الرئيسية / مقالات اسلامية / القرآن الكريم / تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة البقرة الى 266
0

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة البقرة الى 266

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة

261

تقدّم الكلام في الآيات السابقة عن من يقرض الله قرضاً حسناً، ثم تخلّل الكلام دليل التوحيد والرسالة والمعاد والآن يرجع السياق الى الإنفاق ((مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ)) لا رياءً أو سمعة وشهرة ونحوها ((كَمَثَلِ حَبَّةٍ)) من الحنطة أو الشعير أو نحوهما ((أَنبَتَتْ))، أي أخرجت ((سَبْعَ سَنَابِلَ)) جمع سنبلة وهي مجمع الحبّات ((فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ)) فتكون النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف ((وَاللّهُ يُضَاعِفُ))، أي يزيد كل سبعمائة ((لِمَن يَشَاء)) من عباده من المنفقين ((وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) يسع علمه وقدرته يعلم المنفق والإنفاق، وقد مثّل الإنفاق بهذا ليكون أوقع في النفس وأكثر في التأثير والتشويق.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة

262

ثم ذكر شرطاً آخر للإنفاق المثمر الموجب للأجر بقوله تعالى ((الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ))، أي لا يعقبون ((مَا أَنفَقُواُ مَنًّا)) على المعطى له بأن يمنّ عليه في إنفاقه كأن يقول له أني أعطيتك فكُن شاكراً ((وَلاَ أَذًى)) بأن يؤذي المعطى له كأن يقول: إبتليت بفلان الفقير ((لَّهُمْ أَجْرُهُمْ)) وجزاء إنفاقهم ((عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)) من العذاب لأن من ينفق هكذا يكون مخلصاً في جميع أعماله أو لا خوف عليهم من فوت الأجر ((وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)) وهو يحتمل الأمرين مثل “لا خوف”.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة

263

((قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ)) بأن يرد به السائل نحو: “الله يعطيك” ((وَمَغْفِرَةٌ))، أي تجاوز عن السائل فيما إذا أساء ((خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى)) لأن الصدقة كذلك تجرح قلب السائل دونهما، ولأنها تتبع العقاب، لأن هكذا صدقة محرمة، بخلافهما ((وَاللّهُ غَنِيٌّ)) فلا يحتاج الى صدقاتكم أيها المعطون، وإنما أنتم تحتاجون إليها، فحثّ الله بالإنفاق لكم لا له ((حَلِيمٌ)) عن عقابكم بسبب صدقاتكم التي تتبع الأذى.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة

264

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ)) على السائل ((وَالأذَى)) له فإنّ فيها إبطالاً للصدقة من حيث الثواب فلا ثواب لها إبطالاً لها عن العُرف لأن مثل هذه الصدقة لا تُحسب جميلاً وإنما قبيحاً بشعاً، فإنّ من يُبطل صدقته بالمنّ والأذى فهو ((كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ)) لأجل أن يراه الناس فيمدحوه ((وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)) بأن يكون الداعي له الى التصدّق أمر الله سبحانه أو ثواب الآخرة ((فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا)) الصفوان: الحجر الأملس، والوابل: المطر الشديد الوقع، والصلد من الأرض ما لا ينبت شيئاً لصلابته، فإنّ الإنسان الكافر كالحجر الصلب الذي لا يُرجى منه خير، وما يتحفّظ به ظواهره بمنزلة تراب على الحجر يظن الناس أنه محل قابل للنبت والصدقة التي يرائي بها كالمطر الشديد، فإنه إذا نزل بأرض صالحة كان مبعث الخير والنبات لكنه إذا نزل على الحجر المغطّى بالتراب إزال ترابه وأظهر صلادته وعدم قبوله لأي إنبات وعشب، وكذلك الكافر الذي يظن به الناس بعض الخير إذا أنفق رياءً ظهر على الناس حقيقته المنحرفة فتكون الصدقة -التي هي بذاتها سبب الخير والرحمة- مُعرّية لحقيقة الكافر البشعة، ومن ناحية أخرى أنها توجب سخط الله عليه أكثر من ذي بل فتكون مذهبة لما يظن أنها حسنة له من بعض أعماله الخيرية السابقة ((لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ)) من مكاسبهم السابقة لأن الصدقة برياء ذهب بها كما أن المطر يذهب بالتراب فلا يمكن إرجاعه وجمعه ((وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)) فلا يلطف بهم اللطف الخاص لأنهم أسقطوا أنفسهم عن القابلية لجحودهم بعد أن عرفوا الحق.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة

265

((وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ))، أي لأجل طلب رضى الله سبحانه ((وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ))، أي الأجل تثبيت أعمالهم الحسنة وتركيزها، تثبيتاً ناشئاً من أنفسهم فأنفسهم هي التي توصي بذلك، لا كالمرائي الذي يحمله على الصدقة رؤية الناس، فهذه الجملة “من أنفسهم” مقابل جملة (رئاء الناس) في الآية السابقة ((كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ))، أي بستان في مرتفع ((أَصَابَهَا وَابِلٌ)) مطر غزير ((فَآتَتْ))، أي أعطت ((أُكُلَهَا)) وثمرها ((ضِعْفَيْنِ)) فإنّ الإنسان المؤمن كالبستان الواقع في مرتفع حيث أنه يزهو للناس ويكون أقرب الى الإستفادة من الهواء والشمس والمطر، فإنّ المؤمن أقرب الى الخير فإذا تصدّق تكون صدقته كالمطر الذي إذا نزل بالبستان يوجب نمو ثمارها وإزدهار أشجارها ((فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ)) مطر غزير ((فَــ‏)) يكفي لأمارها وأنضارها ((طَلٌّ)) رذاذ من المطر قليل ((وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)) فيجازيكم على أعمالكم إن رياءً وإن قُربة.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة البقرة

266

ولما مثّل سبحانه لصدقة كلّ من المؤمن والكافر، مثّل لصدقة المؤمن الذي يمنّ بصدقته فيُبطلها ((أَيَوَدُّ))، أي هل يجب ((أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ))، أي تحت أشجارها ((لَهُ فِيهَا))، أي في تلك الجنة ((مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ))، أي الشيخوخة ((وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء)) عاجزون عن كسب المأكل والملبس ((فَأَصَابَهَا))، أي أصاب الجنة ((إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ)) كلا! لا يحب أحد ذلك أنه في أشد أوقات حاجته، فهل يرضى إصابة النار بأثمن ما يملك؟، إنّ مثل من ينفق عن إيمان وإعتقاد مثل تلك الجنة، فإذا إمتنّ بعد ذلك أو آذى السائل يكون ذلك ناراً يحرق جنته في أشد أوقات حاجته، فإنّ الإنسان في أشد الحاجة الى خيره في الآخرة، فإذا إمتنّ بقي صفر اليدين هناك ((كَذَلِكَ))، أي كهذا البيان الذي بيّن أمر الصدقة وغيرها ((يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ)) بضرب الأمثال والمشوّقات ((لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)) فتستقيموا على الصراط المستقيم.

شاهد أيضاً

300e904f-fa86-4cdf-b7d8-d36f05b3f5eb

18 وظيفة في زمن الغيبة

الوظيفة الثامنة عشر: عدم قسوة القلوب لطول الغيبة   فقد يقسو قلب المرء بسبب طول ...