الرئيسية / اخبار اسلامية / ليالي بيشاور – 75 لسلطان الواعظين
IMG_7451

ليالي بيشاور – 75 لسلطان الواعظين

دعوى : إجماع الأمة على خلافة أبي بكر

قلت : أرجو أن تبينوا لنا أدلتكم على صحة خلافة أبي بكر ؟

الحافظ : إن أقوى دليل على إثبات خلافة أبي بكر وصحتها هو إجماع الأمة على خلافته .

وأضف على هذا كبر السن والشيخوخة ، فإن عليا ( كرم الله وجه ) مع فضله وسوابقه المشرفة وقربه من رسول الله (ص) فإن المسلمين أخروه لصغر سنه .

وأنتم لو فكرتم قليلا وأنصفتم لأعطيتم الحق للمسلمين ، فلا يجوز عقلا أن يتقدم في هذا الأمر العظيم شاب حدث السن مع وجود شيوخ قومه وكبراء أهله .. وإن تأخر سيدنا علي لا يكون نقصا له بل كماله ، وإن أفضليته على أقرانه ثابتة لا ننكرها .

ثم إن المسلمين سمعوا حديثا رواه عمر بن الخطاب ، قال : لا تجتمع النبوة والملك في أهل بيت واحد .

ولما كان عمر من أهل بيت النبوة ما بايعوه ..

هذه أسباب تقدم أبي بكر وتأخر علي في أمر الخلافة .

قلت : إن أدلتكم هذه تضحك الثكلى ، وإن مثلكم كمثل الذي يغمض عينه فيصبح كالأعمى ، فلا يرى الشمس الطالعة في الضحى ، وينكر ضوء النهار إذا تجلى ، فافتحوا أعينكم ، وانظروا إلى منار الهدى ، واسلكوا طريق الحق والتقى ، ولا تتبعوا الهوى ، وتجنبوا المنزلق والمهوى ، ولا تغرنكم الدنيا ، فإن الآخرة خير وأبقى .

وإني أرجوكم أن تقرءوا كتابنا وتدققوا النظر في أدلتنا وتعمقوا الفكر في عقائدنا .

أقول هذا ، لأني فتشت أسواق الشام والقاهرة والحجاز والأردن ، وغيرها من البلاد الإسلامية التي غالب سكانها أهل السنة أو حكامها من أهل السنة والجماعة ، فما وجدت كتب الشيعة في مكتباتها فكأنكم ـ مع الأسف ـ آليتم أن تطالعوا كتب الشيعة ، فلا أدري هل حكمتهم عليها بأنها كتب الضلال فحرمتم قراءتها ؟!!

وإني دخلت بيوت كثير من إخواننا أهل السنة والجماعة ، علمائهم وغير علمائهم ، الذين يهوون مطالعة الكتب ويملكون مكتبات شخصية في بيوتهم ، فوجدت فيها كتب مختلفة حتى كتب غير المسلمين من الشرقيين والغربيين ، ولم أجد كتابا واحدا من كتب الشيعة !!

بينما نحن في بلادنا نطبع كتبكم وننشرها ، وندعو أهل العلم والمثقفين لمطالعتها .

فهذه مدينة النجف الأشرف وكربلاء المقدسة في العراق ، وهذه مدينة قم ومشهد الإمام الرضا (ع) في إيران ، وهي مراكز الشيعة التي فيها حوزاتنا العلمية ومراجعنا الكرام ، وكذلك طهران وشيراز وأصفهان ، وغيرها من البلاد التي تسكنها الشيعة ، فتحت أبواب مكتباتها لعرض كتبكم وبيعها بدون أي مانع ورادع .

ولا أجد مكتبة واحدة من مكتباتنا العامة أو الشخصية تخلو من كتبكم وصحاحكم ومسانيدكم وتواريخكم وتفاسيركم ، لا لحاجة منا إليها ، لأن مدرسة أهل البيت (ع) غنية ، والأخبار المروية عن العترة الطاهرة الهادية تناولت جميع جوانب الحياة وكل ما يحتاجه الإنسان في أمر الدين والدنيا .

ولكن نريد أن نحاججكم بكتبكم ، ونلزمكم بأقوال علمائكم وآراء أعلامكم ، وننقدها نقدا بناء حتى نصل معكم إلى التفاهم ، وكما تجدوني في هذه المحاورات والمناقشات لا أنقل إلا عن كتبكم ومسانيدكم وصحاحكم وتفاسيركم .

إجماع أم مؤامرة !!

لقد ادعيتم أن إجماع الصحابة هو أقوى دليل على إثبات خلافة أبي بكر وصحتها . واستدللتم بحديث : لا تجتمع أمتي على الخطأ ، أو لا تجتمع أمتي على ضلال .

فالأمة أضيفت إلى ياء المتكلم ، فتفيد العموم كما قال النحويون ، فعلى فرض صحة الحديث يكون معناه : إن أمتي كلهم من غير استثناء إذا أجمعوا على أمر فذاك الأمر لا يكون خطأ أو ضلالا .

وهذا هو الإجماع الذي يتضمن رأي حجة الله تعالى في خلقه ، لأن الأرض لا تخلو من حجة لله عز وجل ـ كما جاء في روايات الفرقين ـ .

ثم إن هذا الحديث ـ على فرض صحته ـ لا ينخ الأحاديث النبوية والنصوص الجلية في تعريف النبي (ص) خليفته في البرية .

ولو تنزلنا وسلمنا برأيكم والتزمنا بهذا المقال ، بأن النبي (ص) لم يعين خليفته بأمر الله العزيز المتعال ، وإنما كان يشير إلى علي (ع) ويرشحه للخلافة برأيه الشخصي ، وقد فتح على الأمة باب الاختيار وفسح لهم المجال ، وأقر إجماعهم بقوله (ص) : لا تجتمع أمتي على خطأ أو ضلال .

فنقول : إن الإجماع الذي أقره النبي (ص) ما حصل في خلافة أبي بكر ولم يحصل لغيره .

الحافظ : نفي الإجماع على خلافة أبي بكر (رض) أمر غريب !

لأنه حكم في الأمة بعد النبي (ص) أكثر من سنتين من غير مخالف أو منازع ، وانقاد له جميع المهاجرين والأنصار ، وبهذا حصل الإجماع على خلافته .

قلت : إن هذا كلام مغالطة وجدل ! لأن سؤالي وكلامي كان حول إجماع الأمة على خلافة أبي بكر في بداية الأمر ، حينما اجتمعوا في السقيفة ، وهل وافق الحاضرون كلهم على خلافته ؟!

وهل اتفق رأي المسلمين الذين كانوا في المدينة المنورة على خلافته آنذاك ؟!

وهل كان لرأي سائر المسلمين ـ الذين كانوا خارج المدينة المنورة ، حواليها أو بعيدين عنها ـ أثر في الانتخاب ؟!

أم ليس لرأيهم محل من الإعراب ؟!

الحافظ : لا نقول إن اجتماع السقيفة كان يمثل جميع الأمة ، وإن كان فيه كثير من كبار الصحابة ، ولكن الحاضرين فيها اختاروا أبا بكر ، وبعد ذلك وافقهم المسلمون فحصل الإجماع تدريجيا مع مرور الزمن !

