المهدي المنتظر (عليه السلام)، فإنَّ بعضهم يتصوَّر أنَّ المهدي إنسان عابس، إنسان عنيف، والصحيح أنَّ المهدي كجدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صورة مبتسمة، صورة جذّابة، صورة ملؤها التواضع، وملؤها الخلق الجذّاب، تماماً كجدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لذلك ورد في الرواية عن الصادق (عليه السلام): (يسير في الناس كسيرة جدّه)(4)، وفي الرواية عن الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) (المائدة: 54)، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (نزلت في القائم (عليه السلام) وأصحابه)(5).
المظهر الثاني: المجتمع الأخوي:

إنَّ من الواضح لمن اطَّلع على كتابات المستشرقين يجدهم قد طعنوا في النبيّ في كلّ شيء إلاَّ في شيء واحد، وقفوا له موقف الإجلال والعظمة واعتبره كثير منهم إعجازاً لم يسبق به النبيّ، وهو أنَّه استطاع في فترة وجيزة أن يحوّل المجتمع المدني إلى مجتمع أخوي وهو ليس أمراً سهلاً على الإطلاق، فإنَّ المجتمع المدني الذي كان قبائل متناحرة ومتقاتلة حوَّله النبيّ في فترة وجيزة إلى أخوّة يملؤهم الحبّ والوفاء وهذا أمر في غاية الصعوبة، والإمام المهدي (عليه السلام) أيضاً مجتمعه مجتمع أخوي كما صنع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والقرآن أثنى على ذلك المجتمع الأخوي الذي أقامه النبيّ، قال تعالى: (لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالإِْيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: 8 و9)، فهنا تعطي الآية صورة رائعة جدَّاً، حيث إنَّ الأنصار احتضنوا كلّ مهاجر جاء فقيراً، ووفَّروا له السكن وفرصة العمل واعتبروه أخاً وحبيباً، وهل هذا يحصل في زماننا؟ أن يحتضن مجتمع آخر ويوفّر له السكن المجّاني ويوفّر له فرصة العمل مجّاناً ويوفّر ذلك له لا بدافع الحياء والخجل، بل بدافع المحبّة والأخوّة.

وهذا المجتمع الأخوي هو الذي يؤسّسه المهدي (عليه السلام) عند خروجه، وهو يقوم على عنصرين: عنصر المحبّة، وعنصر التكافل الاجتماعي.

نحن جميعاً مشتاقون إلى المجتمع المهدوي وندعو دائماً: (اللّهمّ اجعلنا من أنصاره وأعوانه), (اللّهمّ عجّل فرجه), (اللّهمّ أرنا ذلك اليوم العظيم)، لكن المهدي يقول لنا: إذا أردتم أن تروا يومي فعليكم أن تعدّوا أنفسكم لأن تكونوا مجتمعاً أخوياً، إذ لا يمكن لنا أن نكون من أنصاره وأعوانه حتَّى نكون مجتمعاً أخوياً نتبادل المحبّة رغم اختلافاتنا ونتبادل التكافل الاجتماعي، وإذا صرنا بهذه الدرجة صرنا مؤهّلين لأن نكون من أنصاره وأعوانه.

فعن أبي إسماعيل، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): جُعلت فداك إنَّ الشيعة عندنا كثير، فقال: (فهل يعطف الغني على الفقير؟ وهل يتجاوز المحسن عن المسيء؟ ويتواسون؟)، فقلت: لا، فقال: (ليس هؤلاء شيعة، الشيعة من يفعل هذا). وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام): (أيجيء أحدكم إلى أخيه فيدخل يده في كيسه فيأخذ حاجته فلا يدفعه؟)(6).

وإنَّ أنصار المهدي وأعوانه وشيعته هم هؤلاء المجتمع الأخوي القائم على عنصر المحبّة وعنصر التكافل الاجتماعي فلن نكون من أنصاره حتَّى نحوّل أنفسنا من غسيل الاختلافات والتراكمات إلى أنفس متحابّة متقاربة متآخية، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، وقال تعالى: (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) (آل عمران: 92).
المظهر الثالث: الرحمة العامّة:

من المظاهر المحمّدية التي تجسَّدت في شخصية المهدي المنتظر (عليه السلام) هي الرحمة العامّة.

