الرئيسية / مقالات اسلامية / عقيدتنا / دراسة لحياة صحابي روى عن رسول الله صلى الله عليه واله – أبو هريرة
19

دراسة لحياة صحابي روى عن رسول الله صلى الله عليه واله – أبو هريرة

تأليف: الامام السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي05

الصفحة 40

قال مضارب بن جزء (1): كنت اسير في الليل فاذا رجل يكبر فلحقته فاذا هو أبو هريرة، فقلت: ماهذا؟. قال: اشكر الله على ان كنت اجيراً لبسرة بنت غزوان بطعام بطني؛ فكنت إذا ركبوا سقت بهم، وإذا نزلوا خدمتهم والآن تزوجتها فأنا الأن اركب، فاذا نزلت خدمتني «قال» وكانت اذا اتت على مكان سهل نزلت فقالت: لا اريم حتى تجعل لي عصيدة، فها اناذا إذا اتيت على نحو من مكانها قلت لها: لا اريم حتى تجعلي لي عصيدة (2).

وكان كثيراً ما يقول ـ وهو أمير المدينة ـ: نشأت يتيما، وهاجرت مسكيناً، وكنت اجيراً لبسرة بن غزوان بطعام بطني، وعقبة رجلي، فكنت اخدم اذا نزلوا، واحدوا اذا ركبوا فزوجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قواما، وجعل أبا هريرة اماما (3).

وقال مرة: اكريت نفسي من ابنة غزوان على الطعام بطني وعقبة رجلي قال: فكانت تكلفني ان اركب قائماً؛ واورد حافياً، فلما كان بعد ذلك زوجنيها الله فكلفتها ان تركب قائمة وان تورد حافية (4)!!!

وصلى بالناس يوماً فلما سلم رفع صوته فقال: الحمد لله الذي جعل الدين قواماً، وجعل أبا هريرة اماما، بعد ان كان اجيراً لابنة غزوان على شبع بطنه وحمولة رجله (5).

____________

(1) فيما اخرجه أبو العباس السراج في تاريخه بسند صحيح ونقله العسقلاني في ترجمة أبي هريرة من اصابته.

(2) اخرجه ابن خزيمة، ونقله ابن حجر في ترجمة أبي هريرة من الاصابة.

(3) أخرجه ابن سعد في أوائل ترجمة أبي هريرة: ص53 من القسم الثاني من الجزء الرابع من الطبقات.

(4) أخرج ابن سعد هذا الحديث في أوائل الصفحة الآنفة الذكر.

(5) أخرجه أبو نعيم الاصفهاني في ترجمة أبي هريرة آخر ص1/379 من حليته.

الصفحة 41

وقام مرة على منبر رسول الله صلى الله عليه واله وهو أمير المدينة فقال: الحمد لله الذي اطعمني الخمير، وألبسني الحرير؛ وزوجني بنت غزوان بعد ما كنت اجيراً لها بطعام بطني، فأرحلتني فأرحلتها كما أرحلتني الحديث. (1).

ـ 9 ـ
تطوره في شكر أياديهم

استعبد بنو أمية أبا هريرة ببرهم، فملكوا قيادة. واحتلوا سمعه وبصره وفؤاده، فاذا هو لسان دعايتهم في سياستهم؛ يتطور فيها على ما تقتضيه اهواؤهم.

فتارة يفتئت الأحاديث في فضائلهم، كما سمعته في الفصل الخامس والفصل السابع (2) من هذا الاملاء.

وتارة يلفق احاديث في فضائل الخليفتين نزولا على رغائب معاوية وفئته الباغية. اذ كانت لهم مقاصد سياسية ضد الوصي وآل النبي لا تتسق لهم ـ فيما كانوا يظنون ـ إلا بالاشادة بتفضيل الخليفتين، فاقأت في ذلك احاديث اوردنا بعضها في الفصل السابع من املائنا هذا.

وحسبك مما لم نورده ثمة حديثه في تأمير أبي بكر على الحج سنة براءة ـ وهي سنة تسع للهجرة ـ وحديثه في أن عمر كان محدثاً تكلمه الملائكة.