قلت : بالله عليكم فكروا وأنصفوا ! هل الإجماع الذي أقره رسول الله (ص) في حديثه حصل في السقيفة ، مع مخالفة سعد بن عبادة الخزرجي وأهله وأنصاره ؟!

فهل تكشف واقعة السقيفة عن إجماع الصحابة البررة ، أو تنبئ عن مؤامرة مدبرة ؟!

وإذا ما كانت هناك مؤامرة ، ولم تتدخل فيها الأغراض والأطماع ، لماذا لم يصبروا حتى يتحقق الإجماع ؟!

وكلنا نعلم ، بأن الأوس قد وافقوا على خلافة أبي بكر لا لمصلحة الإسلام ، بل بسبب النزاعات والخلافات التي كانت بينهم وبين الخزرج ، وقد كانت لها جذور جاهلية ، فلما رأوا كفة سعد بن عبادة قد رجحت وكاد أن يبتز الحكم ، أسرعوا إلى أبي بكر فبايعوه رغما لأنوف مناوئيهم الخزرجيين .

وأما المسلمون خارج السقيفة ، لما سمعوا بما حدث في السقيفة ذهلوا وبهتوا ، ثم انجرفوا مع التيار ، وكان أكثر الناس في ذلك المجتمع همجا رعاعا ، ينعقون مع كل ناعق ، ويميلون مع الريح .

وهم الذين يصفهم الباري عز وجل بقوله : (ٍ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن يتقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين )(22).

وسوف يخاطبهم الله تعالى في جهنم بقوله سبحانه : ( لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون)(23) و(24).

وأما الذين استقاموا على الدين ، وثبتوا في طريق الحق واليقين ، وتمسكوا بولاية سيد الوصيين ، واعتقدوا خلافة وإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فعددهم قليل ، وهم الذين يصفهم ربهم سبحانه وتعالى بقوله : ( وقليل من عبادي الشكور)(25).

وهم صفوة أصحاب رسول الله (ص) وأهل بيته المطهرون وعترته الطيبون ، وهم الذين غضبوا من أحداث السقيفة وأعلنوا مخالفتهم لبيعة أبي بكر .

فلذلك نقول أن الإجماع ـ الذي تدّعونه لإثبات وتصحيح خلافة أبي بكر وشرعيتها ـ لم يحصل !

الحافظ : يحصل الإجماع ويقع إذا وافق أهل الحل والعقد وسنام الأمة على أمر ، وليس من حق أي مسلم أن ينقض ما أبرموا .

قلت : إن هذا التفسير والمعنى لكلمة الإجماع ادعاء لا دليل عليه ، وهو خلاف ظاهر الحديث الذي تمسكتم به لتشريع الإجماع .

فالحديث يصرح : لا تجتمع أمتي على خطأ ـ أو ضلال ـ .

فكيف استخرجتم هذا المعنى ، وخصصتم الأمة بأهل الحل والعقد والسنام ـ أي الطبقة العليا من المجتمع ـ ثم ألزمتم الآخرين باتباع رأي أولئك وإطاعتهم ؟!!

والحال إن إضافة الأمة إلى ياء المتكلم ، أو نسبتها إلى ياء النسبة تفيد العموم ، فلا يجوز عند النحويين أن تخصص الأمة بعدد من الصحابة دون الآخرين .

وحتى إذا سلمنا أن الإجماع يحصل بتوافق أهل الحل والعقد ، فهل الذين حضروا السقيفة كانوا أهل الحل والعقد دون سواهم ؟!

أم كان في المدينة وحواليها آخرون من أهل الحل والعقد ، ولم يحضروا آنذاك في السقيفة؟!

فهلا أخبروهم بانعقاد ذلك المؤتمر ودعوهم للحضور ؟!

وهلا استفسروا عن رأيهم في خلافة أبي بكر ؟!

الحافظ : الظروف ما سمحت بذلك ، فإذا كان على الشيخين أن ينتظروا رأي جميع أهل الحل والعقد الذين كانوا في المدينة المنورة وخارجها ، لكانت دسائس المنافقين تعمل عملها ، فلذلك لما سمع أبو بكر وعمر (رض) أن جماعة من الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ، ليتشاوروا في أمر الخلافة ، أسرعا إليها وتكلما استوليا به على الوضع .

ثم إن عمر ـ الذي كان رجلا سياسيا وشيخا محنكا ـ رأى صلاح الإسلام في أن ينابيع أبا بكر بالخلافة ، فمد يده وبايعه ، وتبعه أبو عبيدة بن الجراح والأوسيون .

فلما رأى سعد بن عبادة ذلك ، خرج من السقيفة غاضبا غير راض عما حصل ، لأنه كان يريد الخلافة لنفسه ، وتبعه قومه الخزرجيون وخرجوا من السقيفة غاضبين .

هذا هو سبب استعجال الشيخين في أمر الخلافة ، ولولا اتخاذهما ذلك الموقف الحاسم في السقيفة لكان الأمر يؤول إلى النزاع بين قبيلتي الأنصار : الأوس والخزرج .

قلت : ما كان اجتماع الأنصار في السقيفة من أجل تعيين خليفة ، بل كانوا بصدد تعيين لأنفسهم ، وأخيرا كاد التوافق يحصل بأن يكون للأوس أمير وللخزرج أمير وهو أشبه شيء برئيس القبيلة وشيخ العشيرة .

فهنا اغتنم الشيخان أبو بكر وعمر الفرصة من نزاع القوم ، فتقدم أبو بكر وتكلم في أمر الخلافة ، وتعجل عمر في بيعته ، وإلا لو كان الاجتماع من أجل تعيين خليفة رسول الله (ص) لكان الاجتماع يضم كل الصحابة الذين كانوا في المدينة المنورة من المهاجرين والأنصار ، وحتى الذين كانوا في معسكر أسامة بن زيد خارج المدينة .

فإن رسول الله (ص) في أواخر أيامه عقد راية لأسامة وأمر المسلمين بالانضمام تحتها ، وكرر الأمر بقوله (ص) : أنفذوا جيش أسامة ، لعن الله من تخلف عن جيش أسامة !

وكان الشيخان تحت إمرة أسامة بن زيد ، ولكنهما تخلفا وتركا المعسكر ، فكان المفروض عليهما أن يستشيرا أميرهما في مثل ذلك الأمر الهام ، ولكنهما استبدا بالرأي وما شاوراه !

فلذلك لما سمع بما حدث في السقيفة وان أبا بكر صار خليفة جاء إلى مسجد النبي (ص) واعترض ، فاقترب منه عمر قائلا : لقد انقضى الأمر وتمت البيعة لأبي بكر ، قم وبايع ولا تشق عصا المسلمين ! فقام وبايع !

ولكن كان لأسامة أن يقول : لقد جعلني رسول الله (ص) أميرا عليك وعلى أبي بكر ولم يعزلني بعد ، فكيف يصبح أميركم الذي أمّره رسول الله (ص) تحت إمرتكم ؟!

أما أمركما رسول الله (ص) بطاعتي ؟! وأمركم أن تكونا تحت إمرتي ؟! فكيف انعكس الأمر ؟!!