فقد كان النبيّ رحيماً بالمطيعين وبالعصاة، وهكذا المهدي كجدّه رسول الله حنانه ورحمته على العصاة لا تقلّ عن رحمته بالمؤمنين وبالمطيعين، فإنَّ المهدي فيض من الرحمة على العصاة وعلى المطيعين كما كان جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم), فعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: (ومحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) صبر في ذات الله عز وجل فأعذر قومه إذ كذب، وشرّد، وحصب بالحصا، وعلاه أبو لهب بسلا ناقة وشاة، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جابيل ملك الجبال، أن شقّ الجبال وانته إلى أمر محمّد، فأتاه فقال: إنّي أمرت لك بالطاعة فإن أمرت أن أطبق عليهم الجبال فأهلكتهم بها، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنَّما بعثت رحمة، ربّ اهد قومي فإنَّهم لا يعلمون)(7)، كان رحيماً بالكافرين، كذلك المهدي أيضاً هو على خلق جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ورد ذلك في كتب الفريقين، ففي (مسند أحمد) عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم): (أبشّركم بالمهدي يبعث في أمّتي على اختلاف من الناس وزلازل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسّم المال صحاحاً)، فقال له رجل: ما صحاحاً؟ قال: (بالسوية بين الناس)، قال: (ويملأ قلوب أمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) غنى ويسعهم عدله)(8)، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في رواية أخرى: (فتنعم أمّتي في زمانه نعيماً لم ينعموا مثله قطّ، البرّ منهم والفاجر)(9)، فالمهدي بشارة والمهدي رحمة والمهدي خلق والمهدي حنان ورأفة على العصاة والمنحرفين فضلاً عن المطيعين والمؤمنين.
المحور الثالث: دولة المهدي دولة رحمة لا دولة عنف:

هناك شبهة طرحتها بعض الأقلام الإسلاميّة ومفادها أنَّ مهدي الشيعة يختلف عن مهدي أهل السُنّة والجماعة، فمن يراجع الروايات الشيعية يجد أنَّ المهدي إنسان دكتاتور، إنسان عدواني، مصدر للعنف والبطش والاستئصال لأمّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، والصورة التي تصوّرها روايات الإماميّة عن المهدي تصوّر لنا دولة تقوم على السيف والبطش والاستئصال والعنف، وبالتالي فمعالم هذه الدولة التي ينتظرها الشيعة الإمامية هي:

أوّلاً: دولة تتنافى مع روح الإسلام لأنَّ روح الإسلام الرحمة، قال تعالى: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (الأنبياء: 107)، بينما دولة المهدي لدى الشيعة دولة تقوم على السيف والبطش والاستئصال فهي تتنافى مع روح الإسلام.

ثانياً: هل من المعقول أنَّ البشرية تنتظر آلاف السنين تلك الدولة الخاتمة بكلّ شوق ولهفة ثمّ تفاجئ بدولة تقوم على البطش والاستئصال والعدوان لا تبقي ولا تذر؟

فبالنتيجة لم يتحقَّق أمل البشرية وإنَّما تصاب بالخيبة وبالخذلان، هذا هو مهدي الشيعة إنسان عنيف عدواني، أمَّا مهدي أهل السُنّة والجماعة فهو مصدر الرحمة والعطف، وهذا الكاتب اعتمد على مجموعة من الروايات الموجودة فعلاً في كتب الشيعة، منها:

الرواية الأولى: من كتاب بحار الأنوار للشيخ المجلسي (رحمه الله) (ج 52/ ص 353/ ح 109) رواية زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قلت له: أيسير بسيرة محمّد؟ _ بمعنى أنَّ المهدي إذا خرج هل يسير على سيرة محمّد؟ _. قال: (هيهاتَ هيهاتَ يا زرارة، ما يسير بسيرته)، قلت: جُعلت فداك، لِمَ؟ قال: (إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سار في أمّته باللين(10) كان يتألَّف الناس، والقائم يسير بالقتل، بذلك أمر في الكتاب الذي معه أن يسير بالقتل ولا يستتيب أحداً، ويل لمن ناواه)(11).

الرواية الثانية: عن أبي خديجة أيضاً في بحار الأنوار (ج 52/ ص 353/ ح 110) عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: (إنَّ علياً (عليه السلام) قال: كان لي _ بمعنى من صلاحياتي _ أن أقتل المولّي وأجهز على الجريح، ولكن تركت ذلك للعاقبة من أصحابي إن جرحوا لم يقتلوا، والقائم له أن يقتل المولّي ويجهز على الجريح)(12).

