الرئيسية / اخبار اسلامية / ليالي بيشاور – 77 لسلطان الواعظين
unnamed (8)

ليالي بيشاور – 77 لسلطان الواعظين

في أول الليل حضر القوم مع علمائهم وبعد السلام والترحيب استقروا في مجلسهم وشربوا الشاي افتتح السيد عبد الحي الحديث ، فقال : سيدنا الجليل ! في مجلس سابق تحدثت عن موضوع ، ولما طالبك فضيلة الحافظ محمد رشيد بالدليل ، ذهبت بالكلام إلى موضوع آخر وتناسيت طلب الحافظ .
قلت : أرجو أن تتفضلوا بتوضيح الموضوع ، حتى أبين لك الدليل .
السيد عبد الحي : لقد سبق أن قلتم بأن سيدنا عليا ( كرم الله وجهه ) كان في اتحاد نفسي مع رسول الله (ص) ، ولهذا تعتقدون بأن الإمام عليا أفضل من جميع الأنبياء سوى النبي محمد (ص) .
قلت : نعم ، هذا معتقدنا .
السيد عبد الحي : ما هو دليلكم على هذا المعتقد ؟
وكيف يمكن اتحاد شخصين حتى يصبحا نفسا واحدة ؟!! هذا ما طلبه منكم ، فضيلة الحافظ ، ولم تجيبوا عنه بشيء .
قلت : نحن لا نعتقد بشيء من غير دليل ، وقد قلت كرارا : نحن أبناء الدليل حيثما ما مال نميل ، سأبين لكم دلائلنا من القرآن والحديث الشريف .
ولكن قبل ذلك أود أن أصرح بأن كلامكم ( بأني تناسيت طلب الحافظ محمد رشيد ، وذهبت بالكلام إلى موضوع آخر ) ما هو إلا سوء الظن منكم بالنسبة إلي ، وإلا كلنا يعلم بأن البحث أحيانا يأخذ بزماننا ويجرنا إلى موضوع آخر ، كما قيل قديما : الكلام يجر الكلام .
السيد عبد الحي : إنني أعتذر من سوء التعبير ، وأرجو العفو والسماح .
كيف يكون الإمام علي نفس رسول الله ؟
قلت : اتحاد شخصين بالمعنى الحقيقي غير ممكن ومحال عقلا ، ونحن إنما نقول باتحاد نفس النبي (ص) ونفس الإمام علي (ع) مجازا .
وبيان ذلك : إن المحبة والمودة بين شخصين إذا وصلت أعلى مراتبها بحيث تصبح رغباتهم واحد ، وجميع الأمور المتعلقة بالنفس والصادرة عنها تصبح واحدة أو متشابهة ومتماثلة ، يعبر عن النفسين بالنفس الواحدة مجازا(1).
وجاء هذا المعنى في كلمات بعض الأولياء ، وفي أشعار بعض الفصحاء والبلغاء .
كما نجد في الديوان المنسوب إلى الإمام علي (ع) :
هموم الرجــال فـي أمـور كثـيرة وهمي في الدنيا صديق مساعـد
يكون كروح بين جسمين قسمت فجسمهما جسمان والروح واحد
ولبعض الشعراء :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحــن روحــان حللنــا بدنا
فـإذا أبــصرْتنـي أبــصــرتـه وإذا أبصــرتــه كـــان أنـــا
روحه روحي وروحي روحه من رأى روحين حلا بدنا ؟!
فاتحاد نفس رسول الله (ص) وعلي بن أبي طالب (ع) ، وتعبيرنا بذلك إنما كان مجازا لا حقيقة ، والمراد أن رغبتهما كانت واحدة ونفسيتهما كانت متماثلة ، وكانا متشابهين في الفضائل النفسية والكمالات الروحية ، إلا ما خرج بالنص والدليل .
الحافظ : إذا أنتم تقولون بأن محمد (ص) وعليا ( كرم الله وجهه ) كانا نبيين ، ولعلكم تعتقدون بأن الوحي نزل عليهما معا !!
قلت : هذه مغالطة بينة منكم ، ونحن الشيعة لا نعتقد بهذا ، وما كنت أتوقع منكم أن تكرروا ما طرحتم من قبل ، حتى أكرر جوابي ، فيصبح مجلس التفاهم والحوار مجلس جدل وتكرار ، فيضيع وقت الحاضرين الذين جاءوا ليستفيدوا من حديثنا وحوارنا ، ويعرفوا الحق فيتبعوه .
وقد قلت : بأنا نعتقد أن النبي (ص) و الإمام (ع) متحدان ، أي متشابهان في جميع الفضائل النفسية ، ومتمثلان في الكمالات الروحية ، إلا ما خرج بالنص والدليل ، وهو مقام النبوة الخاصة وشرائطها ، التي منها نزل الوحي عليه ، فإن الوحي النبوي خاص بحمد المصطفى دون علي المرتضى ، وقد بينا ذلك بالتفصيل ضمن حديثنا في الليالي الماضية ، وإذا كنتم قد نسيتم ذلك فراجعوا الصحف التي نشرت تلك المحاورات !
لقد أثبتنا ضمن تفسير حديث المنزلة ، أن الإمام عليا (ع) كان في مقام النبوة [ وليس بنبي ] لكن كان تابعا لشريعة سيد المرسلين ، ومطيعا لخاتم النبيين محمد (ص) ، ولذا لم ينزل عليه وحي بل نزل على محمد (ص) ، كما أن هارون كان نبيا في زمن موسى بن عمران إلا أنه كان تابعا ومطيعا لأخيه موسى (ع) .
الحافظ : لما كنتم تعتقدون بأن عليا يساوي رسول الله (ص) في جميع الفضائل والكمالات ، فالنبوة وشرائطها لازمة لتلك المساواة ؟!
قلت : ربما يتصور الإنسان ذلك من معنى المساواة ، ولكن إذا فكر بدقة في التوضيح الذي قلناه يعرف أن الحق غير ما يتصوره بادئ الأمر ، وقد أوضحنا الموضوع في الليالي السابقة وبرهنا عليه من القرآن الحكيم ، فإن الله سبحانه يقول :( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض )(2).
ولا شك أن أفضلهم هو أكملهم وخاتمهم الذي قال تعالى في شأنه : ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين )(3).
فالكمال الخاص بنبوة محمد (ص) كان السبب في أن الله سبحانه يختم به النبوة ورسالة السماء ، وهذا الكمال الخاص به (ص) لا يشاركه ولا يساويه فيه أحد ، إلا أن سائر كمالاته النفسية وفضائله الروحية قابلة للمشاركة والمشابهة ، وكان علي (ع) يشاركه ويماثله فيها .
السيد عبد الحي : هل لكم دليل على ذلك من القرآن الكريم ؟
الاستدلال بآية المباهلة:
قلت : دليلنا من القرآن الكريم قوله تعالى : ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين )(4).
إن كبار علمائكم ، وأعلامكم من المحدثين والمفسرين ، أمثال :
الإمام الفخر الرازي ، في ” التفسير الكبير ” .
و الإمام أبي اسحاق الثعلبي ، في تفسير ” كشف البيان “.
وجلال الدين السيوطي ، في ” الدر المنثور ” .
والقاضي البيضاوي ، في ” أنوار التنزيل ” .
وجار الله الزمخشري ، في تفسير ” الكشاف ” .
ومسلم بن الحجاج في صحيحه .
وأبي الحسن ، الفقيه الشافعي ، المعروف بابن المغازلي في المناقب .
والحافظ أبي نعيم في ” حلية الأولياء ” .
ونور الدين ابن الصباغ المالكي ، في ” الفصول المهمة ” .
وشيخ الإسلام الحمويني ، في ” فرائد السمطين ” .
وأبي المؤيد الموفق الخوارزمي ، في المناقب .
والشيخ سليمان الحنفي القندوزي ، في ” ينابيع المودة ” .
وسبط ابن الجوزي ، في التذكرة .
ومحمد بن طلحة في ” مطالب السؤول ” .
ومحمد بن يوسف الكنجي القرشي الشافعي ، في ” كفاية الطالب ” .
وابن حجر المكي ، في ” الصواعق المحرقة “.
هؤلاء وغيرهم ذكروا مع اختلاف يسير في الألفاظ ، والمعنى واحد ، قالوا : إن الآية الكريمة نزلت يوم المباهلة وهو 24 أو 25 من ذي الحجة الحرام .
تفصيل المباهلة:
قالوا : دعا النبي (ص) نصارى نجران إلى الإسلام ، فأقبلت شخصياتهم وأعلامهم وعلماؤهم ، وكان عددهم يربو على السبعين ، ولما وصلوا المدينة المنورة التقوا برسول الله (ص) وجالسوه كرارا وتناظروا معه ، فسمعوا حديثه ودلائله على ما يدعوا إليه من التوحيد والنبوة وسائر أحكام الإسلام ، وما كان عندهم رد وجواب ، ولكن حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها ، وخافوا إن أسلموا يفقدوا مقامهم ورئاستهم على قومهم .
فلما رأى النبي لجاجهم وعنادهم ، دعاهم إلى المباهلة حتى يحكم الله بينهم ويفضح المعاند الكاذب ، فقبلوا … ولما جاءوا إلى الميعاد ، وهو مكان في سفح جبل ، وكان النصارى أكثر من سبعين ، من علمائهم وساداتهم وكبرائهم ، فنظروا وإذا رسول الله (ص) قد أقبل مع رجل وامرأة وطفلين ، فسألوا عنهم بعض الحاضرين ، فلما عرفوا أن الرجل الذي مع النبي (ص) صهره وابن عمه علي بن أبي طالب ، وهو وزيره ، وأحب أهله إليه ، والمرأة ابنته فاطمة الزهراء ، والطفلين هما سبطاه الحسن والحسين .
قال لهم أكبر علمائهم : انظروا إلى محمد ! لقد جاء بصفوة أهله وأعزهم عليه ليباهلنا بهم ، وهذا إنما يدل على يقينه واطمئنانه بحقانيته ورسالته السماوية ، فليس من صالحنا أن نباهله ، بل نصالحه بما يريد من الأموال ولولا خوفنا من قومنا ومن قيصر الروم ، ولآمنا بمحمد وبدينه .
فوافقه قومه وقالوا : أنت سيدنا المطاع .
فبعثوا إلى رسول الله (ص) أنهم لا يباهلونه ، بل يريدون المصالحة معه ، فرضي رسول الله (ص) بالمصالحة وأمر عليا (ع) فكتب كتاب الصلح بإملاء النبي (ص) .
فصالحهم (ص) على ألفي حلة فاخرة ، ثمن الواحدة أربعون درهما ، وألف مثقال ذهب ، وذكر بنودا أخرى .
فوقع الطرفان على كتاب الصلح .
ولما اعترض النصارى على الأسقف الأعظم ومصالحته مع نبي الإسلام ، أجابهم قائلا : والله ما باهل نبي أهل ملة إلا نزل عليهم العذاب وماتوا عن آخرهم ، وإني نظرت إلى وجوه أولئك الخمسة : محمد وأهل بيته ، فوجدت وجوها لو دعوا الله عز وجل باقتلاع الجبال وزوالها لانقلعت وانزالت .
الحافظ : هذا الخبر صحيح ، ومنقول في كتبنا المعتبرة ، ولا منكر له بين علمائنا ، ولكن ما هو ارتباطه بسؤالنا عن دليل اتحاد نفس علي ( كرم الله وجهه ) مع نفس النبي (ص) ؟!
قلت ارتباط الخبر بالسؤال كلمة ( أنفسنا ) في الآية الكريمة .
أولا : الآية تدل على أن عليا وفاطمة والحسن والحسين (ع) هم أفضل الخلق وأشرفهم بعد النبي (ص) عند الله تبارك وتعالى ، وهذا ما وصل إليه وصرح به كثير من علمائكم ، حتى المتعصبين منهم ، مثل الزمخشري في تفسيره لآية المباهلة ، فقد ذكر شرحا وافيا عن الخمسة الطيبين وكشف حقائق ودقائق مفيدة عن فضلهم ومقامهم عند الله سبحانه ، حتى قال : إن هذه الآية الكريمة أكبر دليل وأقوى برهان على أفضلية أصحاب الكساء على من سواهم .
ورأى البيضاوي والفخر الرازي في تفسير الآية قريب من رأي الزمخشري .
ثانيا : نستنبط من الآية الكريمة أن مولانا علي بن أبي طالب هو أفضل الخلق وأشرفهم بعد رسول الله (ص) ، لأن الله تعالى جعله نفس النبي (ص) إذا أن كلمة ( أنفسنا) لا تعني النبي (ص) ، لأن الدعوة منه لا تصح لنفسه (ص) ، وإنما الدعوة من الإنسان لغيره ، فالمقصود من ( أنفسنا ) في الآية الكريمة هو سيدنا وإمامنا علي (ع) ، فكان بمنزلة نفس النبي (ص) ، ولذا دعاه وجاء به إلى المباهلة ، وذلك بأمر الله سبحانه .
هذا جواب سؤالكم وارتباط الآية الكريمة بالموضوع .
فعلي (ع) هو نفس رسول الله (ص) بتعبير القرآن الكريم ، وهو تعبير مجازي واتحاد اعتباري لا حقيقي .
وقد قال الأصوليون : حمل اللفظ على المعنى المجازي الأقرب أولى من حمله على الأبعد .
وفي ما نحن فيه ، أقرب المعاني المجازية لاتحاد النفسين تساويهما في جميع الأمور النفسية ، وتماثلهما في جميع الصفات الكمالية اللازمة لها إلا ما خرج بالدليل .
وقلنا : إن الخارج بالدليل والإجماع ، عدم نزول الوحي على الإمام علي (ع) ، وعدم تساويه مع النبي (ص) في النبوة الخاصة به (ص) .
الحافظ : لنا أن نقول بأن تعبير الآية : ( ندعو … أنفسنا ) تعبير مجازي ، وادعائكم في الاتحاد النفسي المجازي لم يكن أولى و أقوى مما نقول نحن !
قلت : أرجوكم أن تتركوا المراء والجدال ، ولا تضيعوا وقت المجلس بالقيل والقال ، فإن العلماء والعقلاء اتفقوا على أن الأخذ بالمجاز الشائع أولى وأقوى من الأخذ بالمجاز غير الشائع .
والمجاز الذي نقول فيه بالموضوع هو المعنى الشائع له عند العرب والعجم ، فكم من قائل لصاحبه : أنت روحي وأنت كنفسي ! ولكي تطمئن قلوبكم لهذا المعنى ، فإني أنقل لكم بعض الأحاديث النبوية فيه…
شواهد من الأحاديث
الأخبار المروية والأحاديث النبوية في هذا المعنى المجازي كثيرة ننقل نماذج منها :
قال رسول الله (ص) : علي مني وأنا منه، من أحبه فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله .
أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في ” المسند ” وابن المغازلي في المناقب، والموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب، وآخرون غيرهم .
وقال (ص) : علي مني وأنا من عليّ، ولا يؤدي عني إلا أنا أو عليّ .
أخرجه جماعة ، منهم :ابن ماجه في السنن 1/92 ، والترمذي في صحيحه ، وابن حجر في الحديث السادس من الأربعين حديثا التي رواها في مناقب علي بن أبي طالب (ع) في كتابه ( الصواعق ) وقال : رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه .
و الإمام أحمد في المسند 4/164 ، وحمد بن يوسف الكنجي في الباب 67 من ” كفاية الطالب ” نقله عن مسند ابن سماك ، و ” المعجم الكبير ” للطبراني .
وأخرجه الإمام عبد الرحمن النسائي في كتابه ” خصائص الإمام علي (ع) ” .
وأخرجه الشيخ سليمان القندوزي في الباب السابع من ” ينابيع المودة ” .
وروى الأخير أيضا في الباب السابع عن عبد الله بن أحمد بن حنبل مسندا ، عن ابن عباس : أن رسول الله (ص) قال لأم سلمة رضي الله عنها : علي مني وأنا من علي ، لحمه من لحمي ، ودمه من دمي ، وهو مني بمنزلة هارون من موسى ، يا أم سلمة اسمعي واشهدي ! هذا علي سيد المسلمين .
وأخرج الحميدي في الجمع بين الصحيحين ، وابن أبي الحديد في ” شرح نهج البلاغة ” عن رسول الله (ص) قال : علي مني وأنا منه ، وعلي مني بمنزلة الرأس من البدن ، من أطاعه فقد أطاعني ، ومن أطاعني فقد أطاع الله .
وأخرج الطبري في تفسيره ، والمير السيد علي الهمداني الفقيه الشافعي في المودة الثامنة من كتابه ” مودة القربى ” أن رسول الله (ص) قال : إن الله تبارك وتعالى أيد هذا الدين بعلي ، وإنه مني وأنا منه ، وفيه أنزل : ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه )(5). وخصص الشيخ سليمان القندوزي في كتابه ” ينابيع المودة ” بابا بعنوان :
الباب السابع : في بيان أن عليا ( كرم الله وجهه ) كنفس رسول الله (ص) ، وحديث : علي مني وأنا منه .
وأخرج فيه أربعة وعشرين حديثا مسندا ـ بطرق شتى وألفاظ مختلفة لكن متحدة المعنى ـ عن رسول الله (ص) أنه قال : علي مني بمنزلة نفسي .
وفي أواخر الباب ينقل عن ” المناقب” حديثا يرويه عن جابر ، أنه قال : سمعت من رسول الله (ص) في علي بن أبي طالب عليه السلام خصالا لو كانت واحدة منها في رجل كانت تكفي في شرفه وفضله ، وهي قوله (ص) :
من كنت مولاه فعلي مولاه .
وقوله : علي مني كهارون من موسى .
وقوله : علي مني وأنا منه .
وقوله : علي مني كنفسي ، طاعته طاعتي ، ومعصيته معصيتي .
وقوله : حرب علي حرب الله ، وسلم علي سلم الله .
وقوله : ولي علي ولي الله ، وعدو علي عدو الله .
وقوله : علي حجة الله على عباده .
وقوله : حب علي إيمان وبغضه كفر .
وقوله : حزب علي حزب الله ، وحزب أعدائه حزب الشيطان .
وقوله : علي مع الحق والحق معه لا يفترقان .
وقوله : علي قسيم الجنة والنار .
وقوله : من فارق عليا فقد فارقني ، ومن فارقني فقد فارق الله .
وقوله : شيعة علي هم الفائزون يوم القيامة .
ويختم الباب بحديث آخر رواه عن المناقب أيضا ، جاء في آخره ، أقسم بالله الذي بعثني بالنبوة ، وجعلني خير البرية ، إنك لحجة الله على خلقه ، وأمينه على سره وخليفة الله على عباده.
أمثال هذه الأحاديث الشريفة كثيرة في صحاحكم ومسانيدكم المعتبرة ، ولو نظرتم فيها بنظر الإنصاف لأذعنتم أنهم قرائن على المجاز الذي تقوله في اتحاد نفس المصطفى (ص) وعلي المرتضى عليه السلام وهي تؤيد نظرنا أن كلمة ( أنفسنا ) في آية المباهلة دليل واضح على تقارب نفسي النبي والوصي إلى حد التساوي في الكمالات الروحية والتماثل في الصفات النفسية .
فإذا ثبت هذا الأمر ، فقد ثبت اعتقادنا بأفضلية علي عليه السلام وتقدمه على الرسل والأنبياء (ص) ما عدا خاتم النبيين محمد (ص) .
استدلال آخر:
جاء في الحديث النبوي الشريف : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل .
أخرجه جماعة من أعلامكم ، منهم :
الإمام الغزالي في إحياء العلوم ، وابن أبي الحديد في ” شرح نهج البلاغة ” والفخر الرازي في تفسيره ، وجار الله الزمخشري ، والبيضاوي ، والنيسابوري ، في تفاسيرهم .
وجاء في رواية أخرى :
علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل .
فإذا كان علماء المسلمين الذين أخذوا علمهم من منبع النبوة ومدرسة الرسالة والقرآن الحكيم كأنبياء بني إسرائيل أو أفضل ، فكيف بعلي بن أبي طالب عليه السلام الذي نص فيه رسول الله (ص) بقوله : أنا مدينة العلم وعلي بابها (6)، وأنا مدينة الحكمة وعلي بابها ؟!
وحل وقت العشاء ، وبعدما صلوا صلاة العشاء وانعقد المجلس ، بدأت بالكلام قائلا .
الإمام علي عليه السلام جامع فضائل الأنبياء
لا شك أن أنبياء الله سبحانه وهم من أرسلهم وبعثهم لهداية عباده كانوا يتخلقون بأجمل الأخلاق ، وكانوا يتصفون بأحمد الصفات ، وكانوا يتزينون بأحسن الفضائل والخصال ، إلا أن كلا منهم امتاز بصفة واشتهر بفضيلة حتى امتاز بها عن الآخرين .
وعلي بن أبي طالب عليه السلام جمع كل الفضائل التي امتاز بها الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم أجمعين .
وقد شهد بذلك سيد الرسل وخاتم النبيين محمد الصادق الأمين (ص) ، كما جاء في مناقب الخوارزمي : 49 و245 ، والرياض النضرة 2/217 ، وذخائر العقبى :93 وغيرها ، أنه قال (ص) ـ مع بعض الاختلافات اللفظية ـ : من أراد أن ينظر على آدم في علمه وإلى نوح في فهمه وإلى يحيى بن زكريا في زهده وإلى موسى بن عمران في بطشه ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب .
ونقل الشيخ سليمان القندوزي في كتابه ” ينابيع المودة ” الباب الأربعين ، قال : أخرج أحمد بن حنبل في مسنده وأحمد البيهقي في صحيحه عن ابن الحمراء ، قال : قال رسول الله (ص) : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في عزمه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى موسى في هيبته ، وإلى عيسى في زهده فلينظر إلى علي بن أبي طالب .
قال القندوزي : وقد نقل هذا الحديث في ” شرح المواقف” و” الطريقة المحمدية” .
ونقله ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمة : 121 عن البيهقي أيضا .
ونقله ـ مع بعض الاختلافات اللفظية ـ الإمام الفخر الرازي في تفسيره الكبير ، ذيل آية المباهلة .
ومحيي الدين ابن العربي في كتابه اليواقيت والجواهر ، المبحث 32: 172 .
ونقله العلامة الكنجي الشافعي في كتابه ” كفاية الطالب ” وخصص له الباب الثالث والعشرين ، ثم شرحه وعلّق عليه ، وإليك ذلك :
روى بإسناده عن ابن عباس ، قال : بينما رسول الله (ص) جالس في جماعة من أصحابه إذ أقبل علي عليه السلام فلما بصر به رسول الله (ص) قال : من أراد منكم أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في حكمته ، وإلى إبراهيم في حلمه ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب .
وعلق العلامة الكنجي بقوله :
قلت : تشبيهه لعلي عليه السلام بآدم في علمه ، لأن الله علم آدم صفة كل شيء كما قال عز وجل : ( وعلم آدم الأسماء كلها)(7) فما من شيء ولا حادثة ولا واقعة إلا وعند علي عليه السلام فيها علم ، وله في استنباط معناها فهم .
وشبهه في نوح بحكمته ـ أو في رواية : في حكمه ، وكأنه أصح ـ لأن عليا عليه السلام كان شديدا على الكافرين رؤوفا بالمؤمنين كما وصفه الله تعالى في القرآن بقوله : ( والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم )(8) وأخبر عز وجل عن شدة نوح عليه السلام على الكافرين بقوله : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا )(9).
وشبهه في الحلم بإبراهيم عليه السلام خليل الرحمن كما وصفه الله عز وجل بقوله : ( إن إبراهيم لأواه حليم )(10) فكان (ع) متخلقا بأخلاق الأنبياء ، متصفا بصفات الأصفياء . انتهى .
وروى في الرياض النضرة 2/218 عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله (ص) : من أراد أن ينظر إلى إبراهيم في حلمه ، وإلى نوح في حكمه ، وإلى يوسف في جماله ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب .
قال : أخرجه الملا في سيرته .
والملا هو عمر بن خضر من كبار علمائكم ، توفي عام 570 .
وفي الرياض النضرة 2/202 قال : أخرج الملا في سيرته ، قيل : يا رسول الله ! كيف يستطيع علي عليه السلام أن يحمل لواء الحمد ؟ فقال رسول الله (ص) : وكيف لا يستطيع ذلك وقد أعطي خصالا شتى : صبرا كصبري ، حسنا كحسن يوسف ، وقوة كقوة جبريل (ع) .