وقد اقتضت سياسة الأمويين في نكاية الهاشميين تثبيت هذين الحديثين واذاعتهما بكل مالمعاوية وأعوانه. ومقوية سلطانه من وسيلة أو حلية، فبلغوا

____________

(1) أخرجه أبو نعيم في أحوال أبي هريرة: 1/384 من الحلية.

(2) الفصل الخامس يتعلق باحواله على عهد عثمان، والسابع يتعلق باحواله على عهد معاوية.

الصفحة 42

في ذلك ماشاء حولهم ولحولهم حتى أخرجتهما الصحاح؛ وستسمعهما في الفصل 11 حيث نوردهما ونبسط القول فيهما على ما يوجبه العلم، وتقتضيه قواعده ان شاء الله تعالى.

وتارة يقتضب أحاديث ضد أمير المؤمنين جرياً على مقتضى تلك السياسة كقوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: لم تحبس الشمس أو ترد لأحد إلا ليوشع ابن نون ليالي سار الى بيت المقدس أهـ (1).

وقوله: قام رسول الله صلى الله عليه واله حين أنزل الله عليه: (وأنذر عشيرتك الأقربين) فقال: يا معشر قريش الحديث، بتره ابو هريرة فلم يعج على نصه الصريح تحريفاً للكلم عن مواضعه جريا على مقتضيات السياسة الأموية ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وقوله: إن رسول الله صلى الله عليه واله قال: لايقتسم ورثني ماتركت. الحديث

وقوله: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمه أبي طالب: قل لا إله إلا الله الحديث وآخره فأنزل الله تعالى: (انك لاتهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) (2) الى كثير من المختلقات التي أريد بها نكاية الوصي وأهل بيت النبي.

قال الامام أبو جعفر الاسكافي (3): إن معاوية حمل قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في على تقتضي الطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا له ما أرضاه، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزيبر إلى آخر كلامه.

____________

(1) أخرجه الخطيب في ترجمة أسود بن عامر: 7/35 من تاريخ بغداد، وفي ترجمة سعيد بن عثمان الحناط: 9/99 عن أبي هريرة.

(2) سنفصل القول في هذه الاحاديث الثلاثة، حيث نوردها في الفصل 11 من هذا الاملاء فراجع.

(3) كما في: 1/358 من شرح نهج البلاغة الحميدي.

الصفحة 43

وقال (1): لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته مراراً!! وقال يا أهل العراق اتزعمون اني كذب على الله ورسوله واحرق نفسي بالنار؟ والله لقد سمعت رسول الله يقول: ان لكل نبي حرماً وان المدينة حرمي فمن احدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين «قال» واشهد بالله ان علياً احدث فيها!! فلما بلغ معاوية قوله أجازه واكرمه وولاه امارة المدينة أهـ (2).

وتارة يرتجل أحاديث يدافع بها عن منافق بني أمية الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه واله في كثير من مواقفه ليسجل عليهم بذلك خزياً يأمن به على الدين من نفاقهم وعلى الأمة من عيثهم: (وما ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى).

لكن أبا هريرة تزلف الى مروان ومعاوية وأوليائهما فأنشأ يقول:

سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: اللهم انما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعل ذلك كفارة له وقربة تقربه بها اليك يوم القيامة.

وقد عمل مروان وبنوه في تعداد أسانيده وتكثير طرقه اعمالا جبارة لم يألوا فيها جهداً، ولم يدخروا وسعاً؛ حتى أخرجه أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد.

____________

(1) كما في: 359 من المجلد المذكور من شرح النهج.

(2) وروى سفيان الثورى عن عبد الرحمن بن قاسم عن عمر بن عبد الغفار ان أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية كان يجلس بالعشيات بباب كندة ويجلس الناس اليه فجاءه شاب من الكوفة ـ لعله الأصبغ بن نباتة ـ فجلس اليه فقال: يا أبا هريرة أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي بن أبي طالب: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه؟ فقال: اللهم نعم قال: فأشهد بالله لقد واليت عدوه وعاديت وليه ثم قام عنه وانصرف.

الصفحة 44

ولمروان وبنيه في رفع مستوى أبي هريرة وتفضيله على من سواه في الحفظ والضبط والاتقان والورع أعمال كان لها أثرها الى يومنا هذا.