الرواية الثالثة: عن العلا، عن محمّد، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: (لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج القائم لأحبَّ أكثرهم ألاَّ يروه، ممَّا يقتل من الناس، أمَا إنَّه لا يبدأ إلاَّ بقريش، فلا يأخذ منها إلاَّ السيف ولا يعطيها إلاَّ السيف، حتَّى يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمّد، لو كان من آل محمّد لرحم)(13).

الرواية الرابعة: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: (إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلاَّ السيف، ما يأخذ منها إلاَّ السيف، وما يستعجلون بخروج القائم؟ والله ما لباسه إلاَّ الغليظ، وما طعامه إلاَّ الجشب، وما هو إلاَّ السيف، والموت تحت ظلّ السيف)(14).

الراوية الخامسة: ذكرها النعماني في كتاب (الغيبة)(15) عن أبي الجارود، عن القاسم ابن الوليد الهمداني، عن الحارث الأعور الهمداني، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (بأبي ابن خيرة الإماء _ يقصد القائم _ يسومهم خسفاً، ويسقيهم بكأس مصبرة، ولا يعطيهم إلاَّ السيف هرجاً…).

ما هو موقفنا من هذه الروايات؟

أوّلاً: إنَّ جملة من هذه الروايات ضعيفة السند حيث ورد في طريقها محمّد بن علي الكوفي المكنّى بأبي سمينة، والشيخ النجاشي شيخ الرجاليين يقول: (وكان يلقَّب محمّد بن علي أبا سمينة، ضعيف جدَّاً، فاسد الاعتقاد، لا يعتمد في شيء. وكان ورد قم _ وقد اشتهر بالكذب بالكوفة _ ونزل على أحمد بن محمّد بن عيسى مدّة، ثمّ تشهَّر بالغلو، فجفي، وأخرجه أحمد بن محمّد بن عيسى عن قم)(16)، وأيضاً من طرقها محمّد بن علي الهمداني وهو مجهول(17)، ومن طرقها الحسن بن علي ابن أبي حمزة البطائني، وقد نصَّ علماء الرجال على ضعفه(18)، ومن طرقها الحسن بن هارون (بيّاع الأنماط) وهو مجهول(19)، ومن طرقها أبو الجارود وقد كان رأس الفرقة الجارودية التي انشقَّت عن الفرقة الزيدية وهو مضعَّف في بعض كتب علم الرجال(20)، إذن هذه الروايات مبتلاة بضعف السند لا ينبغي أن يعوَّل عليها وأن يستنتج منها مفهوم عن دولة القائم المنتظر (عليه السلام).

ثانياً: هذه الروايات معارضة بروايات تظهر لنا روعة دولة القائم وأنَّها دولة الرحمة ودولة الحنان على الكلّ المطيع والعاصي، لاحظوا في كتاب (عقد الدرر) عن الإمام علي (عليه السلام) أنَّ المهدي يأخذ البيعة من أصحابه على أن لا يسبّوا مسلماً، ولا يقتلوا محرماً، ولا يهتكوا حريماً، ولا يهدموا منزلاً، ولا يضربوا أحداً إلاَّ بحقّه(21)، هذا نهج المهدي حتَّى مع أعدى أعداءه وهو السفياني.

ففي الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (يسير بهم _ أي المهدي _ في اثني عشر ألفاً إن قلّوا أو خمسة عشر ألفاً إن كثروا، شعارهم: أمت أمت حتَّى يلقاه السفياني فيقول: أخرجوا إليَّ ابن عمّي حتَّى أكلّمه، فيخرج إليه فيكلّمه فيسلّم له الأمر ويبايعه _ بمعنى أنَّ السفياني يتراجع عن منهجه _ فإذا رجع السفياني إلى أصحابه ندمه كلب فيرجع ليستقيله فيقيله، فيقتتل هو وجيش السفياني…)(22), إذن الإمام يبدأ عدوّه بحوار ممَّا يدلّ على أنَّه شخصية حوارية منهجها الرحمة وليس منهجها العنف والقتال.

ويذكر في البحار عن الإمام الصادق (عليه السلام): أنَّ المهدي يستدعي بين يديه كبار اليهود وأحبارهم ورؤساء دين النصارى وعلمائهم ويحضر التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، فلا يقاتلهم أوّلاً، بل يبيّن لهم الحقائق، ويجادلهم على كلّ كتاب بمفرده، ويطلب منهم تأويله ويعرّفهم بما بدّل منه(23).

