الرئيسية / اخبار اسلامية / الميزان في تفسير القرآن سورة البقرة 163 – 167
18

الميزان في تفسير القرآن سورة البقرة 163 – 167

وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)

بيان

الآيات متحدة متسقة ذات نظم واحد – و هي تذكر التوحيد – و تقيم عليه البرهان و تذكر الشرك و ما ينتهي إليه أمره.

قوله تعالى: و إلهكم إله واحد، قد مر معنى الإله في الكلام على البسملة من سورة الحمد في أول الكتاب، و أما الوحدة فمفهومها من المفاهيم البديهية التي لا نحتاج في تصورها إلى معرف يدلنا عليها، و الشيء ربما يتصف بالوحدة من حيث وصف من أوصافه، كرجل واحد، و عالم واحد، و شاعر واحد، فيدل به على أن الصفة التي فيه لا تقبل الشركة و لا تعرضها الكثرة، فإن الرجولية التي في زيد مثلا – و هو رجل واحد – ليست منقسمة بينه و بين غيره، بخلاف ما في زيد و عمرو مثلا – و هما رجلان – فإنه منقسم بين اثنين كثير بهما، فزيد من جهة هذه الصفة – و هي الرجولية – واحد لا يقبل الكثرة، و إن كان من جهة هذه الصفة و غيرها من الصفات كعلمه، و قدرته، و حياته، و نحوها ليس بواحد بل كثير حقيقة، و الله سبحانه واحد، من جهة أن الصفة التي لا يشاركه فيها غيره، كالألوهية فهو واحد في الألوهية، لا يشاركه فيها غيره تعالى، و العلم و القدرة و الحياة، فله علم لا كالعلوم و قدرة و حياة لا كقدرة غيره و حياته، و واحد من جهة أن الصفات التي له لا تتكثر و لا تتعدد إلا مفهوما فقط، فعلمه و قدرته و حياته جميعها شيء واحد هو ذاته، ليس شيء منها غير الآخر بل هو تعالى يعلم بقدرته و يقدر بحياته و حي بعلمه، لا كمثل غيره في تعدد الصفات عينا و مفهوما، و ربما يتصف الشيء بالوحدة من جهة ذاته، و هو عدم التكثر و التجزي في الذات بذاته، فلا تتجزى إلى جزء و جزء، و إلى ذات و اسم و هكذا، و هذه الوحدة هي المسماة بأحدية الذات، و يدل على هذا المعنى بلفظ أحد، الذي لا يقع في الكلام من غير تقييد بالإضافة إلا إذا وقع في حيز النفي أو النهي أو ما في معناهما كقولنا ما جاءني أحد، فيرتفع بذلك أصل الذات سواء كان واحدا أو كثيرا، لأن الوحدة مأخوذة في أصل الذات لا في وصف من أوصافه بخلاف قولنا: ما جاءني واحد فإن هذا القول لا يكذب بمجيء اثنين أو أزيد لأن الوحدة مأخوذة في صفة الجائي و هو الرجولية في رجل واحد مثلا فاحتفظ بهذا الإجمال حتى نشرحه تمام الشرح في قوله تعالى: «قل هو الله أحد»: الإخلاص – 1، إن شاء الله تعالى.

و بالجملة فقوله: و إلهكم إله واحد، تفيد بجملته اختصاص الألوهية بالله عز اسمه، و وحدته فيها وحدة تليق بساحة قدسه تبارك و تعالى، و ذلك أن لفظ الواحد بحسب المتفاهم عند هؤلاء المخاطبين لا يدل على أزيد من مفهوم الوحدة العامة التي تقبل الانطباق على أنواع مختلفة لا يليق بالله سبحانه إلا بعضها فهناك وحدة عددية و وحدة نوعية و وحدة جنسية و غير ذلك، فيذهب وهم كل من المخاطبين إلى ما يعتقده و يراه من المعنى، و لو كان قيل: و الله إله واحد، لم يكن فيه توحيد لأن أرباب الشرك يرون أنه تعالى إله واحد، كما أن كل واحد من آلهتهم إله واحد، و لو كان قيل: و إلهكم واحد لم يكن فيه نص على التوحيد، لإمكان أن يذهب الوهم إلى أنه واحد في النوع، و هو الألوهية، نظير ما يقال في تعداد أنواع الحيوان: الفرس واحد، و البغل واحد، مع كون كل منهما متعددا في العدد، لكن لما قيل: و إلهكم إله واحد فأثبت معنى إله واحد – و هو في مقابل إلهين اثنين و آلهة كثيرة – على قوله: إلهكم كان نصا في التوحيد بقصر أصل الألوهية على واحد من الآلهة التي اعتقدوا بها.