فإن تقولوا : إن المسافة كانت بعيدة بين المدينة والمعسكر والظروف الراهنة ما سمحت للشيخين أن يستشيرا أميرهما أسامة ومن كان تحت رايته من ذوي البصائر وأهل الحل والعقد !

فما تقولون في بني هاشم الذين كانوا مجتمعين في بيت رسول الله (ص) وكذلك الصحابة المقربين الذين كانوا آنذاك عند جثمان النبي (ص) يعزون أهله المصابين بتلك المصيبة العظمى ؟!

فلماذا ما استشار أولئك ، وبالخصوص علي بن أبي طالب والعباس(26) عم رسول الله (ص) وهما بإجماع المسلمين كانا من أهل الحل والعقد في الإسلام وكانا من ذوي البصيرة والرأي ، هل المسافة كانت بعيدة ؟!! أم الظروف الراهنة ما سمحت ؟!!

الحافظ : أظن بأن الأمر كان خطيرا والخطر كبيرا بحيث لم يمكن للشيخين ترك السقيفة حتى لحظة واحدة .

قلت : ولكن أقول : إن الشيخين ما أرادا أن يخبرا عليا وبني هاشم وسائر الصحابة ، بل كانا يريدان خلو الساحة من أولئك ، حتى يحققا أمرا دبّراه فيما بينهما !

الحافظ : وهل لكم دليل على ذلك ؟

قلت : أولا : كان بإمكانهما أن يراقبا الوضع في السقيفة ويبعثا أبا عبيدة الجراح ، فيخبر بني هاشم وسائر الصحابة .

ثانيا : قبل أن يأتي الشيخان إلى السقيفة ، كان أبو بكر مع المجتمعين في بيت رسول الله (ص) ، فجاء عمر عند الباب ولم يدخل البيت ، فطلب أبا بكر وأخبره باجتماع الأنصار في السقيفة ، ولم يخبر الآخرين ، ثم أخذه معه وانطلقا نحو السقيفة .

الحافظ : هذا الخبر من أقاويل الروافض !

قلت : سبحان الله ، مالك كلما عجزت عن الجواب ، اتهمت الشيعة وأسأت إليهم بالكلام ؟!

ولقد تكرر منك هذا الموقف العنيف ، ثم ثبت للحاضرين زيف كلامك وبطلان رأيك هذه المرة كذلك .

ولكي تعرف الحقيقة فراجع تاريخ محمد بن جرير الطبري ـ من كبار أعلامكم ومؤرخيكم في القرن الثالث ـ 2/456 ، ونقل عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2/38 فقال : وروى أبو جعفر أيضا في التاريخ ، أن رسول الله (ص) لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ـ إلى أن قال : ـ وسمع عمر الخبر فأتى منزل رسول الله (ص) وفيه أبو بكر ، فأرسل إليه : أن أخرج إلي ، فأرسل : إني مشغول ، فأرسل إليه عمر أن أخرج ، فقد حدث أمر لا بد أن تحضره فخرج فأعلمه الخبر ، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو عبيدة …. إلى آخر الخبر(27).

فبأي دليل ومنطق ، تسمون هذه الواقعة ، إجماع الأمة وإجماع أهل الحل والعقد ؟!

إن هذه الطريقة في تعيين رئيس الجمهورية أو أمير القوم أو خليفة رسول الله (ص) تخالف القوانين السماوية والأرضية ، وتناقض سيرة العقلاء في العالم وترفضها جميع الأمم والشعوب ، لا الشيعة فحسب !

لا إجماع على خلافة أبي بكر:

أيها العلماء لو فكرتم قليلا وأنصفتم ، ثم نظرتم إلى أحداث السقيفة وما نجم منها ، لأذعنتم أن خلافة أبي بكر ما كانت بموافقة جميع أهل الحل والعقد ، ولم يحصل الإجماع عليها ، وأن ادعاء القوم وتمسكهم بالإجماع فارغ عن المعنى واسم من غير مسمى !

فإن إعلان النتيجة في مثل هذه الأمور تعبر برأي الأكثرية والأقلية أو الإجماع .

فلو تشاور قوم في أمر ، فوافق أكثرهم وخالف آخرون ، فالموافقون أكثرية والمخالفون أقلية .

ولكن إذا وافق كلهم ، بحيث لم يخالف منهم أحد ، فقد حصل الإجماع .

والآن أسألكم بالله ! هل حصل هذا الإجماع على خلافة أبي بكر ، في السقيفة أو في المسجد أو في المدينة .

وحتى لو تنزلنا وقلنا : إن الملحوظ هو رأي كبار الصحابة وذوي العقل والبصيرة من المسلمين ، فهل أجمع كبار الصحابة وعقلاء المسلمين وأهل الحل والعقد كلهم على خلافة أبي بكر ، بحيث لم يكن فيهم مخالف واحد ؟!

الحافظ : قلنا بأن الإجماع ما حصل في بادئ الأمر ، بل حصل تدريجا بموافقة المخالفين واحدا بعد الآخر مع طول الزمن .

قلت : وحتى هكذا ـ إجماع تدريجي ـ لم يحصل أيضا ، لأن كثيرا من المخالفين بقوا على مخالفتهم لخليفة السقيفة ، إلى أن وافاهم الأجل ، منهم سيدة نساء العالمين وبنت سيد المرسلين وحبيبة خاتم النبيين ، فاطمة الزهراء (ع) ، وكانت هي مدار سخط الله سبحانه ورضاه ، حيث قال رسول الله (ص) في شأنها : ” فاطمة بضعة مني ، يرضى الله لرضاها ، ويسخط لسخطها ” .

فأعلنت سخطها على الخليفة ، ومخالفتها لرأي السقيفة ، ورفضت أن تبايع أبا بكر حتى ماتت وهي واجدة عليه(28).

وأحد المخالفين لخلافة أبي بكر ، سعد بن عبادة الخزرجي ، وهو سيد قومه ، أعلن خلافه لما بعث إليه أبو بكر أن أقبل فبايع فقد بايع الناس .

فقال : أما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل ، وأخضب منكم سناني ورمحي ، وأضربكم بسيفي ، ما ملكته يدي ، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي ، ولا والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم حسابي(29).

فالإجماع الذي تزعمونه نفاه كثير من أعلامكم أيضا ، منهم صاحب كتاب “المواقف” والفخر الرازي وجلال الدين السيوطي وابن أبى الحديد والطبري والبخاري ومسلم بن الحجاج وغيرهم .

وقد ذكر العسقلاني والبلاذري في تاريخه ومحمد خاوند شاه في ” روضة الصفا ” وابن عبد البر في ” الاستيعاب ” وغير هؤلاء أيضا ذكروا : أن سعد بن عبادة وطائفة من الخزرج وجماعة من قريش ما بايعوا أبا بكر ، وثمانية عشر من كبار الصحابة رفضوا أيضا أن يبايعوه ، وهم شيعة علي بن أبي طالب وأنصاره ، وذكروا أسماءهم كما يلي :

1ـ سلمان الفارسي 2ـ أبو ذر الغفاري 3ـ المقداد بن الاسود الكندي 4ـ أبي بن كعب 5ـ عمار بن ياسر 6ـ خالد بن سعيد بن العاص 7ـ بريدة الأسلمي 8ـ خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين 9ـ أبو الهيثم بن التيهان 10 ـ سهل بن حنيف 11ـ عثمان بن حنيف 12ـ أبو أيوب الأنصاري 13ـ جابر بن عبد الله الأنصاري 14ـ حذيفة بن اليمان 15ـ سعد بن عبادة 16ـ قيس بن سعد 17ـ عبد الله بن عباس 18ـ زيد بن أرقم .