وروى السيد مير علي الهمداني في كتابه ” مودة القربى علي بن أبي طالب ” المودة الثامنة ، قال : عن جابر ، قال : قال رسول الله (ص) : من أراد أن ينظر إلى إسرافيل في هيبته ، وإلى ميكائيل في رتبته ، وإلى جبرائيل في جلالته ، وإلى آدم في علمه ، وإلى نوح في خشيته ، وإلى إبراهيم في خلّته ، وإلى يعقوب في حزنه ، وإلى يوسف في جماله ، وإلى موسى في مناجاته ، وإلى أيوب في صبره ، وإلى يحيى في زهده ، وإلى عيسى في عبادته ، وإلى يونس في ورعه ، وإلى محمد في حسبه وخلقه ، فلينظر إلى علي ، فإن فيه تسعين خصلة من خصال الأنبياء ، جمعها الله فيه ولم يجمعها في أحد غيره .
نقله الشيخ سليمان القندوزي في ينابيع المودة 1/304 الطبعة السابعة ، سنة 1384 هجرية 1965 ميلادية .
قال : وعد ذلك في كتاب ” جواهر الأخبار ” .
وإليك ما رواه كمال الدين القرشي محمد بن طلحة ، في كتابه القيم ” مطالب السؤول في مناقب آل الرسول (ص) ” الفصل السادس ، ج1/61 ، ط دار الكتب ، قال :
ومن ذلك ما رواه الإمام البيهقي (رض) في كتابه المصنف في فضائل الصحابة ، يرفعه بسنده إلى رسول الله (ص) أنه قال : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في تقواه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى موسى في هيبته ، وإلى عيسى في عبادته ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب .
فقد أثبت النبي (ص) لعلي عليه السلام بهذا الحديث ، علما يشبه علم آدم ، وتقوى تشبه تقوى نوح ، وحلما يشبه حلم إبراهيم ، وهيبة تشبه هيبة موسى ، وعبادة تشبه عبادة عيسى ، وفي هذا تصريح لعلي عليه السلام بعلمه وتقواه وحلمه وهيبته وعبادته ، وتعلو هذه الصفات إلى أوج العلا حيث شبهها بهؤلاء الأنبياء المرسلين (ع) من الصفات المذكورة والمناقب المعدودة .
مقايسته بالأنبياء:
لقد حدثنا المؤرخون والمحدثون أنه عليه السلام في آخر يوم من حياته الكريمة ، حينما كان على فراش الموت والشهادة ، حضر عنده جماعة من أصحابه لعيادته ، وكان ممن حضر صعصة بن صوحان ، وهو من كبار الشيعة في الكوفة ، وكان خطيبا بارعا ، ومتكلما لامعا ، وهو من الرواة الثقات حتى عند أصحاب الصحاح الستة وأصحاب المسانيد عندكم ، فإنهم يروون عنه ما ينقله الإمام علي عليه السلام ، وقد ترجم له كثير من علمائكم مثل ابن عبد البر في “الاستيعاب” وابن سعد في ” الطبقات الكبرى” وابن قتيبة في ” المعارف ” وغيرهم ، فكتبوا أنه كان عالما صادقا ، وملتزما بالدين ، ومن خاصة أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام . في ذلك اليوم سأل صعصعة الإمام عليا عليه السلام قائلا :
يا أمير المؤمنين ! أخبرني أنت أفضل أم آدم (ع) ؟
فقال الإمام عليه السلام : يا صعصعة ! تزكية المرء نفسه قبيح ، ولولا قول الله عز وجل : ( وأما بنعمة ربك فحدث )(11) ما أجبت .
يا صعصعة ! أنا أفضل من آدم ، لأن الله تعالى أباح لآدم كل الطيبات المتوفرة في الجنة ونهاه عن أكل الحنطة فحسب ، ولكنه عصى ربه وأكل منها !
وأنا لم يمنعني ربي من الطيبات ، وما نهاني عن أكل الحنطة فأعرضت عنها رغبة وطوعا .
[ كلامه كناية عن أن فضل الإنسان وكرامته عند الله عز وجل بالزهد في الدنيا وبالورع والتقوى ، وأعلى مراتبه أن يجتنب الملاذ ويعرض عن الشهوات والطيبات المباحة ـ من باب رياضة النفس ـ حتى يتمكن منها ، ويمسك زمامها ، فيسوقها في طريق الورع والتقوى(12)].
فقال صعصعة : أنت أفضل أم نوح ؟
فقال عليه السلام : أنا أفضل من نوح ، لأنه تحمل ما تحمل من قومه ، ولما رأى منهم العناد دعا عليهم وما صبر على أذاهم ، فقال : ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا )(13).
ولكني بعد حبيبي رسول الله (ص) تحملت أذى قومي وعنادهم ، فظلموني كثيرا فصبرت وما دعوت عليهم(14).
[ كلامه عليه السلام كناية عن أن أقرب الخلق إلى الله سبحانه أصبرهم على بلائه وأكثرهم تحملا من جهال زمانه سوء تصرفهم ، وهو يقابلهم بالحكمة والموعظة الحسنة وبحسن سلوكه وأخلاقه ، قربة على الله تعالى ] .
فقال صعصعة : أنت أفضل أم إبراهيم ؟
فقال عليه السلام : أنا أفضل ، لأن إبراهيم قال : ( رب أرني كيف تحي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي )(15).
ولكني قلت وأقول : لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا(16).
[ كلامه عليه السلام كناية عن أن مرتبة العبد عند الله سبحانه تكون بمرتبة يقينه ، فكلما ازداد العبد يقينا بالله عز وجل وبالمعتقدات الدينية ازداد قربا من الله سبحانه وتعالى ] .
قال صعصعة : أنت أفضل أم موسى ؟
قال (ع) : أنا أفضل من موسى لأن الله تعالى لما أمره أن يذهب إلى فرعون ويبلغه رسالته ( قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون )(17).
ولكني حين أمرني حبيبي رسول الله (ص) بأمر الله عز وجل حتى أبلغ أهل مكة المشركين سورة براءة ، وأنا قاتل كثير من رجالهم وأعيانهم ! مع ذلك أسرعت غير مكترث ، وذهبت وحدي بلا خوف ولا وجل ، فوقفت في جمعهم رافعا صوتي ، وتلوت آيات من سورة براءة ، وهم يسمعون !!
[ كلامه كناية عن أن فضل الإنسان عند الله سبحانه بالتوكل عليه عز وجل والإقدام في سبيل الله وأن لا يخشى العبد أحدا إلا ربه تعالى شأنه ] .
قال صعصة : أنت أفضل أم عيسى ؟
قال عليه السلام : أنا أفضل ، لأن مريم بنت عمران لما أرادت أن تضع عيسى ، كانت في البيت المقدس ، جاءها النداء يا مريم اخرجي من البيت ! هاهنا محل عبادة لا محل ولادة ، فخرجت ( فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة ) (18).
ولكن أمي فاطمة بنت أسد لما قرب مولدي جاءت إلى بيت الله الحرام والتجأت إلى الكعبة ، وسألت ربها أن يسهل عليها الولادة ، فانشق لها جدار البيت الحرام ، وسمعت النداء : يا فاطمة ادخلي ! فدخلت ورد الجدار على حاله فولدتني في حرم الله وبيته(19).
[ لا أدري هل هذه المقايسة تنبئ عن أفضلية فاطمة بنت أسد على مريم بنت عمران كما أن ابنها عليا (ع) كان أفضل وأشرف عند الله تعالى من عيسى بن مريم (ع) ؟! ربما ] .
بالله عليكم فكروا قليلا وأنصفوا ، مع وجود هذه الروايات والأحاديث المنقولة في كتبكم ، والمروية بطرقكم ، هل يجوز أن تقدموا أحدا على الإمام علي (ع) في الخلافة ؟!!
وهل يجوز عند العقلاء والنبلاء تقديم المفضول على الفاضل ؟! كما يقول أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 10/226 : أما الذي استقر عليه رأي المعتزلة بعد اختلاف كثير بين قدمائهم في التفضيل وغيره ، أن عليا أفضل الجماعة ، وأنهم تركوا الأفضل لمصلحة رأوها !
ويقول في صفحة 227 : وبالجملة أصحابنا يقولون : إن الأمر كان له [ لعلي ] (ع) ، وكان هو المستحق والمتعين !
ويقول في شرح الخطبة الشقشقية في شرح نهج البلاغة 1/157 ط. دار إحياء التراث العربي : لما كان أمير المؤمنين (ع) هو الأفضل والأحق وعدل عنه إلى من لا يساويه في فضل ولا يوازيه في جهاد وعلم ، ولا يماثله في سؤدد وشرف ، ساغ إطلاق هذه الألفاظ … إلى آخره .
فلا ينكر أحد تفضيل الإمام علي (ع) على غيره إلا عن تعصب وعناد ، وإلا فإن أعلامكم المنصفين ذهبوا أيضا مذهب المعتزلة في ذلك :
فقد روى العلامة الكنجي الشافعي في ” كفاية الطالب ” الباب الثاني والستين ، بسنده عن ابن التيمي ، عن أبيه ، قال : فضل علي بن أبي طالب على سائر الصحابة بمائة منقبة وشاركهم في مناقبهم .
وقال العلامة الكنجي ، وابن التيمي هو موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي ، ثقة وابن ثقة ، أسند عنه العلماء والإثبات … ثم ذكر المائة منقبة بالتفصيل(20).
ونقل الشيخ سليمان القندوزي في كتابه ” ينابيع المودة ” الباب الأربعين ، قال : أخرج موفق بن أحمد ، عن محمد بن منصور ، قال : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما جاء لأحد من الصحابة من الفضائل مثل ما لعلي بن أبي طالب (ع) .
وقال أحمد : قال رجل لابن عباس سبحان الله ! ما أكثر فضائل علي بن أبي طالب ومناقبه! إني لأحسبها ثلاثة آلاف منقبة . فقال ابن عباس : أَو لا تقول إنها ثلاثين ألفا أقرب ؟!(21).
وقال ابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة 1/17 ط. دار إحياء التراث العربي : وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل ، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله ؟!
… وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة ، وتنتهي إليه كل فرقة ، وتتجاذبه كل طائفة ؟! فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وأبو عذرها ، وسابق مضمارها ومجلي حلبتها . كل من بزغ فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى مثاله احتذى .
ويقول في خاتمة المقدمة : 30 : وجب أن نختصر ونقتصر ، فلو أردنا شرح مناقبه وخصائصه لاحتجنا إلى كتاب مفرد يماثل حجم هذا ، بل يزيد عليه . وبالله التوفيق .
فلا أدري بأي عذر أخروا هذا الرجل الفذ ، والإنسان العبقري ، العملاق العظيم ، العلي على البشر بعد النبي (ص) .
ولماذا لم يستشيروه في أمر الخلافة ؟!
وهل لهم دليل على تقديم الآخرين عليه ؟!
فانصفوا ولا تتبعوا التعصب والعناد !
الحافظ : وأنتم أيضا أنصفوا وانظروا هل يجوز لكم أن تنسبوا لأصحاب النبي (ع) المقربين ، غصب الخلافة ومخالفة أمر الله والرسول ؟!
وكيف تعتقدون بأن أمة الإسلام اجتمعت على الباطل والضلال ؟!!
أما قال رسول الله (ص) : لا تجتمع أمتي على الخطأ ؟!
وقال (ص) : لا تجتمع أمتي على الضلالة .
فلذلك نحن لا نقلد أسلافنا تقليد الأعمى ، ولا نسير خلفهم سير الحمقى ، بل قلدناهم وأخذنا مذهبهم إطاعة لأمر النبي (ص) حيث صحح إجماع المسلمين وأيد كل ما أجمعت عليه الصحابة المهتدين .
دعوى : إجماع الأمة على خلافة أبي بكر
قلت : أرجو أن تبينوا لنا أدلتكم على صحة خلافة أبي بكر ؟
الحافظ : إن أقوى دليل على إثبات خلافة أبي بكر وصحتها هو إجماع الأمة على خلافته .
وأضف على هذا كبر السن والشيخوخة ، فإن عليا ( كرم الله وجه ) مع فضله وسوابقه المشرفة وقربه من رسول الله (ص) فإن المسلمين أخروه لصغر سنه .
وأنتم لو فكرتم قليلا وأنصفتم لأعطيتم الحق للمسلمين ، فلا يجوز عقلا أن يتقدم في هذا الأمر العظيم شاب حدث السن مع وجود شيوخ قومه وكبراء أهله .. وإن تأخر سيدنا علي لا يكون نقصا له بل كماله ، وإن أفضليته على أقرانه ثابتة لا ننكرها .
ثم إن المسلمين سمعوا حديثا رواه عمر بن الخطاب ، قال : لا تجتمع النبوة والملك في أهل بيت واحد .
ولما كان عمر من أهل بيت النبوة ما بايعوه ..
هذه أسباب تقدم أبي بكر وتأخر علي في أمر الخلافة .
قلت : إن أدلتكم هذه تضحك الثكلى ، وإن مثلكم كمثل الذي يغمض عينه فيصبح كالأعمى ، فلا يرى الشمس الطالعة في الضحى ، وينكر ضوء النهار إذا تجلى ، فافتحوا أعينكم ، وانظروا إلى منار الهدى ، واسلكوا طريق الحق والتقى ، ولا تتبعوا الهوى ، وتجنبوا المنزلق والمهوى ، ولا تغرنكم الدنيا ، فإن الآخرة خير وأبقى .
وإني أرجوكم أن تقرءوا كتابنا وتدققوا النظر في أدلتنا وتعمقوا الفكر في عقائدنا .
أقول هذا ، لأني فتشت أسواق الشام والقاهرة والحجاز والأردن ، وغيرها من البلاد الإسلامية التي غالب سكانها أهل السنة أو حكامها من أهل السنة والجماعة ، فما وجدت كتب الشيعة في مكتباتها فكأنكم ـ مع الأسف ـ آليتم أن تطالعوا كتب الشيعة ، فلا أدري هل حكمتهم عليها بأنها كتب الضلال فحرمتم قراءتها ؟!!
وإني دخلت بيوت كثير من إخواننا أهل السنة والجماعة ، علمائهم وغير علمائهم ، الذين يهوون مطالعة الكتب ويملكون مكتبات شخصية في بيوتهم ، فوجدت فيها كتب مختلفة حتى كتب غير المسلمين من الشرقيين والغربيين ، ولم أجد كتابا واحدا من كتب الشيعة !!
بينما نحن في بلادنا نطبع كتبكم وننشرها ، وندعو أهل العلم والمثقفين لمطالعتها .
فهذه مدينة النجف الأشرف وكربلاء المقدسة في العراق ، وهذه مدينة قم ومشهد الإمام الرضا (ع) في إيران ، وهي مراكز الشيعة التي فيها حوزاتنا العلمية ومراجعنا الكرام ، وكذلك طهران وشيراز وأصفهان ، وغيرها من البلاد التي تسكنها الشيعة ، فتحت أبواب مكتباتها لعرض كتبكم وبيعها بدون أي مانع ورادع .
ولا أجد مكتبة واحدة من مكتباتنا العامة أو الشخصية تخلو من كتبكم وصحاحكم ومسانيدكم وتواريخكم وتفاسيركم ، لا لحاجة منا إليها ، لأن مدرسة أهل البيت (ع) غنية ، والأخبار المروية عن العترة الطاهرة الهادية تناولت جميع جوانب الحياة وكل ما يحتاجه الإنسان في أمر الدين والدنيا .
ولكن نريد أن نحاججكم بكتبكم ، ونلزمكم بأقوال علمائكم وآراء أعلامكم ، وننقدها نقدا بناء حتى نصل معكم إلى التفاهم ، وكما تجدوني في هذه المحاورات والمناقشات لا أنقل إلا عن كتبكم ومسانيدكم وصحاحكم وتفاسيركم .
إجماع أم مؤامرة !!
لقد ادعيتم أن إجماع الصحابة هو أقوى دليل على إثبات خلافة أبي بكر وصحتها . واستدللتم بحديث : لا تجتمع أمتي على الخطأ ، أو لا تجتمع أمتي على ضلال .
فالأمة أضيفت إلى ياء المتكلم ، فتفيد العموم كما قال النحويون ، فعلى فرض صحة الحديث يكون معناه : إن أمتي كلهم من غير استثناء إذا أجمعوا على أمر فذاك الأمر لا يكون خطأ أو ضلالا .
وهذا هو الإجماع الذي يتضمن رأي حجة الله تعالى في خلقه ، لأن الأرض لا تخلو من حجة لله عز وجل ـ كما جاء في روايات الفرقين ـ .
ثم إن هذا الحديث ـ على فرض صحته ـ لا ينخ الأحاديث النبوية والنصوص الجلية في تعريف النبي (ص) خليفته في البرية .
ولو تنزلنا وسلمنا برأيكم والتزمنا بهذا المقال ، بأن النبي (ص) لم يعين خليفته بأمر الله العزيز المتعال ، وإنما كان يشير إلى علي (ع) ويرشحه للخلافة برأيه الشخصي ، وقد فتح على الأمة باب الاختيار وفسح لهم المجال ، وأقر إجماعهم بقوله (ص) : لا تجتمع أمتي على خطأ أو ضلال .
فنقول : إن الإجماع الذي أقره النبي (ص) ما حصل في خلافة أبي بكر ولم يحصل لغيره .
الحافظ : نفي الإجماع على خلافة أبي بكر (رض) أمر غريب !
لأنه حكم في الأمة بعد النبي (ص) أكثر من سنتين من غير مخالف أو منازع ، وانقاد له جميع المهاجرين والأنصار ، وبهذا حصل الإجماع على خلافته .
قلت : إن هذا كلام مغالطة وجدل ! لأن سؤالي وكلامي كان حول إجماع الأمة على خلافة أبي بكر في بداية الأمر ، حينما اجتمعوا في السقيفة ، وهل وافق الحاضرون كلهم على خلافته ؟!
وهل اتفق رأي المسلمين الذين كانوا في المدينة المنورة على خلافته آنذاك ؟!
وهل كان لرأي سائر المسلمين ـ الذين كانوا خارج المدينة المنورة ، حواليها أو بعيدين عنها ـ أثر في الانتخاب ؟!
أم ليس لرأيهم محل من الإعراب ؟!
الحافظ : لا نقول إن اجتماع السقيفة كان يمثل جميع الأمة ، وإن كان فيه كثير من كبار الصحابة ، ولكن الحاضرين فيها اختاروا أبا بكر ، وبعد ذلك وافقهم المسلمون فحصل الإجماع تدريجيا مع مرور الزمن !
قلت : بالله عليكم فكروا وأنصفوا ! هل الإجماع الذي أقره رسول الله (ص) في حديثه حصل في السقيفة ، مع مخالفة سعد بن عبادة الخزرجي وأهله وأنصاره ؟!
فهل تكشف واقعة السقيفة عن إجماع الصحابة البررة ، أو تنبئ عن مؤامرة مدبرة ؟!
وإذا ما كانت هناك مؤامرة ، ولم تتدخل فيها الأغراض والأطماع ، لماذا لم يصبروا حتى يتحقق الإجماع ؟!
وكلنا نعلم ، بأن الأوس قد وافقوا على خلافة أبي بكر لا لمصلحة الإسلام ، بل بسبب النزاعات والخلافات التي كانت بينهم وبين الخزرج ، وقد كانت لها جذور جاهلية ، فلما رأوا كفة سعد بن عبادة قد رجحت وكاد أن يبتز الحكم ، أسرعوا إلى أبي بكر فبايعوه رغما لأنوف مناوئيهم الخزرجيين .
وأما المسلمون خارج السقيفة ، لما سمعوا بما حدث في السقيفة ذهلوا وبهتوا ، ثم انجرفوا مع التيار ، وكان أكثر الناس في ذلك المجتمع همجا رعاعا ، ينعقون مع كل ناعق ، ويميلون مع الريح .
وهم الذين يصفهم الباري عز وجل بقوله : (ٍ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن يتقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين )(22).
وسوف يخاطبهم الله تعالى في جهنم بقوله سبحانه : ( لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون)(23) و(24).
وأما الذين استقاموا على الدين ، وثبتوا في طريق الحق واليقين ، وتمسكوا بولاية سيد الوصيين ، واعتقدوا خلافة وإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فعددهم قليل ، وهم الذين يصفهم ربهم سبحانه وتعالى بقوله : ( وقليل من عبادي الشكور)(25).
وهم صفوة أصحاب رسول الله (ص) وأهل بيته المطهرون وعترته الطيبون ، وهم الذين غضبوا من أحداث السقيفة وأعلنوا مخالفتهم لبيعة أبي بكر .
فلذلك نقول أن الإجماع ـ الذي تدّعونه لإثبات وتصحيح خلافة أبي بكر وشرعيتها ـ لم يحصل !
الحافظ : يحصل الإجماع ويقع إذا وافق أهل الحل والعقد وسنام الأمة على أمر ، وليس من حق أي مسلم أن ينقض ما أبرموا .
قلت : إن هذا التفسير والمعنى لكلمة الإجماع ادعاء لا دليل عليه ، وهو خلاف ظاهر الحديث الذي تمسكتم به لتشريع الإجماع .
فالحديث يصرح : لا تجتمع أمتي على خطأ ـ أو ضلال ـ .
فكيف استخرجتم هذا المعنى ، وخصصتم الأمة بأهل الحل والعقد والسنام ـ أي الطبقة العليا من المجتمع ـ ثم ألزمتم الآخرين باتباع رأي أولئك وإطاعتهم ؟!!
والحال إن إضافة الأمة إلى ياء المتكلم ، أو نسبتها إلى ياء النسبة تفيد العموم ، فلا يجوز عند النحويين أن تخصص الأمة بعدد من الصحابة دون الآخرين .
وحتى إذا سلمنا أن الإجماع يحصل بتوافق أهل الحل والعقد ، فهل الذين حضروا السقيفة كانوا أهل الحل والعقد دون سواهم ؟!
أم كان في المدينة وحواليها آخرون من أهل الحل والعقد ، ولم يحضروا آنذاك في السقيفة؟!
فهلا أخبروهم بانعقاد ذلك المؤتمر ودعوهم للحضور ؟!
وهلا استفسروا عن رأيهم في خلافة أبي بكر ؟!
الحافظ : الظروف ما سمحت بذلك ، فإذا كان على الشيخين أن ينتظروا رأي جميع أهل الحل والعقد الذين كانوا في المدينة المنورة وخارجها ، لكانت دسائس المنافقين تعمل عملها ، فلذلك لما سمع أبو بكر وعمر (رض) أن جماعة من الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ، ليتشاوروا في أمر الخلافة ، أسرعا إليها وتكلما استوليا به على الوضع .
ثم إن عمر ـ الذي كان رجلا سياسيا وشيخا محنكا ـ رأى صلاح الإسلام في أن ينابيع أبا بكر بالخلافة ، فمد يده وبايعه ، وتبعه أبو عبيدة بن الجراح والأوسيون .
فلما رأى سعد بن عبادة ذلك ، خرج من السقيفة غاضبا غير راض عما حصل ، لأنه كان يريد الخلافة لنفسه ، وتبعه قومه الخزرجيون وخرجوا من السقيفة غاضبين .
هذا هو سبب استعجال الشيخين في أمر الخلافة ، ولولا اتخاذهما ذلك الموقف الحاسم في السقيفة لكان الأمر يؤول إلى النزاع بين قبيلتي الأنصار : الأوس والخزرج .
قلت : ما كان اجتماع الأنصار في السقيفة من أجل تعيين خليفة ، بل كانوا بصدد تعيين لأنفسهم ، وأخيرا كاد التوافق يحصل بأن يكون للأوس أمير وللخزرج أمير وهو أشبه شيء برئيس القبيلة وشيخ العشيرة .
فهنا اغتنم الشيخان أبو بكر وعمر الفرصة من نزاع القوم ، فتقدم أبو بكر وتكلم في أمر الخلافة ، وتعجل عمر في بيعته ، وإلا لو كان الاجتماع من أجل تعيين خليفة رسول الله (ص) لكان الاجتماع يضم كل الصحابة الذين كانوا في المدينة المنورة من المهاجرين والأنصار ، وحتى الذين كانوا في معسكر أسامة بن زيد خارج المدينة .
فإن رسول الله (ص) في أواخر أيامه عقد راية لأسامة وأمر المسلمين بالانضمام تحتها ، وكرر الأمر بقوله (ص) : أنفذوا جيش أسامة ، لعن الله من تخلف عن جيش أسامة !
