الرئيسية / اخبار اسلامية / (أن كان وصي محمد عليا فوصي محمد علي) نلتمس من فيضه
3

(أن كان وصي محمد عليا فوصي محمد علي) نلتمس من فيضه

في أوّل أيّام السنة الهجرية الشمسية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم محمّد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين الهداة المهديين المعصومين، لا سيّما بقية الله في الأرضين.

اللّهم صلّ على فاطمة بنت محمّد، اللّهم صلّ على فاطمة بنت رسولك، وزوجة وليّك، الطهرة الطاهرة المطهرة التقيّة النقيّة الزكية، سيدة نساء أهل الجنّة أجمعين.
اللّهم صلّ على وليّك عليّ بن موسى صلاةً دائمةً بدوام ملكك وسلطانك، اللّهم سلّم على وليّك علي بن موسى سلاماً دائماً بدوام مجدك وعظمتك وكبريائك.

عامٌ جديد ببركة فاطمة عليها السلام
نشكر الله سبحانه وتعالى، على أن منّ علينا ولمرة أخرى، في بداية العام الهجريّ الشمسيّ، بتوفيق اللقاء بكم يا أهالي مشهد الأعزاء، ويا أيها الزوّار الكرام الأحباء الذين شددتم الرحال من أطراف البلاد وأكنافها إلى هذه العتبة المقدّسة. بادئ ذي بدء أبارك ثانية لجميع الإخوة والأخوات حلول السنة الجديدة.

يمتاز هذا العام بميزة خاصة؛ وهو أنّه يقترن في بدايته بالمولد السعيد لفاطمة الزهراء عليها السلام، وفقًا للأشهر القمرية، وينتهي كذلك بهذه الولادة المكرّمة والعزيزة.
نسأل الله العليّ المتعال بيمن وجود فاطمة الزهراء عليها السلام، سيدة الكونين، وسيدة نساء العالمين، أن يبارك هذا العام للشعب الإيرانيّ، وللمسلمين في العالم أجمع ولمحبي أهل البيت عليهم السلام، وأن ينتفع الجميع من بركات هذه الولادة المكرّمة، إن شاء الله.

النقص الوحيد الذي نشعر به هذا العام، في هذه الرحلة إلى مشهد وهذا اللقاء، هو فقدان أخينا العزيز، سماحة الشيخ الطبسي (سادن الروضة الرضوية)، ذلك العالم المجاهد المناضل، والخادم المخلص لهذه العتبة المقدّسة. فلقد كان وجوده مكسباً، وكان يُعدّ من السابقين في الثورة، وفقدانه لكلّ من يعرفه هو خسارة كبرى بكلّ ما في الكلمة من معنى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل روحه الطاهرة مستظلة بظلّ ألطاف الإمام أبي الحسن الرضا عليه السلام، وأن يتغمّده برحمته ومغفرته.

شعار العام: “الاقتصاد المقاوم المبادرة والعمل”
سأبدأ بحثي في هذا اليوم، بشعار هذا العام (الاقتصاد المقاوم، إقدام وعمل)، وفي تتمة الحديث سوف أُدلي ببعض الإيضاحات لكم أيها الإخوة والأخوات الأعزاء الحاضرون في هذا المجلس، وكذلك لمن سيستمع إلى حديثي في ما بعد. وأودّ أن يكون البحث الذي نتداوله، بحثاً متقناً ومنطقياً، فالأبحاث الشعاراتية في هذا اليوم لا تحتلّ مكانة كبيرة في أذهان الناس. إنّ شعبنا وشبابنا وأبناء مجتمعنا من أهل الفهم والإدراك، وينظرون إلى

القضايا بعين المنطق والاستدلال، ولذلك نرغب في أن يكون الحديث الذي نطرحه على شعبنا العزيز حديثاً قائماً على أساسٍ منطقيّ متين.

إنّ السبب في اختيارنا شعاراً اقتصادياً لهذا العام أيضاً، يعود إلى تحليلٍ ونظرةٍ شاملة لقضايا البلاد. ولربّما يخطر في أذهان البعض أنّ شعار هذا العام يُفضَّل أن يكون شعاراً ثقافياً أو شعاراً أخلاقياً، ولكن بالنظر إلى مجموع قضايا البلاد، ارتأينا أن يكون الشعار لهذا العام الذي لا بدّ وأن يتبدّل إلى خطاب وثقافة عامة، ويشيع في أوساط الشعب والرأي العام، شعاراً اقتصادياً كما في السنوات الأخيرة الماضية. سأطرح هذا التحليل، وأرغب في أن يتصدّى شبابنا الأعزاء الذين يستمعون لهذا الحديث إلى التدبّر والتفكّر وإمعان النظر فيه.

إمّا التراجع أو تحمّل الضغوط!
لقد اقتضت السياسات الاستكبارية وخاصة السياسات الأمريكية في هذه المرحلة الزمنية، بثّ وترويج فكرة معيّنة في أوساط شعبنا، بدءاً من نخب المجتمع ووصولاً إلى الرأي العام شيئاً فشيئاً، وبالتالي ضخّ فكرة خاصة في الرأي العام. تلك السياسة التي ينشدونها هي الإيحاء بأنّ الشعب الإيرانيّ يقف على مفترق طريقين، ولا مناص له سوى اختيار أحدهما. وهذان الطريقان هما: إمّا أن يساير أمريكا ويجاريها، وإمّا أن يتحمّل الضغوط الأمريكية المتواصلة والمشاكل الناجمة عنها، وعلى الشعب الإيرانيّ اختيار أحد هذين الطريقين! هذا ما يريدونه هم. علماً بأنّ مجاراة أمريكا ليست كمجاراة أية دولة أخرى.
لأن الإدارة الأمريكية تمتلك الثروة والأجهزة الإعلامية الضخمة والأسلحة الخطيرة والإمكانيات الكبيرة.

ومسايرة الإدارةالأمريكية لا تعني سوى الرضوخ لإملاءاتها.

وهذه هي طبيعة التوافق مع أمريكا. في كلّ مكان هي هكذا. توافق أيّ بلد معها في أية قضية، يدلّ كذلك على تنازله عن مواقفه لصالح الطرف الآخر، دون أن يتنازل الخصم لصالحه تنازلًا ملحوظًا.
في هذا الاتّفاق النوويّ الأخير، رغم أنّه حظي بتأييدنا وقبولنا، ولكنّ الأمر كان كذلك أيضاً، فقد قال لي وزير الخارجية المحترم في أكثر من مورد إنّنا (مثلاً) لم نعد نستطيع المحافظة أكثر على هذا الموقع أو هذا الخطّ الأحمر، وهذا هو معنى ما نقول. فإن كان الطرف الذي يقف أمامنا دولة كالدولة الأمريكية التي تتمتّع بوسائل الإعلام، والإمكانات، والأموال، والدبلوماسية النشيطة، والعوامل

المختلفة في شتّى بقاع العالم، والدول الخاضعة لسيطرتها والتي تفرض الضغوط عليها، فإنّ مجاراتها تعني صرف النظر عن بعض الأمور التي يشدّد المرء عليها. وهذا هو حال مفترق الطريقين الذي تهدف أمريكا وفق سياساتها إلى بثه وترويجه في أذهان شعبنا، وتصويره مفترقاً لا مفرّ ولا مناص منه: إمّا أن نتراجع أمام أمريكا وطلباتها في كثير من المواطن، أو أن نتحمّل ضغوط أمريكا وتهديداتها والأضرار الناجمة عن مقاومتها. فهم يسعون إلى تبديل هذا الأمر إلى خطاب يشيع بين النخب في المجتمع، ومن ثمّ بالتدريج في أوساط الناس والرأي العام. وأخذوا يروّجون لهذه الفكرة في داخل البلد وخارجه، ويشيعونها بأشكال متعددة وأساليب مختلفة عبر وسائل الإعلام العالمية العامة، ويدعمون من يتمكّن من إشاعة هذه الفكرة في أوساط شعبنا. وكما ذكرنا فإنّ هناك في الداخل من هو مقتنعٌ بهذه الفكرة، ويسعى لإقناع الآخرين بها أيضاً.