وذكر اليعقوبي في تاريخه فقال : تخلف قوم من المهاجرين والأنصار عن بيعة أبي بكر ، ومالوا مع علي بن أبي طالب ، منهم العباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس والزبير بن العوام وخالد بن سعيد بن العاص والمقداد وسلمان وأبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر والبراء بن عازب وأبي بن كعب .

أقول :

ألم يكن هؤلاء من صفوة أصحاب النبي (ص) ومن المقربين إليه والمكرمين لديه ؟! فلماذا لم يشاوروهم ؟!

فإن لم يكن هؤلاء الأخيار من أهل الحل والعقد ومن ذوي البصيرة والرأي في المشورة والاختيار ، فمن يكون إذن ؟!!

وإذا لم يعبأ برأي أولئك كان رسول الله (ص) يشاورهم في الأمور ويعتمد عليهم ، فبرأي من يعبأ ، ورأي من يكون ميزانا ومعيارا لإبرام الأمور المهمة وحسم قضايا الأمة ؟!

مخالفة العترة لخلافة أبي بكر:

لا شك أن العترة وأهل بيت رسول الله (ص) هم أفضل الصحابة ، وهم في الصف الأول والمتقدمين على أهل الحل والعقد ، وإن إجماع أهل البيت عليهم السلام حجة لازمة ، ليس لأحد من المسلمين ردهم بدليل الحديث النبوي الشريف المروي في كتب الفريقين أنه (ص) قال : إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا .

[ ذكرنا بعض مصادره من كتب العامة في مجلس سابق ] .

فجعلهم رسول الله (ص) منار الهدى ، وأمانا من الضلالة والعمى .

وقال (ص) : مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى . [ ذكرنا مصادره في المجلس الثالث من هذا الكتاب ] .

وقال (ص) : أنا وأهل بيتي شجرة [أصلها] في الجنة ، وأغصانها في الدنيا فمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليتمسك بها(30) . فجعلهم سبيل الوصول إلى الله سبحانه وتعالى .

وقال (ص) : في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله عز وجل فانظروا من توفدون !(31).

هذه الأحاديث الشريفة وأمثالها ، جاءت في كتبكم ، وذكرت في مسانيدكم وصحاحكم ، وهي تشير إلى أن المسلمين إذا أطاعوا أهل البيت عليهم السلام واتبعوا العترة الهادية سعدوا في الدنيا والآخرة .

واتفق المؤرخون والمحدثون على أن أهل البيت وبني هاشم كلهم تخلفوا عن بيعة أبي بكر ولم يرضوا بخلافته .

فثبت أن دليلكم الأول ـ وهو الإجماع على خلافة أبي بكر ـ مردود .

تفنيد الدليل الثاني:

وأما دليلكم الثاني ، وهو كبر السن ، إذ قلتم : إنهم قدموا أبا بكر في الخلافة لأنه أكبر سنا من علي بن أبي طالب .

صحيح أن أصحاب السقيفة استدلوا بهذا الدليل لإقناع الإمام علي عليه السلام ليبايع أبا بكر(32) ولكنه دليل ضعيف وكلام سخيف .

فلو كان كبر السن ملحوظا في المنصوب للخلافة ، فقد كان في المسلمين والصحابة من هو أكبر سنا من أبي بكر ، حتى إن والده أبا قحافة كان حيا في ذلك اليوم ، فلم أخروه وقدموا ابنه ؟!!(33).

الحافظ : إن الملحوظ عندنا كبر السن مع السابقة في الإسلام .

وقد كان أبو بكر شيخا محنكا في الأمور ، ذا سابقة حسنة ، وكان مقدرا ومحبوبا عند رسول الله (ص) فلا يقدم عليه علي كرم الله وجهه وهو حديث السن غير محنك في الأمور .

قلت : إن كان كذلك فلماذا قدم رسول الله (ص) عليا (ع) عليه في كثير من الأمور والقضايا ؟!

منها : في غزوة تبوك ، حينما عزم رسول الله (ص) أن يخرج مع المسلمين إلى تبوك وكان يخشى تحرك المنافقين في المدينة وتخريبهم ، خلف عليا (ع) ليدير أمور المدينة المنورة ، دينيا وسياسيا واجتماعيا ، وقال له : أنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي .

وكان علي (ع) نعم الخلف ، وخير مدير ، وأفضل أمير .

ومنها تبليغ آيات من سورة براءة لأهل مكة حين كانوا مشركين ، فقد عين النبي (ص) أبا بكر لهذه المهمة وأرسله إلى مكة وقطع مسافة نحوها ، ولكن الله عز وجل أمر النبي (ص) أن يعزل أبا بكر ويعين عليا (ع) لتبليغ الرسالة ، ففعل النبي (ص) وأرسل عليا (ع) فأخذ الرسالة من أبي بكر ، فرجع إلى المدينة وذهب علي (ع) إلى مكة فوقف في الملأ العام من قريش ورفع صوته بتلاوة الآيات من سورة براءة وأدى تبليغ الرسالة ، ونفذ الأمر ، ورجع إلى المدينة(34).

ومنها : أنه (ص) بعثه إلى اليمن ليهدي أهلها إلى الإسلام ، ويبلغهم الدين ، ويقضي بين المتخاصمين ، وقد أدى هذا الأمر على أحسن وجه .

وأمثال هذه الأخبار كثيرة ، لا يسعنا المجال لذكرها ، ولكن ذكرنا نماذج منها لتفنيد دليلكم وإبطال قولكم ، ولكي يعرف الحاضرون أن كبر السن والشيخوخة غير ملحوظة في انتخاب خليفة النبي (ص) ، وإنما الملحوظ كمال عقله وإيمانه ، واتصافه بالصفات الحميدة والفضائل المجيدة ، التي تجعله مشابها ومماثلا للنبي (ص) سواء أكان خليفته شيخا أم شابا .

علي (ع) فاروق بين الحق والباطل:

ودليلنا الآخر على بطلان خلافة أبي بكر أن علي بن أبي طالب (ع) رفض البيعة له وخالف ولايته .

والنبي (ص) وصف عليا (ع) بأنه الفاروق بين الحق والباطل .

فخلافة أبي بكر التي خالفها علي (ع) باطلة لا محالة .

الحافظ : إن عمر بن الخطاب هو الفاروق الأعظم ، وهو أول من بايع أبا بكر وسعى في تحكيم خلافته .

قلت : الناس لقبوا عمر بالفاروق ، في قبال النبي (ص) إذ لقب عليا (ع) به ، وزادوا ” الأعظم ” في لقب عمر ليؤكدوه فيه .

الحافظ : وهل لكم دليل على أن النبي (ص) لقب عليا كرم الله وجهه بالفاروق .

قلت : وهل نقلت إلى الآن خبرا في فضل الإمام علي (ع) بغير دليل من كتبكم ومسانيدكم المعتبرة عندكم ؟! وهذا الموضوع أيضا سنده ودليله في كتبكم المعتبرة ومسانيدكم الموثقة .

