الرئيسية / مقالات اسلامية / القرآن الكريم / تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة النساء
0

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة النساء

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

90

ثم إستثنى سبحانه عن وجوب مقاتلة هؤلاء من كان داخلاً في حلف قوم بين ذلك القوم وبين المسلمين معاهدة فإن دخوله في ذلك الحلف يحقن دمه، ومن لا يريد محاربة المسلمين وإنما يريد معاهدتهم فقال سبحانه -مستثنياً من قوله فخذوهم الآية- ((إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ))، أي لهم مواصلة وأحلاف مع قوم ((بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم ))، أي بين ذلك القوم ((مِّيثَاقٌ ))، وفي الحديث أن هلال بن عويمر السلمي واثق من الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن لا يتعرّض هو لأحد أتاه من المسلمين ولا يتعرّض الرسول لمن أتى هلال بن عويمر فأنزل الله هذه الآية ناهياً أن يُمسّ من يأتي هلال من الكفار بسوء ((أَوْ )) الذين ((جَآؤُوكُمْ ))، أي أتوا إليكم أيها المسلمون ((حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ))، أي ضاقت صدورهم، والسبب أن من يهمه أمر تنتفخ رئته لتجلب أكبر قدر ممكن من الهواء ليرفّه على القلب الذي حمى بواسطة غليان الدم فيضيق الصدر لتوسّع الرئة ((أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ ))، أي يضيق صدورهم من قتالكم وقتال قومهم فلا يكونون لكم ولا عليكم، في المجمع قال : إنما عنى به “أشجع” فإنهم قدموا المدينة في سبعمائة يقودهم مسعود بن دخيلة فأخرج إليهم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحمال التمر ضيافة، وقال : نعم الشيء الهدية أمام الحاجة، وقال لهم : ما جاء بكم؟ قالوا : لقرب دارنا منك وكرهنا حربك وحرب قومنا -يعنون بني حمزة الذين بينهم وبينهم عهد- لقلّتنا فيهم فجئنا لنوادعك، فقَبِلَ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك منهم ووادعهم فرجعوا الى بلادهم ((وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ ))، أي سلّط هؤلاء الكفار ((عَلَيْكُمْ )) بأن لم يُلقِ في قلوبهم رعبكم أيها المسلمون حتى يخافوكم فيسالموكم، فقد كان هذا من فضل الله سبحانه أن يجعلكم محل هيبة ومِنعة، مع أن عددكم وعُددكم لا يقتضيان ذلك ولو لم يلطف بكم ((فَلَقَاتَلُوكُمْ )) لكن حيث أنعم الله عليكم بذلك فلا تمدّوا إليهم يد المحاربة ((فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ )) هؤلاء الذين ذُكروا وهم “الذين يصلون” “وجاؤوكم” ((فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ )) أيها المسلمون ((السَّلَمَ )) يعني صالحوكم واستسلموا لكم ((فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً)) فلا تُباح نفوسهم ولا أموالهم ولا أعراضهم، وما في بعض التفاسير من أن الآية منسوخة لم يظهر وجهه، إذ الجملة الأولى لا تقبل النسخ فإن المعاهدات تبقى الى أمدها، والجملة الثانية في مورد خاص ومثله لا يقبل النسخ.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

91

((سَتَجِدُونَ )) أيها المسلمون جماعة ((آخَرِينَ )) من يبطن الكفر ويُظهر الإسلام ((يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ ))، أي يأمنوا من طرفكم ((وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ ))، أي يأمنوا من طرف قومهم الكافرين، وهؤلاء ((كُلَّ مَا )) أتوكم أظهروا الإسلام وإذا ((رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ )) بأن رجعوا الى قومهم ودعوهم الى الكفر -وهو المراد بالفتنة هنا- ((أُرْكِسُواْ فِيِهَا ))، أي وقعوا فيها وارتدوا عن إسلامهم والإسلام لا يعترف بهكذا أُناس فإنّ مثلهم خطرون على سلامة المسلمين فلابد وأن يحدد هؤلاء موقفهم أما أن يعلنوا سلمهم العام واعتزالهم -حيادياً- عن المشاركة في التحركات ضد المسلمين ولا يشتركوا في حرب عليهم فهم في أمان من جانب الدولة الإسلامية وأما أن يحاربهم المسلمون كسائر الكفار لا فضل لهم ولا حُرمة ((فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ))، أي لم يعتزل هؤلاء الكفار عن المؤمنين ((وَ)) لم ((يُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ )) بأن يسالموكم ويصالحوكم ((وَ)) لم ((يَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ )) بأن لا يشاركوا في حرب أو تحرك ضدكم ((فَخُذُوهُمْ ))، أي أسروهم ولا ترعوا نفاقهم في إظهار الإسلام إذا جائوكم ((وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ ))، أي أين وجدتموهم ((وَأُوْلَئِكُمْ ))، أي هؤلاء المذبذبون ((جَعَلْنَا لَكُمْ )) أيها المسلمون ((عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا))، أي برهاناً واضحاً، فإنه لا واسطة بين الحرب والحياد فإن أخذوا جانب الحياد فهو وإلا فالحرب حالهم حال سائر الكفار، ومن المحتمل أن لا يكون المراد من “يأمنوكم” إظهارهم الإسلام بل إظهارهم الموادعة والمسالمة، وسوق الآية الى آخرها -على هذا المعنى واضح- وهذا هو الذي يؤيده ما في بعض التفاسير من أن الآية نزلت في عينيه بن حصين الغزاري أجدبت بلادهم فجاء الى رسول الله ووادعه على أن يقيم ببطن نخل ولا يتعرّض له وكان منافقاً ملعوناً وهو الذي سماه رسول الله “الأحمق المطاع” وعلى هذا يكون الفرق بينه وبين ما تقدّم في قوله سبحانه “أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم” أن الأولين جائوا بحسن نيّة وصدق طويّة بخلاف هؤلاء حيث جاءوا نفاقاً فقَبِلَ من أولئك دون هؤلاء.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