فمنها: أن مروان كان يزعم انه أجلس كاتبه في مكان لايراه فيه أحد؛ ثم دعا أبا هريرة فجعل يسأله عن أشياء وأكثر في سؤاله وأبو هريرة يحدثه في الجواب عن رسول الله وكاتب مروان ـ واسمه زعيزعة (1) ـ يكتب من حيث لا يشعر به أحد أبداً فكتب أحاديث جمة ثم أمهله مروان حولا كاملا فسأله تلك المسائل كلها، فأجابه أبو هريرة تلك الأجوبة بألفاظها لم ينقص ولم يزد وأذاع مروان وكاتبه هذه الأكذوبة بين طغام أهل الشام فسارت كل مسير حتى أخرجها الحاكم في أحوال أبي هريرة من مستدركه (2).

ومنها: أن مروان لما أراد أن يجلب على بني هاشم بخيله ورجله ليمنعهم من دفن الإمام أبي محمد الحسن المجتبى ـ عند جده رسول الله صلى الله عليه واله أوعز إلى أبي هريرة ـ من تدجيله ـ أن يعارضه ويغلظ له القول في ذلك علانية؛ تمويهاً على العامة وسواد الناس بأن له منزلة الصديقين لا تأخذه في الله ورسوله سطوة ولا تمنعه عن الانتصار لهما قوة.

وحين قام أبو هريرة بهذه المعارضة، أظهر مروان الغضب منه، مكان بينهما صحب رياء، وغيظ تصنع؛ اشتد أبو هريرة فيهما احتجاجا على مروان بمنزلته من رسول الله صلى الله عليه واله التي لم تكن لخاصة أصحابه وذويه وبوعيه عنه صلى الله عليه واله وحفظه الذي فاق به السابقين الأولين كعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير

____________

(1) وكنيته ابو زعبره.

(2): 3/510.

(3) في حديث أخرجه ابن سعد من طريق الوليد بن رباح، ونقله ابن حجر في ترجمة ابي هريرة من اصابته، وسنورده بالفاظه في فضائله من هذا الاملاء معلقين عليه مالا يسعنار اغفاله.

الصفحة 45

وأمثالهم. واسترسل في خصائصه التي توجب له أسمى منازل المقربين؛ فانتهت الخصومة بينهما ببخوع مروان لمنزلة أبي هريرة في الإسلام، ومكانته في العالم بالسنن، برأئى الناس ببخوعه لفضل أبي هريرة ترويجاً لسلعته التي كان مروان ومعاوية وبنوهما يحاربون بها الحسن والحسين وأباهما وبنيهما. وكانت من أنجع الدعايات في تلك السياسات: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمّ يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون).

ـ 10 ـ
كمية حديثه

أجمع أهل الحديث ـ كما في ترجمتة من (الإصابة) (1) وغيرها ـ علىانه اكثر الصحابة حديثاً، وقد ضبط الجهابذة من الحفظة الاثبات حديثه؛ فكان خمسة آلاف وثلاثمائة وسبعين مسنداً. وله في البخاري فقط اربعمائة وستة واربعين حديثاً (2).

وقد نظرنا في مجموع ما روى من الحديث عن الخلفاء الأربعة فوجدناه

____________

(1) راجع السطر الأخير: 4/240 من الاصابة المطبوع في هامشها كتاب الاستعياب.

(2) راجع من إرشاد الساري شرح أول حديث لأبي هريرة أخرجه البخاري في صحيحه وهو باب امور الايمان من كتاب الايمان: 1/212 من الأشاد للشارح القسطلاني تجد النص ثمة على أن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه واله: 5374 حديثاً وان له في صحيح البخاري فقط اربعمائة وستة واربعين حديثاً وضبظ ابن حزم ايضا مجموع ما حدث به أبو هريرة فكان كما سمعت: 5374 مسنداً فراجع: 4/138 من فصل ابن حزم أثناء كلامه في وجوه المفاضلة.

الصفحة 46

بالنسبة إلى حديث أبي هريرة وحده أقل من السبعة والعشرين في المائة؛ لأن جميع ما روى عن أبي بكر انما هو مائة واثنان واربعون حديثاً (1) وكل ما اسند الى عمر انما هو خمسائة وسبعة وثلاثين حديثاً (2) وكل ما لعثمان مائة وستة واربعين حديثاً (3) وكلما رووه عن على خمسمائة وستة وثمانين مسنداً (4) فهذه الف واربعمائة واحد عشر حديثاً، فاذا نسبتها إلى الحديث أبي هريرة وحده ـ وقد عرفت انه: 5374 ـ تجد الأمر كما قلناه.

