الرئيسية / مقالات اسلامية / عقيدتنا / دراسة لحياة صحابي روى عن رسول الله صلى الله عليه واله – أبو هريرة
58f573eb-c0dd-4845-9c0b-ca3bb06827a0

دراسة لحياة صحابي روى عن رسول الله صلى الله عليه واله – أبو هريرة

تأليف: الامام السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي09

يحيل وقوع الشك من الانبياء عليهم السلام كافة، وهذا من الامور المسلمة.

اما قوله تعالى: (وإذ قال ابراهيم ربي ارني كيف تحي الموتى) فظاهر في ان ابراهيم عليه السلام انما سأل ربه عن كيفية الاحياء لا عن الاحياء نفسه؛ وهذا لا يتأتى الا اذا كان نفس الاحياء محققاً معلوماً لدى ابراهيم.

وبعبارة اوضح الاستفهام بكيف انما هو سؤال عن حال شئ موجود معلوم الوجود لدى السائل والمسؤول نحو: كيف زيد، يعني اصحيح هو مثلا أم مريض؟ وكيف فعل زيد أي احسناً فعل مثلا أم قبيحاً؟ وكيف وقعت القضية أو كيف تقع يعني اعلى ما نريد مثلا أم على خلاف ما نريد؟ وعلى هذا فقوله: ارني كيف تحي الموتى، انما هو طلب لأن يريه كيفية ما قد علمه وتقرر لديه من احياء الموتى.

لكن لما كان مثل هذا الطلب قد يكون ناشئا عن الشك في القدرة على الاحياء، وربما يتوهم من يبلغه هذا الطلب ممن لايعرف مقام ابراهيم انه عليه السلام قد شك في القدرة اراد الله تعالى بسبب ذلك ان يرفع هذا التوهم ببيان منشأ طلبه فقال له: أو لم تؤمن؟ قال: بلى، أي: أنا مؤمن بالقدرة ولكني انما طلبت ذلك ليطمئن قلبي بسبب رؤية الكيفية التي نجى بها الموتى بعد تفرق اجزائها في مضامين القبور وأوجار الطيور وبطون السباع، ومطارح المهالك من البر والبحر، وكأن قلبه عليه السلام قد ولع برؤية الكيفية فقال: ليطمئن قلبي؛ أي لتبرد غلة شوقه برؤيتها.

هذا هو المراد من الآية الكريمة، ومن نسب الشك اليه صلوات الله وسلامه عليه فقد ضل ضلالاً مبيناً.

(ثانيها) ان الظاهر من قوله: نحن أولي بالشك من ابراهيم تبوت الشك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولسائر الأنبياء، وانهم جميعاً اولى به من ابراهيم.

ولو فرض عدم ارادة الأنبياء جميعاً فارادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما لابد

الصفحة 81

منها، والحديث نص صريح في أنه أولى بالشك (سبحانك هذا بهتان عظيم) قد انعقد الاجماع على بطلانه، وتصافق العقل والنقل على امتناعه.

وما ندرى والله لم كان صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالشك من ابراهيم مع ما آتاه الله مما لم يؤت ابراهيم وغيره من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين.

ووصيّه أمير المؤمنين عليه السلام انما كان الباب من مدينة علمه وانما هو منه بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بنبي، وقد قال عليه السلام لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً (1) فما الظن بسيد المرسلين، وخاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم أجمعين.

(ثالثها): ان قوله: ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد تنديد بلوط ورد عليه؛ وتهمة له بما لا يليق بمنزلة من الله عز وجل وحاشاه أن يكون قليل الثقة بالله وانما أراد أن يستفز عشيريه وذويه ويستظهر بفصيلته التي تؤويه نصحاً منه لله عز وجل في أمر عباده بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان يندد بلوط أو يفند قوله ومعاذ الله أن يظن به إلا ما هو أهله ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم انذر بكثرة الكذابة عليه.

(رابعها): ان قوله: ولو لبثت في السجن طول مالبث يوسف لأجبت الداعي ظاهر في تفضيل يوسف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا خلاف مااجمعت عليه الأمة وتواترت به الصحاح الصريحة وثبت بحكم الضرورة بين المسلمين.