هل علينا التعاون مع أمريكا لإنقاذ البلد؟!
التفتوا جيداً، لأوضّح الموضوع، فسأنقل أوّلاً كلام الطرف المقابل، ثم أبيّن ما يقتضيه الحقّ والحقيقة.
يقول الطرف المقابل المتمثّل بالجهاز الإعلاميّ الصانع للأفكار والتيارات: تمتلك إيران إمكانيات اقتصادية واسعة، والهدف من الاتّفاق النوويّ أن تتمكّن إيران من استثمار هذه الإمكانيات. ولكن على الرغم من إبرام هذا الاتّفاق، فهو لا يكفي بمفرده، وهناك قضايا أخرى لا بدّ للشعب الإيرانيّ وللحكومة الإيرانية وللمسؤولين الإيرانيين أن يتّخذوا القرار، ويقطعوا خطوة عملية فيها. ففي منطقة غرب آسيا على سبيل المثال – وهي المنطقة التي يُطلق عليها الغربيون اسم الشرق الأوسط – صراعات واضطرابات كثيرة، وهذه مشكلة تعمّ المنطقة بأسرها، ولو أردتم إنقاذ بلادكم منها، عليكم أن تبذلوا جهودكم لإخمادها. ولكن ما الذي يجب علينا فعله؟ يجب أن نتعاون مع أمريكا ونشاطرها الرأي، ونجتمع معها، ونفاوضها ونختار نموذجاً ينسجم مع رغبة الأمريكيين، أو يستند إلى الاتّفاق المبرَم معهم. وهذه بدورها حالة أخرى.

التراجع عن المبادئ والقيم والأسس
أو أنّنا نعاني من مشاكل أخرى، ولنا مع أمريكا اختلافات كثيرة، فلا بدّ من حلّ هذه الاختلافات ومن القضاء عليها، وفي غضون ذلك، لو اضطرّ الشعب الإيرانيّ مثلاً إلى غضّ الطرف عن أسسه ومبادئه، وعن خطوطه الحمراء، فليفعل ذلك. فإنّ الطرف الآخر لا يتراجع عن أسسه وقِيَمه، ولكن نحن يجب علينا التراجع لو تطلّب الأمر ذلك، في سبيل معالجة مشاكلنا! وبغية أن يتمكّن البلد من استثمار طاقاته وإمكانياته، وأن يتبدّل مثلاً إلى قوة اقتصادية بارزة. هذا

هو كلامهم. ومن هنا فعلى الرغم من الاتّفاق الذي أُبرم في الملف النوويّ، والذي أطلقنا عليه عنوان “برجام” (البرنامج الشامل للعمل المشترك)، لا بدّ من إبرام اتّفاق “برجام” آخر في قضايا المنطقة، وفي شأن دستور البلد، اتّفاق ثانٍ وثالثٍ ورابعٍ وهلمّ جرّاً, ليتسنّى لنا أن نعيش عيشاً رغيداً! هذا منطقٌ يحاولون إشاعته في أوساط النخب، ونقله بواسطتهم إلى الرأي العام. ولكن ماذا يعني هذا الكلام؟ إنّه يعني أن تُعرِض الجمهورية الإسلامية عن القضايا الأساسية التي التزمت بها بحكم الإسلام، وفي إطار المضامين الرفيعة لنظام الجمهورية الإسلامية، أي أن تُعرض عن القضية الفلسطينية وتغضّ النظر عنها، وأن تُعرض عن دعم المقاومة في المنطقة، وأن تُعرض عن المساندة السياسية للمظلومين في المنطقة بما فيهم شعب فلسطين، وأهالي غزّة، وشعب اليمن، وشعب البحرين، وأن يقترب نظام الجمهورية الإسلامية عبر تعديل متطلّباته، من أهداف الطرف المقابل المتمثّل بأمريكا. هذا الكلام يعني أن تعمل الجمهورية الإسلامية على غرار ما قامت به بعض بلدان وحكومات المنطقة اليوم، رغم حكم الإسلام وإرادة شعوبها، بالتفاوض مع الكيان الصهيونيّ، وبتجاهل القضية الفلسطينية لمصلحة قضايا أخرى. إنّه يعني أن تقوم الجمهورية الإسلامية بعقد اتّفاق سلامٍ مع العدو الصهيونيّ، كما مدّت بعض الحكومات العربية – اليوم – يد الصداقة له بكلّ وقاحة.

لماذا القوة الدفاعية؟
وبالتأكيد، فإنّ الأمر لا ينتهي هنا وعند هذا الحدّ. التحليل السياسيّ الذي يدّعيه العدوّ يعني، أن تتخلّى الجمهورية الإسلامية حتّى عن وسائلها الدفاعية إذا ما رغبت الإدارة الأمريكية بذلك! تشاهدون حالياً الضجيج الذي أثاروه في العالم بشأن المنظومة الصاروخية، متسائلين: لماذا تمتلك الجمهورية الإسلامية قدرات صاروخية؟ ولماذا تكون عندها صواريخ بعيدة المدى؟ ولماذا تصيب صواريخ الجمهورية الإسلامية الأهداف بدقّة؟ ولماذا يقومون بتجربتها؟ ولماذا يقومون بتدريبات عسكرية؟ ولماذا ولماذا ولماذا؟ يبادر الأمريكيون كلّ فترة من الزمن، إلى إجراء مناورات مع إحدى دول المنطقة في منطقة الخليج الفارسيّ التي تبعد عنهم آلاف الكيلومترات، رغم أنّهم لا يمتلكون أية شرعية في هذه المنطقة، وأمّا إذا قامت الجمهورية الإسلامية في داخل بيتها وبيئتها وحريمها الأمنيّ بإجراء مناورات، يتعالى ضجيجهم وصخبهم قائلين: لماذا تجرون مناورات؟ ولماذا تقومون بهذا؟ ولماذا تجري قوّتكم البحرية أو الجوّية هذه الأعمال؟ فالمراد من ذلك التحليل الذي يطرحه العدوّ، هو ضرورة أن نغضّ الطرف عن كلّ هذه الأمور.

تفتيت المؤسسات الأساسية في النظام
بل القضية أكبر من ذلك، فإنّهم بالتدريج سوف يسوقون الموضوع إلى هذا التساؤل وهو: أنّه أساساً لماذا تمّ تأسيس فيلق القدس؟ لماذا تشكّلت قوات الحرس الثوريّ؟ لماذا يجب أن تتطابق السياسات الداخلية للجمهورية الإسلامية مع الإسلام كما في الدستور؟ تصل الأمور إلى هنا. فإنّكم إذا ما تراجعتم أمام العدوّ في الموارد التي يمكنكم الصمود والثبات فيها – وسأتطرّق إلى ذلك فيما بعد – سيتقدّم العدوّ ولن يتوقّف، وسوف يسوق الأمور رويداً رويداً إلى أن قولكم بضرورة أن تقوم الحكومة في الجمهورية الإسلامية، ومجلس الشورى الإسلامي، والسلطة القضائية، على أساس أحكام الإسلام والشريعة الإسلامية، يتعارض مع الحرية ومرفوض في النظرة الليبرالية إلى هنا يصل الأمر شيئاً فشيئاً. ولو تراجعنا، سيؤول التراجع إلى هذا التساؤل القائل: ما هو الدور الذي يؤدّيه مجلس صيانة الدستور في المجتمع؟ ولماذا يجب أن يقوم مجلس صيانة الدستور بحذف القوانين المتعارضة مع الشريعة؟ هذا هو الكلام، وهذا هو السعي لتغيير السيرة في الجمهورية الإسلامية الذي أشرتُ إليه مراراً. فقد تبقى صورة الجمهورية الإسلامية على حالها، ولكنها تتجرّد عن مضمونها بالكامل، وهذا ما يصبو إليه العدوّ. وبالاستناد إلى هذا التحليل الذي يطرحه العدوّ ويروج له ويبثه في أذهان النخب والرأي العام، إذا أرادت الجمهورية الإسلامية والشعب الإيرانيّ أن يتخلّصا من شرّ أمريكا، عليهم التغاضي عن مضمون الجمهورية الإسلامية، وغضّ الطرف عن الإسلام، والإعراض عن المفاهيم الإسلامية، والتخلّي عن الأمن السائد في البلد.

