الرئيسية / مقالات اسلامية / القرآن الكريم / تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة البقرة الى 193
0

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة البقرة الى 193

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة

188

ثم إنتقل السياق الى تشريع آخر له مناسبة ما بـ “الأكل” الذي دار الكلام حوله في مسألة الصيام ((وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ)) بالغصب وما أشبه، وكان وجه ذكر كلمة “بينكم” أن الآكلين للغصب ونحوه يتآمرون بينهم في خفاء حتى يبرروا أكلهم ((وَتُدْلُواْ)) الإدلاء أي الإلقاء والإفضاء، أي تُلقوا ((بِهَا))، أي بتلك الأموال ((إِلَى الْحُكَّامِ)) جمع حاكم، بمعنى القضاة بعنوان الرشوة والهدية ليأخذوا جانبكم في أكل المال بالباطل ((لِتَأْكُلُواْ)) علّة “لتدلوا”، أي علّة إعطائكم الرشوة أن تأكلوا ((فَرِيقًا))، أي قسماً ((مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ)) بدون حق ((وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)) بأن أكلكم وإرشائكم باطل وإثم.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة

189

مرت أحكام كلها تحتاج الى التوقيت من صيام وإعتكاف ومحاكمات وغيرها فناسب أن يأتي تشريع الأهلّة هنا مع الغض عما تقدم من أن المقصود بيان جملة من الأحكام بعد بيان أصول التوحيد ((يَسْأَلُونَكَ)) يارسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ((عَنِ الأهِلَّةِ)) وعن سببإختلاف الهلال في كل شهر من الهلال الى البدر ثم الى الهلالحتى المحاق أو عن فائدة هذا الإختلاف ولماذا لم يكن القمر كالشمس في الإنتظام ((قُلْ)) يارسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في جوابهم ((هِيَ مَوَاقِيتُ)) جمع ميقات بمعنى الوقت والزمان ((لِلنَّاسِ)) في عبادتهم ومعاملاتهم ((وَ)) لـ ((الْحَجِّ)) فمن أقرض الى شهر أو باع ليقبض الثمن، أو يدفع الثمن بعد شهرين، أو أراد الصيام والإفطار أو الحج في أشهره لابد وأن يكون له مَعْلَمْ يستند إليه ولذلك جعل الله الأهلّة، وهذا الجواب ينطبق على السؤال بناءً على الوجه الثاني في معنى “يسألونك” وأما بناءً على الوجه الأول وسؤالهم كان عن سبب إختلاف الأهلّة فإن القرآن أعرض عن جوابهم لأن عقولهم ما كانت تتحمل الجواب الفلكي، ولذا أعرض عن ذلك الى فائدة الأهلّة التي هم أحوج إليها، كما في آية أخرى (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين) حيث أعرض عن جواب ماهيّة المنفق، أي محل الإنفاق لأن هذا هو الذي يترتب عليه الفائدة وهم بحاجة إليه، وحيث ذكر الحج في الكلام إنتقل السياق الى ما كان يفعله الجاهليون من أنهم إذا أحرموا لم يدخلوا البيوت من أبوابها وإنما يدخلونها من ظهورها، فنهى عن ذلك، وفي هذا تلميح بأن السؤال عما لا يهمكم من الأهلّة، مثل إتيان البيوت من ظهورها وكالأكل من القفا ((وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ))تدخلوا ((الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا)) بأن تنقبوا لبيوت وتدخلونها من النقب ((وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى)) من الله سبحانه بإتيان أوامره وإجتناب نواهيه ((وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)) ولو في حال الإحرام ((وَاتَّقُواْ اللّهَ)) في أوامره ونواهيه ((لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ))، أي لكي تفلحوا بالوصول الى السعادة الدنيوية والأخروية.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة

190

وهنا حكم آخر من أحكام الإسلام الكثيرة وهو القتال والجهاد، ولقد كان بين هذا الحكم وبين “الحج” المتقدم مناسبة، إذ المشركون قد منعوا الرسول عن الحج عام الحديبية، فكان على المسلمين أن يتهيّئوا للجهاد إن إقتضت الظروف ((وَقَاتِلُواْ)) أيها المسلمون ((فِي سَبِيلِ اللّهِ)) لا لحب السيطرة والغلبة كما هو شأن ملوك الدنيا وزعمائها بل في سبيل إعلاء كلمة الله التي فيها سعادة البشر ((الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ)) لا كل آمن، فمن ألقى سلاحه وسكن الى محله فإن في قتاله إيجاد فوضى وإضطراب لا داعي إليهما ((وَلاَ تَعْتَدُواْ)) إذا قاتلتم من قاتلكم فإن القتال قتال دفاع، فلا معنى للإعتداء وأنتم مرتبطون بالله الذي تقاتلون لأجله فلا يصحّ الإعتداء من أمثالكم ((إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ)) فهم الذي يأمر بالعدل والإحسان، فكيف يحب من إعتدى وبغى.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة

191

((وَاقْتُلُوهُمْ))، أي الذين يقاتلونكم ((حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ))، أي وجدتموهم ((وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ))، أي أخرجوكم من مكة كما أخرجوكم منها، فمن قاتلكم قتلتموه ومن أخرجكم من دياركم أخرجتموه جزاءً وِفاقا ((وَالْفِتْنَةُ)) التي أثاروها الكفار بتفتين المسلمين عن دينهم وإلقاء الإرتياب والشك في قلوبهم ليجلبوهم الى حظيرة الكفر بعد أن هداهم الله ((أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)) فإن القتل يوجب ذهاب الدنيا والفتنة توجب ذهاب الدين، فمن تقاتلوهم لا يستحقون عليكم أن يهرّجوا بأن المسلمين يشهرون السلاح فإنهم يستحقون القتل لأنهم بدأوا بالقتال لأنهم فُتنوا، وروي أنها نزلت في مسلم قتل كافراً في الشهر الحرام فعابوا المؤمنين بذلك، فبيّن سبحانه أن الفتنة التي تصدر من الكفار أشد من القتل ((وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ))، أي لا تقاتلوا الكافرين أيها المسلمين ((عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ))، أي في الحرم ((حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ)) ويبدأوا بالقتال ((فَإِن قَاتَلُوكُمْ)) بدأوكم بالقتال في الحرم ((فَاقْتُلُوهُمْ)) هناك ((كَذَلِكَ)) الذي مرّ من وجوب قتال الكفار حيث وجدوا الىآخر ما ذُكر ((جَزَاء الْكَافِرِينَ)).

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة

192

((فَإِنِ انتَهَوْاْ)) عن الكفر بأن أسلموا ((فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ)) يغفر سيئاتهم حتى ما ارتكبوها قبل إسلامهم من القتال فإن الإسلام يجبّ ما قبله ((رَّحِيمٌ)) بعباده المؤمنين.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة

193

((وَقَاتِلُوهُمْ))، أي الكفار الذين يقاتلونكم لا لأجل القصاص فقط بل ((حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ)) بأن لا يُفتن المسلمون عن دينهم ((وَيَكُونَ الدِّينُ)) والطريقة ((لِلّهِ)) فلا يبقى منهج لسواه بأن ينتصر الحق على الباطل وهذان هما الغاية من إيجاب الدفاع ((فَإِنِ انتَهَواْ)) عن الكفر ((فَلاَ عُدْوَانَ))، أي تعدي بالدفاع والقتال ((إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)) الباقين على كفرهم، أي فإذا إنتهى المعتدون عن الفتنة والتعرّض لدين الله والتعرّض للمسلمين بالأذى والقتال فلا قتال معهم لأن القتال لا يكون إلا مع الظالمين، وسميّ “عدواناً” تشبيهاً كما قال: (فمن إعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما إعتدى عليكم).

شاهد أيضاً

IMG-20140114-WA0019

الاكتفاء بما روي في أصحاب الكساء

(شَجَاعة رَسُول اللَّه(ص)) 69 – أخْبَرَنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن الحُسَين بن المزرفي، نا أَبُو ...