فان قلت: انما كان هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تواضعاً ليوسف واعجاباً بحزمه وصبره وحكمته في اثبات براءته حتى حصحص الحق قبل خروجه من السجن.

____________

(1) هذه الكلمة مستفيضة عنه عليه السلام وقد اشار اليها البوصيري في همزيته اذ يقول:

ووزير ابن عمه في المعالي * ومن الاهل تسعد الوزراء
لم يزده كشف الغطاء يقينا * بل هو الشمس ما عليه غطاء

الصفحة 82

(قلنا) لا يجوز مثل هذا الكلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولو كان على سبيل التواضع؛ لاشتماله على خبر غير مطابق للواقع، لأنه لو ابتلي بما ابتلى به يوسف لكان اصبر من يوسف وأولى منه بالحزم والحكمة؛ وبكل ما يتحصحص به الحق، وهيهات أن يجيب الداعي بمجرد أن يدعوه الى الخروج فتفوته الحكمة التي آثرها يوسف إذ قال لرسول الملك حين أخلى سبيله: ارجع إلى ربك ـ أي صاحبك ـ فأسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن أن ربي بكيدهن عليم، قال ـ يعني الملك ـ: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه، قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وانه لمن الصادقين.

فما خرج من السجن حتى تجلت براءته كالشمس الضاحية ليس دونها سحاب.

ولئن اخذ يوسف بالحزم فلم يسرع بالخروج من السجن حتى تمّ له ما أراد، فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد مثل الصبر والاناة والحلم والحزم والعزم والحكمة والعصمة في كل أفعاله وأقواله وهو الذي لو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في شماله على ان يترك الأمر ما تركه.

وكان الأولى أن يقول أبو هريرة في هذا المقام: ولو لبث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السجن اضعاف اضعاف ما لبث فيه يوسف ماتوسل إلى خروجه منه بما توسل اليه يوسف إذ قال للذي ظن انه ناج من صاحبي السجن ـ اذكرني عند ربك ـ أي صفني عند الملك بصفاتي وقص عليه قصتي لعله يرحمني ويتداركني من هذه الورطة (فأنساه الشيطان ذكر ربه) أي ان الشيطان أنسى الرجل ان يذكر يوسف لربه ـ أعني الملك ـ (فلبث في السجن بضع سنين) وكان نسيان الرجل ولبث يوسف في السجن يضع سنين انما كانا تنبيهاً له إلى انه قد فعل غير الاولى إذ كان الاولى به أن لا يتوسل الى رحمة الله بغير الله عز وجل كما هو المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد مني صلى الله عليه وآله وسلم بما هو أعظم محنة من سجن يوسف

الصفحة 83

وابتلى بما هو اكثر ضرراً واكبر خطراً من كل ما قاساه آل يعقوب عليه السلام فما وهن ولا استكان ولا استعان إلا بالله وقد حوصر وجميع عشيرته في الشعب سنين؛ فكانوا في منتهى الضائقة واوذي في نفسه وعشيرته والمؤمنين به بما لم يؤذ به نبي قبله واجلبوا عليه بما لديهم من حول وطول، فاتل ان شئت: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليقتلوك أو يثبتوك أو يخرجوك) واقرأ: (ان لا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين اذهما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) وأمعن في قوله عز أسمه: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) وتدبر قوله عز سلطانه: (إذ تصعدون ولا تلوون على احد والرسول يدعوكم في اخراكم فاثابكم غماً بغم) وانعم النظر في قوله عن الأحزاب: (إذ جاؤوكم من فوقكم ومن اسفل منكم واذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنا لك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديداً) واوغل في البحث عن وقعة هوازن وحسبك منها: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) الى كثير من مواقفة الكريمة التي خاض فيها الأهوال فكان فيها أرسى من الجبال يتلقى شدائدها برحب صدره وثبات جنانه فتنزل منه في بال واسع وخلق وادع لم يتوسل في الخروج من عسر إلى يسر إلا بالله وحده ولم يتذرع إلى شئ ما من شوؤنه إلا بالصبر والتوكل على الله تعالى فأين من عزائمه في صبره وحلمه وحكمه عزائم يوسف ويعقوب؟ واسحاق وابراهيم وسائر النبيين والمرسلين صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين.

