الرئيسية / مقالات اسلامية / القرآن الكريم / تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة آل عمران
0

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة آل عمران

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

172

لما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أُحُد وبلغوا الروحاء ندموا على إنصرافهم عن المسلمين وتلاوموا فيما بينهم قائلين بعضهم لبعض : لا محمداً قتلتم ولا الكواعب أردفتم قتلتموهم حتى لم يبق منهم إلا الشريد تركتموهم فارجعوا فاستأصلوهم، فبلغ ذلك الخبر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأراد إرهابهم فخرج (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومعه مَن به جرح من الأُحُد حتى بلغ [حمراء الأُسد] وبلغ الخبر المشركين فخافوا خوفاً شديداً وولّوا منهزمين، ووجه إتصال الآية أنه سبحانه بعد ما بيّن أجر الشهداء وأنهم يستبشرون بالأحياء ذكر وصف الأحياء الذين يستبشر بهم المقتولون أنهم أولئك الذين لم تزلزلهم المحنة ولم تقعدهم الجراحات عن مواصلة الكفاح ولم يرهبهم تجمع الأعداء وإرجاف بهذا التجمع وهم مثخنون بهذه الجراحات ((الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ)) أطاعوهما في أمرهما، وقد ذكرنا سابقاً أن ذكر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للتشريف وأن بيان أمره أمر الله سبحانه وإلا فالأمر واحد ((مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ))، أي نالتهم الجراحات يوم أُحُد ((لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ)) بعد الإستجابة ((وَاتَّقَواْ)) معاصي الله سبحانه ((أَجْرٌ عَظِيمٌ)) لأنهم أطاعوا في ثلاث دفعات حضورهم واستجابتهم ثانياً وإحسانهم وتقواهم ثالثاً.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

173

ثم وصفهم سبحانه بوصف آخر وأنهم هم ((الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ)) فقد قال الناس لأصحاب الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد رجوعهم من أُحُد أن الناس -وهم أبو سفيان والمشركون- قد جمعوا لكم، أي جمعوا المشركين لأجل محاربتكم ((فَاخْشَوْهُمْ))، أي خافوا منهم لأنهم إذا رجعوا إليكم وأنتم -أيها المسلمون- مُثخنون بالجراح من أُحُد لم يُبقوا منكم باقية ((فَزَادَهُمْ)) تجمع الناس عليهم ((إِيمَاناً)) فإنّ عند كل كارثة يتذكّر المؤمن الله سبحانه فتقوى نفسه بمعونته وتشتد عزيمته بنصره ((وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ))، أي كافينا الله يكفينا شر أعدائنا ((وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) فإنه خير من جعله الإنسان وكيلاً لعلمه بمواقع النفع والضرر وقدرته على جلب النفع ودقع الضرر عن الموكّل.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

174

((فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ))، أي رجع هؤلاء المؤمنون الذين استجابوا لله والرسول، تصحبهم نعمة الله وفضله ((لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ)) فهم بعدما خرجوا في طلب أبي سفيان هرب أبو سفيان فرجه المسلمون وهم مرهوبوا الجانب أشداء النفوس ((وَ)) قد ((اتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ)) باتباع أمره في تعقيب المشركين ((وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)) على من إتّبع أمره فهو يسعده في الدنيا وفي الآخرة، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال : (عجبتُ لمن خاف كيف لا يفزع الى قوله “حسبنا الله ونعم الوكيل” فإنّي سمعتُ الله يقول بعقبها “فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء”).

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

175

((إِنَّمَا ذَلِكُمُ)) “كُم” خطاب، و”ذا” إشارة الى التخويف من الأعداء، أي أن التخويف الذي صدر عن بعض الناس بالنسبة الى المسلمين من عمل الشيطان فإنه ((الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ)) فإنّ المؤمنين لا يخافون وإنما أولياء الشيطان يخافون لأنهم بانقطاع صلتهم من الله سبحانه يخافون من كل شيء كما قال سبحانه في وصف المنافقين “يحسبون كلّ صيحةٍ عليهم” ((فَلاَ تَخَافُوهُمْ))، أي لا تخافوا الناس الذين جمعوا لكم، أو لا تخافوا الشيطان وأوليائه ((وَخَافُونِ)) والخوف من الله سبحانه بمعنى إطاعته وترك عصيانه فإنّ في ترك ذلك النار والعقاب ((إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)) فإن الإيمان يوجب أن لا يخاف الإنسان إلا من الله سبحانه، وليس المراد عدم الخوف مطلقاً فإنه قهرّ للإنسان وإنما المراد ترتيب الأثر على الخوف.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