قوله تعالى: لا إله إلا هو، جيء به لتأكيد نصوصية الجملة السابقة في التوحيد و نفي كل توهم أو تأويل يمكن أن يتعلق بها، و النفي فيه نفي الجنس، و المراد بالإله ما يصدق عليه الإله حقيقة و واقعا، و حينئذ فيصح أن يكون الخبر المحذوف هو موجود أو كائن، أو نحوهما، و التقدير لا إله بالحقيقة و الحق بموجود، و حيث كان لفظة الجلالة مرفوعا لا منصوبا فلفظ إلا ليس للاستثناء، بل وصف بمعنى غير، و المعنى لا إله غير الله بموجود.

فقد تبين أن الجملة أعني قوله: لا إله إلا هو، مسوقة لنفي غير الله من الآلهة الموهومة المتخيلة لا لنفي غير الله و إثبات وجود الله سبحانه، كما توهمه كثيرون، و يشهد بذلك أن المقام إنما يحتاج إلى النفي فقط، ليكون تثبيتا لوحدته في الألوهية لا الإثبات و النفي معا، على أن القرآن الشريف يعد أصل وجوده تبارك و تعالى بديهيا لا يتوقف في التصديق العقلي به، و إنما يعني عنايته بإثبات الصفات، كالوحدة، و الفاطرية، و العلم، و القدرة، و غير ذلك.

و ربما يستشكل تقدير الخبر لفظ الموجود أو ما بمعناه أنه يثبت نفي وجود إله غير الله لا نفي إمكانه، فيجاب عنه بأنه لا معنى لفرض موجود ممكن مساوي الوجود و العدم ينتهي إليه وجود جميع الموجودات بالفعل و جميع شئونها، و ربما يجاب عنه بتقدير حق، و المعنى لا معبود حق إلا هو.

قوله تعالى: الرحمن الرحيم، قد مر الكلام في معناهما في تفسير البسملة من سورة الفاتحة و بذكر الاسمين يتم معنى الربوبية، فإليه تعالى ينتهي كل عطية عامة، بمقتضى رحمانيته، و كل عطية خاصة واقعة في طريق الهداية و السعادة الأخروية بمقتضى رحيميته.

قوله تعالى: إن في خلق السموات و الأرض إلى آخر الآية، السياق كما مر في أول البيان يدل على أن الآية مسوقة للدلالة و البرهنة على ما تضمنته الآية السابقة أعني قوله تعالى: و إلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الآية، فإن الآية تنحل بحسب المعنى إلى أن لكل شيء من هذه الأشياء إلها، و أن إله الجميع واحد و أن هذا الإله الواحد هو إلهكم، و أنه رحمن مفيض للرحمة العامة، و أنه رحيم يسوق إلى سعادة الغاية و هي سعادة الآخرة فهذه – حقائق حقة و، في خلق السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار إلى آخر ما ذكر في الآية آيات دالة عليها عند قوم يعقلون.

و لو كان المراد إقامة الحجة على وجود إله الإنسان أو أن إله الإنسان واحد لما كان الجميع إلا آية واحدة دالة على ذلك من طريق اتصال التدبير، و لكان حق الكلام في الآية السابقة أن يقال: و إلهكم واحد لا إله إلا هو، فالآية مسوق للدلالة على الحجة على وجود الإله و على وحدته بمعنى أن إله غير الإنسان من النظام الكبير واحد و أن ذلك بعينه إله الإنسان.