92

هذا كان حول معارك المسلمين مع غير المسلمين، وحكم إراقة الدماء بالنسبة الى الطرفين، أما المسلمون بعضهم مع بعض فلا يحق لأحد أن يريق قطرة دم أحد ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا )) الإستثناء منقطع، أي لا يجوز لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا أن يخطأ في قتله كما لو أراد قتل حيوان فأخطأ وأصاب الرمي مؤمناً أو نحو ذلك ((وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَـ)) عليه أن يكفّر بـ ((تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ))، أي أن يعتق إنساناً عبداً مؤمناً، ويُقال للعبد “رَقَبة” بعلاقة الجزء والكل، باب إستعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكل، كما يقال للجاسوس “عين” ((وَ)) عليه ((دِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ )) الدِيّة من ودي يدوِ، أي عطى المال المقابل للدم ويجب أن تكون مسلّمة أي يسلّمها الى أهل المقتول كاملة غير منقوصة، والمراد بكون الديّة عليه وجوب الديّة في الجملة لا أنها عليه بالذات فإنها في الخطأ على العاقلة وهذه الديّة تقسم بين أولياء المقتول ((إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ))، أي يتصدّق أولياء المقتول بالديّة على القاتل فلم يأخذوها منه، ولا يخفى أن أصل “يصّدّقوا” يتصدّقوا فادغمت التاء في الصاد لقرب مخرجهما على ما هو المعروف في باب التفعّل ((فَإِن كَانَ )) المقتول ((مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ ))، أي كان من طائفة هم أعداء للمسلمين بأن كانوا كفاراً محاربين ((وَهُوَ ))، أي القتيل ((مْؤْمِنٌ )) وكان قتله له خطأ -كما يقتضيه العطف على الجملة الأولى- ((فَـ)) على قاتله كفّارة هي ((تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ )) أما الديّة فلا تجب إذ ليس للمقتول أهل مسلمون ومن المعلوم أن الحربي لا يرث المسلم ((وَإِن كَانَ )) المقتول كافراً ليس بمسلم ولكنه كان ((مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ )) ومعاهدة وقتله المسلم خطأ ((فَـ)) على القاتل ((دِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ))، أي أهل المقتول ((وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً)) وذلك لأنه لا يجوز قتل المعاهدة كما لا يجوز قتل المؤمن (( فَمَن لَّمْ يَجِدْ )) العبد ولا ثمنه ((فَـ)) عليه ((صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ))، أي متواليين فلا يصح التفريق في أيام الشهرين، لكن إذا صام شهراً ويوماً كفاه في التتابع وجاز أن يصوم البقية بعد زمان غير متصل بالأول ((تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ ))، أي شرع ذلك في القتل لأجل التوبة والرجوع من الله سبحانه على العبد القاتل، والقاتل وإن كان مخطأ مما يوجب عدم الذنب عليه إلا إن بُعده الطبيعي بسبب هذا العمل القبيح فإنّ بعض الأعمال لها آثار وضعية كمن شرب الخمر جهلاً فإنه يسكر وتصيبه الأمراض الملازمة للخمر ((وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا )) يعلم مصالحكم ((حَكِيمًا)) فيما يأمر وينهي.

شاهد أيضاً

29792222_10156090096096438_5291214999308468224_n

18 وظيفة في زمن الغيبة

الوظيفة السادسة عشر: إظهار العلماء لعلمهم في غيبته عجل الله تعالى فرجه الشريف   فعلى ...