الصفحة 84

11 ـ جراد الذهب المتساقط على أيوب وهو يغتسل ومعاتبة الله إياه على ماحشاه في ثوبه

أخرج الشيخان بطرق متعددة (1) عن أبي هريرة مرفوعاً قال: بينا أيوب يغتسل عرياناً فخر عليه (2) جراد من ذهب فجعل أيوب يحتثى في ثوبه فناداه ربه ألم أكن أغنيك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك ولكن لا غنى بي عن بركتك.

(قلت): لا يركن إلى هذا الحديث إلا أعشى البصيرة، مظلم الحس، فان خلق الجراد من ذهب آية من الآيات؛ وخوارق العادات وسنة الله عز وجل في خلقه ان لا يخلق مثلها إلا عند الضرورة كما لو توقف ثبوت النبوة عليها فتأتي حينئذ برهاناً على النبوة دليلا على الرسالة وما كان الله ليخلقها عبثاً وجزافاً فتخر على أيوب عليه السلام وهو منفرد بنفسه يغتسل عرياناً كما يزعم أبو هريرة.

ولو خرت عليه فجعل يحتثي في ثوبه لكان ذلك في محله لانها نعمة من الله خارقة لم يحتسبها فيقتضي شكرها بتعظيم شأنها وتلقيها بكل قبول ولا يحسن منه الاعراض عنها والاستخفاف بها وقد اختصه الله فيها لأن فيه من كفران النعمة ما يجب تنزيه الانبياء عنه.

والانبياء إذا جمعوا المال فانما يجمعونه لينفقوه في سبيل الله وابتغاء مرضاته وليستعينوا به على مشاريعهم الاصلاحية والله عز وجل خبير بهم عليم بنواياهم فلا يعاتبهم على جمعه ابداً.

____________

(1) راجع من البخاري: 1/42 من صحيصه قبل كتاب الحيض بأقل من صفحتين و: 2/160 قبل حديث الخضر مع موسى بأقل من صفحتين.

(2) هكذا في صحيح البخاري والأصح إذ خر عليه.

الصفحة 85

12 ـ التنديد بموسى اذ قرصته نملة فاحرق قريتها!!!

أخرج الشيخان بالاسناد إلى أبي هريرة مرفوعاً قال: قرصت نملة نبياً من الانبياء ـ هو موسى بن عمران فيما نص عليه الترمذي (1) فأمر بقرية النمل فأحرقت الله اليه ان قرصتك نملة احرقت أمة من الامم تسبح الله!؟ (2).

إن أبا هريرة مولع بالانبياء عليهم السلام هائم بكل مصيبة غريبة تقذى بها الابصار وتصتك منها المسامع وان انبياء الله لا عظم صبراً وأوسع صدراً، وأعلى قدراً، مما يحدث عنهم المخرفون.

وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام يقول في خطبة له (3): والله لو أعطيت الاقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلت وان دنياكم لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى.

وعلي عليه السلام ما كان نبياً وانما هو وصي وصديق وهذه حاله تمثل عصمة الأنبياء عما ينسبه الجاهلون اليهم، وما كان الله ليصطفي لرسالاته ويختص بمناجاته من لا يتنزه عن ذلك؛ تعالى الله وتعالت رسله عما يقوله المخرفون علواً كبيرأ.

____________

(1) كما نص عليه القسطلاني في شرح هذا الحديث من ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 6/288.

(2) أخرجه البخاري في آخر: 2/114 في أواخر كتاب الجهاد والسير من صحيحه’ وأخرجه مسلم في باب النهي عن قتل النمل: 2/267 من صحيحه في كتاب قتل الحيات وغيرها وأخرجه أبو داود في الادب وابن ماجة والنسائي في الصيد، واخرجه أحمد من حديث أبي هريرة في مسنده.

(3) خطبها في تهويل الظلم وتبرئه منه وبيان صغر الدنيا في نظره والخطبة في نهج البلاغة أولها والله لئن ابيت على حسبك السعدان مسهدا.

الصفحة 86

وما أدري واالله ماذا يقول مصححوا هذا الحديث فيما فعله هذا النبي من تعذيب النمل بالنار؟ مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يعذب بالنار إلا الله وقد أجمعوا على أنه لا يجوز الاحراق بالنار للحيوان مطلقاً إلا إذا حرق انسان انساناً فمات بالاحراق فلوليه الاقتصاص باحراق الجاني وسواء في منع الاحراق بالنار النمل وغيره من سائر الحيوانات للحديث المشهور (لا يعذب بالنار إلا الله) (1).