و إجمال الدلالة أن هذه السماوات التي قد علتنا و أظلتنا على ما فيها من بدائع الخلقة، و الأرض التي قد أقلتنا و حملتنا مع عجيب أمرها و سائر ما فيها من غرائب التحولات و التقلبات كاختلاف الليل و النهار، و الفلك الجارية، و الأمطار النازلة، و الرياح المصرفة، و السحب المسخرة أمور مفتقرة في نفسها إلى صانع موجد، فلكل منها إله موجد و هذا هو الحجة الأولى.

ثم إن هذه الأجرام الجوية المختلفة بالصغر و الكبر و البعد و القرب و قد وجد الواحد في الصغر على ما بلغه الفحص العلمي ما يعادل:.

0033 000 000 000 000 000 000 000 / 0 من سانتيمتر مكعب و الواحد في الكبر ما يعادل الملايين من حجم الأرض و هو كرة يعادل قطرها 9000 ميلا تقريبا، و اكتشف من المسافة بين جرمين علويين ما يقرب من ثلاثة ملايين سنة نورية، و السنة النورية من المسافة تعدل:.

365 * 24 * 60 * 60 * 300000 كيلومتر تقريبا، فانظر إلى هذه الأرقام التي تدهش اللب و تبهت الفكر و اقض ما أنت قاض في غرابة الأمر و بداعته تفعل البعض منها في البعض، و تنفعل البعض منها عن البعض أينما كانت و كيفما كانت بالجاذبة العامة، و إفاضة النور و الحرارة و تحيا بذلك سنة الحركة العامة و الزمان العمومي، و هذا نظام عام دائم تحت قانون ثابت، حتى أن النسبية العمومية القاضية بالتغير في قوانين الحركة في العالم الجسماني لا تتجافى عن الاعتراف بأن التغيير العمومي أيضا محكوم قانون آخر ثابت في التغير و التحول، ثم إن هذه الحركة و التحول العمومي تتصور في كل جزء من أجزاء العالم بصورة خاصة كما بين الشمس التي لعالمنا مع منظومتها ثم تزيد ضيقا في الدائرة كما في أرضنا مع ما يختص بها من الحوادث و الأجرام، كالقمر و الليل و النهار، و الرياح و السحب و الأمطار، ثم تتضيق الدائرة، كما في المكونات الأرضية: من المعادن و النبات و الحيوان و سائر التراكيب، ثم في كل نوع من أنواعها، ثم تتضيق الدائرة حتى تصل النوبة إلى العناصر، ثم إلى الذرات، ثم إلى أجزاء الذرات حتى تصل إلى آخر ما انتهى الفحص العلمي الميسور للإنسان إلى هذا اليوم، و هي الإلكترون، و البروتون، و يوجد هناك نظير المنظومات الشمسية جرم مركزي و أشياء يدور حولها دوران الكواكب على مداراتها التي حول شمسها و سبحها في أفلاكها.

ففي أي موقف من هذه المواقف وقف الإنسان شاهد نظاما عجيبا ذا تحولات و تغيرات، يحفظ بها أصل عالمه، و تحيا بها سنة إلهية لا تنفد عجائبه، و لا تنتهي غرائبه، لا استثناء في جريها و إن كان واحدا، و لا اتفاق في طيها و إن كان نادرا شاردا، لا يدرك ساحلها و لا يقطع مراحلها، و كلما ركبت عدة منها أخذا من الدقيق إلى الجليل وجدتها لا تزيد على عالم واحد، ذا نظام واحد و تدبير متصل حتى ينتهي الأمر إلى ما انتهى إليه توسع العلم إلى اليوم بالحس المسلح و الأرصاد الدقيقة، و كلما حللتها و جزيتها راجعا من الكل إلى الجزء حتى تنتهي إلى مثل المليكول وجدته لا تفقد من العالم الواحد شيئا ذا نظام واحد و تدبير متصل، على أن كل اثنين من هذه الموجودات متغاير الواحدين ذاتا و حكما شخصا.