الجلوس مع أمريكا.. محض خسارة!
ثمة أمورٌ مفقودة لم تؤخذ في هذا التحليل بنظر الاعتبار، وأنا سأشير إلى واحد منها، وهو أنّ الأمريكيين في هذا الاتّفاق النوويّ الأخير الذي تمّ إبرامه مع دول 5+1، لم يلتزموا بتعهّداتهم، ولم يعملوا بواجباتهم. وعلى حدّ تعبير وزير الخارجية المحترم، كتبوا حبراً على ورق، ولكنّهم حالوا دون تحقّق مقاصد الجمهورية الإسلامية عبر شتّى الطرق الانحرافية والملتوية. ولكم أن تلاحظوا اليوم في جميع أرجاء البلدان الغربية والدول المتأثّرة بها، ما زالت معاملاتنا المصرفية وإعادة أموالنا المجمَّدة في بنوكهم، والمعاملات التجارية المختلفة التي تحتاج إلى التعامل في البنوك تعاني من مشاكل عدّة. وعندما نتابع الأمر ونحقّق في المسألة ونتساءل عن القضية، يتبيّن لنا أنّهم يخافون من أمريكا. فإنّ الأمريكيين وعدوا بإزالة الحظر، وكتبوا ذلك على الأوراق، ولكنهم يلتفّون بطرق أخرى للحؤول دون

تحقّق آثار إزالة العقوبات ونتائجها. ومن هنا، فإنّ الذين يعقدون آمالهم على الجلوس مع أمريكا والتفاوض معها بشأن القضية الفلانية للتوصّل إلى اتّفاق معيّن – بأن نتعهّد بشيء ويتعهّد الطرف الآخر بشيء أيضاً – يغفلون عن أنّنا مجبَرون على العمل بكامل تعهّداتنا، غير أنّ الطرف الآخر، وبطرق مختلفة وأساليب متعدّدة، ومن خلال التحايل والتزوير، يتملّص منها ولا يفي بها. وهذا هو الشيء الماثل أمام أعيننا في الظرف الراهن، وهو يمثّل خسارة محضة.

لكنّ المسألة تفوق هذا أيضاً. وأنا أرى من الضروريّ أن أطرح بعض النقاط على الشباب الأعزاء الذين لم يُدركوا نظام الطاغوت، ولم يشهدوا عهد الطاغوت، ولا يعرفون ما الذي حدث بعد انتصار الثورة الإسلامية في هذا البلد.

لا ينتهي عداؤهم إلّا إذا استعادوا الهيمنة
لاحِظوا أنّ بلدكم العزيز إيران يعتبر في هذه المنطقة التي نعيش فيها – وهي منطقة غربيّ آسيا – زهرة المنطقة، ويعدُّ بلداً منقطع النظير من حيث المكانة، والموقع الاستراتيجيّ بالتعبير المتداول، ويمتاز على المنطقة برمّتها، ومن منظار آخر يتفوّق على العالم بأسره بما يملكه من احتياطيّ واسع للنفط والغاز، ومن مصادر كثيرة أخرى. وهو بلدٌ مترامي الأطراف، بشعب موهوب ومستعدّ، وتاريخ غنيّ عريق. ولهذا كان زهرة المنطقة. بيد أنّ هذه الزهرة كانت في فترة من الفترات رازحة بالكامل تحت وطأة الأمريكيين، يفعلون بهذا البلد وفيه ما يحلو لهم، فكانوا ينهبون خيراته، ويسرقون ثرواته، ويفعلون به كلّ ما تفعله دولة مستعمرة ومستكبرة بشأن دولة ضعيفة. وكانوا قد وضعوا هذا البلد في قبضتهم وبين مخالب قوّتهم، فانبثقت الثورة الإسلامية، وانتشلت هذا البلد من مخالبهم. لقد رسخ الحقد والبغضاء تجاه الثورة في قلب السياسة الأمريكية، ولا ينتهي عداؤهم إلّا إذا استعادوا تلك الهيمنة على هذا البلد مرة أخرى. هذا هو الهدف وهذا ما يسعون إليه حالياً. بالطبع، هم من السياسيين والدبلوماسيين، ويعرفون العمل السياسيّ، ويعلمون أنّ لكلّ هدفٍ ومقصدٍ طريقاً، وأنّ عليهم أن يتحرّكوا بالتدريج، وأن يخوضوا مسارهم في الميدان من الطريق المؤدّي إليه، وهم يمارسون هذه الخطة. والواجب علينا هو التحلّي بالوعي، واليقظة، وتوخّي الحيطة والحذر.

إنّ الجمهورية الإسلامية لم تُنقِذ إيران من أيديهم وحسب، بل حفّزت البلدان الأخرى على الاتّسام بروح المقاومة والشجاعة التي تحلّت بها – وسأشير فيما بعد إلى ذلك -. وتشاهدون اليوم في العديد من بلدان المنطقة وحتّى خارج المنطقة يردّدون هتاف “الموت لأمريكا”، ويحرقون العلم الأمريكي. وقد أثبت الشعب الإيراني أنّه يستطيع
الصمود والمقاومة – وهذا ما تعلّمته الشعوب الأخرى أيضاً -، وأنّ زمام الأمور قد أفلت من يد أمريكا. فقد أعلن الأمريكيون أنّهم يريدون تأسيس شرق أوسط كبيراً – حيث قالوا تارة شرق أوسط جديد، وأخرى شرق أوسط كبير -، والهدف من وراء ذلك أن يسلّطوا في منطقة غرب آسيا وفي قلب البلاد الإسلامية، الكيان الصهيونيّ اللقيط على كافة مقدرات هذه المنطقة من الناحية الاقتصادية والسياسية والثقافية.

هذا ما كانوا يهدفون إليه.
ولكم أن تلاحظوا اليوم؛ أنّ أولئك الذين كانوا يرفعون شعار الشرق الأوسط الكبير أنفسهم، قد فشلوا وخابت آمالهم في قضية سوريا، وفي قضية اليمن، وفي قضية العراق، وفي قضية فلسطين، ويعتبرون أنّ إيران والجمهورية الإسلامية هي السبب في كلّ هذه الهزائم. هذا هو دليل عدائهم للجمهورية الإسلامية، فإنّهم لم يختلفوا معها على قضايا جزئية، وإنّما اختلفوا على قضايا أساسية، وأخذوا يسعون ويتحرّكون بهذا الاتّجاه علّهم يتمكّنون من استعادة هيمنتهم القديمة.