لقد نقل الحافظ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ” ينابيع المودة ” باب 56 : روى من كتاب ” السبعين في فضائل أمير المؤمنين ” حديث رقم 12 ، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله (ص) : ستكون من بعدي فتنة ، فإن كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب ، فإنه الفاروق بين الحق والباطل .

قال : رواه صاحب الفردوس .

وأخرجه أيضا العلامة المير السيد علي الهمداني في كتابه ” مودة القربى ” المودة السادسة ، عن أبي ليلى الغفاري ، عن النبي (ص) قال : ستكون من بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فالزموا عليا ، فإنه الفاروق بين الحق والباطل .

وروى العلامة الكنجي الشافعي في كتابه ” كفاية الطالب ” الباب الرابع والأربعين : بإسناده عن أبي ليلى الغفاري ، قال : سمعت رسول الله (ص) يقول : ستكون من بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فالزموا عليا ، إنه أول من يراني ، وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو معي في السماء العليا ، وهو الفاروق بين الحق والباطل .

قال الكنجي : هذا حديث حسن عال ، رواه الحافظ في أماليه .

وروى أيضا في الباب باسناده عن ابن عباس ، قال : ستكون فتنة ، فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب الله تعالى وعلي بن أبي طالب (ع) ، فإني سمعت رسول الله (ص) وهو يقول : هذا أول من آمن بي ، وأول من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأمة ، يفرق بين الحق والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصديق الأكبر ، وهو بابي الذي أوتي منه ، وهو خليفتي من بعدي .

قال الكنجي : هكذا أخرجه محدث الشام في فضائل علي عليه السلام في الجزء التاسع والأربعين بعد الثلاث مائة من كتابه بطرق شتى وأخرج شيخ الإسلام الحمويني بسنده عن علقمة بن قيس والأسود بن بريدة .

وأخرجه عنهما المير السيد علي الهمداني في آخر المودة الخامسة من كتاب ” مودة القربى ” باختلاف يسير في أوله ، ونحن ننقل عنه ..

قالا : أتينا أبا أيوب الأنصاري ، قلنا : يا أبا أيوب ! إن الله تعالى أكرمك بنبيك إذ أوحى إلى راحلته تبرك إلى بابك ، فكان رسول الله (ص) صنع لك فضيلة فضلك بها .

أخبرنا بمخرجك مع علي (ع) تقاتل أهل لا إله إلا الله !

فقال أبو أيوب : فإني أقسم لكما بالله تعالى لقد كان والنبي (ص) معي في هذا البيت الذي أنتما فيه معي ، وما في البيت غير رسول الله (ص) وعلي جالس يمينه ، وأنس قائم بين يديه ، إذ حرك الباب ، فقال رسول الله (ص) : انظر إلى الباب من بالباب ؟

فقال : يا رسول الله ! هذا عمار .

فقال : افتح لعمار الطيب المطيب .

ففتح أنس الباب ، فدخل عمار على رسول الله (ص) .

قال (ص) : يا عمار ستكون في أمتي هنات حتى يختلف السيف فيما بينهم حتى يقتل بعضهم بعضا ، فإذا رأيت ذلك فعليك بذلك الأصلع عن يميني ـ يعني علي بن أبي طالب ـ إ ن سلك الناس كلهم واديا وسلك علي واديا ، فاسلك وادي علي وخل عن الناس .

يا عمار ! علي لا يردك عن هدى ، ولا يدلك على ردى .

يا عمار ! طاعة علي طاعتي ، وطاعتي طاعة الله .

أقول : فكانت الفتنة التي أشار إليها رسول الله (ص) وصرح بها وأفصح عنها ، وهي اختلاف أصحابه بعده في أمر الخلافة ، وقد بين (ص) ما عليه ، من إرشاد أمته إلى الصراط المستقيم والطريق القويم ، بأن يستضيئوا بنور وصيه وابن عمه علي بن أبي طالب (ع) ويتبعوه ويأخذوا جانبه ، فإن الحق معه ، وكان علي (ع) يخالف بيعة أبي بكر ويرفضها لأنها باطلة .

ونحن نعتقد أن السقيفة وخليفتها ما هي إلا مؤامرة نفر من قريش ، أشهرهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ، وإذا لم تكن مؤامرة مدبرة بين هؤلاء كان عليهم أن يخبروا الصحابة الآخرين وخاصة الإمام عليا والعباس ، وكان عليهم أن يشاوروهم ويأخذوا رأيهم . فكان يتعين حينئذ خليفة رسول الله (ص) على أساس الإجماع .

الحافظ : ما كانت هناك مؤامرة ، وإنما الأوضاع الراهنة كانت خطيرة للغاية ، بحيث رأوا التعجيل في تعيين الخليفة أمرا ضروريا لا يجوز تأخيره ، وذلك في مصلحة الإسلام والمسلمين حفظا للدين .

قلت : هل إن الثلاثة الذين سبقوا بني هاشم وغيرهم من ذوي البصيرة والرأي ، وحضروا السقيفة ، هل كان إحساسهم في حفظ الدين أكثر من العباس ومن علي بن أبي طالب ، مع سوابقه المشرقة في الجهاد والتضحية والذب عن الإسلام ونبيه (ص) ؟!!

فإذا لم يكونوا متآمرين في سبيل نيل الخلافة ، وما كانوا طامعين فيها ، لكان على اثنين منهم أن يبقيا في السقيفة ويناقشا الأنصار ويهدئا الوضع ، ويخرج الثالث إلى الصحابة وبني هاشم الذين كانوا في بيت النبي (ص) فيخبرهم باجتماع السقيفة ، فكانوا سيشاركونهم فيها ويبدون رأيهم ، ولحل الوفاق محل الاختلاف .

وصدقوني أيها الأخوة ، إن كل ما نجده اليوم من افتراق المسلمين واختلافهم الذي انتهى إلى ضعفهم وكسر شوكتهم ، وما حدثت من نزاعات داخلية بين المسلمين ، والحروب الدامية والوقائع المخزية التي نشبت بينهم في الماضي والحاضر ، كلها حصيلة يوم السقيفة ومؤامرة أولئك النفر وتعجيلهم في تعيين الخليفة .

النواب : سيدنا الجليل ! ما هو السبب في تعجيل القوم ؟! وما الذي حداهم إلى عدم إخبار بني هاشم والصحابة الذين كانوا مجتمعين في بيت رسول الله (ص) ؟!

قلت : نحن على يقين أنهم كانوا يعلمون ، لو لم يعجلوا في تعيين أحدهم بالخلافة ، ولو صبروا حتى يحضر بنو هاشم وكبار الصحابة فيشاورهم في تعيين خليفة النبي (ص) ويسمع الحاضرون احتجاجهم ما عدلوا عن علي بن أبي طالب (ع) كما أن بشير بن سعد الأنصاري ، وهو أول من بايع أبا بكر من الأنصار ، لما سمع كلام الإمام علي (ع) وهو يحتج على أبي بكر ، قال : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ، ما اختلفت عليك !(35).