ثالثاً: إنَّ بعض الروايات الصحيحة في هذا المجال دلَّت على حدوث قتال شديد بين المهدي (عليه السلام) ومناوئيه ولكنَّها مطلقة من هذه الجهة، فمقتضى القاعدة تقييدها بما دلَّ على نوع التقال ومن هو المستهدف به والغرض منه، وهنا نلاحظ أنَّ النصوص الشريفة عيَّنت لنا من هو المستهدف بالقتال، وعيَّنت أنَّ قتاله (عليه السلام) قتال دفاعي وليس قتالاً هجومياً, فإنَّ الغرب بيهوده ومسيحييه سيؤمن وسيسلّم للمهدي ولن يقاتله، إنَّما الذي سيقاتل المهدي فئة من المسلمين وهي فئة النواصب، وإلاَّ فإنَّ أغلب أهل الأرض سيسلّمون له طوعاً لأنَّه سيظهر بمنطق العلم والمعرفة، وبمنطق الرأفة والحنان، وستقاتله فئة خاصّة من المسلمين ألا وهم النواصب, فعن الإمام الباقر (عليه السلام): (ويسير _ أي المهدي _ إلى الكوفة، فيخرج منها ستة عشر ألفاً من البترية، شاكين في السلاح، قرّاء القرآن، فقهاء في الدين، قد قرحوا جباههم، وشمَّروا ثيابهم، وعمَّهم النفاق، وكلّهم يقولون: يا بن فاطمة، ارجع لا حاجة لنا فيك)(24)، وفي بعض الروايات: (يقبل المهدي على الطائفة المنحرفة فيعظهم ويؤخّرهم إلى ثلاثة أيّام فلا يزدادون إلاَّ طغياناً وكفراً، فيأمر المهدي (عليه السلام) بقتلهم)(25)، مضافاً إلى أنَّ إقامة العدالة التامّة على الأرض كلّها لا يتمُّ إلاَّ باقتلاع براثن الظلم المتجذّرة في كثير من المجتمعات، وذلك يقتضي طولاً في مدّة القتال وشدّة وغلظة، إذ لا يتمُّ اقتلاع الجذور إلاَّ بهذا النهج، وقد قال تعالى عن عملية التطهير الجذري الذي قام به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) (التوبة: 14)، وقال تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة: 5)، وقال تعالى: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) (الأنفال: 39)، وقال تعالى: (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) (التوبة: 123)، فالمعالم البارزة للقتال المحمّدي هي المظاهر البارزة للقتال المهدوي.

ومن خلال هذه الملاحظات عرفنا أنَّ دولة المهدي دولة الرحمة والرأفة والحنان، وأنَّها لا تفرض الدين بالقسر والإكراه، وإنَّما ستنشر الدين بلغة العلم، وهذه سيرة آبائه وأجداده (عليهم السلام)، فقد كان رسول الله إنساناً حوارياً، بدأ بالحوار ولم يبدأ القتال، وعلي (عليه السلام) كان أيضاً إنساناً حوارياً بدأ بالحوار ولم يبدأ القتال، والحسين نفسه كان إنساناً حوارياً حاور المقاتلين ووعظهم إلى آخر لحظة من لحظات وجوده الشريف، حتَّى أنَّه بكى على أعدائه وقال: (أبكي لهؤلاء القوم الذين يدخلون النار بسببي)(26), والحسين لم يخرج من المدينة إلى مكّة وإلى كربلاء بقصد أن يَقتل أو يُقتل، إنَّما خرج بقصد الإصلاح لكنَّهم أصرّوا على قتله، وقال: (والله لا يدعوني حتَّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي)(27)، (والله يا أخي لو كنت في جحر هامة من هوام الأرض، لاستخرجوني منه حتَّى يقتلوني)(28)، ثمّ وقف على جبل الصفا وقال: (كأنّي بأوصالي يتقطَّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأنَّ منّي أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفّينا أجور الصابرين… من كان باذلاً فينا مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله)(29).

والحمد لله ربّ العالمين

0

1

https://t.me/wilayahinfo

شاهد أيضاً

0

عاشوراء . . عيد أم مأتم ؟!

بحث علمي موثق يتصدى بعض الشبهات التي طرحها أعداء أهل البيت ( عليهم السلام ) ...