وكان الشيخان تحت إمرة أسامة بن زيد ، ولكنهما تخلفا وتركا المعسكر ، فكان المفروض عليهما أن يستشيرا أميرهما في مثل ذلك الأمر الهام ، ولكنهما استبدا بالرأي وما شاوراه !
فلذلك لما سمع بما حدث في السقيفة وان أبا بكر صار خليفة جاء إلى مسجد النبي (ص) واعترض ، فاقترب منه عمر قائلا : لقد انقضى الأمر وتمت البيعة لأبي بكر ، قم وبايع ولا تشق عصا المسلمين ! فقام وبايع !
ولكن كان لأسامة أن يقول : لقد جعلني رسول الله (ص) أميرا عليك وعلى أبي بكر ولم يعزلني بعد ، فكيف يصبح أميركم الذي أمّره رسول الله (ص) تحت إمرتكم ؟!
أما أمركما رسول الله (ص) بطاعتي ؟! وأمركم أن تكونا تحت إمرتي ؟! فكيف انعكس الأمر ؟!!
فإن تقولوا : إن المسافة كانت بعيدة بين المدينة والمعسكر والظروف الراهنة ما سمحت للشيخين أن يستشيرا أميرهما أسامة ومن كان تحت رايته من ذوي البصائر وأهل الحل والعقد !
فما تقولون في بني هاشم الذين كانوا مجتمعين في بيت رسول الله (ص) وكذلك الصحابة المقربين الذين كانوا آنذاك عند جثمان النبي (ص) يعزون أهله المصابين بتلك المصيبة العظمى ؟!
فلماذا ما استشار أولئك ، وبالخصوص علي بن أبي طالب والعباس(26) عم رسول الله (ص) وهما بإجماع المسلمين كانا من أهل الحل والعقد في الإسلام وكانا من ذوي البصيرة والرأي ، هل المسافة كانت بعيدة ؟!! أم الظروف الراهنة ما سمحت ؟!!
الحافظ : أظن بأن الأمر كان خطيرا والخطر كبيرا بحيث لم يمكن للشيخين ترك السقيفة حتى لحظة واحدة .
قلت : ولكن أقول : إن الشيخين ما أرادا أن يخبرا عليا وبني هاشم وسائر الصحابة ، بل كانا يريدان خلو الساحة من أولئك ، حتى يحققا أمرا دبّراه فيما بينهما !
الحافظ : وهل لكم دليل على ذلك ؟
قلت : أولا : كان بإمكانهما أن يراقبا الوضع في السقيفة ويبعثا أبا عبيدة الجراح ، فيخبر بني هاشم وسائر الصحابة .
ثانيا : قبل أن يأتي الشيخان إلى السقيفة ، كان أبو بكر مع المجتمعين في بيت رسول الله (ص) ، فجاء عمر عند الباب ولم يدخل البيت ، فطلب أبا بكر وأخبره باجتماع الأنصار في السقيفة ، ولم يخبر الآخرين ، ثم أخذه معه وانطلقا نحو السقيفة .
الحافظ : هذا الخبر من أقاويل الروافض !
قلت : سبحان الله ، مالك كلما عجزت عن الجواب ، اتهمت الشيعة وأسأت إليهم بالكلام ؟!
ولقد تكرر منك هذا الموقف العنيف ، ثم ثبت للحاضرين زيف كلامك وبطلان رأيك هذه المرة كذلك .
ولكي تعرف الحقيقة فراجع تاريخ محمد بن جرير الطبري ـ من كبار أعلامكم ومؤرخيكم في القرن الثالث ـ 2/456 ، ونقل عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 2/38 فقال : وروى أبو جعفر أيضا في التاريخ ، أن رسول الله (ص) لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة ـ إلى أن قال : ـ وسمع عمر الخبر فأتى منزل رسول الله (ص) وفيه أبو بكر ، فأرسل إليه : أن أخرج إلي ، فأرسل : إني مشغول ، فأرسل إليه عمر أن أخرج ، فقد حدث أمر لا بد أن تحضره فخرج فأعلمه الخبر ، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو عبيدة …. إلى آخر الخبر(27).
فبأي دليل ومنطق ، تسمون هذه الواقعة ، إجماع الأمة وإجماع أهل الحل والعقد ؟!
إن هذه الطريقة في تعيين رئيس الجمهورية أو أمير القوم أو خليفة رسول الله (ص) تخالف القوانين السماوية والأرضية ، وتناقض سيرة العقلاء في العالم وترفضها جميع الأمم والشعوب ، لا الشيعة فحسب !
لا إجماع على خلافة أبي بكر:
أيها العلماء لو فكرتم قليلا وأنصفتم ، ثم نظرتم إلى أحداث السقيفة وما نجم منها ، لأذعنتم أن خلافة أبي بكر ما كانت بموافقة جميع أهل الحل والعقد ، ولم يحصل الإجماع عليها ، وأن ادعاء القوم وتمسكهم بالإجماع فارغ عن المعنى واسم من غير مسمى !
فإن إعلان النتيجة في مثل هذه الأمور تعبر برأي الأكثرية والأقلية أو الإجماع .
فلو تشاور قوم في أمر ، فوافق أكثرهم وخالف آخرون ، فالموافقون أكثرية والمخالفون أقلية .
ولكن إذا وافق كلهم ، بحيث لم يخالف منهم أحد ، فقد حصل الإجماع .
والآن أسألكم بالله ! هل حصل هذا الإجماع على خلافة أبي بكر ، في السقيفة أو في المسجد أو في المدينة .
وحتى لو تنزلنا وقلنا : إن الملحوظ هو رأي كبار الصحابة وذوي العقل والبصيرة من المسلمين ، فهل أجمع كبار الصحابة وعقلاء المسلمين وأهل الحل والعقد كلهم على خلافة أبي بكر ، بحيث لم يكن فيهم مخالف واحد ؟!
الحافظ : قلنا بأن الإجماع ما حصل في بادئ الأمر ، بل حصل تدريجا بموافقة المخالفين واحدا بعد الآخر مع طول الزمن .
قلت : وحتى هكذا ـ إجماع تدريجي ـ لم يحصل أيضا ، لأن كثيرا من المخالفين بقوا على مخالفتهم لخليفة السقيفة ، إلى أن وافاهم الأجل ، منهم سيدة نساء العالمين وبنت سيد المرسلين وحبيبة خاتم النبيين ، فاطمة الزهراء (ع) ، وكانت هي مدار سخط الله سبحانه ورضاه ، حيث قال رسول الله (ص) في شأنها : ” فاطمة بضعة مني ، يرضى الله لرضاها ، ويسخط لسخطها ” .
فأعلنت سخطها على الخليفة ، ومخالفتها لرأي السقيفة ، ورفضت أن تبايع أبا بكر حتى ماتت وهي واجدة عليه(28).
وأحد المخالفين لخلافة أبي بكر ، سعد بن عبادة الخزرجي ، وهو سيد قومه ، أعلن خلافه لما بعث إليه أبو بكر أن أقبل فبايع فقد بايع الناس .
فقال : أما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل ، وأخضب منكم سناني ورمحي ، وأضربكم بسيفي ، ما ملكته يدي ، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي ، ولا والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم حسابي(29).
فالإجماع الذي تزعمونه نفاه كثير من أعلامكم أيضا ، منهم صاحب كتاب “المواقف” والفخر الرازي وجلال الدين السيوطي وابن أبى الحديد والطبري والبخاري ومسلم بن الحجاج وغيرهم .
وقد ذكر العسقلاني والبلاذري في تاريخه ومحمد خاوند شاه في ” روضة الصفا ” وابن عبد البر في ” الاستيعاب ” وغير هؤلاء أيضا ذكروا : أن سعد بن عبادة وطائفة من الخزرج وجماعة من قريش ما بايعوا أبا بكر ، وثمانية عشر من كبار الصحابة رفضوا أيضا أن يبايعوه ، وهم شيعة علي بن أبي طالب وأنصاره ، وذكروا أسماءهم كما يلي :
1ـ سلمان الفارسي 2ـ أبو ذر الغفاري 3ـ المقداد بن الاسود الكندي 4ـ أبي بن كعب 5ـ عمار بن ياسر 6ـ خالد بن سعيد بن العاص 7ـ بريدة الأسلمي 8ـ خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين 9ـ أبو الهيثم بن التيهان 10 ـ سهل بن حنيف 11ـ عثمان بن حنيف 12ـ أبو أيوب الأنصاري 13ـ جابر بن عبد الله الأنصاري 14ـ حذيفة بن اليمان 15ـ سعد بن عبادة 16ـ قيس بن سعد 17ـ عبد الله بن عباس 18ـ زيد بن أرقم .
وذكر اليعقوبي في تاريخه فقال : تخلف قوم من المهاجرين والأنصار عن بيعة أبي بكر ، ومالوا مع علي بن أبي طالب ، منهم العباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس والزبير بن العوام وخالد بن سعيد بن العاص والمقداد وسلمان وأبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر والبراء بن عازب وأبي بن كعب .
أقول :
ألم يكن هؤلاء من صفوة أصحاب النبي (ص) ومن المقربين إليه والمكرمين لديه ؟! فلماذا لم يشاوروهم ؟!
فإن لم يكن هؤلاء الأخيار من أهل الحل والعقد ومن ذوي البصيرة والرأي في المشورة والاختيار ، فمن يكون إذن ؟!!
وإذا لم يعبأ برأي أولئك كان رسول الله (ص) يشاورهم في الأمور ويعتمد عليهم ، فبرأي من يعبأ ، ورأي من يكون ميزانا ومعيارا لإبرام الأمور المهمة وحسم قضايا الأمة ؟!
مخالفة العترة لخلافة أبي بكر:
لا شك أن العترة وأهل بيت رسول الله (ص) هم أفضل الصحابة ، وهم في الصف الأول والمتقدمين على أهل الحل والعقد ، وإن إجماع أهل البيت عليهم السلام حجة لازمة ، ليس لأحد من المسلمين ردهم بدليل الحديث النبوي الشريف المروي في كتب الفريقين أنه (ص) قال : إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا .
[ ذكرنا بعض مصادره من كتب العامة في مجلس سابق ] .
فجعلهم رسول الله (ص) منار الهدى ، وأمانا من الضلالة والعمى .
وقال (ص) : مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى . [ ذكرنا مصادره في المجلس الثالث من هذا الكتاب ] .
وقال (ص) : أنا وأهل بيتي شجرة [أصلها] في الجنة ، وأغصانها في الدنيا فمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليتمسك بها(30) . فجعلهم سبيل الوصول إلى الله سبحانه وتعالى .
وقال (ص) : في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ، ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله عز وجل فانظروا من توفدون !(31).
هذه الأحاديث الشريفة وأمثالها ، جاءت في كتبكم ، وذكرت في مسانيدكم وصحاحكم ، وهي تشير إلى أن المسلمين إذا أطاعوا أهل البيت عليهم السلام واتبعوا العترة الهادية سعدوا في الدنيا والآخرة .
واتفق المؤرخون والمحدثون على أن أهل البيت وبني هاشم كلهم تخلفوا عن بيعة أبي بكر ولم يرضوا بخلافته .
فثبت أن دليلكم الأول ـ وهو الإجماع على خلافة أبي بكر ـ مردود .
تفنيد الدليل الثاني:
وأما دليلكم الثاني ، وهو كبر السن ، إذ قلتم : إنهم قدموا أبا بكر في الخلافة لأنه أكبر سنا من علي بن أبي طالب .
صحيح أن أصحاب السقيفة استدلوا بهذا الدليل لإقناع الإمام علي عليه السلام ليبايع أبا بكر(32) ولكنه دليل ضعيف وكلام سخيف .
فلو كان كبر السن ملحوظا في المنصوب للخلافة ، فقد كان في المسلمين والصحابة من هو أكبر سنا من أبي بكر ، حتى إن والده أبا قحافة كان حيا في ذلك اليوم ، فلم أخروه وقدموا ابنه ؟!!(33).
الحافظ : إن الملحوظ عندنا كبر السن مع السابقة في الإسلام .
وقد كان أبو بكر شيخا محنكا في الأمور ، ذا سابقة حسنة ، وكان مقدرا ومحبوبا عند رسول الله (ص) فلا يقدم عليه علي كرم الله وجهه وهو حديث السن غير محنك في الأمور .
قلت : إن كان كذلك فلماذا قدم رسول الله (ص) عليا (ع) عليه في كثير من الأمور والقضايا ؟!
منها : في غزوة تبوك ، حينما عزم رسول الله (ص) أن يخرج مع المسلمين إلى تبوك وكان يخشى تحرك المنافقين في المدينة وتخريبهم ، خلف عليا (ع) ليدير أمور المدينة المنورة ، دينيا وسياسيا واجتماعيا ، وقال له : أنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي .
وكان علي (ع) نعم الخلف ، وخير مدير ، وأفضل أمير .
ومنها تبليغ آيات من سورة براءة لأهل مكة حين كانوا مشركين ، فقد عين النبي (ص) أبا بكر لهذه المهمة وأرسله إلى مكة وقطع مسافة نحوها ، ولكن الله عز وجل أمر النبي (ص) أن يعزل أبا بكر ويعين عليا (ع) لتبليغ الرسالة ، ففعل النبي (ص) وأرسل عليا (ع) فأخذ الرسالة من أبي بكر ، فرجع إلى المدينة وذهب علي (ع) إلى مكة فوقف في الملأ العام من قريش ورفع صوته بتلاوة الآيات من سورة براءة وأدى تبليغ الرسالة ، ونفذ الأمر ، ورجع إلى المدينة(34).
ومنها : أنه (ص) بعثه إلى اليمن ليهدي أهلها إلى الإسلام ، ويبلغهم الدين ، ويقضي بين المتخاصمين ، وقد أدى هذا الأمر على أحسن وجه .
وأمثال هذه الأخبار كثيرة ، لا يسعنا المجال لذكرها ، ولكن ذكرنا نماذج منها لتفنيد دليلكم وإبطال قولكم ، ولكي يعرف الحاضرون أن كبر السن والشيخوخة غير ملحوظة في انتخاب خليفة النبي (ص) ، وإنما الملحوظ كمال عقله وإيمانه ، واتصافه بالصفات الحميدة والفضائل المجيدة ، التي تجعله مشابها ومماثلا للنبي (ص) سواء أكان خليفته شيخا أم شابا .
علي (ع) فاروق بين الحق والباطل:
ودليلنا الآخر على بطلان خلافة أبي بكر أن علي بن أبي طالب (ع) رفض البيعة له وخالف ولايته .
والنبي (ص) وصف عليا (ع) بأنه الفاروق بين الحق والباطل .
فخلافة أبي بكر التي خالفها علي (ع) باطلة لا محالة .
الحافظ : إن عمر بن الخطاب هو الفاروق الأعظم ، وهو أول من بايع أبا بكر وسعى في تحكيم خلافته .
قلت : الناس لقبوا عمر بالفاروق ، في قبال النبي (ص) إذ لقب عليا (ع) به ، وزادوا ” الأعظم ” في لقب عمر ليؤكدوه فيه .
الحافظ : وهل لكم دليل على أن النبي (ص) لقب عليا كرم الله وجهه بالفاروق .
قلت : وهل نقلت إلى الآن خبرا في فضل الإمام علي (ع) بغير دليل من كتبكم ومسانيدكم المعتبرة عندكم ؟! وهذا الموضوع أيضا سنده ودليله في كتبكم المعتبرة ومسانيدكم الموثقة .
لقد نقل الحافظ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه ” ينابيع المودة ” باب 56 : روى من كتاب ” السبعين في فضائل أمير المؤمنين ” حديث رقم 12 ، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله (ص) : ستكون من بعدي فتنة ، فإن كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب ، فإنه الفاروق بين الحق والباطل .
قال : رواه صاحب الفردوس .
وأخرجه أيضا العلامة المير السيد علي الهمداني في كتابه ” مودة القربى ” المودة السادسة ، عن أبي ليلى الغفاري ، عن النبي (ص) قال : ستكون من بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فالزموا عليا ، فإنه الفاروق بين الحق والباطل .
وروى العلامة الكنجي الشافعي في كتابه ” كفاية الطالب ” الباب الرابع والأربعين : بإسناده عن أبي ليلى الغفاري ، قال : سمعت رسول الله (ص) يقول : ستكون من بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فالزموا عليا ، إنه أول من يراني ، وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو معي في السماء العليا ، وهو الفاروق بين الحق والباطل .
قال الكنجي : هذا حديث حسن عال ، رواه الحافظ في أماليه .
وروى أيضا في الباب باسناده عن ابن عباس ، قال : ستكون فتنة ، فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب الله تعالى وعلي بن أبي طالب (ع) ، فإني سمعت رسول الله (ص) وهو يقول : هذا أول من آمن بي ، وأول من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأمة ، يفرق بين الحق والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصديق الأكبر ، وهو بابي الذي أوتي منه ، وهو خليفتي من بعدي .
قال الكنجي : هكذا أخرجه محدث الشام في فضائل علي عليه السلام في الجزء التاسع والأربعين بعد الثلاث مائة من كتابه بطرق شتى وأخرج شيخ الإسلام الحمويني بسنده عن علقمة بن قيس والأسود بن بريدة .
وأخرجه عنهما المير السيد علي الهمداني في آخر المودة الخامسة من كتاب ” مودة القربى ” باختلاف يسير في أوله ، ونحن ننقل عنه ..
قالا : أتينا أبا أيوب الأنصاري ، قلنا : يا أبا أيوب ! إن الله تعالى أكرمك بنبيك إذ أوحى إلى راحلته تبرك إلى بابك ، فكان رسول الله (ص) صنع لك فضيلة فضلك بها .
أخبرنا بمخرجك مع علي (ع) تقاتل أهل لا إله إلا الله !
فقال أبو أيوب : فإني أقسم لكما بالله تعالى لقد كان والنبي (ص) معي في هذا البيت الذي أنتما فيه معي ، وما في البيت غير رسول الله (ص) وعلي جالس يمينه ، وأنس قائم بين يديه ، إذ حرك الباب ، فقال رسول الله (ص) : انظر إلى الباب من بالباب ؟
فقال : يا رسول الله ! هذا عمار .
فقال : افتح لعمار الطيب المطيب .
ففتح أنس الباب ، فدخل عمار على رسول الله (ص) .
قال (ص) : يا عمار ستكون في أمتي هنات حتى يختلف السيف فيما بينهم حتى يقتل بعضهم بعضا ، فإذا رأيت ذلك فعليك بذلك الأصلع عن يميني ـ يعني علي بن أبي طالب ـ إ ن سلك الناس كلهم واديا وسلك علي واديا ، فاسلك وادي علي وخل عن الناس .
يا عمار ! علي لا يردك عن هدى ، ولا يدلك على ردى .
يا عمار ! طاعة علي طاعتي ، وطاعتي طاعة الله .
أقول : فكانت الفتنة التي أشار إليها رسول الله (ص) وصرح بها وأفصح عنها ، وهي اختلاف أصحابه بعده في أمر الخلافة ، وقد بين (ص) ما عليه ، من إرشاد أمته إلى الصراط المستقيم والطريق القويم ، بأن يستضيئوا بنور وصيه وابن عمه علي بن أبي طالب (ع) ويتبعوه ويأخذوا جانبه ، فإن الحق معه ، وكان علي (ع) يخالف بيعة أبي بكر ويرفضها لأنها باطلة .
ونحن نعتقد أن السقيفة وخليفتها ما هي إلا مؤامرة نفر من قريش ، أشهرهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ، وإذا لم تكن مؤامرة مدبرة بين هؤلاء كان عليهم أن يخبروا الصحابة الآخرين وخاصة الإمام عليا والعباس ، وكان عليهم أن يشاوروهم ويأخذوا رأيهم . فكان يتعين حينئذ خليفة رسول الله (ص) على أساس الإجماع .
الحافظ : ما كانت هناك مؤامرة ، وإنما الأوضاع الراهنة كانت خطيرة للغاية ، بحيث رأوا التعجيل في تعيين الخليفة أمرا ضروريا لا يجوز تأخيره ، وذلك في مصلحة الإسلام والمسلمين حفظا للدين .
قلت : هل إن الثلاثة الذين سبقوا بني هاشم وغيرهم من ذوي البصيرة والرأي ، وحضروا السقيفة ، هل كان إحساسهم في حفظ الدين أكثر من العباس ومن علي بن أبي طالب ، مع سوابقه المشرقة في الجهاد والتضحية والذب عن الإسلام ونبيه (ص) ؟!!
فإذا لم يكونوا متآمرين في سبيل نيل الخلافة ، وما كانوا طامعين فيها ، لكان على اثنين منهم أن يبقيا في السقيفة ويناقشا الأنصار ويهدئا الوضع ، ويخرج الثالث إلى الصحابة وبني هاشم الذين كانوا في بيت النبي (ص) فيخبرهم باجتماع السقيفة ، فكانوا سيشاركونهم فيها ويبدون رأيهم ، ولحل الوفاق محل الاختلاف .
وصدقوني أيها الأخوة ، إن كل ما نجده اليوم من افتراق المسلمين واختلافهم الذي انتهى إلى ضعفهم وكسر شوكتهم ، وما حدثت من نزاعات داخلية بين المسلمين ، والحروب الدامية والوقائع المخزية التي نشبت بينهم في الماضي والحاضر ، كلها حصيلة يوم السقيفة ومؤامرة أولئك النفر وتعجيلهم في تعيين الخليفة .
النواب : سيدنا الجليل ! ما هو السبب في تعجيل القوم ؟! وما الذي حداهم إلى عدم إخبار بني هاشم والصحابة الذين كانوا مجتمعين في بيت رسول الله (ص) ؟!
قلت : نحن على يقين أنهم كانوا يعلمون ، لو لم يعجلوا في تعيين أحدهم بالخلافة ، ولو صبروا حتى يحضر بنو هاشم وكبار الصحابة فيشاورهم في تعيين خليفة النبي (ص) ويسمع الحاضرون احتجاجهم ما عدلوا عن علي بن أبي طالب (ع) كما أن بشير بن سعد الأنصاري ، وهو أول من بايع أبا بكر من الأنصار ، لما سمع كلام الإمام علي (ع) وهو يحتج على أبي بكر ، قال : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ، ما اختلفت عليك !(35).
وحتى عمر بن الخطاب لم يكن موقنا بنجاح المؤامرة ، وأن الخليفة الذي سينصبه هو(36) ويبادر إلى بيعته ، سيصبح حاكما متمكنا ، فلذلك كان يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه(37).
رد الدليل الثالث:
وأما دليلكم الثالث ، وهو قول عمر بن الخطاب بأن النبوة والحكم لا تجتمعان في أهل بيت واحد ، فبطلانه وزيفه واضح ، بدليل قوله تعالى : ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما )(38).
فالكلام إن كان ينسب إلى عمر فهو دليل على عدم إحاطته بالآيات القرآنية ومفاهيمها !
وان كان عمر يرويه عن رسول الله (ص) فهو حديث مجعول ، لأنه مخالف لكتاب الله الحكيم .
ثم نحن نعتقد بأن الخلافة تالية للنبوة ولازمة لها ، فلا يطلق عليها اسم الحكومة والسلطنة ، لأن سلطنة الخليفة لا تكون كسلطة الملوك وحكومتهم .
ثم إن خلافة النبوة عندنا كخلافة هارون لأخيه موسى بن عمران حيث قال سبحانه وتعالى في كتابه : ( وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي واصلح )(39).
فإن يكن عندكم ، أنه يحق للمسلم أن ينفي خلافة هارون لموسى ، فإنه يحق له أيضا عزل علي عليه السلام من خلافة خاتم النبيين (ص) .
فكما إن النبوة والخلافة اجتمعتا في أهل بيت عمران والد موسى وهارون ، كما ينص القرآن فيه ، كذلك اجتمعتا للنبي (ص) وعلي عليه السلام في بيت عبد المطلب ، بالنصوص الكثيرة ، منها : حديث المنزلة ، وقد ذكرنا مصادره وتكلمنا حوله في الليالي الماضية .
ثم إن عمر بن الخطاب لما جعل عليا عليه السلام أحد الستة الذين عينهم في شورى الخلافة من بعده ، قد ناقض حديثه بعمله ، وإضافة إلى تناقض عمر ، تناقض اعتقادكم لهذا الحديث ، إذ أنكم إن تعتقدون بصحة كلام عمر في هذا المجال ، فكيف تعتقدون بخلافة علي عليه السلام في الدور الرابع ؟!! وهذا تناقض بين(40).