وأخرج أبو داود باسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد.

13 ـ سهو النبي عن ركعتين

أخرج الشيخان فيما جاء في السهو في صحيحيهما عن أبي هريرة قال صلى النبي إحدى صلاتي العشى واكثر ظني العصر (2) ركعتين ثم سلم ثم قام الى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها (3) وفيهم أبو بكر وعمر فهابا ان يكلماه وخرج سرعان الناس فقالوا: اقصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي ذو اليدين (4) فقال: انسيت أم قصرت؟ فقال: لم أنس ولم تقصر: قال: بلى

____________

(1) نقله النووي في شرح هذ1 الحديث:11/6 من شرح صحيح مسلم المطبوع في هامش شرح البخاري.

(2) ما اورع ابا هريرة واحوطه في حديثه، الا تراه كيف لم يجزم انها العصر ولم يعول على ظنه!!.

(3) ورع ابي هريرة في حديثه يتمثل للناظرين بذكر هذه الخشبة ووضع النبي يده عليها إذ لا دخل لهما في موضوع هذا الكلام ولا في حكمة وانما دعاه الى ذكرها الاحتياط بنقل الوقائع بجميع حذافيرها؟؟.

(4) كذا في صحيح البخاري ولعل الصواب ذا اليدين.

الصفحة 87

نسيت! فصلى ركعتين! ثم سلم ثم كبر! افسجد الحديث. (1). وفيه كيفية سجود السهو؛ وأنت ترى ما فيه من الوجوه الحاكمة بامتناعه.

احدها: ان مثل هذا السهو الفاحش لا يكون ممن فرّغ للصلاة شيئاً من قلبه، أو أقبل عليها بشئ من لبه، وانما يكون من الساهين عن صلاتهم، اللاهين عن مناجاتهم، وحاشا انبياء الله من احوال الغافلين، وتقدسوا عن اقوال الجاهلين، فان انبياء الله عز وجل ولاسيما سيدهم وخاتمهم أفضل مما يظنون على أنه لم يبلغنا مثل هذا السهو عن أحد ولا أظن وقوعه الا ممن يمثل حال القائل:

أصلي فما أدري اذا ما ذكرتها * أثينتن صليت الضحى أم ثمانيا؟

وأما وسيد النبيين. وتقلبه في الساجدين، ان مثل السهو لو صدر مني لاستولى على الحياة واخذني الخجل واستخف المؤتمون بي وبعبادتي ومثل هذا لايجوز على انبياء الله ابداً.

الثاني ان الحديث قد اشتمل على ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لم أنس ولم تقصر فكيف يمكن أن يكون قد نسى بعد هذا؟ ولو فرضنا عدم وجوب عصمته عن مثل هذا السهو، فان عصمته عن المكابرة والتسرع بالاقوال المخالفة للواقع مما لا بد منه عند جميع المسلمين.

الثالث: ان أبا هريرة قد اضطرب في هذا الحديث، وتعارضت أقواله

____________

(1) نقلناه بلفظ البخاري في باب من يكبر في سجدتي السهو، واخرجه ايضاً في كل من البابين المذكورين قبله بلا فصل فراجع ابواب ما جاء في السهو:1/145 من صحيحه وأخرجه ايضاً مواضع أخر كثيرة يعرفها المتتبعون، اما مسلم فقد أخرجه في باب السهو في الصلاة والسجود له بطرق عديده فراجع: 1/215 من صحيحه، وأخرجه احمد في آخر: 2/234 من مسنده وفي مواضع آخر كثيرة.

الصفحة 88

فتارة يقول: صلى بنا احدى صلاتي العشى اما الظهر واما العصر ـ على سبيل الشك ـ واخرى يقول: صلى بنا صلاة العصر ـ على سبيل القطع بأنها العصر ـ وثالثة يقول: بينا أنا اُصلي مع رسول الله صلاة الظهر ـ على سبيل القطع بأنها الظهر ـ وهذه الروايات كلها ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم كليهما؛ وقد ارتبك فيها شارحو الصحيحين ارتباكا دعاهم الى التعسف والتكلف كما تكلفوا وتعسفوا في الرد على الزهري إذ جزم بان ذا اليدين الشمالين واحد لا اثنان، وقد أو ضحنا ذلك في كتابنا (تحقة المحدثين).