فالعالم شيء واحد و التدبير متصل، و جميع الأجزاء مسخرة تحت نظام واحد و إن كثرت و اختلفت أحكامها، و عنت الوجوه للحي القيوم، فإله العالم الموجد له و المدبر لأمره واحد و هذا هو البرهان الثاني.

ثم إن الإنسان الذي هو موجود أرضي يحيا في الأرض و يعيش في الأرض ثم يموت و يرجع إلى الأرض لا يفتقر في شيء من وجوده و بقائه إلى أزيد من هذا النظام الكلي الذي لمجموع هذا العالم المتصل تدبيره، الواحد نظامه، فهذه الأجرام العلوية في إنارتها و تسخينها، و هذه الأرض في اختلاف ليلها و نهارها و رياحها و سحبها و أمطارها و منافعها التي تجري من قطر إلى قطر من رزق و متاع هي التي يحتاج إليها الإنسان في حاجته المادية و تدبير وجوده و بقائه – و الله من ورائهم محيط – فإلهها الموجد لها المدبر لأمرها هو إله الإنسان الموجد له و المدبر لأمره و هذا هو البرهان الثالث.

ثم إن هذا الإله هو الذي يعطي كلا ما يحتاج إليه في سعادته الوجودية و ما يحتاج إليه في سعادته في غايته و آخرته لو كان له سعادة أخروية غائية فإن الآخرة عقبى هذه الدار، و كيف يمكن أن يدبر عاقبة الأمر غير الذي يدبر نفس الأمر؟ و هذا هو البرهان على الاسمين الرحمن الرحيم.

و عند هذا تم تعليل الآية الأولى بالثانية و في تصدير الآية بلفظة، إن الدالة على التعليل إشارة إلى ذلك – و الله العالم -.

فقوله تعالى: إن في خلق السموات و الأرض، إشارة إلى ذوات الأجرام العلوية و الأرض بما تشتمل عليه تراكيبها من بدائع الخلق و عجائب الصنع، من صور تقوم بها أسماؤها، و مواد تتألف منها ذواتها، و تحول بعضها إلى بعض، و نقص أو زيادة تطرؤها، و تركب أو تحلل يعرضها، كما قال: «أ و لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها»: الرعد – 41، و قال: «أ و لم ير الذين كفروا أن السموات و الأرض كانتا رتقا ففتقناهما و جعلنا من الماء كل شيء حي»: الأنبياء – 30.

قوله تعالى: و اختلاف الليل و النهار، و هو النقيصة و الزيادة و الطول و القصر العارضان لهما من جهة اجتماع عاملين من العوامل الطبيعية، و هي الحركة اليومية التي للأرض على مركزها و هي ترسم الليل و النهار بمواجهة نصف الكرة و أزيد بقليل دائما مع الشمس فتكتسب النور و تمص الحرارة، و يسمى النهار، و استتار الشمس عن النصف الآخر و أنقص بقليل فيدخل تحت الظل المخروطي و تبقى مظلما و تسمى الليل، و لا يزالان يدوران حول الأرض، و العامل الآخر ميل سطح الدائرة الإستوائية أو المعدل عن سطح المدار الأرضي في الحركة الانتقالية إلى الشمال و الجنوب، و هو الذي يوجب ميل الشمس من المعدل إلى الشمال أو الجنوب الراسم للفصول، و هذا يوجب استواء الليل و النهار في منطقة خط الإستواء و في القطبين، أما القطبان فلهما في كل سنة شمسية تامة يوم و ليلة واحدة كل منهما يعدل نصف السنة، و الليل في قطب الشمال نهار في قطب الجنوب و بالعكس، و أما النقطة الاستوائية فلها في كل سنة شمسية ثلاثمائة و خمس و ستون ليلا و نهارا تقريبا و النهار و الليل فيها متساويان، و أما بقية المناطق فيختلف النهار و الليل فيها عددا و في الطول و القصر بحسب القرب من النقطة الاستوائية و من القطبين، و هذا كله مشروح مبين في العلوم المربوطة بها.