الشيخ عبد السلام : إن الكلام والنقاش حول هذا الموضوع لا يزيد المسلمين إلا افتراقا ، وابتعادا لذلك نقول : كيفما كان الأمر فنحن ما كنّا في ذلك اليوم ، وما حضرنا السقيفة حتى نلمس الأمر ونتحسس الأحداث ، فنجد أنفسنا اليوم أمام أمر واقع ، وقد حصل عليه الإجماع تدريجيا ، فلا يجوز لنا أن نخالفه ، بل يجب على كل مسلم أن يخضع له ويستسلم للأمر الواقع .
قلت : أما نحن فنقول : لا يجوز لأحد من المسلمين أن يعتقد بشيء من غير دليل شرعي ، ويجب على كل مسلم أن يتبع الحق لا أنه يستسلم للأمر الواقع ، فكم من ضلال وباطل قائم في الدنيا ، فهل يجوز لمسلم أن يتبعه ويتقبله ، ثم يقول : إنه أمر واقع وليس لنا إلا أن نستسلم للأمر الواقع ؟!
فالإسلام دين تحقيق لا دين تقليد .
قال سبحانه وتعالى : ( فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)(41).
فهل قول عمر أحسن أم قول رسول الله (ص) ؟!
فهل يجوز لمسلم أن يترك هذه النصوص الجلية ، والأحاديث النبوية المروية عن طرقكم ، والمذكورة في كتبكم المعتبرة عندكم في شأن الإمام علي عليه السلام ، وأن الحق بجانبه وهو مع الحق متلازمان لا يفترقان ، ثم يتمسك بقول عمر بن الخطاب فيعتقد بخلافة أبي بكر ، مع العلم بأن عليا عليه السلام أعلن بطلانها ، وهو علم الهدى والكمال ، والفاروق ، بين الحق والضلال ، فلذلك تبعه بنو هاشم وكثير من الصحابة ، فأبوا أن يبايعوا لأبي بكر .
[ علا صوت المؤذن لصلاة العشاء فقطعنا الحديث ، وبعد الفراغ من صلاة العشاء وبعد تناول الشاي ] ..
افتتح الحافظ الكلام قائلا : لقد كررتم الكلام بأن عليا كرم الله وجهه وبني هاشم وكثير من الصحابة رضي الله عنهم ، لم يرضوا بخلافة أبي بكر ولم يبايعوه ، ونحن نرى التواريخ كلها اتفقت على أن سيدنا عليا وبني هاشم وجميع أصحاب رسول الله (ص) بايعوا أبا بكر .
قلت : نعم بايعوا .. ولكن كيف تمت البيعة ؟!
أما قرأتم في كتب التاريخ والحديث أن عليا عليه السلام وبني هاشم وكثيرا من كبار الصحابة ، ما بايعوا إلا بعد ستة اشهر بالتهديد والجبر ، إذ جردوا السيف على رأس الإمام علي عليه السلام وهددوه بالقتل إن لم يبايع !
الحافظ : إني أعجب من جنابك ، كيف تتفوه بهذا الكلام الذي ما هو إلا أساطير جهلة الشيعة والعوام ، وقد أكد غير واحد من المؤرخين أن سيدنا عليا كرم الله وجهه بايع أبا بكر في خطبة خطبها من غير جبر وإكراه .
قلت : ولكن الخبر الذي اتفق عليه أعلامكم من أصحاب الصحاح والمؤرخين ، وصرح به البخاري في صحيحه 3/37 باب غزوة خيبر ، ومسلم بن الحجاج في صحيحه 5/154 باب قول النبي (ص) : لا نورث ، مسلم بن قتيبة في الإمام ة والسياسة : 14، والمسعودي في مروج الذهب 1/414 ، وابن أعثم الكوفي في الفتوح ، وابو نصر الحميدي في الجمع بين الصحيحين ، أخرجوا : أن عليا وبني هاشم لم يبايعوا إلا بعد ستة أشهر .
وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 6/46 عن الصحيحين عن الزهري ، عن عائشة …… فهجرته [ أبا بكر ] فاطمة ولم تكلمه في ذلك حتى ماتت ، فدفنها عليا ليلا ، ولم يؤذن بها أبا بكر ، وفي الخبر : فمكثت فاطمة ستة أشهر ثم توفيت .
فقال رجل للزهري : فلم يبايعه علي ستة اشهر ؟!
قال : ولا أحد من بني هاشم ، حتى بايعه علي .
وذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة ، صفحة 13(42) ، تحت عنوان ” كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ” قال : وإن أبا بكر (رض) تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه ، فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار علي ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها !
فقيل له : يا أبا حفص ! إن فيها فاطمة !
فقال : وإن ….
وبعد عدة أسطر يقول : فدقوا الباب فلما سمعت أصواتهم ، نادت بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله ! ما ذل لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة !
فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين ، وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا(43) عليا فمضوا به إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايع .
فقال : إن لم أبايع فمه ؟!
قالوا : إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك !
قال : إذن تقتلون عبد الله وأخا رسوله .
قال عمر : أما عبد الله فنعم ، وأما أخو رسوله فلا .
وأبو بكر ساكت لا يتكلم ، فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ؟!
فقال : لا أكرهه على شيء ما دامت فاطمة إلى جنبه .
فلحق علي بقبر رسول الله (ص) يصيح ويبكي وينادي ( قال ابن أم إن القوم استضعفوني ثم كادوا يقتلونني )(44).
بعدما سمعت هذا الخبر ، إعلم بأن كلامك كذب وزور وافتراء علينا ، لأنك تعلم بأن هذا الخبر ليست من أساطير جهلة الشيعة وعوامهم ، بل مما نقله كثير من أعلامكم وعلمائكم في كتبهم المعتبرة لديكم .
واعلم أن مسؤوليتكم ـ أنتم العلماء ـ خطيرة تجاه الجهلة والعوام ، لأنهم يأخذون منكم وينقلون عنكم ،وقد قيل : إذا فسد العالِم فسد العالَم .
الحافظ : مقصودنا من أساطير الشيعة ، هي الأخبار الكاذبة التي وضعوها ، مثل هجوم القوم على بيت فاطمة الزهراء ، وحرق الباب ، وضربها حتى سقط جنينها ، وأن عليا أخرجوه من الدار قهرا ، وأخذوا منه البيعة جبرا ، وأمثال هذه الأخبار المجعولة التي تتناقلها الشيعة في مجالسها بلوعة وحنين وحرقة الواله الحزين .
قلت : إما أن معلوماتكم التاريخية ومطالعاتكم لهذه القضايا ضعيفة ، وإما تعرفون وتحرفون !
ثم تبعا لأسلافكم ، تتهمون الشيعة المظلومين بوضع الأخبار وجعل الحديث ، وأتباعكم الغافلون يصدقونكم فيحسبون الشيعة كذلك ، بينما هذه الأخبار التي تنكرها وتقول إنها أساطير الشيعة ، كلها مذكورة في كتبكم ، ومنقولة من طرقكم ورجالكم .
وسأنقل بعضها ، حسب اقتضاء الوقت والمجلس ، حتى يعرف الحاضرون المنصفون ، صدق كلامي ، ويتبين لهم ، أنك حائف ، وكلامك زائف ، ومقالك جائف .
وثائق تاريخية:
لقد أشار المحدثون والمؤرخون إلى هذه الحوادث الأليمة في الأخبار ، وبعضهم صرحوا وشرحوها بالتفصيل وبعضهم باختصار ، بحيث لم يبق لأحد مجال للإنكار ، وإليكم بعض الوثائق التاريخية التي تكون عندكم محل الوثوق والاعتبار :
1ـ أحمد بن يحيى البغدادي ، المعروف بالبلاذري ، وهو من كبار محدثيكم ، المتوفي سنة 279 ، روى في كتابه أنساب الأشراف 1/586 ، عن سليمان التيمي ، وعن ابن عون : أن أبا بكر أرسل إلى علي عليه السلام ، يريد البيعة ، فلم يبايع .
فجاء عمر ومعه فتيلة ـ أي شعلة نار ـ فتلقته فاطمة على الباب ، فقالت فاطمة : يا بن الخطاب ! أتراك محرقا علي بابي ؟!
قال : نعم ، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك !!
2ـ روى ابن خذابه في كتابه ” الغدر” عن زيد بن أسلم قال : كنت من حمل الحطب مع عمر إلى باب فاطمة حين امتنع علي واصحابه من البيعة ، فقال عمر لفاطمة : اخرجي كل من في البيت أو لأحرقنه ومن فيه !
قال : وكان في البيت علي وفاطمة والحسن والحسين وجماعة من أصحاب النبي (ص) .
فقالت فاطمة : أفتحرق علي ولدي !!
فقال عمر : إي والله ، أو ليخرجنّ وليبايعنّ !!
3ـ ابن عبد ربه في العقد الفريد 2/ 205 ط المطبعة الأزهرية ، سنة 1321هجرية ، قال : الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر ، علي ، والعباس ، والزبير ، وسعد بن عبادة .
فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر ، عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة ، وقال له : إن أبوا فقاتلهم !
فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار ، فلقيته فاطمة ، فقال : يا بن الخطاب : أجئت لتحرق دارنا ؟!
قال : نعم ، أو تدخلوا في ما دخلت فيه الأمة !!
4ـ محمد بن جرير الطبري في تاريخه 3/203 وما بعدها ، قال : دعا عمر بالحطب والنار وقال : لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقنها على من فيها .
فقالوا له : إن فيها فاطمة !
قال : وإن !!
5ـ ابن الحديد في شرح نهج البلاغة 2/56 روى عن أبي بكر الجوهري ، فقال : قال أبو بكر : وقد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام ، والمقداد بن الأسود أيضا ، وأنهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليا عليه السلام ، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت ، وخرجت فاطمة تبكي وتصيح .. إلى آخره .
وفي صفحة 57 : قال أبو بكر : وحدثنا عمر بن شبة بسنده عن الشعبي ، قال : سأل أبو بكر فقال : أين الزبير ؟! فقيل عند علي وقد تقلد سيفه .
فقال : قم يا عمر ! قم يا خالد بن الوليد ! انطلقا حتى تأتياني بهما .
فانطلقا ، فدخل عمر ، وقام خالد على باب البيت من خارج ، فقال عمر للزبير : ما هذا السيف ؟!
فقال : نبايع عليا .
فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره ، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه وقال : يا خالد ! دونكه فأمسكه .
ثم قال لعلي : قم فبايع لأبي بكر !
فأبى أن يقوم ، فحمله ودفعه كما دفع الزبير فأخرجه ، ورأت فاطمة ما صنع بهما ، فقامت على باب الحجرة وقالت : يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله !……إلى آخره .
وقال ابن الحديد في صفحة 59 و60 : فأما امتناع علي عليه السلام من البيعة حتى أخرج على الوجه الذي أخرج عليه . فقد ذكره المحدثون ورواه أهل السير ، وقد ذكرنا ما قاله الجوهري فيلا هذا الباب ، وهو من رجال الحديث ومن الثقات المأمونين ، وقد ذكر غيره من هذا النحو ما لا يحصى كثرة .
6ـ مسلم بن قتيبة بن عمرو الباهلي ، المتوفى سنة 276 هجرية ، وهو من كبار علمائكم له كتب قيمة منها كتاب ” الإمام ة والسياسة” يروي في أوله قضية السقيفة بالتفصيل ، ذكر في صفحة 13 قال : إن أبا بكر تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم وهم في دار علي ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها .
فقيل له : يا أبا حفص ! إن فيها فاطمة ! فقال : وإن ! …. إلى آخره .
7ـ أبو الوليد محب الدين بن شحنة الحنفي ، المتوفي سنة815 هجرية ، وهو من كبار علمائكم ، وكان قاضي حلب ، له تاريخ ” روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر ” ذكر فيه موضوع السقيفة ، فقال : جاء عمر إلى بيت علي بن أبي طالب ليحرقه على من فيه .
فلقيته فاطمة ، فقال عمر : أدخلوا في ما دخلت الأمة … إلى آخره(45).
هذه نماذج من الأخبار المروية في كتبكم ، حتى إن بعض شعرائكم المعاصرين ذكر الموضوع في قصيدة يمدح فيها عمر بن الخطاب ، وهو حافظ إبراهيم المصري المعروف بشاعر النيل ، قال في قصيدته العمرية :
وقــــــولـــة لعـلــي قالها عــمـر * أكـرم بـسامعـهـا أعـظم بـمـلـقيها
حرقت دارك لا أبقي عليك بهــــا * إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص يفوه بها * أمـــام فــارس عــدنان وحـاميها
الحافظ : هذه الأخبار كلها تنبئ بأن عمر بن الخطاب أمر بالحطب وجاء بالنار وهدد بإحراق البيت على من فيه ، ليفرق اجتماع المخالفين لبيعة الخليفة ، فأراد أن يرهبهم ويخوفهم .
ولكنكم زدتم أخبارا لا أصل ، فقلتم إنهم أحرقوا الباب وعصروا فاطمة وضربوها حتى أسقطوا جنينها المسمى محسنا .
هذه الأخبار ، من أكاذيب الشيعة ولا أصل لها أبدا ، وما أظن أحدا من المؤرخين ذكرها .
قلت : أسأل الله تعالى أن يهديك إلى الحق ويكشف لك الحقيقة ، إنك نسبتنا إلى الكذب ، وافتريت علينا جعل الأخبار غير مرة ، وفي كل ذلك اتضح للحاضرين زيف كلامك وبطلان رأيك ، وفي هذه المرة أيضا ، أذكر مصادر هذه الأخبار التي تنكرها ، من كتبكم المعتبرة ومصادركم المشتهرة ، حتى يعرف الحاضرون صدقنا ، وتعترف أنت بأن الحق معنا .
فاجعة سقط الجنين:
1ـ ذكر المسعودي صاحب تاريخ ” مروج الذهب ” المتوفي سنة 346هجرية ، وهو مؤرخ مشهور ينقل عنه كل مؤرخ جاء بعده ، قال في كتابه ” إثبات الوصية ” عند شرحه قضايا السقيفة والخلافة : فهجموا عليه [ علي عليه السلام ] وأحرقوا بابه ، واستخرجوه كرها وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطت محسنا !!
نعم ، إن إسقاط جنين فاطمة عليها السلام وقتل ولدها ” محسن” عند هجوم القوم لأخذ البيعة من الإمام علي عليه السلام ، أمر ثابت ، إلا أن أكثر مؤرخيكم سكتوا عنه ولم ينقلوه ، لحبهم للشيخين ، وسترا على سوء فعلهما وهتكهما لبيت الرسالة وحريم العترة ، ومع ذلك فقد جرت أقلام بعضهم وسجلت ما حدث وجرى ، لأن الله سبحانه يريد أن يتم الحجة عليكم وعلى كل المسلمين ، ويريد أن يكشف الحقائق للجاهلين والغافلين ، فاستمعوا أيها الحاضرون !
2ـ قال الصفدي في كتاب ” الوافي بالوفيات 6/76 ” في حرف الألف ، عند ذكر إبراهيم بن سيار ، المعروف بالنظّام ، ونقل كلماته وعقائده ، يقول : إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت المحسن من بطنها !
3ـ ونقل أبو الفتح الشهرستاني في كتابه الملل والنحل 1/57 : وقال النظّام(46) : إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها . وكان يصيح [عمر] : احرقوا دارها بمن فيها !!
وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين .
انتهى كلام الشهرستاني .
4ـ ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 14/193 ط. دار احياء الكتب العربية ، بعدما ينقل خبر هبار بن الأسود وترويعه زينب بنت رسول (ص) حتى أسقطت جنينها ، فأباح النبي (ص) دم هبار لذلك قال :
وهذا الخبر أيضا قرأته على النقيب أبي جعفر رحمه الله فقال : إذا كان رسول الله (ص) ، أباح دم هبار بن الأسود لأنه روع زينب فألقت ذا بطنها ، فظهر الحال أنه لو كان حيا لأباح دم من روع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها … إلى آخره .
هذه البعض المصادر التي ظفرنا بها في نقل الأخبار التي تنكرونها وتتهمون الشيعة المؤمنين بجعلها !
الحافظ : في نظرنا أن نقل هذه الأخبار لا فائدة فيها سوى التفرقة وتشتت المسلمين .
يلزم الدفاع عن المظلوم وإثبات حقه:
قلت :
أولا : قولوا لعلمائكم ومؤرخيكم لماذا ذكروا هذه الأخبار ! ثم ردوا على شاعر النيل قصيدته العمرية وعاتبوه عليها وحاكموه على تلك الأبيات التي يتفاخر فيها ويتباهى بتلك الوقائع الأليمة والفجائع العظيمة ويعدها من فضائل القوم !!
ثانيا : وأما نحن فننقلها عنكم لإقامة الحجة عليكم ( فلله الحجة البالغة )(47).
ولكي لا ينحرف التاريخ ، فنعرف الحق حقا والباطل باطلا ، والمظلوم مظلوما والظالم ظالما .
ثالثا : نحن ننقل هذه الأخبار عندما نواجه هجماتكم وحملات بعض المنسوبين إليكم من أصحاب الأقلام التي ما هي إلا أجيرة للأعداء لتبث البغضاء والشحناء بين المسلمين ، فتتهم الشيعة الأبرياء والمؤمنين الأوفياء بالكفر والشرك ! وتحرك علينا مشاعر العامة وخاصة الجاهلين والغافلين .
ونحن دفاعا عن مذهبنا ومعتقدنا ، نبين الوقائع ، ونكشف عن الحقائق ، حتى يعرف الجميع أن عليا (ع) مع الحق والحق معه ، ونحن أتباعه وشيعته ، نشهد أن لا إله إلا الله جل جلاله ، وأن محمدا رسول الله (ص) ، ونقول في علي بن أبي طالب (ع) ما قاله رسول الله (ص) وذلك نقلا من كتبكم المعتبرة ومصادركم المشهورة ، فنشهد بأن عليا (ع) عبد الله ، ووليه ، وأخو رسول الله ، ووصيه ، وهو خليفته الذي نص عليه بأمر الله تعالى .
أما في جواب قولكم بأن هذه الأخبار لا فائدة فيها سوى التفرقة وتشتت المسلمين .
فأقول : أنتم البادئون والعادون والمهاجمون ونحن مدافعون ، فانتهوا وامنعوا أصحابكم عن التعرض وعن الكذب والافتراء علينا ، حتى نسكت عن نقل هذه الأخبار .
الحافظ : أنا لا أوافق الذين يرمون الشيعة بالكفر والشرك ، ولكني لا أسكت أيضا على بعض الأخبار المروية في كتبكم ، والتي تنسبونها إلى رسول الله (ص) وهي تفسح مجال العصيان للعباد ، فيعملون بالذنوب اتكالا على تلك الأخبار والأحاديث .
قلت : رجاء ! بين تلك الأخبار ، فربما نصل معكم إلى حل وتفاهم .
شبهات وردود:
الحافظ : ذكر العلامة المجلسي وهو واحد من أكبر علمائكم ومحدثيكم ، في كتابه ” بحار الأنوار ” راويا عن رسول الله (ص) أنه قال : حب علي حسنة لا تضر معها سيئة .
وروى عنه (ص) : من بكى على الحسين وجبت له الجنة .
هذه الأخبار ونظائرها كثيرة في كتبكم ، وهي تسبب فساد الأمة وانتشار الذنوب والمعاصي .
قلت : لو كان الأمر كذلك للزم أن نرى أهل السنة والجماعة مبرئين من الذنوب ، وبعيدين عن الحوب ، بينما نرى البلاد التي يسكنها أهل السنة قد انتشرت فيها الذنوب الكبيرة ، وشاعت فيها معاصي كثيرة ، وكثير منهم يتجاهرون بالفسوق والفجيرة ! فهذه عواصمكم مثل بغداد والقاهرة ودمشق وبيروت وعمان والجزيرة وغيرها ، تتسابق في تأسيس مراكز المعاصي والفجور ، ومحلات القمار ، وحانات الخمور .
فهل ترضون أن ننسب هذه المخازي والفسوق إلى مذهبكم وضعف مبادئكم ؟!
هل تقبلون منا لو قلنا : إن السبب في انتشار الفحشاء والفجور ، وعدم التحرج في شرب النبيذ والخمور ، هو فتاوى علمائكم ؟!!
لأن بعضهم أفتى بطهارة الكلب وأحل أكله .
وبعضهم أفتى بطهارة المني والخمر وعرق الجنب من الحرام .
وبعضهم أفتى بجواز اللواط في السفر !
وبعضهم أفتى بنكاح المحارم ، الأم ومن دونها ، بشرط أن يلف القضيب بالحرير !!
هذه الفتاوى وأمثالها تسبب تجرؤ العوام والجاهلين على ارتكاب المعاصي وعمل الفسق والفجور .
ولذلك فإن علماءنا يحرمون تلك الأعمال القبيحة ولا يجيزونها بأي حال من الأحوال .
الحافظ : هذه المسائل التي ذكرتها ، كلها أكاذيب ، وللأسطورة أقرب منها إلى الحقيقة ، وهي من مفتريات الشيعة !
أبيات شعر للعلامة الزمخشري:
قلت : أنت أعرف بحقيقة مقالي والعلماء الحاضرون أيضا يعلمون بصدقي ، ولكن يصعب عليكم الإقرار ، والخجل يدعوكم إلى الإنكار ، وإلا كيف يمكن لعالم ديني ـ مثلكم ـ يجهل هذه المسائل التي ذكرها وأفتى بها بعض علمائكم ثم نقلها عنهم بعض أعلامكم وانتقدوها ؟!
وأذكر لك نموذجا من كتبكم ليكون دليلا على كلامنا ، راجع تفسير الكشاف 3/301 للعلامة الكبير جار الله الزمخشري ، فإنه يقول :
إذا سألوا عن مذهبي لم أبح بــه * وأكتمــه ، كــتمانــه لــي أسـلــــم
فإن حنفيا قلــت ، قالــوا بأننـــي * أبيح الطلا وهو الشراب المحـــرم
وإن مالكيا قلــت ، قالــوا بأننــي * أبيــح لهـم أكـل الكلاب وهــم هــم
وإن شافعيا قلـت ، قالــوا بأننــي * أبيح نكاح البنــت والبـنت تحـــرم
وإن حنبليا قلــت ، قالــوا بأننــي * ثقــــيل حلــولـي بغيـــض مجســم
وإن قلت من أهل الحديث وحزبه * يقولون : تيس ليس يدري ويفهم
تعجبت مـن هذا الزمــان وأهلـــه * فمـا أحـد مـن ألسن الناس يسلــم
وأخرني دهــري وقــدم معشــــرا * علــى أنهـم لا يعــلمــون وأعلــــم
فنرى هذا العالم والمفسر يخجل أن ينسب نفسه إلى أحد المذاهب الأربعة ! لوجود تلك الآراء الفاسدة والفتاوى الباطلة فيها ، ثم إنكم تريدون منا أن نتبع تلك المذاهب ونترك مذهب أهل بيت النبوة والعترة والصفوة الطاهرة !
فلنخرج من هذا الإطار ونتابع موضوع الحوار .
فأقول : أما الخبر الذي ذكرته من ” بحار الأنوار ” لم تنفرد الشيعة بنقله ، فإن علمائكم وأعلامكم نقلوه أيضا ونقلوا أمثاله في كتبهم المعتبرة .
إسناد حديث حب علي حسنة:
لقد ذكر هذا الحديث كثير من أعلامكم وأيدوه ، منهم :
الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ، والخطيب الخوارزمي في آخر الفصل السادس من كتابه ” المناقب ” والشيخ القندوزي الحنفي في الباب 43 من كتابه ” ينابيع المودة ” وأيضا في الباب 56 نقله عن الديلمي ، قال : حب علي حسنة لا تضر معها سيئة ، حب علي براءة من النار ، حب علي يأكل الذنب كما يأكل النار الحطب ، حب علي براءة من النفاق .
وفي المناقب السبعين (48) خرجه عن ابن عباس في الحديث رقم 33 ، قال : قال رسول الله (ص) : حب علي بن أبي طالب يأكل الذنوب كما تأكل النار الحطب .
وفي الحديث رقم 59 ، عن معاذ بن جبل ، قال : قال رسول الله (ص) : حب علي بن أبي طالب حسنة لا تضر معها سيئة ، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة .
رواهما صاحب ” الفردوس ” .
ورواه المحدث والفقيه الشافعي المير السيد علي الهمداني في كتابه ” مودة القربى ” في المودة السادسة عن ابن عباس ، قال : حب علي يأكل الذنوب كما تأكل النار الحطب .
وعنه أيضا : حب علي براءة من النار .