وحتى عمر بن الخطاب لم يكن موقنا بنجاح المؤامرة ، وأن الخليفة الذي سينصبه هو(36) ويبادر إلى بيعته ، سيصبح حاكما متمكنا ، فلذلك كان يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه(37).

رد الدليل الثالث:

وأما دليلكم الثالث ، وهو قول عمر بن الخطاب بأن النبوة والحكم لا تجتمعان في أهل بيت واحد ، فبطلانه وزيفه واضح ، بدليل قوله تعالى : ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما )(38).

فالكلام إن كان ينسب إلى عمر فهو دليل على عدم إحاطته بالآيات القرآنية ومفاهيمها !

وان كان عمر يرويه عن رسول الله (ص) فهو حديث مجعول ، لأنه مخالف لكتاب الله الحكيم .

ثم نحن نعتقد بأن الخلافة تالية للنبوة ولازمة لها ، فلا يطلق عليها اسم الحكومة والسلطنة ، لأن سلطنة الخليفة لا تكون كسلطة الملوك وحكومتهم .

ثم إن خلافة النبوة عندنا كخلافة هارون لأخيه موسى بن عمران حيث قال سبحانه وتعالى في كتابه : ( وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي واصلح )(39).

فإن يكن عندكم ، أنه يحق للمسلم أن ينفي خلافة هارون لموسى ، فإنه يحق له أيضا عزل علي عليه السلام من خلافة خاتم النبيين (ص) .

فكما إن النبوة والخلافة اجتمعتا في أهل بيت عمران والد موسى وهارون ، كما ينص القرآن فيه ، كذلك اجتمعتا للنبي (ص) وعلي عليه السلام في بيت عبد المطلب ، بالنصوص الكثيرة ، منها : حديث المنزلة ، وقد ذكرنا مصادره وتكلمنا حوله في الليالي الماضية .

ثم إن عمر بن الخطاب لما جعل عليا عليه السلام أحد الستة الذين عينهم في شورى الخلافة من بعده ، قد ناقض حديثه بعمله ، وإضافة إلى تناقض عمر ، تناقض اعتقادكم لهذا الحديث ، إذ أنكم إن تعتقدون بصحة كلام عمر في هذا المجال ، فكيف تعتقدون بخلافة علي عليه السلام في الدور الرابع ؟!! وهذا تناقض بين(40).

الشيخ عبد السلام : إن الكلام والنقاش حول هذا الموضوع لا يزيد المسلمين إلا افتراقا ، وابتعادا لذلك نقول : كيفما كان الأمر فنحن ما كنّا في ذلك اليوم ، وما حضرنا السقيفة حتى نلمس الأمر ونتحسس الأحداث ، فنجد أنفسنا اليوم أمام أمر واقع ، وقد حصل عليه الإجماع تدريجيا ، فلا يجوز لنا أن نخالفه ، بل يجب على كل مسلم أن يخضع له ويستسلم للأمر الواقع .

قلت : أما نحن فنقول : لا يجوز لأحد من المسلمين أن يعتقد بشيء من غير دليل شرعي ، ويجب على كل مسلم أن يتبع الحق لا أنه يستسلم للأمر الواقع ، فكم من ضلال وباطل قائم في الدنيا ، فهل يجوز لمسلم أن يتبعه ويتقبله ، ثم يقول : إنه أمر واقع وليس لنا إلا أن نستسلم للأمر الواقع ؟!

فالإسلام دين تحقيق لا دين تقليد .

قال سبحانه وتعالى : ( فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)(41).

فهل قول عمر أحسن أم قول رسول الله (ص) ؟!

فهل يجوز لمسلم أن يترك هذه النصوص الجلية ، والأحاديث النبوية المروية عن طرقكم ، والمذكورة في كتبكم المعتبرة عندكم في شأن الإمام علي عليه السلام ، وأن الحق بجانبه وهو مع الحق متلازمان لا يفترقان ، ثم يتمسك بقول عمر بن الخطاب فيعتقد بخلافة أبي بكر ، مع العلم بأن عليا عليه السلام أعلن بطلانها ، وهو علم الهدى والكمال ، والفاروق ، بين الحق والضلال ، فلذلك تبعه بنو هاشم وكثير من الصحابة ، فأبوا أن يبايعوا لأبي بكر .

[ علا صوت المؤذن لصلاة العشاء فقطعنا الحديث ، وبعد الفراغ من صلاة العشاء وبعد تناول الشاي ] ..

افتتح الحافظ الكلام قائلا : لقد كررتم الكلام بأن عليا كرم الله وجهه وبني هاشم وكثير من الصحابة رضي الله عنهم ، لم يرضوا بخلافة أبي بكر ولم يبايعوه ، ونحن نرى التواريخ كلها اتفقت على أن سيدنا عليا وبني هاشم وجميع أصحاب رسول الله (ص) بايعوا أبا بكر .

قلت : نعم بايعوا .. ولكن كيف تمت البيعة ؟!

أما قرأتم في كتب التاريخ والحديث أن عليا عليه السلام وبني هاشم وكثيرا من كبار الصحابة ، ما بايعوا إلا بعد ستة اشهر بالتهديد والجبر ، إذ جردوا السيف على رأس الإمام علي عليه السلام وهددوه بالقتل إن لم يبايع !

الحافظ : إني أعجب من جنابك ، كيف تتفوه بهذا الكلام الذي ما هو إلا أساطير جهلة الشيعة والعوام ، وقد أكد غير واحد من المؤرخين أن سيدنا عليا كرم الله وجهه بايع أبا بكر في خطبة خطبها من غير جبر وإكراه .

قلت : ولكن الخبر الذي اتفق عليه أعلامكم من أصحاب الصحاح والمؤرخين ، وصرح به البخاري في صحيحه 3/37 باب غزوة خيبر ، ومسلم بن الحجاج في صحيحه 5/154 باب قول النبي (ص) : لا نورث ، مسلم بن قتيبة في الإمام ة والسياسة : 14، والمسعودي في مروج الذهب 1/414 ، وابن أعثم الكوفي في الفتوح ، وابو نصر الحميدي في الجمع بين الصحيحين ، أخرجوا : أن عليا وبني هاشم لم يبايعوا إلا بعد ستة أشهر .

وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 6/46 عن الصحيحين عن الزهري ، عن عائشة …… فهجرته [ أبا بكر ] فاطمة ولم تكلمه في ذلك حتى ماتت ، فدفنها عليا ليلا ، ولم يؤذن بها أبا بكر ، وفي الخبر : فمكثت فاطمة ستة أشهر ثم توفيت .

فقال رجل للزهري : فلم يبايعه علي ستة اشهر ؟!

قال : ولا أحد من بني هاشم ، حتى بايعه علي .

وذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ، صفحة 13(42) ، تحت عنوان ” كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ” قال : وإن أبا بكر (رض) تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه ، فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار علي ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها !

فقيل له : يا أبا حفص ! إن فيها فاطمة !

فقال : وإن ….

وبعد عدة أسطر يقول : فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم ، نادت بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله ! ما ذل لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة !

فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين ، وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا(43) عليا فمضوا به إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايع .

فقال : إن لم أبايع فمه ؟!

قالوا : إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك !

قال : إذن تقتلون عبد الله وأخا رسوله .