خنادق الهيمنة
إنّ شبابنا الأعزّاء لم يشهدوا نظام الطاغوت. وأقولها لكم أيّها الشباب الأحبّاء، إنّ البريطانيين أوّلاً، ثمّ تلاهم الأمريكيون قد أمسكوا بزمام شؤون البلاد على مدى نحو خمسين أو ستين عاماً – وهي فترة الحكومة البهلوية وقبلها بقليل – وفعلوا فيها ما بدا لهم، فأجلسوا مثلاً الحكومة البهلوية على سدّة الحكم، حيث قلّدوا بادئ الأمر رضا خان هذا المنصب، ثمّ نحّوه عن الحكم لامتعاضهم منه لسببٍ ما، وأحلّوا “محمد رضا” محلّه. وهذا يعني أنّ في بلدٍ بهذه السعة والعظمة، وفي قبال هذا الشعب، يتصدّى الأمريكيون أو البريطانيون لعزل رئيس هذا البلد، وتنصيب أحدٍ مكانه بكلّ سهولة. هكذا كانوا يتعاملون في إيران. ولكن كيف استطاعوا أن يفرضوا هذه الهيمنة؟ لقد قامت الحكومة البريطانية وأعقبتها في السنين أو العقود التالية الإدارة الأمريكية ببناء “خنادق” في هذا البلد واستثمارها، لإدامة هيمنتهم عليه. فانتصرت الثورة، وقامت بأيدي شبابها بتدمير هذه الخنادق وهدمها، وبناء خنادق مكانها لصيانة الثورة والجمهورية الإسلامية والمصالح الوطنية. وهم (الأمريكيون) يبتغون ترميم تلك الخنادق التي تهدّمت،

وتهديم هذه الخنادق التي تأسّست على يد الثورة والثوريين والشباب. هذا ما يهدفون إليه.

• خنادق العدو
• النظام الملكي
• الخوف
• تبديد الثقة بالذات الوطنية
• فصل الدين عن السياسة

الخندق الأوّل: النظام الملكيّ
وسأذكر لكم بعض هذه الخنادق، الخندق الأهمّ للأنظمة المستكبرة في بلدنا – بريطانيا أوّلاً ثم أمريكا – كان عبارة عن النظام الطاغوتيّ العميل، حيث كان يمثّل خندقاً لهم، وكانوا يفعلون في هذا البلد من خلاله ما يحلو لهم، من أنواع الممارسات الاقتصادية والثقافية والسياسية، ويقومون بأيّ تغيير، ويتّخذون أيّ موقف، ويسوقون البلد والحكومة إلى حيث ما يشاؤون ويرغبون. ولهذا فقد كان النظام الطاغوتيّ هو الخندق الأهمّ لأمريكا وبريطانيا في هذا البلد. هذا أحد الخنادق. فجاءت الثورة وحطّمت هذا الخندق وأزالته واقتلعت جذوره، واستأصلت جذور الحكم الملكيّ في البلد، وأحلّت حاكمية الشعب محلّ الحكومة الملكية والفردية. ففي فترة كانوا يقولون إنَّ للبلد صاحباً، وإن تساءلت قائلاً: من هو صاحب هذا البلد؟ لأجابوا: صاحب السموّ الملكيّ. وهذا ما كانوا يردّدونه على الألسن مراراً بأنّ الملك هو صاحب هذا البلد ومالكه، أي أنّ عنصراً فاسداً فاقداً للأهلية والجدارة عميلاً وخاوياً من النخوة والغيرة الوطنية في الأغلب، هو الذي كان يملك مقدّرات هذا البلد. فظهرت الجمهورية الإسلامية وأزالت هذا المالك الغاصب الكاذب، وسلّمت البلاد ليد أصحابها الأصليين وهم أبناء الشعب، حيث وفّرت لهم إمكانية الانتخاب والحضور في الساحة والإرادة والقبول والرفض. هذا هو الخندق الأول للعدوّ الذي حطّمته الجمهورية الإسلامية والثورة الإسلامية.

الخندق الثاني: خندق الخوف
ولم يكن هذا هو الخندق الوحيد، بل كانت خنادق أخرى أيضاً تتمثّل في عوامل نفسية ومادية. وسأذكر اثنين أو ثلاثة منها. الأول: هو الخوف، خندق الخوف من القوى الكبرى. فقد فعلوا في البلد ما من شأنه أن يكون الخوف هو الحاكم على كلّ القلوب، من قوّة أمريكا في العقود الأخيرة

كما ذكرنا، وقبلها الخوف من بريطانيا، حيث كانوا يرجعون كلّ حدثٍ يحدث في البلد إلى الإنجليز، ومعنى ذلك أنّهم يعتبرون الإنجليز قوّة مطلقة! ولم يكن هذا الخوف مختصاً بالناس، بل كان زعماء النظام أيضاً يخشون أمريكا. فإن المذكّرات التي كتبها أزلام النظام وانتشرت بعد الثورة، تدلّ على أنّ محمد رضا نفسه والمقرّبين منه كانت تثور ثائرتهم في بعض المواطن تجاه أمريكا لإذلالها لهم، وعدم اكتراثها بهم، ولكنّهم كانوا مضطرّين ومجبرين على الانقياد، ومرغمين على الطاعة خوفاً منهم. فاندلعت الثورة الإسلامية وهدمت خندق الخوف. ولا يمكنكم اليوم أن تجدوا في الجمهورية الإسلامية عنصراً واعياً عارفاً متمسكاً بالقيم الدينية يخشى أمريكا، فقد ضرب الشعب عرضَ الحائط بالخوف، لا من أمريكا وحسب، بل من معسكر الاستكبار برمّته.

وتبدّد الخوف!
ففي فترة الحرب المفروضة التي طالت ثمانية أعوام – وشبابنا للأسف لم يُدركوا تلك المرحلة النورانية والعهد الذهبيّ- كانت أمريكا تدعم صدّام، وكان حلف الناتو يدعم صدّام، وكان الاتّحاد السوفيتي آنذاك يدعم صدّام، وكذلك الحكومات العربية الرجعية بكلّ فشلها وضعفها كانت تدعم صدّام. الكلّ كان يدعمه ويسانده، حيث تخندق الشرق والغرب في معسكر واحد لمناصرة صدّام والقضاء على الجمهورية الإسلامية. غير أنّها بقيت صامدة دون أن تنثني، وتغلّبت وانتصرت بتوفيق من الله عليهم جميعاً. ذلك أنّهم بعد ثمانية أعوام من الحرب لم يستطيعوا احتلال شبر واحد من أرض إيران. وبهذه الطريقة بدّدوا حالة الخوف.

أجل، لقد ذكرتُ أنّ من كان اليوم صائناً لنفسه واعياً معتمداً على المبادئ الإسلامية لا يهاب أمريكا، لكن قد يوجد اليوم من أصيب بهذا الخوف، إلّا أنّ خوفه هذا لا يرتكز على أسباب عقلائية، إن كان خوف “محمد رضا” (الشاه المخلوع) من أمريكا خوفاً عقلائياً، فإنّ خوف هؤلاء ليس عقلائياً، لأنّ ذاك لم يكن يمتلك رصيداً شعبياً، والجمهورية الإسلامية اليوم تحظى بدعامة وسند كهذا الشعب العظيم.

الخندق الثالث: خندق تبديد الثقة بالذات الوطنية
ومن خنادق العدوّ الأخرى للسيطرة على بلادنا، ترويج فقدان الإيمان بالذات والاعتماد على النفس والثقة بالذات الوطنية، حيث كانوا (نظام الشاه وحكومته) يشاهدون بأعينهم بهرجة الدول الغربية، وتطوّراتها العلمية والتقنية، وزخارفها الحضارية والمادية، ويفتقدون تلك الأمور في بلدهم، بسبب ما كان يعانيه من تخلّف، ولهذا كانوا يشعرون
بعدم الاعتماد على النفس، وعدم الإيمان بها. ففي العهد البهلويّ قال أحد أركان الحكومة إنّ على الإيرانيّ أن يقوم بصناعة إبريق من الطين وليس حتى إبريقاً من المعدن. فقد كانت شائعة في الأزمنة الغابرة صناعة الأباريق من الطين. وأضاف قائلاً إنّ الإيرانيّ لا يليق به سوى تصنيع هذا النوع من الأباريق، فما شأنه والاختراعات! هكذا كانوا يتكلّمون في ذلك اليوم. وقال أيضاً أحد الشخصيات البارزة في ذلك العصر إنّ الإيرانيّ لو أراد التقدّم، عليه أن يكون غربياً أوروبياً من رأسه إلى أخمص قدميه، وأن يبدّل كلّ ما يرتبط به إلى ما يشابههم، علّه يتمكن من التقدّم. وهذا يعني أنّهم لم يكونوا على ثقة بأنفسهم.