ورواه محب الدين الطبري في ” ذخائر العقبي ” الحديث رقم 59 من الأحاديث السبعين التي رواها في فضائل أهل البيت (ع) .
ورواه محمد بن طلحة في مطالب السؤول .
والعلامة الكنجي والشافعي في كتاب ” كفاية الطالب في مناقب مولانا علي بن أبي طالب ” .
ثم إن كان عقلكم وعلمكم لا يصل إلى معنى حل الحديث كهذا وأمثاله ، فأنصحكم ألا تطعنوا فيه ولا تردوه ، بل يجب أن تسألوا عن حله ومعناه وتفسيره ممن هو أعلم ، قال تعالى : ( فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )(49).
وطالما أن هذا الحديث وأمثاله لا يعارض كتاب الله سبحانه فليس لأحد من المسلمين إنكاره .
الحافظ : كيف لا يعارض كتاب الله وهو سبب تجرؤ الناس على المعاصي !
قلت : لا تعجل حتى أبين لك كيف لا يعارض الكتاب الكريم ، فإن الله تعالى يقسم الذنوب في القرآن إلى قسمين ، صغائر وكبائر .
وهو يعبر في بعض الآيات عن الصغائر بالسيئة ، في حين يعبر عن الكبائر بالذنوب ، كما في سورة النساء ، الآية 31 ، قال تعالى :
( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) .
فالآية تصرح بأن عبدا لو اجتنب الكبائر وارتكب الصغائر ، فإن الله عز وجل يعفو عنه ، ويدخله الجنة ، والحديث الذي تنكروه لا يصرح بأكثر من هذا .
فإن حب علي (ع) حسنة عظيمة عند الله سبحانه بحيث لا تضر معها السيئات ، يعني الصغائر .
الحافظ : إن هذا التفسير والتقسيم لا يكون على أساس علمي (50).
لأن الله تعالى يقول : ( إن الله يغفر الذنوب جميعا )(51) فالعبد العاصي إذا تاب واستغفر الله سبحانه فإنه يغفر كل ذنوبه سواء أكانت من الكبائر أم الصغائر .
قلت : أظنك ما دققت النظر في الآية الكريمة التي تلوتها عليك ، وإلا ما كنت تورد إشكالا على كلامي ، لأن الذي قسم المعاصي إلى كبائر وصغائر وفرق بينهما هو الله تعالى ، لا أنا .
ثم اعلم بأننا نعتقد ـ مثلكم ـ بأن الله تعالى يغفر الذنوب جميعا ، فكل عبد عاص إذا تاب وندم وعمل بشرائط التوبة ، فإن الله سبحانه يغفر ذنوبه ويعفو عنه ، ولكن إذا لم يتب فيعاقبه الله تعالى بعد الموت في عالم البرزخ ، فإذا لاقى عقاب ذنوبه قبل يوم الحساب ، يساق إلى الجنة في يوم المعاد ، وإلا فيقضى عليه فيلقى في جهنم ليرى جزاء عمله هناك .
والعبد المؤمن إذا ارتكب الصغائر ومات من غير توبة فإنه كان يحب الإمام عليا (ع) يغفر الله تعالى له ويعفو عنه ويدخله الجنة ، قال سبحانه : ( وندخلكم مدخلا كريما )(52).
فلا أدري لماذا تعتقد بأن هذا الحديث الشريف ” حب علي حسنة لا تضر معها سيئة ” يسبب تجرؤ الشيعة على المعاصي !! .
هل الحديث يأمر بارتكاب الذنوب ؟! لا ..
فأثر هذا الحديث في المسلمين كأثر آيات القرآن الحكيم التي تعد العباد المذنبين بقبول التوبة وغفران ذنوبهم .
فكما إن آيات التوبة والمغفرة تبعث الرجاء برحمة الله تعالى في قلوب العباد وتزيل اليأس عن نفوس العصاة ، كذلك هذا الحديث الشريف وأمثاله ، فإنه يوقف المحب عند السيئات ويصده عن الكبائر الموبقات ، لأن إطاعة الحبيب من لوازم الحب .
قال الإمام الصادق ، وهو إمامنا جعفر بن محمد (ع) : إن المحب لمن يحب مطيع ، فالشيعي يعرف هذا فلذلك لا يرتكب الذنوب والمعاصي اتكالا على حبه للإمام علي (ع) بل يجتهد في الطاعة إمامه ومتابعته ، لإثبات صدقه في الحب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) .
نعم ، هناك بعض المحبين الذين يحسبون أنفسهم من الشيعة يرتكبون بعض الذنوب مثل كثير من أهل السنة والجماعة فلا يكون عملهم السيئ بسبب حبهم أو بسبب حديث النبي (ص) فإن الإنسان بطبعه يكون مطيعا لهواه ومجيبا لنفسه الأمارة كما قال سبحانه وتعالى حكاية عن يوسف الصديق : ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم ) (53).
وأما الشيعي هو الذي يعزم على أن يخطو ويسير في الطريق الذي سار فيه الأئمة الهداة من أهل البيت (ع) ويلتزم بنهجهم ويعمل برأيهم .
وقد ذكرنا في الليالي السالفة بعض الأحاديث النبوية في حقهم ، حيث بشرهم رسول الله (ص) بالجنة ، فقال (ص) : ” يا علي ! أنت وشيعتك الفائزون في الجنة ” وذكرنا مصادر هذا الحديث الشريف وأمثاله من كتبكم المعتبرة وطرقكم المتواترة ، وبشارة النبي (ص) لشيعة علي (ع) بالجنة أمر ثابت لا ينكره إلا الجاهل المعاند المتعصب الجاحد .
وإن إشكالك على حديث ” حب علي حسنة لا تضر معها سيئة ” يرد على تبشير النبي (ص) شيعة علي (ع) بالجنة أيضا .
لأن الشيعي إذا عرف أنه من أهل الجنة يرتكب الذنوب ولا يبالي ، فإشكالك على رسول الله (ص) موجب للكفر ، وهو مردود بالأدلة التي أقمناها .
ولب الكلام : إن الشيعي هو الذي يسير على أثر مسير أهل البيت (ع) ، فيعمل بما عملوا ، ويجتنب عما اجتنبوا ، ولما لم يكن معصوما ، ربما ارتكب ذنبا وعمل إثما ولم يوفق للتوبة فمات ، فإن الله عز وجل يعفو عن ذنبه ويغفر له كرامة لعلي بن أبي طالب (ع) وحبه إياه ، والله غفور رحيم .
البكاء على الحسين (ع) سنة نبوية:
وأما الحديث الشريف ” من بكى على الحسين وجبت له الجنة ” … كلنا نعلم أن رسول الله (ص) بكى على مصائب ولده الحسين (ع) قبل أن تقع ، فأخبر بها أصحابه وهو يبكي ، وقد تواترت بذلك الأخبار المروية عن طرقكم والتي نقرأها في كتبكم (54).
فالبكاء على الإمام الحسين (ع) سنة رسول الله (ص) والالتزام بسنة رسول الله (ص) يوجب دخول الجنة ، بشرطها وشروطها .
فكما إن الله تعالى وعد التائبين بالعفو والمغفرة والجنة ولكن مع شرائط ، فلا تقبل توبة كل من قال : أستغفر الله وأتوب إليه إلا أن يرد حقوق الناس إليهم ، ويقضي ما فاته من الفرائض ومن حقوق الله سبحانه ، ويندم على ما ارتكب من المعاصي ، ويعزم على أن لا يعصي .. إلى آخر الشرائط اللازمة المذكورة في الأخبار والروايات .
كذلك : من بكى على الحسين (ع) ـ مع الشرائط ـ وجبت له الجنة ، ومن الشرائط السعي لتحقيق أهداف الحسين (ع) وتطبيقها في نفسه وفي المجتمع ، وإلا فإن المؤرخين ذكروا أن سكينة بنت الحسين (ع) حينما جلست عند نعش أبيها ، تكلمت بكلمات أبكت والله كل عدو وصديق.
وقالوا : إن الحوراء زينب لما خاطبت عمر بن سعد و قالت له : يا بن سعد ! أيقتل أبا عبدالله وأنت تنظر إليه ؟!! ترقرقت دموعه وسالت على لحيته .
فهل ابن سعد والأعداء الذين بكوا يوم عاشوراء ، وجبت لهم الجنة ؟!
لا ، لأن الشرائط ما كانت متوفرة فيهم(55).
الحافظ : إذا كان المسلم ملتزما بأصول الإسلام وعاملا بأحكام الدين فهو من أهل الجنة ، سواء أبكى على الحسين أم لم يبك ، فلا أرى فائدة للمجالس التي تنعقد في بلاد الشيعة وهم يصرفون أموالا طائلة ليجتمعوا ويبكوا على الحسين ! إنه عمل مخالف للعقل !!
فوائد المجالس الحسينية:
قلت :
أولا : الإنسان مهما كان ملتزما بأصول الإسلام ، وعاملا بالأحكام ، فلا يكون معصوما من الذنوب والآثام ، فربما زلت به الأقدام ، وسقط في مهاوي النفس والشيطان ، وخالف أمر الله العزيز المنان .
فلكي لا ييأس من الله الكريم الرحمن ،ويرجو منه اللطف والإحسان ، ويسأل منه العفو والغفران ، فتح له باب التوبة والإنابة ليشعر بالأمان .
وأمر الله عز وجل عباده أن يتوسلوا إليه في التوبة والاستغفار وقضاء حوائجهم ، بقوله تعالى : ( وابتغوا إليه الوسيلة )(56) ويصف أنبياءه فيقول : ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا )(57).
ثم بين النبي (ص) الوسائل التي يتوسل بها إلى الله سبحانه ، منها حب علي بن أبي طالب (ع) ومنها البكاء على الحسين ومنها خدمة الوالدين ، ومنها الجهاد في سبيل الله ، ومنها العطف على الأيتام ، وغير ذلك .
فالمؤمن إن كان بريئا من الذنب ، فهذه الوسائل تسبب رفع درجاته في الجنة ، وإن كان مرتكبا بعض السيئات والذنوب فهذه الوسائل تسبب له المغفرة وتجلب له رضا ربه عز وجل .
ثانيا : وأما فوائد المجالس الحسينية فهي كثيرة جدا ، ولكنك حيث لم تحضرها ولم تكن من المباشرين والعاقدين لها ، فلا ترى فوائدها ولا تدرك بركاتها .
ولما كنت بعيدا عنها وجاهلا بفلسفتها ، فليس لك أن تقول : إنه عمل مخالف للعقل ! بل العقل السليم يخالف كلامك ، والوجدان القويم ينقض بيانك ، فقد تسرعت في الحكم على شيء ما عرفت مغزاه ، ولما أدركت منتاه .
فلو كنت تحضر هذه المجالس مع الشيعة ، وتستمع إلى كلام خطبائها الكرام ، لعرفت فوائدها الجمة التي منها :
1ـ هذه المجالس تكون كالمدارس ، فإن الخطيب يلقي على الحاضرين فيها أحكام الدين ، والتاريخ الإسلامي ، وتاريخ الأنبياء وأممهم ، ويتناول تفسير القرآن الحكيم ، ويتكلم حول التوحيد والعدل الإلهي والنبوة والإمامة والمعاد ، وأخلاق المسلم وما يجب أن يتصف به المؤمن ، ويبين للمستمعين فلسفة الأحكام وعلل الشرائع ومضار الذنوب ، ويقايس الإسلام بسائر الأديان ويثبت بالدليل والبرهان تفوقه وامتيازه على المذاهب والأديان .
2ـ يشرح الخطيب سيرة رسول الله (ص) وتاريخ حياته وسيرة أهل بيته والعترة الهادية والصحابة والصالحين ، فيلفت الخطيب أنظار مستمعيه إلى النقاط المشرقة الهامة من ذلك التاريخ ، فيأخذ الحاضرون دروسا وعبرا منه يطبقونها في حياتهم الشخصية وسيرتهم الاجتماعية .
3ـ يتناول الخطيب تاريخ النهضة الحسينية ، ويبين أسبابها وأهدافها . ويشرح آثارها والدروس التي يجب على المسلم أن يأخذها من تلك النهضة المقدسة ، ويدعو الخطيب المستمعين إلى تطبيق أهداف الحسين (ع) وإحياء ثورته وتكرارها ضد الظلم والظالمين في كل زمان ومكان .
4ـ في كل عام يهتدي كثير من الضالين والعاصين ، فيتوبون إلى الله تعالى ، ويسلكون الصراط المستقيم ، ويصبحون من الصالحين المهتدين ، حتى إن في بعض البلاد التي تسكنها الشيعة والكفار مثل بلاد الهند والبلاد الأفريقية ، أسلم كثير منهم بعدما حضروا في المجالس الحسينية وعرفوا تاريخ الإسلام وأحكامه وسيرة رسول الله (ص) وأخلاقه الحميدة .
وهذا جانب من معنى الحديث النبوي الذي نقله علماؤكم أيضا في الكتب المعتبرة ، قال رسول الله (ص) : حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسينا ، حسين سبط من الأسباط (58).
فمعنى : ” وأنا من حسين ” لعله يكون : إن الحسين والمجالس التي تنعقد باسمه ولأجله هو السبب في إحياء ديني وإبقائه ، فالحسين (ع) بنهضته المباركة فضح بني أمية وكشف واقعهم الإلحادي ، وحال بينهم وبين الوصول إلى أهدافهم العدوانية ونياتهم الشيطانية التي كانت ستقضي على الدين الحنيف ورسالة خاتم الأنبياء (ص) .
واليوم يمر أكثر من ألف عام على إقامة مجالس عظيمة ومحافل كريمة باسم الحسين (ع) علانية وسرا ، والناس يحضرون على مختلف طبقاتهم ومستوياتهم ، فيقتبسون النور ويتعرفون على الإسلام الحقيقي الذي ضحى الإمام الحسين (ع) من أجله ، ويعرفون أهدافه المقدسة وأسباب نهضته المباركة ، فيهتدون بهداه وهو على هدى جده المصطفى (ع) وأبيه المرتضى (ع) .
فالمجالس الحسينية ، ما هي إلا مدارس أهل البيت والعترة الهادية (ع) .
الذين يحبون عليا والحسين (ع) إنما يحبونهما من أجل الدين ، لأنهما استشهدا وقتلا ليبقى الإسلام والقرآن ، و لتحيا رسالة محمد السماوية ، على صاحبها ألف صلاة وسلام وتحية .
نحن نحب الإمام عليا (ع) ونقدسه ، لأنه كان عبدا مخلصا لله ، متفانيا في ذات الله سبحانه ، شهيدا في سبيل الله تعالى .
ولما نقف عند مرقده الشريف نخاطبه ، نقول : أشهد أنك عبدت الله مخلصا حتى أتاك اليقين ـ أي الموت ـ .
وكذلك إذا حضرنا عند مرقد سيد الشهداء الحسين (ع) ، نشهد له ونقول : أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ، وأطعت الله ورسوله حتى أتاك اليقين .
ثم اعلم أيها الحافظ ، وليعلم كل الحاضرين ، أن زيارة الحسين (ع) والبكاء عليه إنما يفيدان ويوجبان الأجر والكثير والثواب العظيم ، إذا كانا ممن يعرف حق الحسين (ع) ، كما صرحت رواياتنا بذلك عن رسول الله (ص) وعن أئمتنا أبناء رسول الله وعترته (ع) ، قالوا : من زار الحسين بكربلاء عارفا بحقه وجبت له الجنة .
من بكى على الحسين عارفا بحقه وجبت له الجنة .
فكما إن قبول العبادات كلها ـ فرضها ونفلها ـ تتوقف على معرفة الله سبحانه ، لأن العبد إذا لم يعرف ربه كما ينبغي فلا تتحقق نية القربة إليه ، وهي تجب في العبادات .
كذلك البكاء والزيارة للنبي والأئمة (ع) ، لا تفيد ولا تقبل إذا كان الباكي والزائر لا يعرفهم حق المعرفة ، وإذا عرفهم حق المعرفة وعرف حقهم ، علم أنه يجب أن يطيعهم ، ويتمسك بأقوالهم ، ويسير على نهجهم ، ويلتزم بطريقتهم المثلى .
النواب : سيدنا الجليل ! نحن نعتقد بأن الحسين الشهيد إنما نهض للحق وقتل في سبيل الله عز وجل ، ولكن بعض أهل مذهبنا ـ وأغلبهم من الشباب الذين درسوا في المدارس العصرية ـ يقولون : إن الحسين نهض وقاتل لأجل الحصول على الحكومة والرئاسة الدنيوية ، وعارض يزيد بن معاوية على ملكه ، ولكنه خذل من قبل أنصاره ، وتغلب عليه يزيد وجنوده فقتلوه !! ما هو جوابكم عن هذا الكلام ؟
قلت : الجواب حاضر ، لكن الوقت لا يسمح أن نخوض في هذا الموضوع ، لأنه قد طال بنا الجلوس ، والحاضرون قد تعبوا .
النواب : أنا أتكلم نيابة عن أكثر الحاضرين ، نحن ما تعبنا من مجالستكم والاستماع لحديثكم ، بل نحب أن نسمع جوابكم بكل لهفة واشتياق .
نهضة حسينية .. لا حكومة دنيوية:
قلت : الذين يقولون : بأن الحسين (ع) نهض وقاتل للحصول على الحكم وقتل في طلب الرئاسة الدنيوية !! إن كانوا مسلمين فالقرآن يرد كلامهم ، فإن مقالهم يعارض قول الله تعالى :
( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا )(59).
وقد اتفق أعلامكم من المفسرين والمحدثين ، مثل الترمذي ومسلم والثعلبي والسجستاني وأبي نعيم وأبي بكر الشيرازي والسيوطي والحمويني والإمام أحمد والزمخشري والبيضاوي وابن الأثير والبيهقي والطبراني وابن حجر والفخر الرازي والنيسابوري والعسقلاني وابن عساكر ، وغيرهم ، اتفقوا على أن هذه الآية ، وهي آية التطهير ، نزلت في شأن النبي (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (ع) .
فنقول :
أولا : القرآن يشهد بأن الله تعالى طهر الإمام الحسين (ع) من الرجس، ولا شك أن حب الدنيا وطلب الرئاسة للهوى ، رجس من عمل الشيطان ، قال النبي (ص) : ” حب الدنيا رأس كل خطيئة ” فنقول : حاشا الحسين (ع) أن يقاتل للدنيا والرئاسة ، وإنما نهض لإنقاذ الدين وتحرير رقاب المسلمين من براثن يزيد الكفر والإلحاد وقومه الأوغاد .
ثانيا : إذا كانت نهضة الإمام الحسين (ع) لأجل الدنيا لا الدين ، لما كان رسول الله (ص) يأمر المسلمين بنصرة ولده الحسين (ع) إذا نهض وقاتل !
فالنبي (ص) أخبر بنهضة ولده الحسين ، وأمر المسلمين بنصرته ، وقد نقله كثير من علمائكم في كتبهم ، ولكني أكتفي بذكر واحد منهم لضيق الوقت .
قال الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في كتابه ينابيع المودة 2/1 :
وفي الإصابة ، أنس بن الحرث بن البيعة ، قال البخاري في تاريخه والبغوي وابن السكين وغيرهما عن أشعث بن سحيم ، عن أبيه ، عن أنس بن الحارث ، قال : سمعت رسول الله (ص) يقول : إن ابني هذا [ يعني الحسين ] يقتل بأرض يقال لها كربلاء ، فمن شهد ذلك منكم فلينصره .
فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل بها مع الحسين ، رضي الله عنه وعمن معه .
أما إذا كان القائلون لذلك الكلام يرفضون القرآن الحكيم وحديث النبي الكريم (ص) ويريدون جوابا يوافق المقاييس المادية والسياسة الدنيوية .
فأقول أولا : إذا كان الحسين عليه السلام نهض لطلب الحكم ولأجل الوصول إلى الرئاسة ، فما معنى حمله العيال والأطفال معه ؟ فإن الذي يطلب الدنيا يدع أهله وعياله في مأمن ثم يخرج ، فإن نال المقصود ينضم أهله إليه ، وإذا قتل فأهله يكونون في أمان من شر الأعداء .
ثانيا : الثائر الذي يطلب الدنيا يسعى لجمع الأنصار ، ويكثر من المقاتلين والأعوان ، ويعدهم النصر والوصول إلى الحكومة والرئاسة ، ولكن أبا عبد الله الحسين عليه السلام من حين خروجه من المدينة إلى مكة ، وبعده من مكة إلى العراق ، كان يعلن بأنه مقتول لا محالة ، وأن أنصاره وأعوانه يقتلون أيضا ، وأن أهله وعياله وأطفاله يسبون من بعده ، فقد كتب من مكة إلى أخيه محمد بن الحنفية وهو في المدينة .
بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن قِبَلَه من بني هاشم ، أما بعد ، فإن من لحق بي استشهد ! ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح ، والسلام .
[ أعلن عليه السلام أن الفتح الذي يطلبه لا يكون إلا في شهادته وشهادة أنصاره وأهل بيته !! ] .
خطبة الحسين عليه السلام عند الخروج من مكة
لقد ذكر مؤرخو الفريقين أنه عليه السلام لما عزم على الخروج إلى العراق قام خطيبا فقال :
” الحمد لله و ما شاء الله و لا حول و لا قوة إلا بالله و صلى الله على رسوله و سلم خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة و ما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف و خير لي مصرع أنا لاقيه كأني بأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات بين النواويس و كربلاء فيملأن مني أكراشا جوفا و أجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم رضي الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه و يوفينا أجور الصابرين لن تشذ عن رسول الله لحمته و هي مجموعة له في حظيرة القدس تقر بهم عينه و تنجز لهم وعده من كان فينا باذلا مهجته موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإني راحل مصبحا إن شاء الله تعالى ” .
وفي طريقه إلى كربلاء ، لما وصل إليه خبر مقتل سفيره مسلم بن عقيل أعلن الخبر في أصحابه ولم يكتمه عنهم ، بل وقف يخطب فيهم وينبئهم قائلا : ” بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد ، فإنه قد أتاني خبر فظيع ، قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر ، وقد خذلنا شيعتنا ، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج ليس عليه ذمام ” .
فتفرق الناس عنه وأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي من أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممن انضموا إليه ، فلو كان عليه السلام يطلب الحومة والرئاسة ، لما فرق أصحابه ، بل كان يشد عزائمهم ويطمئنهم بالنصر ويغريهم بالمال والولايات ، كما هو شأن كل قائد سياسي ومادي مع جنوده .
وكذلك لما التقى عليه السلام بالحر بن يزيد الرياحي وجنوده ، وقد أخذ العطش منهم كل مأخذ وقد أشرفوا على الموت ، فسقاهم الحسين عليه السلام وروّاهم حتى أنقذهم من الهلاك ، وهو عليه السلام يعلم أنهم ضده وليسوا من أنصاره .
فلو كان الحسين عليه السلام يطلب الدنيا والحكم لاغتنم الفرصة في الحر وأصحابه وتركهم يموتون عطشا ، ثم يمضي هو عليه السلام إلى ما يرده ، وربما لو كان ذلك لكانت المقاييس تنقلب ، وكان التاريخ غير ما نقرأه اليوم !
وكذلك خطبته عليه السلام ليلة العاشر من المحرم ، حينما جمع أصحابه وأذن لهم أن يذهبوا ويتفرقوا عنه ويتركوه مع الأعداء ، لأنهم لا يردون غيره ، ولكنهم قالوا : إنهم يحبون أن يقتلوا دونه ، ولا يريدون العيش بعده ، وقد صدقوا .
وفي ظلام الليلة العاشرة من المحرم التحق به عليه السلام ثلاثون رجلا من معسكر ابن زياد ، لأنهم سمعوا صوت القرآن والدعاء يعلو في معسكر الحسين فانضموا إليه وكانوا من المستشهدين بين يديه .
وفي صبيحة اليوم العاشر ، لما سمع الحر الرياحي ، ذلك القائد ، كلام الحسين عليه السلام واحتجاجه على عساكر الكوفة ، عرف أن الحق مع الحسين عليه السلام فترك جيشه ـ وهم ألف فارس تحت رايته ـ وجاء نحو الحسين عليه السلام وتاب على يديه وكان من المستشهدين .
ما هو سبب نهضة الحسين عليه السلام ؟
لا ينكر أحدا أن يزيد بن معاوية كان رجلا فاسقا ، متجاهرا بالفجور ، مولعا بشرب الخمور ، وكانت آمال بني أمية معلقة عليه على أنه المعد واللائق للأخذ بثأر قتلاهم ، من آل محمد وعلي عليه السلام .