فلينظر ناظر بعقله في ابي هريرة، وتأخره في اسلامه، وخموله في حسبه وأميته، وما إلى ذلك مما يوجب اقلاله. ثم لينظر إلى الخلفاء الأربعة وسبقهم واختصاصهم، وحضورهم تشريع الاحكام، وحسن بلائهم في اثنتين وخمسين سنة، ثلاث وعشرين كانت بخدمة رسول الله صلى الله عليه واله وتسعة وعشرين من بعده ساسوا فيها الأمة وسادوا الامم، وفتح الله لهم ملك كسرى وقيصر؛ فمدنوا المدن؛ ومصروا الأمصار، ونشروا دعوة الإسلام وصدعوا بأحكامه،

____________

(1) ضبطها الجهابذة، فكانت بهذا العدد، وممن صرح بعدتها جلال الدين السيوطي في أحوال أبي بكر من كتابه(تاريخ الخلفاء) وقد أوردها ثمة باجمعها في فصل افرده لها. وصبطها أيضاً العلامة النووي في التهذيب وابن حرم الظاهري في: 4/137 من الفصل في الملل والنحل فنص على انها بهذا العدد، والذهبي صرح (في ترجمة ابراهيم بن سعيد الجوهري من ميزان الاعتدال): بانه لايصح لأبي بكر عشرون حديثاً.

(2) قال السيوطي في أوائل ترجمة عمر من تاريخ الخلفاء: وروى له عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسمائة حديث وتسعة وثلاثين حديثا، وضبطها ابن حزم بهذا العدد في: 4/138 من فصله وقال: إنما يصح منها نحو خمسين.

(3) نص على ذلك جلال الدين السيوطي في أوائل أحوال عثمان من تاريخ الخلفاء.

(4) كما نص عليه السيوطي في أوائل ترجمة على من تاريخ الخلفاء وصرح به ابن حزم في: 4/137 من فصله.

الصفحة 47

وأذاعوا السنن، ينحدر عنهم السيل، ولا يرقى اليهم الطير؛ فكيف يمكن والحال هذه أن يكون المأثور عن أبي هريرة وحده أضعاف المأثور عنهم جميعاً افتونا يا اولي الالباب؟!.

وليس ابو هريرة كعائشة وان اكثرت أيضاً؛ فقد تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل إسلام أبي هريرة بعشر سنين (1) فكانت في مهبط الوحي والتنزيل ومختلف جبرائيل وميكائيل أربعة عشر عاماً، وماتت قبل موت أبي هريرة بيسير (2).

وشتان بين الصحبتين ويبن الفطنتين، اما امر الصحبتين فمعلوم، واما الفطنتان فقد كان فهم عائشة يبارى سمعها. وقلبها يسبق اذنها؛ فلا أرشح منها فؤاداً، ولا أسرع تناولا، ما نزل بها شئ إلا انشدت فيه شعراً، وعن عروة ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة. وعن مسروق رأيت مشيخة من أكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض.

على انها اضطرب إلى نشر حديثها إذ بثت دعاتها في الأمصار، وقادت إلى البصرة ذلك العسكر الجرار. ومع هذا فان جميع ما روى عنها انما هو عشرة

____________

(1) اخرج ابن البر في احوال عائشة من الاستيعاب عن ابن شهاب ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزوج عائشة في شوال سنة عشر من النبوة قبل الهجرة بثلاث سنين وعرس بها في المدينة في شوال على رأس ثمانية عشر شهراً من مهاجرته إلى المدينة أهـ فيكون زواجها قبل أسلام أبي هريرة بعشر سنين، إذ لاريب في ان اسلامه انما كان سنة سبع.

(2) توقيت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة سبع وخمسين أو ثمان وخمسين قبيل وفاة أبي هريرة بيسير، وهو الذي صلى عليها بامر الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان والياً على المدينة من قبل عمه معاوية اراد كرام أبي هريرة فامره بالصلاة عليها ودفنت بالبقيع.