قال عمر : أما عبد الله فنعم ، وأما أخو رسوله فلا .

وأبو بكر ساكت لا يتكلم ، فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ؟!

فقال : لا أكرهه على شيء ما دامت فاطمة إلى جنبه .

فلحق علي بقبر رسول الله (ص) يصيح ويبكي وينادي ( قال ابن أم إن القوم استضعفوني ثم كادوا يقتلونني )(44).

بعدما سمعت هذا الخبر ، إعلم بأن كلامك كذب وزور وافتراء علينا ، لأنك تعلم بأن هذا الخبر ليست من أساطير جهلة الشيعة وعوامهم ، بل مما نقله كثير من أعلامكم وعلمائكم في كتبهم المعتبرة لديكم .

واعلم أن مسؤوليتكم ـ أنتم العلماء ـ خطيرة تجاه الجهلة والعوام ، لأنهم يأخذون منكم وينقلون عنكم ،وقد قيل : إذا فسد العالِم فسد العالَم .

الحافظ : مقصودنا من أساطير الشيعة ، هي الأخبار الكاذبة التي وضعوها ، مثل هجوم القوم على بيت فاطمة الزهراء ، وحرق الباب ، وضربها حتى سقط جنينها ، وأن عليا أخرجوه من الدار قهرا ، وأخذوا منه البيعة جبرا ، وأمثال هذه الأخبار المجعولة التي تتناقلها الشيعة في مجالسها بلوعة وحنين وحرقة الواله الحزين .

قلت : إما أن معلوماتكم التاريخية ومطالعاتكم لهذه القضايا ضعيفة ، وإما تعرفون وتحرفون !

ثم تبعا لأسلافكم ، تتهمون الشيعة المظلومين بوضع الأخبار وجعل الحديث ، وأتباعكم الغافلون يصدقونكم فيحسبون الشيعة كذلك ، بينما هذه الأخبار التي تنكرها وتقول إنها أساطير الشيعة ، كلها مذكورة في كتبكم ، ومنقولة من طرقكم ورجالكم .

وسأنقل بعضها ، حسب اقتضاء الوقت والمجلس ، حتى يعرف الحاضرون المنصفون ، صدق كلامي ، ويتبين لهم ، أنك حائف ، وكلامك زائف ، ومقالك جائف .

وثائق تاريخية:

لقد أشار المحدثون والمؤرخون إلى هذه الحوادث الأليمة في الأخبار ، وبعضهم صرحوا وشرحوها بالتفصيل وبعضهم باختصار ، بحيث لم يبق لأحد مجال للإنكار ، وإليكم بعض الوثائق التاريخية التي تكون عندكم محل الوثوق والاعتبار :

1ـ أحمد بن يحيى البغدادي ، المعروف بالبلاذري ، وهو من كبار محدثيكم ، المتوفي سنة 279 ، روى في كتابه أنساب الأشراف 1/586 ، عن سليمان التيمي ، وعن ابن عون : أن أبا بكر أرسل إلى علي عليه السلام ، يريد البيعة ، فلم يبايع .

فجاء عمر ومعه فتيلة ـ أي شعلة نار ـ فتلقته فاطمة على الباب ، فقالت فاطمة : يا بن الخطاب ! أتراك محرقا علي بابي ؟!

قال : نعم ، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك !!

2ـ روى ابن خذابه في كتابه ” الغدر” عن زيد بن أسلم قال : كنت من حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة حين امتنع علي واصحابه من البيعة ، فقال عمر لفاطمة : اخرجي كل من في البيت أو لأحرقنه ومن فيه !

قال : وكان في البيت علي وفاطمة والحسن والحسين وجماعة من أصحاب النبي (ص) .

فقالت فاطمة : أفتحرق علي ولدي !!

فقال عمر : إي والله ، أو ليخرجنّ وليبايعنّ !!

3ـ ابن عبد ربه في العقد الفريد 2/ 205 ط المطبعة الأزهرية ، سنة 1321هجرية ، قال : الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر ، علي ، والعباس ، والزبير ، وسعد بن عبادة .

فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر ، عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة ، وقال له : إن أبوا فقاتلهم !

فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار ، فلقيته فاطمة ، فقال : يا بن الخطاب : أجئت لتحرق دارنا ؟!

قال : نعم ، أو تدخلوا في ما دخلت فيه الأمة !!

4ـ محمد بن جرير الطبري في تاريخه 3/203 وما بعدها ، قال : دعا عمر بالحطب والنار وقال : لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقنها على من فيها .

فقالوا له : إن فيها فاطمة !

قال : وإن !!

5ـ ابن الحديد في شرح نهج البلاغة 2/56 روى عن أبي بكر الجوهري ، فقال : قال أبو بكر : وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام ، والمقداد بن الأسود أيضا ، وأنهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليا عليه السلام ، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت ، وخرجت فاطمة تبكي وتصيح .. إلى آخره .

وفي صفحة 57 : قال أبو بكر : وحدثنا عمر بن شبة بسنده عن الشعبي ، قال : سأل أبو بكر فقال : أين الزبير ؟! فقيل عند علي وقد تقلد سيفه .

فقال : قم يا عمر ! قم يا خالد بن الوليد ! انطلقا حتى تأتياني بهما .

فانطلقا ، فدخل عمر ، وقام خالد على باب البيت من خارج ، فقال عمر للزبير : ما هذا السيف ؟!

فقال : نبايع عليا .

فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره ، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه وقال : يا خالد ! دونكه فأمسكه .

ثم قال لعلي : قم فبايع لأبي بكر !

فأبى أن يقوم ، فحمله ودفعه كما دفع الزبير فأخرجه ، ورأت فاطمة ما صنع بهما ، فقامت على باب الحجرة وقالت : يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله !……إلى آخره .

وقال ابن الحديد في صفحة 59 و60 : فأما امتناع علي عليه السلام من البيعة حتى أخرج على الوجه الذي أخرج عليه . فقد ذكره المحدثون ورواه أهل السير ، وقد ذكرنا ما قاله الجوهري فيلا هذا الباب ، وهو من رجال الحديث ومن الثقات المأمونين ، وقد ذكر غيره من هذا النحو ما لا يحصى كثرة .

6ـ مسلم بن قتيبة بن عمرو الباهلي ، المتوفى سنة 276 هجرية ، وهو من كبار علمائكم له كتب قيمة منها كتاب ” الإمام ة والسياسة” يروي في أوله قضية السقيفة بالتفصيل ، ذكر في صفحة 13 قال : إن أبا بكر تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم وهم في دار علي ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها .

فقيل له : يا أبا حفص ! إن فيها فاطمة ! فقال : وإن ! …. إلى آخره .

7ـ أبو الوليد محب الدين بن شحنة الحنفي ، المتوفي سنة815 هجرية ، وهو من كبار علمائكم ، وكان قاضي حلب ، له تاريخ ” روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر ” ذكر فيه موضوع السقيفة ، فقال : جاء عمر إلى بيت علي بن أبي طالب ليحرقه على من فيه .

فلقيته فاطمة ، فقال عمر : أدخلوا في ما دخلت الأمة … إلى آخره(45).