شعار شبابنا: إنّنا قادرون!
وها قد انتصرت الثورة الإسلامية، وأبدلت انعدام الثقة التام بالثقة بالنفس، والاعتماد على الذات الوطنية. واليوم، أصبح الشابّ الإيرانيّ يردّد: “إنّنا قادرون”. ففي كثير من موارد وحالات التقدّم العلميّ – ما عدا الأمور التي أتيحت وحالات التقدّم التي تحققت اليوم، والحمد لله، – كان شبّاننا في بعض الأوقات يطرحون من الأفكار الحديثة ما لا يتأتى للأجهزة المسؤولية تلبيتها، فالشاب الإيراني يثق بنفسه. وعدم الثقة بالنفس يؤدّي إلى عدم التقدّم، والثقة والاعتماد على الذات يقود إلى شعار “نحن قادرون”، وتستتبعها القدرة، فيغدو البلد قادراً، والشعب قادراً، وهذا ما بتنا نشاهده في الوقت الراهن.
مضت خمسون عاماً والجامعات موجودة في هذا البلد في عهد الطاغوت قبل الثورة. وكانت هذه الجامعات تضمّ عدداً من الأساتذة الملتزمين الجيّدين، ومن طلّاب الجامعات المستعدّين ذوي الطاقات والكفاءات – رغم أن أعدادهم أقل بكثير مما هم اليوم عليه نسبياً، ولكن على أيّ حال فقد كان أولئك من الشباب الإيرانيين المستعدّين الموهوبين – غير أنّ إيران لم تشهد طيلة تلك الأعوام الخمسين أيّ حركة علمية وأيّ ظاهرة علمية حديثة. لماذا؟ لأنّهم لم يكونوا يصدّقون بأنّهم قادرون، ولم يكونوا على ثقة بأنفسهم، وهذه حالة بثها (الأعداء) وروّجوها في أذهان الشعب. وبلادنا اليوم تشهد في كلّ يوم إبداعاً علمياً وتقنياً. وأعداؤنا حين يشاهدون هذه الإبداعات تثور ثائرتهم. فلقد استطاع بلدنا اليوم رغم وجود الحظر، أن يدخل في عداد بلدان العالم العشرة الأوائل في العديد من الفروع والعلوم المتطورة. والماثل حالياً أمام أعين الناس، هو الآليات العسكرية والأدوات الحربيّة التابعة للحرس الثوريّ وللجيش ولقطاعات أخرى، والتي هي على مرأى منكم. وهناك حالات أخرى من التقدّم حقّقها شبابنا في مجال النانو وفي القضية النووية.

كلّ هذا يعود إلى الإيمان

بالذات والثقة بالنفس. فإنّ أحد خنادق العدوّ في إيران، هو فقدان إيمان الشعب بذاته، وإنّ أحد الخنادق الكبيرة التي تمخّضت عن انتصار الشعب والشباب، هو الإيمان بالذات وروح “نحن قادرون”.
وهذا بدوره كان أحد خنادق العدوّ.

الخندق الرابع: خندق فصل الدين عن السياسة… وقد تحطّم!
ومن خنادق العدوّ الأخرى، فصل الدين عن السياسة. فقد أقنعوا الجميع بأنّ الدين لا ينبغي له التدخّل في شؤون السياسة وبيئة الحياة والنظام الاجتماعيّ. هذا ما عملوا على إقناع الآخرين به. وفضلاً عن أولئك الذين لم تكن تربطهم بالدين صلة، وحتّى أنّ المتديّنين وبعض علماء الدين لم يكونوا يصدقون بأنّ الإسلام قادرٌ على التدخّل في الشؤون السياسية، في حين أنّ ولادة الإسلام منذ البداية، قامت على أساس منحى سياسيّ. فإنّ الخطوة الأولى التي قطعها النبيّ الأكرم في المدينة، هي تشكيل الحكومة. بيد أنّهم زجّوا هذه الفكرة في أذهان الناس، ووظّفوا هذا الخندق للعمل ضدّ النظام، وضدّ البلد، وضدّ الشعب. فجاءت الجمهورية الإسلامية وحطّمت هذا الخندق وأزالته. ولذا، نجد اليوم شبابنا وطلبتنا الجامعيين في جامعاتنا، فضلاً عن العلماء والحوزات العلمية وما شابه، يعملون ويبذلون جهودهم في شؤون البلاد من منظارٍ إسلاميٍّ وقرآنيّ.

يفرضون العقوبات ويهنئوننا بالنوروز!
هذا، وإنّي أقصد من “العدوّ” حين أتحدّث عنه، الإدارة الأمريكية دون أيّ مجاملة. بالتأكيد، هم يقولون إننا لسنا من أعدائكم بل من أصدقائكم. ويبعثون لشعبنا نداءً بمناسبة حلول عيد “النوروز” (رأس السنة الهجرية الشمسية)، ويبدون حرصهم على شبابنا، أو يمدّون مائدة “السبع سينات” في البيت الأبيض! وهذه حركات تصلح لخداع الأطفال، ولا يوجد من يصدّق هؤلاء. فمن جانب يستمرّون بفرض العقوبات، وتسلك وزارة الخزانة الأمريكية سُبُلاً خاصة بها – وهي تعترف بها – لئلّا تجرؤ الشركات والمكاتب والمصارف الكبيرة على الاقتراب والتعامل مع الجمهورية الإسلامية.
فإنّهم يمارسون هذه الأعمال من فرض العقوبات والتهديد التي تمثّل عِداءً سافراً، ومن جانب آخر يمدّون مائدة السبع سينات في البيت الأبيض، أو يقولون في ندائهم بمناسبة رأس السنة الهجرية الشمسية “النوروز”، إنّنا نعمل على توفير فرص عملٍ للشباب الإيرانيين! حسنٌ،

لا أحد يصدّقهم. لا زالوا لا يعرفون شعبنا، ولا يعلمون من هو الشعب الإيراني. إنّه شعبٌ فهيمٌ واعٍ يعرف أعداءه، ويقف على أساليب عِدائهم. نعم، لا توجد لدينا مشكلة مع الشعب الأمريكيّ، كما هو حال كلّ الشعوب الأخرى، وإنما نواجه السياسات والساسة، فهم العدوّ.

ولأُلخّص الموضوع لئلّا يتشتّت البحث المقصود. ثمّة وقائع موجودة:
منها حيازة بلدنا على إمكانيات واسعة وطاقات كبيرة، بما في ذلك المصادر الطبيعية، والطاقات الإنسانية، والفرص الدولية. وقد وفّرت هذه الطاقات لبلدنا اليوم إمكانية التقدّم الاستثنائي. هذا واقع. وتبدلّت الجمهورية الإسلامية في الوقت الراهن إلى قوة مؤثّرة على صعيد المنطقة، وفي بعض المسائل على صعيد العالم. هذه حقائق واقعية موجودة، فلنعرف قدر وقيمة وأهمية أنفسنا، ولنُدرك عظمة هذا الشعب.