ويزيد بن ميسون النصرانية ، الذي ربي في حجرها وعند قومها النصارى لاعبا مع الكلاب والفهود والقرود ، شاربا للخمور ، مولعا بالفسق والفجور ، مع هذه الخصائص وغيرها من الرذائل التي اجتمعت فيه ، كان قادرا على أن يجرد سيف الكفر والإلحاد الذي صنعه أبو سفيان وقومه في عهد خلافة عثمان .
إذ يروي ابن أبي الحديد عن الشعبي قال : فلما دخل عثمان رحله ـ بعدما بويع بالخلافة ـ دخل إليه بنو أمية حتى امتلأت بهم الدار ، ثم أغلقوها عليهم ، فقال أبو سفيان أعندكم أحد من غيركم ؟
قالوا : لا .
قال : يا بني أمية ، تلقفوها تلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان ، ما من عذاب ولا حساب ، ولا جنة ولا نار ، ولا بعث ولا قيامة !(60) .
فيزيد هو الذي يقرّ عيون قومه بانتقامه من آل رسول الله (ص) ويقبض على مقابض السيف الذي صقله أبو سفيان وحده معاوية وأعده ليزيد ، حتى يقضي به على رسالة محمد (ص) والدين الذي جاء به من عند الله سبحانه وتعالى (61).
ولكن يزيد لا يتمكن من تنفيذ ما خططه أسلافه وقومه ، ما دام الحسين بن رسول الله (ص) يحظى بالحياة .
والحسين عليه السلام تربى في حجر جده رسول الله (ص) وأبيه أمير المؤمنين عليه السلام وهو المعد لإحياء الدين وإنقاذ شريعة سيد المرسلين من التحريف والتغيير ، فنهض ليصد طغاة بني أمية عن التلاعب بالدين والاستخفاف بالشريعة المقدسة .. فروّى شجرة الإسلام بدمه الزاكي ودماء أهل بيته وأنصاره الطيبين ، فاخضرت وأورقت وترعرعت ، بعدما كانت ذابلة وكأنها خشبة يابسة تنتظر نيران بني أمية وأحقادها الجاهلية لتحولها إلى رماد تذروه الرياح (62) .
وبعض الغافلين يقولون : بأن بقاء الحسين عليه السلام في المدينة المنورة كان أسلم له وأحفظ لعياله ! لماذا خرج إلى العراق حتى يرى تلك المصيبة الفادحة والنكبة القادحة ؟!
ولكن كل من له أدنى معرفة بهكذا قضايا يعلم أن الحسين عليه السلام لو كان يقتل في المدينة المنورة ، ما كان لقتله ذلك الصدى والأثر الذي كان لقتله في كربلاء ، فخروجه من المدينة إلى مكة وإقامته فيها من شهر شعبان حتى موسم الحج ، واجتماع المسلمين الوافدين من كل صوب وبلد عند الكعبة المكرمة ، والتفافهم حول الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام واستماعهم لحديثه وهو يشرح لهم ويوضح أنه لماذا لا يبايع يزيد ، لأن يزيد رجل فاسق شارب الخمور ، وراكب الفجور ، واللاعب بالكلاب والقردة ، وقاتل النفوس المحترمة البريئة ، فإذا لا يليق للخلافة والإمامة .
فكان عليه السلام يبعث الوعي في النفوس وفي المجتمع بهذا الإعلام الصريح وأخيرا أعلن أنه خارج إلى العراق ، وهو لا يخضع لحكم يزيد حتى إذا آل الأمر إلى قتله وقتل أهل بيته وأنصاره ـ فخطب تلك الخطبة التي ذكرناها لكم قبل دقائق ـ وأعلن في الناس أنه مقتول مسلوب ، وأن عياله وأطفاله يسبون بعده ويؤخذون أسارى إلى الشام !
بهذا الإعلان ، غدا المسلمون يترصدون أخباره ، والأمة كانت لابثة في سبات ونوم عميق ، لا يستيقظ منه إلا بحركة عنيفة واعية ، ونهضة مقدسة دامية تهزها ، وهذه الحركة والنهضة ما كانت تتحقق إلا بواسطة آل رسول الله (ص) وأهل بيت الوحي ، وكان الإمام الحسين عليه السلام ذلك اليوم زعيم أهل البيت والإمام المسؤول من عند الله سبحانه وتعالى لحفظ دينه وكتابه ، وقد أدى ما عليه بأحسن وجه ، وسار بخطوات حكيمة نحو الهدف المقدس ، وانتصر على يزيد وبني أمية بشهادته وسفك دمه .
فإن النصر تارة يتحقق بقتل العدو وهزيمته ، وتارة يتحقق بأن يكون المنتصر مظلوما قتيلا شهيدا ، فالحسين عليه السلام ما كان طالبا للحكم والرئاسة في نهضته ، حتى يكون خاسرا بعدم وصوله إليها ، وإنما كان يريد يقظة الأمة وتحركها ضد الظالمين ، وكان يريد أن يفضح بني أمية ويكشف واقعهم للمسلمين ، وقد تحقق كل ما أراده ، فهو قد انتصر في كربلاء وعدوه خسر وانكسر(63).
وقدم الحسين عليه السلام إلى كربلاء وسار إلى ميدان الجهاد على بصيرة كاملة فقد روى المؤرخون أنه لما عارضه بعض أقربائه ـ ليمنعوه من الخروج إلى العراق واقترحوا عليه أن يخرج إلى اليمن لأن أهلها شيعة مخلصون له ولأبيه وليسوا كأهل الكوفة مذبذبين وانتهازيين ـ أجابهم قائلا :
إن جدي رسول الله (ص) أتاني فقال : يا حسين أخرج إلى العراق ، فإن الله شاء أن يراك قتيلا !
قالوا : إذا ما معنى حملك هؤلاء النسوة معك ؟!
فقال : إن الله شاء أن يراهن سبايا !!
نعم ، كل من أمعن النظر في تاريخ النهضة الحسينية المباركة ودرس أبعادها وجوانبها ، عرف أهمية دور النساء والأطفال ، وأهمية دور السبايا من أهل البيت عليهم السلام في نشر أهداف الحسين عليه السلام وأسباب ثورته المقدسة ونقل المصائب الأليمة والفجائع العظيمة التي وقعت لأهل البيت في كربلاء .
وكان لهذا الدور أثرا بالغا في فضح بني أمية وتعريتهم وكشفهم للأمة الإسلامية .
فالخطب التي ألقتها الفاطميات في الكوفة كانت سبب ثورة التوابين ومن بعدهم ثورة المختار وانتقامه من قتلة الحسين عليه السلام .
وكذلك خطبة الحوراء زينب في مجلس يزيد ، وخطبة الإمام زين العابدين عليه السلام في الجامع الأموي بالشام ، قلبت كل المعادلات ، بحيث اضطر يزيد بن معاوية أن يلعن ابن زياد ، وتنصل هو عن مسؤولية الواقعة وألقى كل تبعاتها على عاتق ابن زياد .
وعلى أثر تلك الحادثة الأليمة ، لا نجد يومنا هذا لبني أمية وخلفائهم ، حتى في الشام التي كانت عاصمة حكمهم وسلطانهم لا نجد ذكرا حسنا ولا أثرا ظاهرا ، حتى قبورهم مجهولة مهجورة.
نتيجة البحث:
فثبت أن نهضة الإمام الحسين عليه السلام كانت نهضة دينية ، وقد استشهد في سبيل الله ولنصرة دين الله عز وجل ، فلما يحضر الشيعي والمحب في مجلس عزائه عليه السلام ويستمع إلى الخطيب وهو يشرح أسباب ثورة الحسين وأهدافها ويسمع بأن الحسين عليه السلام خالف يزيد وقاتله ، لأنه كان يعمل بالمنكرات ويرتكب المحرمات .
ويسمع الخطيب وهو ينقل كلام الحسين قائلا : إني ما خرجت أشرا ولا بطرا ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي وأن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر .
أو يسمع بأن الحسين عليه السلام يوم عاشوراء أقام صلاته في ساحة القتال مع أصحابه جماعة .
أو يقرأ في زيارته : أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر …
فيلتزم بأن يعمل بما عمل الحسين عليه السلام لأن المحب لمن أحب مطيع ، لذلك كل عام في محرم حين تكثر المجالس الحسينية نجد كثيرا من الناس ـ وخاصة الشباب ـ على أثر حضورهم في تلك المجالس واستماعهم لمواعظ الخطيب ونصائحه وتفسيره للنهضة الحسينية وشرحه حديث ” من بكى على الحسين وجبت له الجنة ” كما مر ، وغير ذلك ، يؤثر فيهم تأثيرا بالغا ، فنجد انهم يهتدون إلى الصراط المستقيم ، فتتحسن سيرتهم ويعتدل سلوكهم ، فيتركون السيئات ويتوبون إلى الله تعالى ببركات الحسين عليه السلام ومجالس عزائه .
وهذا جانب من معنى الحديث النبوي الشريف :
” إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة ” .
ـ لما وصل كلامنا إلى هنا دمعت عيون كثير من الحاضرين ، وكانوا مطرقين برؤوسهم ، يتفكرون في عظمة الحسين وعظمة ثورته المقدسة وعزمت على أن أختم الحديث ..
النواب : سيدنا الجليل ! وإن كان قد انقضى وقت المجلس ، وطال بالحاضرين الجلوس ، ولكن أود أن أقول بأننا بفضل حديثك قد تعرفنا على عظمة الحسين وفضله ، وعرفنا شخصيتك المقدسة أكثر من ذي قبل ، فجزاك خيرا ، إذ علمتنا معنى الحب وفلسفة البكاء والزيارة .
وإني آسف جدا على ما فتني من الأجر والثواب لعدم حضوري في مجالس عزاء آل النبي (ص) التي يعقدها إخواننا الشيعة في بلدنا هذا ، لأني اتبعت بعض أهل مذهبي وأطعتهم عن جهل وتعصب ، إذ كانوا يقولون : إن الحضور في مجالس عزاء الحسين بدعة ، وزيارته بدعة ، والبكاء عليه بدعة ، ولكني عرفت أن هذه المجالس حتى إذا كانت بدعة فهي حسنة ، لأنها تكون مدارس جامعة !
لذلك نرى أن ثقافة أبناء الشيعة الدينية هي أعلى مما هي عليه عند أبنائنا ، وهم أعلم منا بأمور المذهب وأحكام الدين .
فوائد زيارة مشاهد آل رسول الله (ص):
قلت : سمعت منك بأن بعض أهل مذهبك يقولون : إن مجالس الحسين والبكاء عليه بدعة ، وزيارته بدعة ، وأنا بينت لكم فوائد مجالس الحسين وفلسفة البكاء عليه، وأبين لكم فوائد زيارته وزيارة مشاهد آل النبي (ص) ومراقدهم .
إضافة على الثواب والأجر الأخروي ، فإن فيها فوائد جمة :
أولا : زيارة القبور ليست بدعة ، بل هي سنة ، فقد كان رسول الله يزور القبور ، فإنه (ص) زار قبر أمه آمنة(64) بالقرب من المدينة المنورة ، وزار البقيع واستغفر للمدفونين فيه(65) فعندنا أن زيارة قبور آل البيت من علائم الإيمان وليس كل مسلم بمؤمن .
ثانيا : إذا ذهبتم أنتم إلى قباب الأئمة ومشاهد آل النبي (ص) التي يزورها الشيعة ، فستشاهدون بأعينكم أنها مراكز عبادة الله ، وهي ( بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه )(66).
فالمؤمنون يسألون حوائجهم من الله تعالى ويبتهلون إليه خاشعين ، والمشاهد لا تغلق أبوابها ليل نهار إلا سويعات في الأسبوع لأجل التنظيف .
فالشيعي حينما يسافر إلى تلك المزارات الشريفة يلتزم غالبا في الحضور فيها كل يوم ساعات عديدة ، وأكثرهم يفضلون الحضور فيها وقت السحر إلى ما بعد طلوع الفجر ، وقبل الظهر إلى ما بعده ، وقبل المغرب إلى ما بعد العشاء ، فيصلون النوافل ثم يقيمون الفرائض جماعة ، ويشتغلون بقراءة القرآن الكريم والدعاء ، بكل لهفة ورغبة ، وبكل خضوع وخشوع ، فأي هذه الأعمال بدعة ؟!
إن المشاهد التي يزورها الشيعة إنما هي أماكن عبادة الله سبحانه ، منورة بنور أهل البيت عليهم السلام ومجللة بهالة قدسية من شجرة النبوة والعترة الهادية .
فلو لم تكن لهذه المشاهد أية فائدة إلا التوفيق الذي يناله الزائر عند حضوره فيها لكفت ، فيقضي ساعات من عمره بعبادة ربه متقربا إليه بتلاوة القرآن والدعاء والتضرع إليه وإظهار فقره وحوائجه إلى ربه ، مستغرقا في الأمور المعنوية ، متوجها إلى المراتب الأخروية ، ومنصرفا عن الأمور المادية والمسائل الدنيوية .
فهل تعرفون في بلادكم و سائر البلاد التي يسكنها أهل السنة محلا مقدسا يحضره الناس على مختلف طبقاتهم في كل ساعات الليل والنهار ، يشتغلون بالعبادة ويتقربون إلى الله تعالى لنيل السعادة ، كهذه الروضات المقدسة ؟!
أما مساجدكم فلا تفتح إلا أوقات الفرائض ثم تغلق أبوابها ، وإني شاهدت في بغداد مرقدي الشيخ عبد القادر الجيلاني وأبي حنيفة ، كانت أبوابها مغلقة وما فتحت إلا وقت الصلاة ، فحضر بعض السوقيين المجاورين وصلوا مع الإمام الموظف لمديرية الأوقاف ، ثم خرجوا وأغلقت الأبواب .
ولكن مرقد الإمامين العسكريين ـ علي بن محمد الهادي وهو عاشر الأئمة ، وابنه الحسن الزكي ، وهو الإمام الحادي عشر للشيعة ـ الذي يقع في مدينة سامراء في العراق ، وسكان هذه المدينة من أهل السنة والجماعة ، وتوجد جالية شيعية مستضعفة فيها ، وأما السادن وخدام الروضة المقدسة فكلهم من السنة الموظفين لمديرية الأوقاف ، وقد يصعب عليهم فتح أبواب الروضة قبل الفجر . ولكن بإلحاح وإصرار من الشيعة والزائرين يفتحون أبوابها قبل الفجر ويدخل الزائرون والمجاورون من كل باب ، ويشتغلون بالنوافل والعبادات ، ولا يوجد أحد من أهل السنة في تلك الجموع ، حتى خدام الروضة والمسؤولين عليها ، بعد أن يفتحوا الباب يذهبوا ليناموا .
وإني أسأل الله سبحانه أن يوفقكم لتسافروا إلى العراق لتقايسوا بين مدينتين متقاربتين ـ المسافة بينهما لا تقل عن العشرة كيلو مترات ـ .
إحداهما مدينة الكاظمية ، وهي تضم مرقد الإمامين الجوادين الكاظمين عليهما السلام ـ الإمام السابع موسى بن جعفر ، والإمام التاسع محمد بن علي ـ وهي من مراكز الشيعة .
والأخرى مدينة بغداد ، وهي عاصمة العراق ومركز أهل السنة والجماعة ، وفيها مرقد الشيخ عبد القادر الجيلاني ، وإمامكم الأعظم أبي حنيفة .
سافروا إلى هاتين المدينتين وقايسوا بينهما حتى تنظروا بأعينكم إلى آثار تعاليم أهل البيت عليه السلام وانطباع الشيعة عنهم ! فتحسون ببركات تلك القباب المنيرة ، وتدركون بركاتها الشاملة على الزائرين والمجاورين لها ، فإن كثيرا منهم ينامون أول الليل حتى يستيقظوا وقت السحر ساعتين قبل الفجر ، ليحضروا في روضة الإمامين الجوادين عليهما السلام برغبة واشتياق ، فيقيموا نافلة الليل ويشتغلوا بالدعاء والعبادة ، وكثير منهم أصحاب متاجر كبيرة ومهمة في بغداد إلا أن دور سكنهم في الكاظمية ، فيقضون ساعة أو أكثر في الروضة المقدسة بالعبادة والدعاء ، ثم يذهبون إلى متاجرهم وأشغالهم واكتساب معايشهم .
ولكن إذا نظرتم إلى أكثر أهالي بغداد ، وهم مع الأسف منهمكون في المعاصي ، ومستقرون في الفسوق والملاهي ، فالمقامر ودور البغاء والفجور وحانات الخمور ، تعمل ليل نهار !!
النواب : سيدنا الجليل ! إني أصدقك وأقبل كلامك ، ويحق أن ألعن نفسي ، إذ كنت جاهلا بمقام آل رسول الله (ص) وشأنهم ، فتبعت أناسا ما كان لي أن أتبعهم .
قبل سنين سافرت من هذا البلد مع قافلة كبيرة من أهل بلدتي ونحلتي إلى بغداد وقصدنا قبر الإمام الأعظم أبي حنيفة ، والشيخ عبد القادر (رض) وكنا نبغي زيارتهما ، راجين بها الأجر والثواب ، فانفردت يوما عن أصحابي وذهبت إلى روضة الإمامين الجوادين ، فرأيت الوضع كما وصفتم ، ولكن لما رجعت إلى أصحابي وعرفوا بأني ذهبت إلى تلك الروضة المقدسة ، تحاملوا علي وعاتبوني عتابا شديدا ! فاعتذرت إليهم بأني ما ذهبت بقصد الزيارة والتقرب إلى الله عز وجل ، وإنما ذهبت للتفرج والاستطلاع ، فسكتوا عني !!
وأنا الآن أراجع نفسي وأتعجب كثيرا ، فأقول لماذا تكون زيارة الإمام الأعظم والشيخ عبد القادر في بغداد جائزة ، وزيارة الخواجة نظام الدين في الهند جائزة ، وموجبة للأجر والثواب ، حتى أن جماعة كثيرة ـ كلب عام ـ يشدون الرحال إليهم من هذه البلاد ويقطعون مسافات بعيدة ، ويصرفون أموالا كثيرة ، وهم يقصدون التقرب إلى الله سبحانه ، ويعتقدون أنهم يحسنون صنعا ويكتسبون ثوابا وأجرا !!
عجبا هذه الزيارات موجبة للأجر والثواب ، مع علمنا بان النبي (ص) لم يذكر فيهم خبرا ، ولم يذكرهم بمدح و ثناء ، ولكن زيارة الحسين ، ريحانة رسول الله (ص) الذي جاهد في سبيل الله وضحى بنفسه للدين ، وقد وردت في شأنه وفي فضله الأحاديث النبوية الشريفة الكثيرة المروية في كتب كبار علمائنا ، تكون بدعة ؟!!
ولقد نويت الآن وعزمت على أن أذهب هذا العام إن شاء الله ، وأتشرف لزيارة سيدنا الحسين ، وأحضر عند مرقده المقدس ، قربة إلى الله تعالى ، وطالبا لمرضاته ، وراجيا منه سبحانه أن يعفو عما سلف مني .
ثم قاموا وانصرفوا جميعا ، وودعناهم وشايعناهم إلى باب البيت .

(1) لقد نقل أبي الحديد شرح نهج البلاغة : 10/221 ط دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، نقلا كلاما لأبي جعفر النقيب، وقد رأيته مناسبا للمقام فأنقله هنا تعميما للفائدة :
قال في تشابه أخلاق الإمام علي (ع) بأخلاق رسول الله (ص) : انظروا إلى أخلاقها وخصائصهما ، هذا شجاع وهذا شجاع ، هذا فصيح وهذا فصيح ، هذا سخي جواد وهذا سخي جواد ، هذا عالم بالشرائع والأمور الإلهية وهذا عالم بالفقه والشريعة والأمور الإلهية الدقيقة الغامضة ، هذا زاهد في الدنيا غير نهم ولا مستكثر منها ، وهذا زاهد في الدنيا تارك لها غير متمتع بلذاتها ، هذا مذيب نفسه في الصلاة والعبادة ، وهذا مثله ، وهذا غير محبب إليه شيء من الأمور العاجلة إلا النساء وهذا مثله ، وهذا ابن عبد المطلب بن هاشم وهذا ابن عبد المطلب بن هاشم وهذا في قعدده ( القعدد : القريب الآباء من الجد الأعلى ) وأبواهما أخوان لأم ولأب واحد دون غيرهما من بني عبد المطلب .
ورُبّيَ محمد (ص) في حجر والد هذا ، وهذا أبو طالب فكان جاريا عنده مجرى أحد أولاده ،ن ثم لما شب (ص) وكبر استخلصه من بني أبي طالب وهو غلام ، فرباه في حجره مكافأة لصنيع أبي طالب به ، فامتزج الخلقان وتماثلت السجيتان .
وإذا كان القرين مقتديا بالقرين ، فما ظنك بالتربية والتثقيف الدائم ؟!
فواجب أن تكون أخلاق محمد (ص) كأخلاق أبي طالب، وتكون أخلاق علي (ع) كأخلاق أبي طالب أبيه ومحمد (ص) مربّيه، وأن يكون الكل شيمة واحدة وسوسا( سوسا واحدا : أصلا واحدا ) واحدا وطينة مشتركة ، ونفسا غير منقسمة ولا متجزئة ، وألا يكون بين بعض هؤلاء وبعض فرق ولا فضل ، لولا أن الله تعالى اختص محمدا (ص) برسالته واصطفاه لوحيه ، لما يعلمه من مصالح البرية في ذلك ، ومن أن اللطف به أكمل ، والنفع بمكانه أتم وأعم ، فامتاز رسول الله (ص) بذلك عمن سواه وبقي ما عدا الرسالة على أمر الاتحاد ، وإلى هذا المعنى أشار (ص) بقوله : ” أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي ” فأبان نفسه منه النبوة ، وأثبت له ما عداها من جميع الفضائل والخصائص مشتركا بينهما . ” المترجم ”
(2) سورة البقرة ، الآية 253 .
(3) سورة الأحزاب ، الآية 40 .
(4) سورة آل عمران ، الآية 61 .
(5) سورة هود ، الآية 17 .
(6) ألّف ابن الصديق المغربي ـ وهو من علماء العامة ـ كتابا حول هذا الحديث وأسماه بـ ” فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي ” قال في مقدمته : وأما حديث باب العلم فلم أر من أفرده بالتأليف ، وجّه إليه العناية بالتصنيف ، فأفردت هذا الجزء لجمع طرقه ، وترجيح قول من حكم بصحته .. ورواه جمع غفير من أعلام القوم منهم :
1ـ تاريخ بغداد : 2 /377 و4/348 و11/48 و49 و480 .
2ـ المعجم الكبير للطبراني : 11/65/ح11061 .
3ـ التدوين بذكر أهل العلم بقزوين :3/3.
4ـ أحسن التقاسيم :127 .
5ـ تاريخ ابن عساكر : في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام : ح رقم 994و995 .
6ـ تاريخ جرجان : 24 ط حيدر آباد .
7ـ شواهد التنزيل :81 .
8ـ المفردات ـ للراغب ـ :64 .
9ـ أسد الغابة : 4/22 .
10ـ الفائق في غريب الحديث : 1/28 .
11ـ خصائص العشرة : 98 ط بغداد .
12ـ فرائد السمطين : 1/ 98 .
13ـ تذكرة الحفاظ : 4/28 ط حيدر آباد .
14ـ البداية والنهاية : 7/ 358 .
15ـ لباب الألباب في فضائل الخلفاء والأصحاب : فصل الأخبار المسندة في علي عليه السلام .
16ـ وسيلة المتعبدين : 2/ 164 .
17 ـ بهجة النفوس : 2/175 و4/243 .
18ـ لمع الأدلة ـ لابن الأنباري ـ :46 .
19ـ نهاية الأرب : 20/ 6 .
20ـ مجمع الزوائد : 9/ 114 .
21ـ صبح الأعشى :10/425 .
22ـ عمدة القاري في شرح صحيح البخاري 7/ 631 .
23ـ تمييز الطيب من الخبيث : 41 .
24ـ مناقب الخلفاء ـ لمقدسي الحنفي ـ .
25ـ جمع الفوائد : 3/221 .
26ـ سمط النجوم العوالي : 491 .
27ـ كشف الخفا : ح رقم 618 .
28ـ إتحاف السادة المتقين : 6/ 244 .
29ـ الفتوحات الاسلامية 2/510 .
30ـ تاريخ آل محمد :56 .
31ـ مقاصد الطالب ـ للبرزنجي ـ .
32ـ الفتح الكبير 2/176 ـ177 .
33ـ شجرة النور الزكية 2/71 .