و هذا الاختلاف هو الموجب لاختلاف ورود الضوء و الحرارة، و هو الموجب لاختلاف العوامل الموجبة لاختلاف حدوث التراكيب الأرضية و التحولات في كينونتها مما ينتفع باختلافها الإنسان انتفاعات مختلفة.

قوله تعالى: و الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، و الفلك هو السفينة يطلق على الواحد و الجمع، و الفلك و الفلكة كالتمر و التمرة و المراد بما ينفع الناس المتاع و الرزق تنقلها من ساحل إلى ساحل و من قطر من أقطار الأرض إلى قطر آخر.

و في عد الفلك في طي الموجودات و الحوادث الطبيعية التي لا دخل لاختيار الإنسان فيها كالسماء و الأرض و اختلاف الليل و النهار دلالة على أنها أيضا تنتهي مثلها إلى صنع الله سبحانه في الطبيعة فإن نسبة الفعل إلى الإنسان بحسب الدقة لا تزيد على نسبة الفعل إلى سبب من الأسباب الطبيعية، و الاختيار الذي يتبجح به الإنسان لا يجعله سببا تاما مستقلا غير مفتقر إلى إرادة الله سبحانه و لا يجعله أقل احتياجا إليه تعالى بالنسبة إلى سائر الأسباب الطبيعية، فلا فرق من حيث الاحتياج إلى إرادة الله سبحانه بين أن يفعل قوة طبيعية في مادة، فتوجد بالفعل و الانفعال و التحريك و التركيب و التحليل صورة من الصور كصورة الحجارة مثلا و بين أن يفعل الإنسان، بالتحريك و التقريب و التبعيد في المادة صورة من الصور كصورة السفينة مثلا في أن الجميع تنتهي إلى صنع الله و إيجاده لا يستقل شيء مستغنيا عنه تعالى في ذاته و فعله.

فالفلك أيضا مثل سائر الموجودات الطبيعية تفتقر إلى الإله في وجودها و تفتقر إلى الإله في تدبير أمرها من غير فرق، و قد أشار تعالى إلى هذه الحقيقة بقوله: «و الله خلقكم و ما تعملون»: الصافات – 96، حيث حكاه من إبراهيم فيما قاله لقومه في خصوص الأصنام التي اتخذوها آلهة فإن من المعلوم أن الصنم ليس إلا موجودا صناعيا كالفلك التي تجري في البحر، و قال تعالى: «و له الجوار المنشئات في البحر كالأعلام»: الرحمن – 24، فعدها ملكا لنفسه، و قال تعالى: «و سخر لكم الفلك لتجري في البحر بإذنه»: إبراهيم – 32، فعد تدبير أمرها راجعا إليه.

كلام في استناد مصنوعات الإنسان إلى الله سبحانه

فما أغفل هؤلاء الذين يعدون الصناعيات من الأشياء التي يعملها الإنسان مصنوعة مخلوقة للإنسان مقطوعة النسبة عن إله العالم عز اسمه مستندين إلى أنها مخلوقة لإرادة الإنسان و اختياره.

فطائفة منهم – و هم أصحاب المادة من المنكرين لوجود الصانع – زعموا أن حجة المليين في إثبات الصانع: أنهم وجدوا في الطبيعة حوادث و موجودات جهلوا عللها المادية و لزمهم من جهة القول بعموم قانون العلية و المعلولية في الأشياء و الحوادث أن يحكموا بوجود عللها – و هي مجهولة لهم بعد – فأنتج ذلك القول بأن لهذه الحوادث المجهولة العلة علة مجهولة الكنه هي وراء عالم الطبيعة و هو الله سبحانه فالقول بأن الصانع موجود فرضية أوجب افتراضها ما وجده الإنسان الأولي من الحوادث المادية المجهولة العلل كالحوادث الجوية و كثير من الحوادث الأرضية المجهولة العلل، و ما وجده من الحوادث و الخواص الروحية التي لم يكشف العلوم عن عللها المادية حتى اليوم.