مرشّحون يتسابقون في الإساءة والعداء
والمسألة الواقعية الثانية، هي أنّ أمريكا، ولأسباب واضحة، تعادينا، ونقصد بذلك كما ذكرنا، الساسة الأمريكيين والسياسات الأمريكية. ففي قضيّة الاتّفاق النوويّ نكثوا العهود وهدّدونا بفرض عقوبات أخرى. وكما ذكرت فإنّ وزير الخزانة الأمريكية راح يبذل مساعيه الدؤوبة للحيلولة دون انتفاع الجمهورية الإسلامية من نتائج الاتّفاق النوويّ. وهذا هو العِداء بعينه. فإنّهم يهدّدون على الدوام بفرض المزيد من العقوبات. وبعد عدّة أشهر – سبعة أو ثمانية أشهر – ستُجرى الانتخابات الرئاسية في أمريكا، والحكومة الأمريكية الحالية تتبدّل بعد تسعة أشهر، ولا توجد أية ضمانة تفيد بأنّ الحكومة القادمة ستلتزم بهذه التعهّدات القليلة التي وقّعت عليها الحكومة الحالية. والمرشّحون لرئاسة الجمهورية في أمريكا أخذوا اليوم يتسابقون في خطاباتهم الانتخابية في الإساءة إلى إيران، وهذا هو العِداء، وهو عداء سافر. ومع ذلك، حينما نقول إنّ أمريكا هي العدوّ، ينزعج البعض قائلين لماذا تصفونها بالعدوّ؟ ولكنّها عدوّ، وممارساتها عدائية. وهذه أيضاً حقيقة واقعية، التفتوا، ولا تغفلوا عن قولنا بضرورة أن تسود وحدة القلب واللسان بين الشعب والحكومة، ولا ينبغي أن يغيب هذا الأمر عن أذهانكم. وعلى الجميع أن يبذلوا جهودهم لمساعدة الحكومة، وأن يُرشدوها إن كان عندهم بعض الملاحظات والإرشادات، وبالتالي عليهم أن يمدّوا يد العون والمساعدة للحكومة.

أدوات العداء الأمريكيّ
1- الإعلام
2- النفوذ
3- الحظر

والمسألة الواقعية الثالثة، هي أنّ وسائل وأدوات عِداء هذا العدوّ المقتدر في ظاهره محدودة وليست مطلقة، له عدّة أدوات رئيسية وفاعلة: الأولى: الإعلام المتمثّل في “رهاب إيران” (التخويف من إيران “فوبيا إيران”)، والثانية: النفوذ، والثالثة: الحظر.
فيما يتعلّق بالنفوذ تحدثتُ مراراً خلال الأشهر الماضية، ولا أكرّر الحديث في ذلك، وفي شأن الإعلام أيضاً ثمة بحث طويل. والآن أودّ أن أتحدّث حول الحظر.
يمثّل الحظر إحدى أدوات العدوّ الثلاثة المؤثّرة. فقد شعر أنّ الحظر يلحق الضرر ببلدنا وشعبنا. وممّا يؤسف له أنّنا بأنفسنا عزّزنا هذا الانطباع لديه. ففي بعض المواطن وفي برهة من الزمن عمدنا إلى تضخيم (تعويم) الحظر بشكل متواصل، وبتنا نكرّر هذه القضية: “أن العدوّ قد فرض الحظر علينا ولا بدّ من إزالته، ولو بقي الحظر لألحق بنا هذه الأضرار وأمثال ذلك”، ومن جانب آخر، أخذنا نركّز أيضاً على إزالة الحظر ونهوّلها ونضخّمها بأن العقوبات إذا ما لم تتمّ إزالتها لحدث ما حدث، في حين لم يحدث شيء، بل ولن يحدث شيء لو واصلنا هذا الطريق. لكنّ العدوّ شعر بأنّه يستطيع عبر أداة الحظر أن يفرض الضغوط على الشعب الإيرانيّ. هذا ما شعر به العدو. إذاً فإنّ القضية الرئيسة التي تواجهنا في الوقت الراهن هي الحظر.
اقتصادٌ مقاوم في مواجهة الحظر
ولكن ما الذي يجب علينا فعله في سبيل مواجهة الحظر؟ ذكرتُ في مستهلّ الحديث أنّ العدو يضعنا على مفترق طريقين قائلاً: إمّا أن تستسلموا لأمريكا وتمتثلوا لأوامرها بالكامل، وإمّا أن نواصل طريق الضغط والحظر، وقلنا إنّها مغالطة، وهذا المفترق باطل وكاذب، ولكن هناك مفترق طرق آخر: إمّا أن نتحمّل المشاكل الناجمة عن الحظر، أو أن نصمد عبر الاقتصاد المقاوم. هذا الاستعداد الذي تُبدونه جيّد جداً، ولكن لا يكفي مجرّد الاستعدّاد لتحقيق الاقتصاد المقاوم، ولذلك قلنا “إقدام وعمل”. علماً بأنّ الحكومة المحترمة قد أنجزت بعض الأعمال في هذا المجال، حيث أوصيناهم بتشكيل مقرٍّ لقيادة سياسات

الاقتصاد المقاوم، فنفّذوا هذا الأمر، وعيّنوا النائب الأول لرئيس الجمهورية المحترم قائداً لهذا المقرّ، وأنجزوا بعض الأعمال، ورفعوا لي تقريراً، وأنا بدوري أشرتُ إلى ذلك لشعبنا العزيز في النداء الذي قدّمته بداية هذا العام، إلا أنّها أعمالٌ تمهيدية. فقد جاء في التقرير أنّ الأمور التي تمّ إنجازها تسبّبت في إيجابية الميزان التجاريّ، ومعنى ذلك زيادة صادراتنا غير النفطية على وارداتنا، وهذا خبرٌ جيّد جداً، أو أدت على سبيل المثال إلى الحدّ من السِلع المستوردة في هذا العام على ما كانت عليه في العام الماضي، وهذه أخبار جيدة، غير أنّها لا تكفي ولا يتمّ إنجاز العمل بها، بل يتحتّم القيام بأعمال أساسية. ولقد أحصيتُ هنا بعض المهامّ التي ينبغي النهوض بها في مجال “الإقدام والعمل”.