34ـ جامع الأحاديث 3/237 .
35 ـ المستدرك ـ للحاكم ـ : 3:126 و127 و129 .
36ـ ميزان الاعتدال : 1/ح رقم 1525 .
37ـ الجامع الصغير ـ للسيوطي : 1/364 بالرقم 2705 .
38ـ منتخب كنز العمال :5/30 .
39ـ ينابيع المودة : الباب الرابع عشر .
40ـ مناقب ابن المغازلي : ح رقم 120 الى 129 .
41ـ وقد خصص العلامة الكنجي الشافعي في كتابه ” كفاية الطالب ” الباب الثامن والخمسين ، بعنوان ” في تخصيص علي عليه السلام بقوله (ص) أنا مدينة العلم وعلي بابها ” فذكر الحديث باسناده من طرق شتى بعبارات متعددة إلا أنها متحدة المعنى وبعده علّق عليه في آخر الباب تعليقا قيما ، وختم تعليقه بالسطور التالية :
فقد قال العلماء من الصحابة والتابعين وأهل بيته بتفضيل علي عليه السلام ، وزيادة علمه وغزارته ، وحدة فهمه ، وفور حكمته ، وحسن قضاياه وصحة فتواه ، وقد كان ابو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من علماء الصحابة يشاورونهم في الاحكام ويأخذون بقوله في النقض والابرام ، اعترافا منهم بعلمه و وفور فضله ورجاحة عقله وصحة حكمه ، وليس هذا الحديث في حقه بكثير ، لأن رتبته عند الله وعند رسوله (ص) وعند المؤمنين من عباده أجل وأعلى من ذلك . انتهى . ” المترجم “
(7) سورة البقرة ، الآية 31 .
(8) سورة الفتح ، الآية 29 .
(9) سورة نوح ، الآية 26 .
(10) سورة التوبة ، الآية 114 .
(11) سورة الضحى ، الآية11 .
(12) قال في كتابه لعثمان بن حنيف واليه على البصرة : … وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المزلق . ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القز ، ولكن هيهات أن يغلبني جشعي إلى تخير الأطعمة .. إلى آخر مقاله الثمين .
(13) سورة نوح ، الآية 26 .
(14) في الخطبة المعروفة بالشقشقية والمذكورة في ” نهج البلاغة” يصف سلام الله عليه جانبا من الوضع الذي قاساه فصبر ، قال : .. وطفقت أرتئي بين أن اصول بيد جذاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا ، أرى تراثي نهبا … إلى آخر خطبته البليغة (المترجم) .
(15) سورة البقرة ، الآية 260 .
(16) جاء في كتاب ” مطالب السؤول” لمحمد بن طلحة القرشي الشافعي 1/89 ط دار الكتب ، قال : وقد كان علي عليه السلام منطويا على يقين لا غاية لمداه ، ولا نهاية لمنتهاه ، وقد صرح بذلك تصريحا مبينا ، فقال عليه السلام : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا .. إلى آخره .
أقول : إعلم يرحمك الله سبحانه ، أن اليقين على مراتب : علم اليقين ، وحق اليقين و، وعين اليقين .
فلو شاهد إنسان دخانا ولم يشاهد النار ، علم يقينا بوجود النار ، فلو شاهد النار بعينه حصل له حق اليقين ، وليس هذا كالذي يمس النار بيده فيحس بحرارتها ، فهو في عين اليقين ، وكان علي عليه السلام في هذه المرتبة من اليقين بالغيب ، قال تعالى : ( ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) الذين يؤمنون بالغيب ) . سورة البقرة ، الآية 1ـ3. ” المترجم “
(17) سورة القصص ، الآية 33 .
(18) سورة مريم ، الآية 23 .
(19) اتفق العلماء على أنه (ع) ولد في الكعبة حتى الشعراء ذكروا هذه الفضيلة ، منهم : إسماعيل الحميري ، سيد الشعراء في القرن الثاني ، قال :
ولدته في حـرم الإله وأمنــه * والبيت حيث فناؤه والمسجد
بيضاء طاهرة الثياب كريمة * طابت وطاب وليدها والمولد
وقال محمد بن منصور السرخسي ، من شعراء القرن السادس ، في قصيدة منها :
ولدته منجبة وكان ولادها * في جوف الكعبة أفضل الأكنان
وللمرحوم السيد ميرزا اسماعيل الشيرازي قصيدة موشحة في ميلاد الإمام علي (ع) فيها :
هــذه فـاطمــة بنـــت أســد * أقبلت تحمل لاهوت الأبد
فاسجدوا ذلا له فيمن سجد * فله الأملاك خرت سجدا
إذ تجلى نوره في آدم
إن يكتن يجعــل الله البنــون * وتعالى الله عما يصفون
فوليد البيت أحرى أن يكون* لولي البيت حقا ولــيـدا
لا عزير لا ولا ابن مريم
سيد فاق عـلا كـتل الأنــام * كان إذ لا كائن وهو إمام
شرف الله به البيت الحرام * حين أضحى لعلاه مولدا
فوطأ تربته بالقدم
والقصيدة جميلة جدا ، تحتوي على نكات لطيفة ، وهي طويلة اكتفينا منها بما نقلنا .
وإن خبر ولادته (ع) في الكعبة أمر مشهور ، لا ينكره إلا معاند متعصب .
قال الحاكم في المستدرك 3/483 : وقد تواترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة .
وقال الشيخ أحمد الدهلوي الشهير بشاه ولي ، وهو والد عبد العزيز الدهلوي ، مصنف ” التحفة الاثنا عشرية في الرد على الشيعة ” قال في كتابه ” إزالة الخفاء ” :
توترت الأخبار أن فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليا في جوف الكعبة ، فإنه ولد يوم الجمعة ثالث عشر من شهر رجب ، بعد عام الفيل بثلاثين سنة في الكعبة ، ولم يولد فيها أحد سواه قبله ولا بعده .
وقال شهاب الدين الآلوسي ، صاحب التفسير الكبير ” روح المعاني ” في شرح القصيدة العينية لعبد الباقي العمري الموصلي ، عند قوله :
أنت العلي الذي فوق العلا رفعا * ببطن مكة وسط البيت إذ وضعا
قال : وكون الأمير كرم الله وجهه ولد في البيت امر مشهور في الدنيا ، وذكر في كتب الفرقين السنة والشيعة ـ إلى أن قال : ـ وما أحرى بإمام الأئمة أن يكون وضعه في ما هو قبلة للمؤمنين ! وسبحان من يضع الأشياء في مواضعها وهو أحكم الحاكمين .” المترجم “
(20) منها ما رواه في صفحة 124 ـ 125 ط. مطبعة الغري سنة 1356 هجرية باسناده عن عيسى بن عبد الله ، عن أبيه قال : قال رجل لابن عباس : سبحان الله ما أكثر مناقب علي وفضائله !! إني لأحسبها ثلاثة آلاف ، فقال ابن عباس رضي الله عنه : أو لا تقول إنها إلى ثلاثين ألفا أقرب ؟!
ثم قال العلامة الكنجي : خرج هذا الأثر جماعة من الحفاظ في كتبهم .
وروى بعدها باسناده عن محمد بن منصور الطوسي ، قال : سمعت الإمام أحمد ابن حنبل يقول : ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله (ص) مثل ما جاء لعلي بن أبي طالب .
ثم قال العلامة الكنجي : قال الحافظ البيهقي : وهو [ علي ع ] أهل كل فضيلة ومنقبة ، ومستحق لكل سابقة ومرتبة ، ولم يكن أحد في وقته أحق بالخلافة منه . ” المترجم “
(21) أرى من المناسب نقل الرواية التالية التي رواها جماعة من أعلام السنة ، منهم : القندوزي في ينابيع المودة 1/143 رواها عن الخوارزمي عن ابن عباس .
ورواها المير السيد علي الهمداني الحنفي في المودة الخامسة من كتابه ” مودة القربى ” عن عمر بن الخطاب . ورواه موفق ابن أحمد في المناقب : 18 .
والعلامة الكنجي الشافعي في ” كفاية الطالب ” الباب الثاني والستين : 123 .
كلاهما عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله (ص) : لو أن الغياض أقلام ، والبحر مداد ، والجن حساب ، والانس كتاب ، ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب .
وعن عمر : لو أن البحر مداد والرياض أقلام ، والانس كتاب ، والجن حساب ، ما أحصوا فضائلك يا أبا الحسن قالها النبي لعلي . ” المترجم “
(22) سورة آل عمران ، الآية 138 .
(23) سورة الزخرف ، الآية 78 .
(24) روى علماؤنا الأعلام وجمع من محدثي العامة وأعلامهم ، عن رسول الله (ص) أنه قال : ” علي مع الحق والحق مع علي ” … منهم :
الخطيب البغدادي ، في تاريخ بغداد 14/321 بسنده عن أبي ثابت مولى أبي ذر ، عن أم سلمة ـ أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ، قالت : سمعت رسول الله (ص) يقول : علي مع الحق ، والحق مع علي ، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة .
وأخرج الحافظ الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد 7/ 236 بسنده عن سعد بن أبي وقاص ، قال : سمعت رسول الله (ص) في دار أم سلمة يقول : علي مع الحق ـ أو الحق مع علي ـ حيث كان .
والحافظ ابن مردويه في “المناقب” .
وكذلك السمعاني في كتاب “فضائل الصحابة” أخرجا بالإسناد عن محمد بن أبي بكر ، عن عائشة ، أنها قال ـ سمعت رسول الله (ص) يقول : علي مع الحق والحق مع علي ، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض . وأخرج ابن مردويه في “المناقب” ..
والديلمي في “الفردوس” ، رويا : أنه لما عقر جمل عائشة ودخلت دارا بالبصرة أتى إليها محمد بن أبي بكر فسلم عليها فلم تكلمه ، فقال لها : أنشدك الله أتذكرين يوم حدثتيني عن النبي (ص) أنه قال : الحق لن يزال مع علي ، وعلي مع الحق ، لن يختلفا ولن يفترقا ؟! فقالت : نعم !
وروى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة :70 ط مطبعة الأمة بمصر سنة 1328هجرية ، قال : وأتى محمد بن أبي بكر فدخل على أخته عائشة رضي الله عنها ، قال لها : أما سمعت رسول الله (ص) يقول : علي مع الحق والحق مع علي ، ثم خرجت تقاتلينه بدم عثمان ؟!
وأخرج ابن مردويه في “المناقب” عن أبي ذر رحمة الله تعالى أنه سئل عن اختلاف الناس : فقال : عليك بكتاب الله والشيخ علي بن أبي طالب عليه السلام ، فإني سمعت رسول الله (ص) يقول : علي مع الحق ، والحق مع علي وعلى لسانه ، والحق يدور حيثما دار .
الزمخشري في “ربيع الأبرار ” روى ……
والعلامة الحمويني في “فرائد السمطين” روى أيضا بسنده عن شهر بن حوشب ، قال : كنت عند أم سلمة رضي الله عنها إذ أستأذن رجل ، فقالت له : من أنت ؟ قال: أنا أبو ثابت مولى علي عليه السلام . قال : ام سلمة : مرحبا بك يا أبا ثابت ،ادخل. فدخل فرحبت به ثم قالت : يا أبا ثابت ! أين طار قلبك حين طارت القلوب مطائرها ؟ قال : تبع علي بن أبي طالب عليه السلام . قالت : وُفّقت ، والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله (ص) يقول : علي مع الحق والقرآن ، والحق والقرآن مع علي ، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض .
وأخرج العلامة عبيد الله الحنفي في أرجح المطالب : 598 ط لاهور .
وأخرج الحافظ ابن مردويه في المناقب .
وكذلك الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 9/134 ط مكتبة القدسي بالقاهرة ، عن أم سلمة أنها كانت تقول : كان علي مع الحق من اتبعه اتبع الحق ، ومن تركه ترك الحق ، عهد معهود [كذا] قبل يومه هذا . قال : رواه الطبراني .
القندوزي في “ينابيع المودة” الباب العشرين ، عن الحمويني ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله (ص) : الحق مع علي حيث دار .
أخرج المحدث الحافظ البخشي في ” مفتاح النجا” ..
وكذلك عبيد الله الحنفي في ارجح المطالب :598 و599 .
أخرجا عن أبي موسى الاشعري انه قال : اشهد أن الحق مع علي ولكن مالت الدنيا بأهلها ، ولقد سمعت النبي (ص) يقول له : يا علي ! أنت مع الحق ، والحق بعدي معك .
نكتفي بهذا المقدار وبه كفاية لطالب الحق . ( المترجم ) .
(25) سورة سبأ ، الآية 12 .
(26) شرح ابن أبي الحديد 1/ 219 ـ221 ط دار احياء التراث العربي بيروت :
روى البراء بن عازب ، قال : لم أزل لبني هاشم محبا ، فلما قبض رسول الله (ص) خفت أن تتمالأ قريش على اخراج هذا الأمر عنهم ، فأخذني ما يأخذ الوالهة العجول مع ما في نفسي من الحزن لوفاة رسول الله (ص) فكنت أتردد الى بني هاشم وهم عند النبي (ص) في الحجرة ، وأتفقد وجوه قريش ، فإني كذلك إذ فقدت ابا بكر وعمر ، واذا قائل يقول : القوم في سقيفة بني ساعدة واذا قائل آخر يقول : قد بويع ابو بكر فلم ألبث وإذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة ، وهم محتجزون بالأزر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه ، شاء ذلك او أبى .
فأنكرت عقلي ، وخرجت أشتد حتى انتهيت الى بني هاشم ، والباب مغلق ، فضربت عليهم الباب ضربا عنيفا ، وقلت قد بايع الناس لأبي بكر بن أبي قحافة ، فقال العباس : تربت أيديكم إلى آخر الدهر ، أما إني قد أمرتكم فعصيتموني .
قال البراء : فمكثت أكابد ما في نفسي ، ورأيت في الليل المقداد وسلمان وأبا ذر وعبادة بن الصامت وأبا الهيثم بن التيهان وحذيفة وعمارا ، وهم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين .
وبلغ ذلك أبا بكر وعمر ، فأرسلا إلى أبي عبيدة والى المغيرة بن شعبة ، فسألاهما عن الرأي ، فقال المغيرة : الرأي أن تلقوا العباس فتجعلوا له ولوله في هذه الإمرة نصيبا ، ليقطعوا بذلك ناحية علي بن أبي طالب .
[ أقول : هذا معنى المؤامرة المدبرة والخديعة والمكر ] .
فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة حتى دخلوا على العباس وذلك في الليلة الثانية على وفاة رسول الله (ص) ، فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه ، وقال : ان الله ابتعث لكم محمدا (ص) نبيا وللمؤمنين وليا ، فمن الله عليهم بكونه بين ظهرانيهم حتى اختار له ما عنده ، فخلى على الناس أمورهم ليختاروا لأنفسهم متفقين غير مختلفين ، فاختاروني عليهم واليا ، ولأمورهم راعيا ، فتوليت ذلك ، وما أخاف بعون الله وتسديده وهنا ولا حيرة ولا جبنا ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .
وما أنفك يبلغني عن طاعن يقول بخلاف قول عامة المسلمين يتخذكم لجأ فتكونون حصنه المنيع وخطبه البديع فإما دخلتم فيما دخل فيه الناس ، أو صرفتموهم عما مالوا إليه ، فقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا ، ولمن بعدك من عقبك ، اذ كنت عم رسول الله (ص) ، وان كان المسلمون قد رأوا مكانك من رسول الله (ص) ومكان أهلك ،ةثم عدلوا بهذا الأمر عنكم ، وعلى رسلكم بني هاشم ، فان رسول الله (ص) منا ومكم ، فتكلم العباس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله ابتعث محمدا نبيا ـ كما وصفت ـ ووليا للمؤمنين ، فمن الله به على أمته حتى اختار له ما عنده ، فخلى الناس على أمرهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين للحق ، مائلين عن زيغ الهوى . ” هذا الكلام من العباس ، من باب المماشاة ، أي على فرض أن النبي (ص) خلى الناس ليختاروا لأنفسهم ” .
فإن كنت برسول الله طلبت ، فحقنا أخذت ، وإن كنت بالمؤمنين ، فنحن منهم ، ما تقدمنا في أمركم فرطا ، ولا حللنا وسطا ، ولا نزحنا شحطا ، فإن كان هذا الأمر يجب لك بالمؤمنين ، فما وجب إذ كنا كارهين ، وما أبعد قولك : إنهم طعنوا من قولك إنهم مالوا إليك !
وأما ما بذلت لنا ، فإن يكن حقك أعطيتناه فأمسكه عليك ، وإن يكن حق المؤمنين فليس لك أن تحكم فيه ، وإن يكن حقنا لم نرض لك ببعضه دون بعض .
وما أول هذا أروم صرفك عما دخلت فيه ، ولكن للحجة نصيبها من البيان .
وأما قولك : إن رسول الله منا ومنكم ، فإن رسول الله (ص) من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها .
وأما قولك ياعمر : إنك تخاف الناس علينا ، فهذا الذي قدمتموه أول ذلك ، وبالله المستعان .ويحدثنا ابن قتيبة في كتابه الامامة والسياسة :12 ط مطبعة الأمة بمصر ، فيقولون : ثم إن عليا كرم الله وجهه أتي به إلى أبي بكر وهو يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله (ص)
فقيل له : بايع أبا بكر .
فقال : أنا أحق بهذا الأمر منكم ، لا أبايعكم ، وأنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (ص) ، وتأخذونه منا أهل البيت غصبا .
ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذ الأمر منهم لما كان محمد منكم ، فأعطوكم المقادة ، وسلموا إليكم الامارة ، فإذا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار ، نحن أولى برسول الله (ص) حيا وميتا ، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون ! وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون !
فقال له عمر : انك لست متروكا حتى تبايع .
فقال له علي : احلب حلبا لك شطره ، وشدّ له اليوم يردده عليك غدا .
ثم قال : والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه .
فقال له أبو بكر : فإن لم تبايع فلا أكرهك .
فقال علي كرم الله وجهه: الله الله يا معشر المهاجرين ! لا تخرجوا سلطان محمد في العرب من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقه .
فوالله يا معشر المهاجرين ! لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العلم بسنن رسول الله (ص) المتطلّع لأمر الرعية ، الدافع عنهم الأمور السيئة ، القاسم بينهم بالسوية ، والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعدا .
قال بشير بن سعد الأنصاري : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلفت عليك . ( المترجم )
(27) وروى ابن أبي الحديد في الجزء 6/43 من شرح نهج البلاغة : عن أبي بكر الجوهري ، قال : سمعت عمر بن شبة يحدث رجلا ، قال : مر المغيرة بن شعبه بأبي بكر وعمر ، وهما جالسان على باب النبي (ص) حين قبض ، فقال : ما يقعدكما ؟
قالا : ننتظر هذا الرجل يخرج فنبايعه ـ يعنيان عليا ـ .
فقال : أتريدون أن تنظروا حبل الحبلة من أهل هذا البيت ؟! وسعوها في قريش تتسع .
قال : فقاما إلى سقيفة بني ساعدة .
انظر أيها القارئ الكريم كيف ترك الشيخان أمر النبي (ص) بالبيعة لعلي وأخذا بكلام المغيرة ، وقد كافأه عمر إذ ولاه البصرة في خلافته ، فزنى فيها بامرأة يقال لها أم جميل ، وشهد عليه أربع شهداء ولكن عمر درأ عنه الحد .
ونجد تفصل الواقعة في شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 12/227 ـ 239 ، وهو بعدما يروي الخبر من تاريخ الطبري ومن كتاب الأغاني ـ لأبي الفرج الأصفهاني ـ يستنتج فيقول في صفحة 239 : فهذه الأخبار كما تراها تدل متأملها على أن الرجل ـ المغيرة ـ زنى بالمرأة لا محالة .
وكل كتب التواريخ والسير تشهد بذلك وإنما اقتصرنا نحن منها على هذين الكتابين .
قال : وقد روى المدائني ، أن المغيرة كان أزنى الناس في الجاهلية ، فلما دخل في الإسلام قيده الإسلام ، وبقيت عنده منه بقية ظهرت في أيام ولايته بالبصرة .
أقول : والمغيرة هو الذي أشار على أبي بكر وعمر فقال : الرأي أن تلقوا العباس فتجعلوا له ولولده في هه الإمرة نصيبا ، ليقطعوا بذلك ناحية علي بن أبي طالب … إلى آخر الخبر الذي ذكرته في ما علقته قبل هذا التعليق فراجع .
وحسب مطالعاتي لأخبار السقيفة ، أرى أن المغيرة كان أحد المتآمرين في أمر الخلافة ، ولا عجب لأنه ما دخل الإسلام عن بصيرة وإيمان .
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 13/42 ط. دار إحياء الكتب العربية : وقد علم الله تعالى والمسلمون ، أنه لولا الحدث الذي أحدث ، والقوم الذين صحبهم فقتلهم غدرا ، واتخذ أموالهم ، ثم التجأ إلى رسول الله (ص) ليعصمه ، لم يسلم ، ولا وطأ حصا المدينة .
انتهى كلام ابن أبي الحديد . ” المترجم “
(28) قال ابن قتيبة في كتاب الإمامة والسياسة 14 و 15 ط. مطبعة الأمة بمصر :
… فقال عمر لأبي بكر (رض) : انطلق بنا على فاطمة فإنا قد أغضبناها !
فانطلقا جميعا فاستأذنا على فاطمة ، فلم تأذن لهما !
فأتيا عليا فكلماه ، فأدخلهما عليها ، فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط ، فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام! فتكلم أبو بكر فقال : يا حبيبة رسول الله ! والله .. إلى آخر كلامه الذي يرويه ابن قتيبة ، ثم يقول : فقالت
[ فاطمة ] أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله ( ص) تعرفانه وتفعلان به ؟!
قالا : نعم .
فقالت : نشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟!
قالا : نعم سمعناه من رسول الله (ص) .
قالت : فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه !
فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة .
ثم انتحب أبو بكر يبكي : وهي تقول : والله لأدعون عليك في كل صلاة أصليها .
هذا ولقد اتفق المؤرخون والمحدثون من أهل السنة والشيعة أن فاطمة الزهراء عليها السلام ماتت وهي ساخطة ـ وفي بعض الأخبار : واجدة ، وفي بعضها : غضبى ـ على أبي بكر وعمر . ( المترجم)
(29) الإمامة والسياسة :11 .
(30) و (31) الصواعق المحرقة / ذيل الآية الرابعة / في فضائل أهل البيت عليهم السلام .
(32) قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة 12: فقال أبو عبيدة بن الجراح له [لعلي كرم الله وجهه] : يا بن عم ! إنك حديث السن ، وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك وأشد احتمالا واستطلاعا ، فسلم لأبي بكر هذا الأمر ، فإنك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر حليق وحقيق ، في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك …
فانظر أيها القارئ الكريم كيف يعترف للامام علي (ع) بفضله في الدين والعلم والفهم والسابقة والنسب والحسب ، ولكن لأنه حديث السن يؤخر عن مقامه !! ” المترجم “
(33) شرح أبي الحديد 1/222 ، قال : قيل لأبي قحافة يوم ولي الأمر لابنه : قد ولي ابنك الخلافة . فقرأ : ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ) ثم قال : لم ولوه ؟ قالوا : لسنه ! قال : أنا أسن منه !! ” المترجم “
(34) قال ابن أبي الحديد في شرحه 12/46 ط. دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
وروى الزبير بن بكار في كتاب ” الموفقيات ” عن عبد الله بن عباس ، قال : إني لأماشي عمر بن الخطاب في سكة من سكك المدينة ، إذ قال لي : يا بن عباس ! ما أرى صاحبك إلا مظلوما !
فقلت في نفسي : والله لا يسبقني بها ، فقلت : يا امير المؤمنين ! فأردد إليه ظلامته .
فانتزع يده من يدي ومضى يهمهم ساعة ، ثم وقف فلحقته ، فقال : يا ابن عباس ! ما أظنهم منعهم عنه إلا أنه استصغره قومه ؟
فقلت في نفسي : هذه شر من الأولى ! فقلت : والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك !
فاعرض عني وأسرع ، فرجعت عنه .
أقول : وروي في الرياض النضرة 2/173 .” المترجم “
(35) الإمامة والسياسة : 13 ط. مطبعة الأمة بمصر .
وروى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 6/21 عن الزبير بن بكار ، قال : وكان عامة المهاجرين وجل الأنصار لا يشكون أن عليا هو صاحب الأمر بعد رسول الله (ص) .
