الرئيسية / مقالات اسلامية / القرآن الكريم / قضايا المجتمع والأسرة والزواج على ضوء القرآن الكريم
5

قضايا المجتمع والأسرة والزواج على ضوء القرآن الكريم

ـ 7 ـ
التعقل والإحساس

أما منطق الاحساس ، فهو يدعوا إلى النفع الدنيوي ، ويبعث إليه فإذا قارن الفعل نفع وأحسن به الانسان فالإحساس متوقد شديد التوقان في بعثه وتحريكه ، وإذا لم يحس الانسان بالنفع فهو خامد هامد ، وأما منطق التعقل فإنما يبعث إلى اتباع الحق ويرى أنه أحسن ما ينتفع به الانسان أحس مع الفعل بنفع مادي أو لم يحس فإن ما عند الله خير وأبقى ، وقس في ذلك بين قول عنترة ، وهو على منطق الاحساس :

وقولي كلما جشأت وجاشت * مكانك تحمدي أو تستريحي

يريد أني استثبت نفسي كلما تزلزت في الهزاهز والمواقف المهولة من القتال بقولي لها : اثبتي فإن قتلت يحمدك الناس على الثبات وعدم الانهزام ، وإن قتلت العدو استرحت ونلت بغيتك فالثبات خير على أي حال ، وبين قوله تعالى … وهو على منطق التعقل ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون * قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون ) (1) .
يريد أن أمر ولايتنا وانصارنا إلى الله سبحانه لا نريد في شيء مما يُصيبنا من ضر أو شر إلا ما وعدنا من الثواب على الاسلام له والالتزام لدينه
____________
(1) سورة التوبة ، الآيتان : 51 ـ 52 .


( 36 )

كما قال تعالى : ( لا يُصبيهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين * ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كُتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ) (1) .
وإذا كان كذلك فإن قتلتمونا أو أصابنا منكم شيء كان لنا عظيم الأجر والعاقبة الحُسنى عند ربنا فإن قتلناكم أو أصبنا منكم شيئاً كان لنا عظيم الثواب والعاقبة الحسنى والتمكن في الدنيا من عدونا ، فنحن على أي حال سعداء مغبوطون ولا تتحفون لنا في قتالنا ولا تتربصون بنا في أمرنا إلا إحدى الحسنيين فنحن على الحسنى والسعادة على أي حال ، وأنت على السعادة ونيل البغية بعقيدتكم على أحد التقديرين ، وفي إحدى الحالين وهو كون الدائرة لكم علينا فنحن نتربص بكم ما يسؤوكم وأنتم لا تتربصون بنا إلا ما يسرنا ويسعدنا .
فهذان منطقان أحدهما يعني الثبات وعدم الزوال على مبنى إحساسي وهو أن الثابت أحد نفعين ، إما حمد الناس وإما الراحة من العدو ، هذا إذا كان هناك نفع عائد إلى الانسان المقاتل الذي يلقي بنفسه إلى التهلكة ، أما إذا لم يكن هناك نفع عائد كما لو لم يحمده الناس لعدم تقديرهم قدر الجهاد وتساوى عندهم الخدمة والخيانة ، أو كانت الخدمة مما ليس من شأنه أن يظهر لهم البتة أو لا هي ولا الخيانة ، أو لم يسترح الاحساس بفناء العدو بل إنما يستريح به الحق فليس لهذا المنطق إلا العيّ واللكنة .
وهذه الموارد المعدودة هي الاسباب العامة في كل بغي وخيانة وجناية يقول الخائن المساهل في أمر القانون : إن خدمته لا تقدر عند الناس بما يعد
____________
(1) سورة التوبة ، الآيتان : 120 ـ 121 .


( 37 )

لها وإن الخادم والخائن عندهم سواء بل الخائن أحسن حالاً وأنعم عيشاً ، ويرى كل باغ وجان انه سيتخلص من قهر القانون وأن القوى المراقبة لا يقدرون على الحصول عليه فيخفى أمره ويلتبس على الناس شخصه ويعتذر كل من يتثبط ويتثاقل في إقامة الحق والثورة على أعدائه ويداهنهم بأن القيام على الحق يذلـله بين الناس ، ويضحك منه الدنيا الحاضرة ، ويعدونه من بقايا القرون الوسطى أو أعصار الأساطير فإن ذكرته بشرافة النفس وطهارة الباطن رد عليك قائلاً : ما أصنع بشرافة النفس إذا جرت إلى نكد العيش وذلة الحياة .
وأما المنطق الآخر ، وهو منطق الاسلام فهو يبني أساسه على اتباع الحق وابتغاء الأجر والجزاء من الله سبحانه ، وإنما يتعلق الغرض بالغايات والمقاصد الدنيوية في المرتبة التالية وبالقصد الثاني ، ومن المعلوم أنه لا يشذ عن شموله مورد من الموارد ، ولا يسقط كليته من العموم والإطراد ، فالعمل ـ أعم من الفعل والترك ـ إنما يقع لوجهه تعالى ، وإسلاماً له واتباعاً للحق الذي أراده وهو الحفيظ العليم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولا عاصم منه ولا يخفى عليه شيء في الارض ولا في السماء ، والله بما تعملون خبير .
فعلى كل نفس فيما وردت مورد عمل أو صدرت ، رقيب شهيد قائم بما كسبت ، سواء شهده الناس أو لا ، حمدوه أو لا ، قدروا فيه على شيء أو لا .
وقد بلغ من حسن تأثير التربية الاسلامية أن الناس كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيعترفون عنده بجرائمهم وجناياتهم بالتوبة ، ويذوقون مر الحدود التي تقام عليهم ( القتل فما دونه ) ابتغاء رضوان الله وتطهيراً لأنفسهم من قذارة الذنوب ودرن السيئات . وبالتأمل في هذه النوارد الواقعة يمكن للباحث أن ينتقل إلى عجيب


( 38 )

تأثير البيان الديني في نفوس الناس وتعويده لهم السماحة في ألذ الاشياء وأعزها عندهم ، وهي الحياة وما في تلوها ، ولولا أن البحث قرآني لأوردنا طرفاً من الامثلة التاريخية فيه .

 

 

الولاية الاخبارية

 

https://t.me/wilayahinfo

 

[email protected]

شاهد أيضاً

3

قضايا المجتمع والأسرة والزواج على ضوء القرآن الكريم

ـ 9 ـ الحرية والمجتمع الاسلامي كلمة الحرية على ما يراد بها من المعنى لا ...