أولاً: الأولويات الاقتصادية
المهمّة الأولى، هي ضرورة أن يقوم المسؤولون المحترمون في الحكومة بتحديد الأنشطة والشبكات الاقتصادية المميّزة في البلد والتركيز عليها. فإنّ بعض الأنشطة الاقتصادية له أولويته وأهميته، وهي كالأصل الذي تتفرّع منه أبواب اقتصادية وإنتاجية متعدّدة، فلا بدّ لهم من التركيز عليها وتشخيصها وتحديد خارطة الطريق وتعيين وظائف الجميع.
ثانياً: إحياء الإنتاج المحليّ
والمهمّة الثانية، التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار فيما يخصّ “الإقدام والعمل” التي طرحناها، هي إحياء الإنتاج المحلّي. حيث تفيد التقارير بأنّ نحو %60 من طاقاتنا الإنتاجية معطّلة، فالبعض منها يعمل بأقلّ من قدراته، والبعض الآخر لا يعمل أساساً، فلا بدّ لنا من إحياء الإنتاج. ولهذا الأمر سبيله المعروف لدى الكثير من علماء الاقتصاد الملتزمين. ولطالما ذكرتُ للمسؤولين الحكوميين أن يقوموا بدعوة المنتقدين والاستماع إلى كلامهم، فأحياناً يقدّمون مقترحاتٍ جيدة يمكن من خلالها إحياء الإنتاج وتفعيله في البلاد.
ثالثاً: الاستثمار الداخليّ
والمهمّة الثالثة، هي أنّ لنا بالتالي تجارتنا الخارجية ولنا وارداتنا، وثمّة أمور نحتاج إلى استيرادها من الخارج، ونضطرّ لشرائها، ولا إشكال في ذلك، ولكن لنلتفت إلى أن لا تتسبّب البضائع التي نشتريها بإضعاف قوة إنتاجنا المحلّي. فلنفترض أنّنا نريد استيراد أو شراء طائرة، ولكن يُقال لنا – وهذا ما يقوله المسؤولون الحكوميون بأنفسهم – إنّنا لو استثمرنا هذه النسبة من الثمن في صناعة الطائرات المحلية، لاستفدنا أكثر مما لو كنّا قد اشترينا من الخارج، ولتنامى إنتاجنا المحلّي أيضاً. فمن الخطأ أن نستورد كلّ شيء من الخارج، دون أن ننظر إلى الضرر الذي سيُحلقه هذا الشراء، وهذا الاستيراد بالإنتاج المحلّي. إذاً لا بدّ أن نقوم في شرائنا بما لا يؤدّي إلى إضعاف الإنتاج الداخليّ.
رابعاً: عائدات النفط
والمهمّة الرابعة، هي أنّ لنا أموالاً في خارج البلاد. فإنّ عائدات النفط المباع لم يتمّ تسليمها لنا. وتقرّر في الاتّفاق النوويّ استعادة هذه الأموال – علماً بأن أكثرها واجه مشكلة ولم تتمّ استعادته، ويشاهد المرء التدخّل الأمريكيّ خلف هذه القضية، وهناك بالطبع دوافع أخرى أيضاً، إلّا أنّ خُبث بعض الأجهزة الأمريكية أدّى إلى أن لا تعود هذه الأموال، ولكنّها سوف تعود في نهاية المطاف -، فإن عادت هذه الأموال المجمّدة في الخارج، والتي يبلغ مقدارها عشرات المليارات، لا ينبغي إنفاقها في المصارف التي تؤدّي إلى إهدارها. فإنّ هذه أموال ستدخل إلى البلاد، والبلد في الدرجة الأولى بحاجة إلى الإنتاج، فالحذر من إهدار هذه الأموال التي تتمّ استعادتها، ومن
إتلافها، وإنفاقها في شراء البضائع التي لا جدوى منها، وبذلها في أمور لا طائل من ورائها، وصرفها في مواطن البذخ والإسراف. وهذا يعني إدارة المصادر المالية التي تدخل إلى البلاد من المصارف والمراكز الأجنبية.
خامساً: الاقتصاد المبنيّ على المعرفة
والمهمّة الخامسة، هي أنّ هناك قطاعات مهمة في الشأن الاقتصاديّ، كقطاع النفط والغاز، أو قطاع إنتاج المحرّكات للسيارات والطائرات والقطارات والسفن، فلا بدّ من تحويل هذه القطاعات الحساسة والهامة إلى قطاعات مبنيّة على المعرفة. وهذا هو ما نعبّر عنه بـ”الاقتصاد المبنيّ على المعرفة”. فقد أثبت شبابنا وعلماؤنا أنّهم قادرون على الإبداع، وقادرون على رفع المستوى التقني. أفهل يعتبر هذا إنجازاً صغيراً بأن يصنعوا صاروخاً بعيد المدى بطريقة تمكّنه من إصابة هدفٍ على بعد 2000 كلم بخطأ لا يتجاوز مترين أو خمسة أمتار؟ فإنّ العقلية التي تستطيع النهوض بهذا العمل، قادرة على أن تنتج وتبدع في مجالات متعددة أخرى، كأن تقوم على سبيل المثال بتطوير محرّك السيارة للحدّ من استهلاكه للوقود، أو أن تغيّر محرّك القطار بطريقة معينة. ففي الوقت الراهن توجد في بلادنا مراكز اقتصادية وإنتاجية تفوق إنجازاتها وإنتاجاتها المشابه الأجنبيّ لها أو تضاهيه. هذا ما هو موجود حالياً، فلا بدّ من تعزيز هذه المراكز وتقويتها. إذاً فإنّ تحويل القطاعات الاقتصادية الداخلية المهمة إلى قطاعات مبنية على المعرفة، يعتبر من المهامّ التي تُشتَرط في تحقيق الاقتصاد المقاوم والتي يجب القيام بها.
سادساً: تنمية قطاعات الاستثمار الداخلي
والمهمّة السادسة، هي الاستفادة والانتفاع من بعض القطاعات التي سبق وأن تمّ الاستثمار فيها. فقد كان لنا استثمار جيّد في مجال بناء محطات الطاقة والبتروكيمياويات. والبلد اليوم بحاجة إلى محطّة الطاقة. كما وأنّ البلدان الأخرى أيضاً تحتاج إلى محطات طاقةٍ رخيصة الثمن ونحن نصنعها. فلا ينبغي لنا أن نستورد محطة طاقة من الخارج، أو أن نأتي من الخارج بأشخاص لبناء محطات الطاقة. ولا بدّ من إحياء القطاعات التي تمّ الاستثمار فيها، وبُذلت المساعي والجهود في سبيلها، والانتفاع منها.
سابعاً: نقل التكنولوجيا وإنتاجها
والمهمة السابعة، هي أن نشترط نقل التكنولوجيا في جميع المعاملات الأجنبية التي نقوم بها. علماً بأنّ إخواننا في الحكومة ذكروا لنا أنّهم قاموا ويقومون بهذا الأمر، ولكنّني أكرّر هذه القضية وأؤكّد عليها لئلّا يتمّ التغافل عنها. وعلى سبيل المثال لو أرادوا شراء وسيلة أو منتج جديد، لا ينبغي لهم شراء ما تمّ إنتاجه بالكامل، فليعدّوا ذلك الشيء بتقنيته المختصّة به وينتجوه من خلال هذه التقنية في داخل البلد. وليتشدّدوا في إبرام العقود والاتّفاقيات على هذا النحو بقوّة.
ثامناً: مكافحة الفساد والاحتكار والتهريب
والمهمة الثامنة، هي المكافحة الجادّة للفساد والمحسوبيات والاحتكار والتهريب، فإنّها تلحق الضرر باقتصاد البلد، ويصل ضررها إلى الناس. فلو تساهلنا مع تلك المجموعة التي تستأثر وتستحوذ على الثروات عبر التزوير والتلاعب في القضايا الاقتصادية، وتخصّص لنفسها مزايا خاصة، أو تلك التي توغّلت في فساد ماليّ واقتصاديّ، سيؤدّي ذلك إلى إلحاق الضرر بالبلاد لا محالة، فلا ينبغي التساهل في هذه المسائل. علماً بأنّ هناك أقوالاً جميلة وجيدة تُطرح في مقام البيان، وفي الصحف، وفي خضمّ الضجيج والصخب، وبالخصوص ما يُطرح منها بالاستناد إلى التوجّهات السياسية، ولكن لا طائل من وراء هذه الأقوال. فلو اعتقلوا مجرماً اقتصادياً على سبيل الفرض، لا فائدة من أن تقوم الصحف بالحديث عنه ونشر صوره وتفاصيل أعماله، وما إلى ذلك لأغراض فئوية وسياسية، فكثير من الكلام لا يضاهي قليلاً من العمل. إذاً لا بدّ من مكافحة الفساد الذي قد يحصل اليوم والوقوف أمامه، كما ويجب الحؤول دون التهريب ومكافحته بكلّ ما في الكلمة من معنى.
تاسعاً: ترشيد استهلاك الطاقة
والمهمّة الأخرى، هي ترشيد استهلاك الطاقة. ولقد ذكرتُ في هذا المكان قبل عدة أعوام في أحد خطاباتي بداية السنة، بأنّ هناك ادّعاءً وقولاً يشير إلى أنّنا لو استطعنا تنمية ظاهرة الاستغلال الأمثل للطاقة وترشيد استهلاكها، لأدّى ذلك إلى توفير مئة مليار دولار، وهو مبلغٌ ضخم وليس بقليل، فاحملوا هذه القضية على محمل الجدّ. فإنّ هناك أعمالاً مختلفة يتمّ إنجازها في هذا البلد، البعض منها غير ضروريّ، والبعض الآخر مضرّ، فليركّزوا أعمالهم على مثل هذه الأمور. وهذا هو “الإقدام والعمل”، فالإقدام يعني التصدّي لهذه القضايا. ولقد سمعتُ، بالطبع، أنّ مجلس الشورى الإسلاميّ قد صادق على قرار تنمية ترشيد استهلاك الطاقة. فليتداولوا هذه القضية حقاً بالبحث والتقصّي، وليركّزوا جهودهم عليها، ويبذلوا مساعيهم في سبيل تحقيقها.
عاشراً: الاهتمام بالصناعات المتوسّطة والصغيرة
والمهمّة العاشرة، هي الاهتمام الخاصّ بالصناعات المتوسّطة والصغيرة. ففي بلدنا حالياً توجد آلاف المصانع والمعامل المتوسطة والصغيرة، ولو كانت هذه الأرقام التي أبلغوني بها وأشرتُ إليها وهي تعطيل %60 منها صحيحة، فهي خسارة كبرى. فإنّ الشيء الذي يوفّر فُرص العمل في المجتمع، ويؤدّي إلى الحيوية والحركة، وينفع الفئات الضعيفة، هو نفس هذه الصناعات الصغيرة والمتوسّطة، فلا بدّ من تعزيزها وتفعيلها.