ونقل ابن أبي الحديد في شرحه 6/19 عن الزبير بن بكار ، جواب زيد بن أرقم ، في رد عبد الرحمن بن عوف في أول يوم من بيعة أبي بكر ، إذ قال :
يا معشر الأنصار ليس فيكم مثل أبي بكر ولا عمر ولا علي ولا أبي عبيدة !
فقال زيد كلاما طويلا ، آخره : وإنا لنعلم أن ممن سميت من قريش ، من لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد ، علي بن أبي طالب .
ويقول الاستاذ عبد الفتاح عبد المقصود في كتابه ” السقيفة والخلافة ” صفحة 160 :
فالراجح الذي يقارب اليقين أن أغلب المهاجرين ، ثم أكثر الكثيرين من رفاق محمد (ص) على طريق الايمان منذ بدء الدعوة لهادية ، كانوا بعيدين عن مجال هذا الصراع السياسي بين فريقي المتنازعين يومئذ على السلطان ، بعضهم نفورا منه وبعضهم غفلة عنه ، وعامتهم اطمئنانا يقينيا إلى أن خلافة صاحب الرسالة باقية في بيته لا محالة ، إذ كانوا لا يشكون لحظة واحدة في أن الولاية على المسلمين مفضية حتما من بعد محمد (ص) إلى علي بن أبي طالب ، بحق قدره وفضله ، وليس فقط بحق صهره وقرياه ، فهو من علم الناس موئل علمه ، ولجأ أمره ، وموضع سره ، ونجي قلبه ولصيق لبه ، وأولاهم كافة ـ أمة وآلا ـ بإمرة المؤمنين بلا مجادلة ونزاع .” المترجم ”
(36) قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 1/174 ط. دار إحياء التراث :
وعمر هو الذي شد بيعة أبي بكر ووقم ـ أذل ـ المخالفين فيها ، فكسر سيف الزبير لما جرده ودفع في صدره المقداد ، ووطيء في السقيفة سعد بن عبادة وقال : اقتلوا سعدا ، قتل الله سعدا ، وحطم أنف الحباب بن المنذر ، الذي قال يوم السقيفة : جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب .
وتوعد من لجأ إلى دار فاطمة (ع) من الهاشميين وأخرجهم منها ، ولولاه لم يثبت لأبي بكر أمر ولا قامت له قائمة .
انتهى كلام ابن أبي الحديد .
(37) قال ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة 2/26 : فأما حديث الفلتة ، فقد كان سبق من عمر أن : قال بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها ، فمن عاد الى مثلها فاقتلوه !
ثم نقل معنى “الفلتة” في صفحة 36 و37 فقال : ذكر صاحب الصحاح أن الفلتة الأمر الذي يعمل فجأة من غير تردد ولا تدبر ، وهكذا كانت بيعة أبي بكر ، لأن الأمر لم يكن فيها شورى بين المسلمين ، وإنما وقعت بغتة لم تمحص فيها الآراء ، ولم يتناظر فيها الرجال ، وكانت كالشيء المستلب المنتهب .
أقول لقد عبر أبو بكر عن بيعته أنها كانت “فلتة” قبل عمر ، كما روى ذلك ابن أبي الحديد في شرحه 6/47 عن عمر بن شبة .. ثم قام أبو بكر ، فخطب الناس ، فأعتذر إليهم ، وقال : إن بيعتي كانت “فلتة” وقى الله شرها .. ولا يخفى أن قول عمر بأن تلك البيعة كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها قد نقله البخاري في صحيحه :ج4ص127 . (المترجم) .
(38) سورة النساء ، الآية 54 .
(39) سورة الأعراف ، الآية 142 .
(40) قال ابن ابي الحديد في شرح النهج 12/52ـ54 ط دار إحياء التراث العربي : قال : وروى عبد الله بن عمر ، قال : كنت عند أبي يوما وعنده نفر من الناس ، على أن قال : ـ فقال [ أي أبوه عمر ] : يا بن عباس ! أتدري ما منع الناس منكم ؟!
قال : لا يا أمير المؤمنين .
قال : لكني أدري .
قال : ماهو يا أمير المؤمنين ؟
قال : كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة ، فتجخفوا جخفا ، فنظرت قريش لنفسها فاختارت ، ووفقت فأصابت .
فقال ابن عباس : أيميط أمير المؤمنين عني غضبه فيسمع ؟!
قال : قل ما تشاء .
قال : أما قول أمير المؤمنين : [ إن قريشا كرهت ] فإن الله تعالى قال لقوم : ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل اله فأحبط أعمالهم ) سورة الاحزاب :19 .
وأما قولك : [ إنا كنا نجخف] فلو جخفنا بالخلافة لجخفنا بالقرابة ، ولكنا قوم أخلاقنا مشتقة من خلق رسول الله (ص) الذي قال الله تعالى : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) سورة القلم : 4 .
وقال له : ( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) سورة الشعراء 215 .
وأما قولك : فإن قريشا اختارت : فإن الله تعالى يقول : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ) سورة القصص :86 . وقد علمت يا أمير المؤمنين ان الله اختار من خلقه لذلك من اختار ، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفقت وأصابت قريش .
فقال عمر : على رسلك يا بن عباس ، أبت قلوبكم يا بني هاشما الا غشا في أمر قريش لا يزول ، وحقدا عليها لا يحول .
فقال ابن عباس :مهلا يا أمير المؤمنين لا تنسب هاشما الى الغش ، فإن قلوبهم من قلب رسول الله (ص) الذي طهره الله وزكاه ، وهم أهل البيت الذين قال الله تعالى لهم : ( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) سورة الاحزاب :33 .
وأما قولك ” حقدا ” فكيف لا يحقد من غصب شيئه ويراه في يد غيره ؟!
فقال عمر : أما أنت يا بن عباس ، فقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي .
قال : وما هو يا أمير المؤمنين ؟! أخبرني به فإن يكن باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه ، وإن يك حقا فإن منزلتي عندك لا تزول به .
قال : بلغني أنك لا تزال تقول : أخذ هذا الأمر منكم حسدا وظلما
قال : أما قولك يا أمير المؤمنين : “حسدا ” فقد حسد ابليس آدم ، فأخرجه من الجنة فنحن بنو آدم المحسود .
وأما قولك : “ظلما” فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو !
ثم قال : يا أمير المؤمنين ! ألم تحتج العرب على العجم بحق رسول الله واحتجت قريش على سائر العرب بحق رسول الله (ص) فنحن أحق برسول الله من سائر قريش . ( المترجم ) .
(41) سورة الزمر ، الآية 17ـ18 .
(42) من الطبعة القديمة ، وفي ص 30 من الطبعة المصرية .
(43) أيها القارئ الكريم ! ان ابن قتيبة في نقله يراعي جانب الشيخين ، فلا ينقل الخبر بتمامه ، فلا يقول كيف أخرجوا عليا ، فالاخراج حصل بعدما اقتحموا الدار وهجموا ، وكانت فاطمة خلف الباب ، فعصرت وصار ما صار ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ( المترجم) .
(44) سورة الاعراف ، الآية 150 .
(45) وجدت مصادر أخرى إضافة الى ما ذكرها السيد المؤلف رحمه الله ، أذكرها لتكون الحجة أقوى وأثبت:
1ـ عمر رضا كحالة ، ذكر في كتابه أعلام النساء 4/114 ، قال : وتفقد أبو بكر قوما تخلفوا عن بيعته عند علي بن أبي طالب ، كالعباس والزبير وسعد بن عبادة ، فقعدوا في بيت فاطمة ، فبعث أبو بكر عمر بن الخطاب فجاءهم عمر فناداهم وهم في دار فاطمة ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنها على من فيها .
فقيل له : يا أبا حفص ! إن فيها فاطمة .
قال : وإن !
2ـ ونقل هذا الخبر في تاريخ أبي الفداء 1/156 .
3ـ وشهيرات النساء 3/33.
4ـ الدكتور عبد الفتاح عبد المقصود ، ذكر في كتابه ” السقيفة والخلافة ” ص 14 ، ط مكتبة في القاهرة ، بعدما يسرد الأخبار المتضاربة يقول : ثم تطالعنا صحائف ما أورد المؤرخون بالكثير من أشباه هذه الأخبار المضطربة التي لا نعدم أن نجد بينها من عنف عمر ما يصل به إلى الشروع في قتل علي ، أو إحراق بيته على من فيه .
فلقد ذكر أن أبا بكر أرسل عمر بن الخطاب ومعه جماعة بالنار والحطب إلى دار علي وفاطمة والحسن والحسين ليحرقوه بسبب الامتناع عن بيعته ، فلما راجع عمر بعض اناس قائلين : إن في البيت فاطمة ! قال : وإن ! ( المترجم ) .
(46) توفي النظّام سنة 231 هجرية . ” المترجم “
(47) سورة الأنعام ، الآية 149 .
(48) كتاب ” السبعين في مناقب أمير المؤمنين ” نقله القندوزي بكامله في ” ينابيع المودة ” . ” المترجم ”
(49) سورة الأنبياء ، الآية 7 .
(50) إن بيان ” الحافظ ” كليل ، وليس له دليل ، ولا يصدر إلا من ذي عقل عليل ، لأنه يعارض كلام الرب الجليل ، فقد قال سبحانه :
( والله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى * الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة ) سورة النجم : 30 ـ 31 .
فاللمم هي المعاصي الصغائر تقابلها كبائر الاثم ، كما تجد في الآية الكريمة . ” المترجم “
(51) سورة الزمر ، الآية 53 .
(52) سورة النساء ، الآية 31 .
(53) سورة يوسف ، الآية 53 .
(54) لقد تواترت الروايات وصرحت الأخبار بأن النبي (ص) بكى على ولده الحسين (ع) في أوان ولادته وأخبر بمقتله ، وتكرر منه البكاء في خواص أصحابه تارة وفي الملأ العام الأخرى ، وحدث عن مصائب الحسين وما يلاقيه من بني أمية الطلقاء ، وإليكم بعض تلك الأخبار التي وصلت إلينا من طرق علماء السنة وأيدها أعلامهم :
1ـ روى الخوارزمي في كتابه ” مقتل الحسين (ع) ” بسنده عن أسماء بنت عميس خبرا طويلا … جاء في آخره ، قالت أسماء : فلما كان بعد حول من مولد الحسن ، ولدت [أي فاطمة(ع) ] الحسين فجاءني النبي (ص) فقال : يا أسماء هاتي ابني .
فدفعته إليه في خرقة بيضاء ، فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى ثم وضعه في حجره وبكى !!
قالت أسماء : فقلت فداك أبي وأمي مم بكاؤك ؟!
قال : على ابني هذا !
قلت : إنه ولد الساعة !
قال (ص) : يا أسماء ! تقتلهم الفئة الباغية ، لا أنالهم شفاعتي .
ثم قال (ص) : يا أسماء ! لا تخبري فاطمة بهذا ، فإنها قريبة عهد بولادته .
رواه الحمويني في فرائد السمطين 2/103 ، ورواه ابن عساكر في تتاريخ دمشق ، الحديثين 13 و 14 من ترجمة الإمام (ع) ، ورواه السمهودي في ” جواهر العقدين ” ورواه آخرون منهم لا مجال لذكرهم .
2ـ روى الحاكم النيسابوري في المستدرك 3/176 في الحديث الأول من فضائل الإمام أبي عبد الله الحسين (ع) ، روى بسنده عن أم الفضل بنت الحارث خبرا جاء في آخره :
فولدت فاطمة الحسين فكان في حجري ، فدخلت يوما على رسول الله (ص) فوضعته في حجره ، ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول الله (ص) تهريقان من الدموع .
قالت : فقلت : يا نبي الله ! بأبي أنت وأمي مالك ؟!
قال (ص) : أتاني جبرئيل فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا !!
فقلت : هذا ؟!
قال : نعم ، وأتاني بتربة من تربته حمراء !
أقول : ورواه البيهقي أيضا في كتابه دلائل النبوة 6/ 468 ط بيروت ، ورواه ابن كثير في البداية والنهاية 6/230 ، ورواه جمع آخر من أعلام السنة لا مجال لذكر أسمائهم .
3ـ روى ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى 8/45 الحديث رقم 81 من ترجمة الإمام الحسين عليه السلام ، عن عائشة ، قالت : بينا رسول الله (ص) راقد إذ جاء الحسين يحبو إليه فنحيته عنه ، ثم قمت لبعض أمري ، فدنا منه ، فاستيقظ (ص) وهو يبكي !
فقلت : ما يبكيك ؟!
قال (ص) إن جبرئيل أراني التربة التي يقتل عليها الحسين ، فاشتد غضب الله على من يسفك دمه …
ورواه ابن عساكر أيضا في تاريخ دمشق في الحديث رقم 229 من ترجمة الإمام الحسين (ع) . =
ورواه أيضا ابن حجر في ” الصواعق المحرقة ” كما حكى عنه القندوزي في أوائل الجزء الثاني من ” ينابيع المودة ” .
ورواه ابن العديم في كتابه بغية الطلب في تاريخ حلب 7/78 في ترجمة الإمام الحسين (ع) .
ورواه الدار القطني في كتاب العلل 5/83 .
وحديث التربة رواه جمع كثير من أعلام السنة بألفاظ متعددة ، ويبدو أن إتيان جبرئيل بتربة كربلاء للنبي (ص) كان غير مرة ، والأشهر ما روي عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها .
روى عمر بن خضر المعروف بـ ” ملاّ” وهو من علماء القرن السادس الهجري ، في كتابه ” وسيلة المتعبدين ” ـ في أواسط باب معجزات النبي (ص) ـ : وعن أم سلمة قالت : سمعت بكاء النبي (ص) في بيتي فاطلعت ، فإذا الحسين بن علي رضي الله عنهما في حجره أو إلى جنبه وهو يمسح رأسه ويبكي !!
قالت : فقلت : يا رسول الله ! على مَ بكاؤك ؟!
فقال (ص) : إن جبرئيل أخبرني أن ابني هذا يقتل بأرض من العراق يقال لها كربلا .
قالت : ثم ناولني كفا من تراب أحمر وقال : إن هذه تربة الأرض التي يقتل بها ، فمتى صارت دما فاعلمي أنه قد قتل .
قالت أم سلمة : فوضعت التراب في قارورة عندي وكنت أقول : إن يوما تتحولين فيه دما ليوم عظيم .
وروى قريبا من هذا المعنى جماعة كبيرة عن أم سلمة رضي الله عنها منهم :
ابن سعد في طبقاته في حديث رقم 79 من ترجمة الإمام الحسين (ع) في الجزء الثامن والمحب الطبري في ذخائر العقبي 147 .
وأبو بكر بن أبي شيبة في كتاب الفتن من كتاب المصنف 15/14 حديث رقم 19213 .
وابن حجر في كتاب المطالب العالية 4/73 ط. دار المعرفة ـ بيروت .
والطبراني في المعجم الكبير 3/14 ط. بغداد ، ورواه بطريق آخر في صفحة 115 .
وابن عساكر في تاريخه في الحديث رقم 223 من ترجمة الإمام الحسن (ع) بمناسبة .
ورواه المزي في كتاب تهذيب الكمال 6/408 .
ورواه ابن العديم وعمر بن أحمد في كتابه تاريخ حلب 7/56 حديث رقم 88 وما بعده من ترجمة الإمام الحسين (ع) .
ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد 9/192 .
ورواه الحاكم في المستدرك 4/389 في آخر كتاب تعبير الرؤيا ، قال الحاكم ـ وأقره الذهبي ـ: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
وراه البيهقي في كتابه دلائل النبوة 6/468 ط. دار الفكر .
ورواه ابن كثير في كتاب البداية والنهاية 3/230 ط. دار الفكر .
ورواه جمع كثير من محدثي العامة وأعلامهم لا مجال لذكر أسماءهم .
وإن بكاء النبي (ص) على مصاب ولده الحسين (ع) قبل أن يقتل أمر ثابت مسجل في المصادر والمسانيد المعتبرة ، غير قابل للإنكار ، ولا ينكره إلا معاند جاحد أو شيطان مارد .
أعاذنا الله من الجهل والعناد . ” المترجم ”
(55) من البديهي أن البكاء على الحسين (ع) الذي يوجب دخوله الجنة إنما هو البكاء الذي يكون عن شعور ومعرفة بالحسين (ع) وتأييدا لأهدافه المقدسة ، ويكون رمزا وشعارا في نصرة الحق وانتصار المظلوم ، لا مطلق البكاء .
إن الباكي الممدوح عندنا والذي وعده النبي والأئمة من أهل البيت (ع) بالجنة ، هو الباكي الذي جد وجاهد ، ويسعى ويجتهد بكل قدراته وإمكاناته ، لتحقيق أهداف أبي عبد الله الحسين (ع) وتطبيقها ، لأنها ما هي إلا أهداف الله سبحانه وتعالى وغرضه من رسالة محمد (ص) وبعثة الأنبياء (ع) جميعا .
فالبكاء على الحسين (ع) الذي يوجب لصاحبه دخول الجنة ، إنما هو البكاء الذي ينبثق من قلب ممتلئ حقدا على الظالمين ، فيتحول صرخة في وجه الباطل وثورة على الظالم .
هذا النوع من البكاء ـ لا مطلق البكاء ـ يكون استمرارا لحركة الإمام أبي عبد الله السبط الشهيد (ع) واستمرارا لحركة الحوراء زينب وأهل البيت (ع) من كربلاء إلى الشام سبايا .
فكما أن هاتين الحركتين تركتا أثرا عظيما في تحريك الإحساس الديني وإيقاظ الشعور الإنساني في المجتمع الإسلامي ، بحيث أدت إلى ثورات ، وأسقطت عروش الظلم ، وقضت على الظالمين كذلك الأثر في البكاء الذي يكون استمرارا لحركة الإمام الحسين والحوراء زينب (ع) . ” المترجم “
(56) سورة المائدة ، الآية 35 .
(57) سورة الاسراء ، الآية 57 .
(58) خرجه الإمام أحمد في مسنده 4/172 بسنده عن يعلى بن مرة الثقفي .
ورواه ابن سعد في طبقاته الكبرى ج8 حديث رقم 18 من ترجمة الإمام الحسين (ع) .
ورواه الحاكم في المستدرك 3/177 باب فضائل الحسين (ع) ، وأقر صحته .
ورواه الذهبي في تلخيصه ، وقال هذا حديث صحيح .
ورواه الخطيب الخوارزمي في كتابه مقتل الحسين 1/146 الفصل السابع .
ورواه شيخ الإسلام الحمويني في كتابه ” فرائد السمطين ” في الباب 30 .
ورواه البخاري في ” الأدب المفرد ” صفحة 100 ط. مصر .
ورواه الترمذي في سننه 13/195 باب مناقب الحسن والحسين (ع) .
ورواه في ابن ماجة في مقدمة سننه 1/64 .
ورواه جمع كثير من أعلام العامة لا مجال لذكر أسمائهم جميعا . ” المترجم ”
(59) سورة الأحزاب ، الآية 33 .
(60) شرح نهج البلاغة 9/ 53 ط دار إحياء التراث العربي .
(61) وفي شرح نهج البلاغة ـ لابن ابي الحديد ـ 5/129قال : و روى الزبير بن بكار في الموفقيات و هو غير متهم على معاوية و لا منسوب إلى اعتقاد الشيعة لما هو معلوم من حاله من مجانبة علي ع و الانحراف عنه قال المطرف بن المغيرة بن شعبة دخلت مع أبي على معاوية و كان أبي يأتيه فيتحدث معه ثم ينصرف إلي فيذكر معاوية و عقله و يعجب بما يرى منه إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء و رأيته مغتما فانتظرته ساعة و ظننت أنه لأمر حدث فينا فقلت ما لي أراك مغتما منذ الليلة فقال يا بني جئت من عند أكفر الناس و أخبثهم قلت و ما ذاك قال قلت له و قد خلوت به إنك قد بلغت سنا يا أمير المؤمنين فلو أظهرت عدلا و بسطت خيرا فإنك قد كبرت و لو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فو الله ما عندهم اليوم شي‏ء تخافه و إن ذلك مما يبقى لك ذكره و ثوابه فقال هيهات هيهات أي ذكر أرجو بقاءه ملك أخو تيم فعدل و فعل ما فعل فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل أبو بكر ثم ملك أخو عدي فاجتهد و شمر عشر سنين فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره إلا أن يقول قائل عمر و إن ابن أبي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات أشهد أن محمدا رسول الله فأي عملي يبقى و أي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك ؟
لا و الله إلا دفنا دفنا!!
أقول : هذه نيات معاوية الإلحادية نقلها لابنه يزيد وأمره أن يسعى ويجتهد لتنفيذها . ( المترجم ) .
(62) وللمرحوم السيد جعفر الحلي قصيدة عصماء في هذا المجال أذكرها بالمناسبة :
الله أي دم في كربـــلاء سفــكـــا * لم يجر في الأرض حتى أوقف الفلكا
وأي خيل ضلال بالطفوف عدت * عـــلى حـــريم رســـــــول الله فانتهكا
يوم بحامية الاســلام قد نهضــت * لـــــه حـمـيــــة ديــــــن الله إذ تركـا
رأى بأن سبــيـــل الغــي متبــــع * والرشـــد لــــم تــــدر قوم أيه سلكـا
والناس عادت إليهــــم جاهليتهــم * كـــان مــن شــرع الاسـلام قـد أفـكا
وقد تحكــــم بالاســـلام طاغـيـــة * يـــمسي ويصبــح بالفحـشاء منهـمكا
لم أدر أين رجال المسلمين مضوا * وكــيــف صــار يــزيد بــيـنـهم ملكا
العاصر الخمر من لؤم بعنصــره * ومـن خـسـاســة طبع يعـصر الودكا
لئن جرت لفظة التوحيد في فمـــه * فــسيــفه بـــسوى الــتوحيد ما فــتكا
قد أصبح الدين يشتكي منه سقمــا * ومــا إلى أحـد غـيـر الــحسيـن شكا
فما رأى السبط للدين الحنيف شفا * إلا إذا دمـــه فـــي كــربــلاء سفــكا
وما سمعنا عليلا لا عــــلاج لــــه * إلا بنفـــس مـــداويــه إذا هــــلـــــكا
بقتله فاح لإســـلام نشــــر هــــدى * فكـــلما ذكـــرته الـــمسلمــون ذكـــا
نفســي الفداء لفـــاد شــرع والــده * بـنـفــسه وبـــأهليـــــه ومــــا مـلـكـا
وشبهـــا بذبــال السيـــــف نائـــرة * شــعــواء قد أوردت أعداءه الدركـا
إلى آخر قصيدته العصماء وهو يتطرق فيها إلى شجاعة بني هاشم وأنصار الحسين عليه السلام ومصارعهم بالطفوف ، وإلى سبي العيال والأطفال من كربلاء الى الكوفة ومنها الى الشام .
إنا لله وإنا إليه راجعون (المترجم ) .
(63) وأذكر لكم بعض أبيات من قصيدة رائعة بالمناسبة لعبد الحسين الأزري :
عش زمانك ما استطـعــت نبيـــــــلا * واتــرك حــديثـك للــرواة جــــميـلا
العز مقياس الحـيــاة وضـــل مــــــن * قد عــد مقياس الحيــــــاة الطــولا
قل : كيف عاش ؟ ولا تقل كم عــاش * من جعل الحياة إلى علاه سبــيلا
ما كــــان للأحــــــــرار إلا قــــــدوة * بطل توســــد في الطفوف قـــتـــيلا
خشيت أمية أن يزعــــزع عرشـــهـا * والعــرش لــــولاه استـقام طويلا
قتـــــلوه للدنيــــــا ولكــــن لـــم تـــدم * لبنــــي أمــيــــة بــعد ذلك جــــيلا
ولرب نصـــــر عاد شـــر هزيــمـــة * تركت بيوت الظالــــمين طـــلـــولا
إلى آخر القصيدة العصماء ، وينطلق الشاعر بها إلى شرح جانب من واقعة عاشوراء وآثار تلك النهضة المباركة الدامية . ( المترجم ) .
(64) أخرج مسلم في صحيحه 1/ 359 قال : زار (ص) قبر أمه آمنة فبكى وأبكى من حوله .
(65) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ 10/138 ط دار إحياء التراث العربي .
(66) سورة النور ، الآية 36 .

شاهد أيضاً

unnamed (16)

ليالي بيشاور – 79 لسلطان الواعظين

(1) لقد نقل أبي الحديد شرح نهج البلاغة : 10/221 ط دار إحياء التراث العربي ...