الصفحة 48

مسانيد ومائتا مسند والفا مسند (1) فحديثها أقل من نصف حديث أبي هريرة.

ولو ضمت حديثها وحديث أم سلمة مع بقائها الى ما بعد وقعة الطف، وجمعت ذلك كله إلى حديث البقية من أمهات المؤمنين؛ وحديث سيدى شباب أهل الجنة وسيدة نساء العالمين وحديث الأربعة من خلفاء المسلمين ما كان كله إلا دون حديث أبي هريرة وحده! وهذا أمر مهول الفت اليه ارباب العقول.

* * *

على انه كان مع ذلك يزعم ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضى اليه بأحاديث لن يميط حجابها لأحد ولا ينالها منه متسقط (2) فهي دخلة ضميره ودفينة صدره وابو هريرة حصين الصدر: بعيد غور الضمير! كما تعلمون: ولذا قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته، واما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم (3).

وقال: لو أنباتكم بكل ما أعلم الرماني الناس بالخزف، وقالوا: أبو هريرة مجنون.

وقال: لو حدثتكم بكل مافي جوفي لرميتوني بالبعر.

وقال: يقولون اكثرت يا أبا هريرة والذي نفسي بيده لوحدثتكم بكل

____________

(1) فيما ضبطه ابن حزم الظاهري في: 4/138 من فصله وغير واحد من الحفظة وأهل الضبط، واما قول القائل:

حفظت اربعين الف حديث * ومن الذكر آية تنساها

فليس على حقيقيه وإنما هو كناية عن كثرة حفظها.

(2) يقال: تسقطه عن سره، أي احتال له اباح به.

(3) أخرجه البخاري في باب حفظ العلم من كتاب العلم: 1/24 من صحيحه.

الصفحة 49

شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرميتموني بالقشع ـ يعني المزابل ـ ثم ما ناظرتموني (1).

وقال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث ما حدثتكم بها ولو حدثتكم بحديث منها لرجمتموني بالأحجار (2).

قال: حفظت من رسول الله خمسة جرب فأخرجت منها جرابين ولو أخرجت الثالث لرجمتموني بالحجارة (3).

قلت: إن أبا هريرة لم يكن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولي عهده، ولاخليفته من بعده، ليؤثره باسراره، ويفضي اليه من العلوم مالم يفض بها إلى أحد من خاصته.

وما الفائدة بافضاء تلك الأسرار اليه؟! وهو رجل ضعيف ذو مهانة تمنعه عن أن ينبس في شئ منها ببنت شفة. فاذا نبس رجم بالحجارة ورمى بالبعر وبالمزابل. واذا حدث بشئ من تلك العلوم قطعوا منه البلعوم.

وهلا أفضى بها إلى الخلفاء من بعده؛ الغزاة الفاتحين الذين عنت لهم وجوه الأمم، وخضعت لأقوالهم رقاب العرب والعجم، وساقوا الناس الى ما أرادوا بعضاً واحدة، فانهم أولى بما يدعيه أبو هريرة إذ لو كانت عندهم تلك الاسرار لانتشرت انتشار الشمس في الاقطار، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل عبثاً

____________

(1) هذه الاحاديث الثلاثة ذوات الخزف والبعر والقشع أخرجها بالاسناد اليه ابن سعد في ترجمته: 57 من القسم الثاني من الجزء الرابع من الطبقات.

(2) أخرجه الحاكم في ترجمة أبي هريرة من المستدرك، فراجع: 509 من جزئه الثالث وقد صححه، وكذلك فعل الذهبي في تلخيصه وما أعز نفس أبي هريرة عليه إذ يقول: لرجمتموني بالأحجار بالخزف بالبعر بالمزابل. وكذلك حين يحدث عن نفسه فيقول: يجيء الجائي فيضع رجله على عنقي. وحين يحدث عن بطنه وقمله وسائر شؤونه.

(3) أخرجه أبو نعيم في أحوال أبي هريرة: 381 من حليته.

 

 

 

مركز الأبحاث العقائدية

 

https://t.me/wilayahinfo

 

[email protected]

شاهد أيضاً

1384840881263

أحاديث أهل البيت عليهم السلام

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف الأنبياء والمرسلين محمد ...