تطبيق هذه المهامّ: تحقيقٌ للاقتصاد المقاوم
إذاً، هذه عشر مهامّ يمكن النهوض بها فيما لو أريد
التصديّ للمبادرة والعمل في سبيل تحقيق الاقتصاد المقاوم. علماً بأنّ هناك مهامَّ أخرى يمكن القيام بها وعلى المسؤولين دراسة الأمور والبحث فيها، والذي أقترُحه أنا هو هذه المهامّ العشر. وبهذا تتدفّق مسيرة الثورة وتنطلق حركة ثورية في البلد، ويتحقّق الاقتصاد المقاوم الذي يؤدّي إلى إنقاذ البلاد. ولو عملنا على تطبيق هذه المهامّ، لكان بإمكاننا الوقوف في وجه أمريكا، ولما أثّرت عقوباتها فينا. فإنّنا لا نحتاج إلى الإعراض عن مبادئنا، وعن خطوطنا الحمراء، وعن أسسنا لمنع أمريكا من فرض الحظر علينا، وإنّما يتسنّى لنا ذلك من خلال تحقيق سياسات الاقتصاد المقاوم عملياً، أن نقوم بتحصين البلاد وتمتينها لئلّا ترتعد فرائصنا من الحظر، بأنّهم يريدون فرضه علينا، فليفعلوا ذلك. إذ لو تحقّق الاقتصاد المقاوم، لما تركت عقوبات العدوّ تأثيراً بليغاً. وبهذا تنطلق الحركة الثورية والإيمانية. ولو قمنا بتنفيذ هذه المهامّ، لكان بإمكان المسؤولين الحكوميين المحترمين أن يقدّموا تقريراً في نهاية هذا العام قائلين إنّنا عمدنا إلى إحياء عدة آلاف من المصانع والمعامل، والمزارع والحقول، ومزارع تربية المواشي، وأمثال ذلك. هذا ما بإمكانهم أن يتحدّثوا به، ويطّلعوا الناس عليه، والناس بدورهم سوف يشهدون ويتلمّسون ذلك. وحينذاك سيشعرون بالثقة والاطمئنان.
وعلى الشعب مساعدة حكومته
وبالطبع، فإنّ الواجب والمهمة الملقاة على عاتق الناس هي المساعدة. وأقولها لكم إنّ على الناس – بما فيهم السياسيون والاقتصاديون وأبناء الشعب – أن يساعدوا الحكومة والمسؤولين في البلد. وهذه المهمّة، بالطبع، لا تقع على كاهل الحكومة وحسب، بل يجب على العاملين في السلطات الثلاث أن يتعاونوا فيما بينهم لتسيير هذا الأمر، وعلى الناس أن يساعدوهم في ذلك، فإنّ هذه المساعدة إلى جانب جدّية المسؤولين ولا سيّما السلطة التنفيذية أمرٌ ضروريّ. ولو استطعنا إطلاق هذه الحركة، ستكون – كما ذكرنا – حركة ثورية، وستزداد سرعة، وسيحالفها التوفيق والنجاح. وهذه نتائج شهدناها في كلّ موطن قطعنا فيه خطوة ثورية. فانظروا إلى الانجاز الذي كان رواده شهداؤنا العلماء في المجال النوويّ كم هو مهمّ وخطير للغاية، والإنجاز الذي كان رائده الشهيد طهراني مقدم، والإنجاز الذي كان رائده الشهيد كاظمي في مجال الخلايا الجذعية، إنّما هي مكاسب كبيرة جداً. هذا بالإضافة إلى الإنجاز الذي كان رائده الشهيد مرتضى آويني، والمرحوم سلحشور في السنوات الأخيرة في الشؤون الثقافية، فإنّ هؤلاء روّاد الإنجازات والمكاسب الثورية في هذا البلد، ولا بدّ من ترويج أفكارهم وأعمالهم وأساليبهم، ويجب تكريمهم ومعرفة قدرهم وتخليد ذكرهم. وهذا هو العمل

الثوريّ. وكل تأكيدي على تكريم القوات الثورية والولائية، والحفاظ عليهم يعود إلى هذا السبب، فإنّ العمل إذا ما تمّ إنجازه بروح ثورية، سيتقدّم إلى الأمام.

وفي القضايا الثقافية دعوا الشباب الثوريّ يُنجز
لقد تناولتُ قضية الاقتصاد المقاوم، وأودّ أن أتحدّث قليلاً بشأن القضايا الثقافية. إنّكم تعلمون بأنّ القضايا الثقافية تحتلّ في نظري ورؤيتي أهمية بالغة، وإنّي أُعطي لهذه المسائل فائق الأهمية. والموضوع الذي أودّ طرحه في هذا اليوم، هو نفسه الذي طرحته في العام الماضي أو الذي قبله على ما يبدو، في هذا الاجتماع الذي يُعقد بداية كلّ سنة ، وهو أنّ المجموعات الشعبية المندفعة من تلقاء نفسها للقيام بالعمل الثقافيّ – ويصل حالياً عددها في جميع أرجاء البلاد إلى آلاف المجموعات التي تتصدّى بنفسها للمبادرة والفكر والجهد والعمل الثقافيّ – لا بدّ وأن تنمو بشكل متصاعد، وأن تحظى بمساعدة الأجهزة الحكومية. فبدل أن تفتح الأجهزة الحكومية المعنية بالشؤون الثقافية أحضانها للذين لا يؤمنون بالإسلام، وبالثورة، وبالنظام الإسلاميّ، وبالقيم الإسلامية، يجب أن تفتح أحضانها للشباب المسلم المؤمن الثوريّ الولائيّ، فإنّ هؤلاء هم الذين بمقدورهم إنجاز الأعمال، وهم بالفعل يُنجزون أعمالهم ويقدّمون إنجازات ثقافية قيمة. وشبابنا الثوريّ بوسعه بذل الجهود والمساعي في جميع المجالات.
أيها الشباب الأعزّاء! البلد لكم، والمستقبل لكم، واليوم هو أيضاً لكم، واعلموا أنّكم إذا حضرتم في الساحة، وقطعتم الخطى بالإيمان بالله والتوكّل عليه، وكنتم على ثقة بأنفسكم، لا تستطيع أمريكا ولا من هو أكبر من أمريكا ارتكاب أيّة حماقة!
إلهنا! اجعل كل ما قلناه وسمعناه لك، وفي سبيلك، وتقبّله بكرمك.
إلهنا! بحقّ محمّد وآل محمّد اجعل أرواح الشهداء الأبرار، والروح الطاهرة للإمام الخمينيّ العظيم راضية عنّا.
إلهنا! أسبغ على شعبنا عزّة متزايدة، وشوكة متزايدة، وقوّة متزايدة، وطاقة متزايدة في كلّ المجالات.
إلهنا! لا تحرمنا من خدمة هذا الشعب، وخدمة الإسلام والمسلمين، وخدمة هذا البلد.
إلهنا! بحقّ محمّد وآل محمّد تفضّل علينا بكلّ ما قلناه، وما سألناه، وما أنت تعلم بحاجتنا إليه دون أن نذكره.
إلهنا! احشر الروح الطاهرة لأخينا العزيز المرحوم الشيخ الطبسي (رضوان الله تعالى عليه) مع أوليائك.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 https://t.me/wilayahinfo

5

شاهد أيضاً

9

ومن مشى إلى مسجد يطلب فيه الجماعة

اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين وعجل فرجهم 1- قال الرسول (صلى الله ...