هذه نماذج من الأخبار المروية في كتبكم ، حتى إن بعض شعرائكم المعاصرين ذكر الموضوع في قصيدة يمدح فيها عمر بن الخطاب ، وهو حافظ إبراهيم المصري المعروف بشاعر النيل ، قال في قصيدته العمرية :

وقــــــولـــة لعـلــي قالها عــمـر * أكـرم بـسامعـهـا أعـظم بـمـلـقيها

حرقت دارك لا أبقي عليك بهــــا * إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبي حفص يفوه بها * أمـــام فــارس عــدنان وحـاميها

الحافظ : هذه الأخبار كلها تنبئ بأن عمر بن الخطاب أمر بالحطب وجاء بالنار وهدد بإحراق البيت على من فيه ، ليفرق اجتماع المخالفين لبيعة الخليفة ، فأراد أن يرهبهم ويخوفهم .

ولكنكم زدتم أخبارا لا أصل ، فقلتم إنهم أحرقوا الباب وعصروا فاطمة وضربوها حتى أسقطوا جنينها المسمى محسنا .

هذه الأخبار ، من أكاذيب الشيعة ولا أصل لها أبدا ، وما أظن أحدا من المؤرخين ذكرها .

قلت : أسأل الله تعالى أن يهديك إلى الحق ويكشف لك الحقيقة ، إنك نسبتنا إلى الكذب ، وافتريت علينا جعل الأخبار غير مرة ، وفي كل ذلك اتضح للحاضرين زيف كلامك وبطلان رأيك ، وفي هذه المرة أيضا ، أذكر مصادر هذه الأخبار التي تنكرها ، من كتبكم المعتبرة ومصادركم المشتهرة ، حتى يعرف الحاضرون صدقنا ، وتعترف أنت بأن الحق معنا .

فاجعة سقط الجنين:

1ـ ذكر المسعودي صاحب تاريخ ” مروج الذهب ” المتوفي سنة 346هجرية ، وهو مؤرخ مشهور ينقل عنه كل مؤرخ جاء بعده ، قال في كتابه ” إثبات الوصية ” عند شرحه قضايا السقيفة والخلافة : فهجموا عليه [ علي عليه السلام ] وأحرقوا بابه ، واستخرجوه كرها وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطت محسنا !!

نعم ، إن إسقاط جنين فاطمة عليها السلام وقتل ولدها ” محسن” عند هجوم القوم لأخذ البيعة من الإمام علي عليه السلام ، أمر ثابت ، إلا أن أكثر مؤرخيكم سكتوا عنه ولم ينقلوه ، لحبهم للشيخين ، وسترا على سوء فعلهما وهتكهما لبيت الرسالة وحريم العترة ، ومع ذلك فقد جرت أقلام بعضهم وسجلت ما حدث وجرى ، لأن الله سبحانه يريد أن يتم الحجة عليكم وعلى كل المسلمين ، ويريد أن يكشف الحقائق للجاهلين والغافلين ، فاستمعوا أيها الحاضرون !

2ـ قال الصفدي في كتاب ” الوافي بالوفيات 6/76 ” في حرف الألف ، عند ذكر إبراهيم بن سيار ، المعروف بالنظّام ، ونقل كلماته وعقائده ، يقول : إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت المحسن من بطنها !

3ـ ونقل أبو الفتح الشهرستاني في كتابه الملل والنحل 1/57 : وقال النظّام(46) : إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها . وكان يصيح [عمر] : احرقوا دارها بمن فيها !!

وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين .

انتهى كلام الشهرستاني .

4ـ ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 14/193 ط. دار احياء الكتب العربية ، بعدما ينقل خبر هبار بن الأسود وترويعه زينب بنت رسول (ص) حتى أسقطت جنينها ، فأباح النبي (ص) دم هبار لذلك قال :

وهذا الخبر أيضا قرأته على النقيب أبي جعفر رحمه الله فقال : إذا كان رسول الله (ص) ، أباح دم هبار بن الأسود لأنه روع زينب فألقت ذا بطنها ، فظهر الحال أنه لو كان حيا لأباح دم من روع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها … إلى آخره .

هذه البعض المصادر التي ظفرنا بها في نقل الأخبار التي تنكرونها وتتهمون الشيعة المؤمنين بجعلها !

الحافظ : في نظرنا أن نقل هذه الأخبار لا فائدة فيها سوى التفرقة وتشتت المسلمين .

يلزم الدفاع عن المظلوم وإثبات حقه:

قلت :

أولا : قولوا لعلمائكم ومؤرخيكم لماذا ذكروا هذه الأخبار ! ثم ردوا على شاعر النيل قصيدته العمرية وعاتبوه عليها وحاكموه على تلك الأبيات التي يتفاخر فيها ويتباهى بتلك الوقائع الأليمة والفجائع العظيمة ويعدها من فضائل القوم !!

ثانيا : وأما نحن فننقلها عنكم لإقامة الحجة عليكم ( فلله الحجة البالغة )(47).

ولكي لا ينحرف التاريخ ، فنعرف الحق حقا والباطل باطلا ، والمظلوم مظلوما والظالم ظالما .

ثالثا : نحن ننقل هذه الأخبار عندما نواجه هجماتكم وحملات بعض المنسوبين إليكم من أصحاب الأقلام التي ما هي إلا أجيرة للأعداء لتبث البغضاء والشحناء بين المسلمين ، فتتهم الشيعة الأبرياء والمؤمنين الأوفياء بالكفر والشرك ! وتحرك علينا مشاعر العامة وخاصة الجاهلين والغافلين .

ونحن دفاعا عن مذهبنا ومعتقدنا ، نبين الوقائع ، ونكشف عن الحقائق ، حتى يعرف الجميع أن عليا (ع) مع الحق والحق معه ، ونحن أتباعه وشيعته ، نشهد أن لا إله إلا الله جل جلاله ، وأن محمدا رسول الله (ص) ، ونقول في علي بن أبي طالب (ع) ما قاله رسول الله (ص) وذلك نقلا من كتبكم المعتبرة ومصادركم المشهورة ، فنشهد بأن عليا (ع) عبد الله ، ووليه ، وأخو رسول الله ، ووصيه ، وهو خليفته الذي نص عليه بأمر الله تعالى .

أما في جواب قولكم بأن هذه الأخبار لا فائدة فيها سوى التفرقة وتشتت المسلمين .

فأقول : أنتم البادئون والعادون والمهاجمون ونحن مدافعون ، فانتهوا وامنعوا أصحابكم عن التعرض وعن الكذب والافتراء علينا ، حتى نسكت عن نقل هذه الأخبار .

الحافظ : أنا لا أوافق الذين يرمون الشيعة بالكفر والشرك ، ولكني لا أسكت أيضا على بعض الأخبار المروية في كتبكم ، والتي تنسبونها إلى رسول الله (ص) وهي تفسح مجال العصيان للعباد ، فيعملون بالذنوب اتكالا على تلك الأخبار والأحاديث .

قلت : رجاء ! بين تلك الأخبار ، فربما نصل معكم إلى حل وتفاهم .

شاهد أيضاً

5

ليالي بيشاور – 87 لسلطان الواعظين

احتجاج علي (ع) بحديث الغدير لقد ذكر المؤرخون والمحدثون بأن الإمام علي (ع) احتج على ...