الرابع: ان ما اشتمل هذا الحديث عليه من قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مصلاه ووضع يده على الخشبة وخروج سرعان الناس من المسجد وقولهم أقصرت الصلاة؟. وقول ذي اليدين أنسيت أن قصرت؟. وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم أنس ولم تقصر. فقال له: قد نسيت؛ وقول النبي لأصحابه: أحق ما يقول قالوا: بلى نعم وغير ذلك مما نقله أبو هريرة (1) لمما يمحو صورة الصلاة بتاتاً، والمعلوم من الشريعة المقدسة يقيناً بطلان الصلاة بكل ماح لصورتها فلا يمكن بعد هذا بناؤه صلى الله عليه وآله وسلم على الركعتين الأوليتين لأنه يناقض الحكم المقطوع بثبوته عنه صلى الله عليه وآله وسلم فتأمل.

الخامس: أن ذا اليدين المذكور في الحديث انما هو ذو الشمالين (2) ابن عبد عمرو حليف بني زهرة، وقد استشهد في بدر، نص على ذلك امام بني زهرة وأعرف الناس بحلفائهم محمد بن مسلم الزهري كما في الاستيعاب والاصابة وشروح الصحيحين كافة وهذا هو الذي صرح به الثوري في أصح الروايتين عنه وأبو حنيفة حين تركوا العمل بهذا الحديث، وافتوا بخلاف مفاده ـ كما في

____________

(1) فان من جملة ما نقله في رواية اخرى انه صلى الله عليه وآله وسلم دخل الحجرة ثم خرج ورجع الناس.

(2) اسمه عمير، ويقال: عمرو كذا في الاصابة.

الصفحة 89

أواخر باب السهو والسجود له من شرح النووي لصحيح مسلم (1) ـ وحسبك حديث النسائي ـ مما يدل على ان ذا اليدين وذا الشمالين واحد ـ واليك لفظه: قال (2) فقال له ذو الشمالين ابن عبد عمرو: انقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما يقول ذو اليدين فصرح بان ذا الشمالين هو ذو اليدين، ومثله بل اصرح منه ما أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة (3) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي بكر بن سليمان ابن أبي خيثمة كليهما عن أبي هريرة، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر أو العصر فسلم في ركعتين، فقال له ذو الشمالين بن عبد عمرو (قال): وكان حليفاً لبني زهرة أخففت الصلاة أم نسيت؟. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يقول ذو اليدين؟ قالوا صدق، الحديث.

وأخرج أبو موسى من طريق جعفر المستغفرى كما ترجمة عبد عمرو بن نضلة من الاصابة بالاسناد إلى محمد بن كثير عن الاوزاعي عن الزهرى عن كل من سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال: سلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الركعتين فقام عبد عمرو (4) ابن نضلة رجل من خزاعة حليف لبني زهرة فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت؟. الحديث؛ وفيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اصدق ذو الشمالين؟.

فهذه الاحاديث كلها صريحة في أن اليدين المذكور في حديث أبي هريرة انما هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو وحليف بني زهرة، ولا ريب في ان ذا الشمالين المذكور قتل يوم بدر قبل يسلم أبو هريرة باكثر من خمس سنين، وان

____________

(1) في: 4/235 من الشرح وهو مطبوع في هامش ارشاد القسطلاني وتحفة زكريا الانصاري.

(2) كما في ص3/267 من ارشاد القسطلاني.

(3) كما في ص2/284 من المسند.

(4) كذا في الأصابة وقد عرفت انه قال: ان اسم ذي الشمالين عبد عمرو.

 

مركز الأبحاث العقائدية

 

https://t.me/wilayahinfo

 

[email protected]

شاهد أيضاً

5

الصواريخ هي للدفاع عن ايران والشعب ولا علاقة لها بالاتفاق النووي

قال رئيس الجمهورية حجة الاسلام حسن روحاني في تصريح لقناة NBC التلفزيونية الأمريكية، أن لهجة ...