176

((وَلاَ يَحْزُنكَ)) يارسول الله ((الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ))، أي يتسابقون في أعمالهم الكافرة كأنهم في سباق من كثرة نشاطهم ((إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ)) فإن دعوتك التي هي مرتبطة بالله سبحانه لابد وأن تنجح وتتقدم وهذه المسارعات لا يضرّها، فقد نسب موقف الدعوة الى الله سبحانه إفادة لعلوّها وقوة المُدافِع والمتولّي لها ((شَيْئاً)) أصلاً لا صغيراً ولا كبيراً، بل إنهم يضرّون بذلك أنفسهم فإن إعطاء الله القدرة لهم في أن يفعلوا ما يشائون لأنه ((يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ)) وإنما أراد ذلك لأنهم أعرضوا عن الحق كما أنك إذا أدّيت الى عبدك مالاً ليتاجر ثم ذهب به يقامر وأمهلته فلم تضرب على يده تقول : أريد أن أُبدي سوأته وأعاقبه بعقاب كبير ((وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) بكفرهم ومسارعتهم ونشاطهم ضد الإسلام.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

177

((إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ))، أي بدّلوا ((الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ)) ((لَن يَضُرُّواْ اللّهَ)) بتبديلهم الكفر بالإيمان ((شَيْئًا)) أيّ شيء أبداً ((وَلهُمْ))، أي للذين بدّلوا الكفر بالإيمان ((عَذَابٌ أَلِيمٌ)) بما بدّلوا.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

178

((وَلاَ يَحْسَبَنَّ))، أي لا يظنّنّ ((الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ)) الإملاء الإمهال، أي إن إطالتنا لأعمارهم وإمهالنا إياهم وتوفير المال والجاه لهم ليس خيراً لهم فإن الخير هو الذي لا سيبب شراً وعقاباً ((إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ)) نطيل عمرهم ونعطيهم ما نعطيهم ((لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا)) ومعصية فإنهم بإعراضهم عن الحق وخبث بواطنهم استحقوا العقاب والعذاب لكن حيث لا عقاب على الخبث الباطني فقط كان الإمهال مظهراً لذلك الخبث فبقائهم موجب لزيادة عقوبتهم ((وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ)) يُهينهم علاوة على ألَمِه وكربه, وربما يُقال أن اللام في قوله “ليزدادوا” لام العاقبة كقوله تعالى “فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً”.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

179

ثم يرتد السياق الى قصة أُحُد حيث إنكشف هناك المؤمن الذي إتّبع الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الحرب من المنافق الذي تخلّف عن الجهاد كعبد الله بن أُبيّ بمن تخلّف معه ((مَّا كَانَ اللّهُ))، أي ليس من سُنّته سبحانه أن لا يمتحن ((لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ))، أي يدعهم ويتركهم ويتركهم ((عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ)) من ظاهر الإيمان الذي يتساوى فيه المؤمن والمنافق ((حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)) كي يُظهر ما يُضمره كل فريق، وفي بعض التفاسير أن المشركين قالوا لأبي طالب إن محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صادقاً فليخبرنا مَن يؤمن مِنّا ومن يكفر فإن وجدنا خبره صدقاً آمنّا به فنزلت الآية، وعلى هذا فمعنى “على ما أنتم عليه” أي حالكم قبل الإيمان، فليس يترك سبحانه المؤمن جوهره على كفره بين سائر الكفار ((وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ)) حتى تعلموا أن هذا مؤمن وهذا منافق، بدون الإختبار الخارجي المظهر للضمائر ((وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي))، أي يختار لإطّلاعه على الغيب ((مِن رُّسُلِهِ)) وأنبيائه ((مَن يَشَاء)) وهذا كقوله تعالى (لا يُظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول) ولا ينافي ذلك إطّلاع بعض الملائكة والأئمة وبعض المؤمنين بعض المغيّبات إذ الملائكة خارج عن المستثنى منه والباقون أما بتعليم النبي أو بإلهام منه سبحانه وعدم إستثنائه لندرته خارجاً، والقضايا الطبيعية -كما نحن فيه- لا تنافيها النوادر، وحيث عرفتم قيمة الإيمان ((فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ)) إيماناً حقيقياً لا يشوبه نفاق وخبث ضمير ((وَإِن تُؤْمِنُواْ)) إيماناً صادقاً ((وَتَتَّقُواْ)) المعاصي وتعملوا الصالحات ((فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ)) يبقى الى الأبد في جنة عرضها السموات والأرض ورضوان من الله.

شاهد أيضاً

IMG-20181123-WA0023

المرأة علم وعمل وجهاد

يجب الالتزام بالعفة   لقد أكد الإمام الخامنئي دام ظله على التزام المرأة بالعفة خصوصاً ...