قالوا: و قد وفق العلوم في تقدمها الحديث لحل المشكل في الحوادث المادية و كشفت عن عللها فأبطلت من هذه الفرضية أحد ركنيها و هو احتياج الحوادث المادية المجهولة العلل إلى علل ورائها، و بقي الركن الآخر و هو احتياج الحوادث الروحية إلى عللها، و انتهاؤها إلى علة مجردة، و تقدم البحث في الكيمياء الآلي جديدا يعدنا وعدا حسنا أن سيطلع الإنسان على علل الروح و يقدر على صنعه الجراثيم الحيوية و تركيب أي موجود روحي و إيجاد أي خاصة روحية، و عند ذلك ينهدم أساس الفرضية المذكورة و يخلق الإنسان في الطبيعة أي موجود شاء من الروحيات كما يخلق اليوم أي شيء شاء من الطبيعيات، و قد كان قبل اليوم لا يرضى أن ينسب الخلق إلا إلى علة مفروضة فيما وراء الطبيعة، حمله على افتراضها الجهل بعلل الحوادث، هذا ما ذكروه.

و هؤلاء المساكين لو أفاقوا قليلا من سكرة الغفلة و الغرور لرأوا أن الإلهيين من أول ما أذعنوا بوجود إله للعالم – و لن يوجد له أول – أثبتوا هذه العلة الموجدة لجميع العالم، و بين أجزائه حوادث معلومة العلل – و فيها حوادث مجهولة العلل – و المجموع من حيث المجموع مفتقر عندهم إلى علة خارجة، فما يثبته أولئك غير ما ينفيه هؤلاء.

فالمثبتون – و لم يقدر البحث و التاريخ على تعيين مبدإ لظهورهم في تاريخ حياة النوع الإنساني – أثبتوا لجميع العالم صانعا واحدا أو كثيرا و إن كان القرآن يثبت تقدم دين التوحيد على الوثنية، و قد بين ذلك الدكتور ماكس موللر الألماني المستشرق صاحب التقدم في حل الرموز السنسكريتية و هم حتى الإنسان الأولي منهم يشاهدون العلل في بعض الحوادث المادية، فإثباتهم، إلها صانعا لجميع العالم استنادا إلى قانون العلية العام ليس لأجل أن يستريحوا في مورد الحوادث المجهولة العلل حتى ينتج ذلك القول باحتياج بعض العالم إلى الإله و استغناء البعض الآخر عنه، بل لإذعانهم بأن هذا العالم المؤلف من سلسلة علل و معلولات طبيعية بمجموعها و وحدانيتها لا يستغني عن الحاجة إلى علة فوق العلل تتكي عليها جميع التأثيرات و التأثرات الجارية بين أجزائه، فإثبات هذه العلة العالية لا يبطل قانون العلية العام الجاري بين أجزاء العالم أنفسها، و لا وجود العلل المادية في موارد المعلولات المادية تغني عن استناد الجميع إلى علة عالية خارجة من سلسلتها، و ليس معنى الخروج وقوف العلة في رأس السلسلة، بل إحاطتها بها من كل جهة مفروضة.

و من عجيب المناقضة في كلام هؤلاء أنهم قائلون في الحوادث – و من جملتها الأفعال الإنسانية – بالجبر المطلق فما من فعل و لا حادث غيره إلا و هو معلول جبري لعلل عندهم، و هم مع ذلك يزعمون أن الإنسان لو خلق إنسانا آخر كان غير منته إلى علة العالم لو فرض له علة.

و هذا المعنى الذي قلنا – على لطفه و دقته و إن لم يقدر على تقريره الفهم العامي الساذج لكنه موجود على الإجمال في أذهانهم حيث قالوا باستناد جميع العالم بأجمعه إلى الإله الصانع – و فيه العلل و المعلولات فهذا – أولا.

ثم إن البراهين العقلية التي أقامها الإلهيون من الحكماء الباحثين أقاموها بعد إثبات عموم العلية و بنوا فيها على وجوب انتهاء العلل الممكنة إلى علة واجبة الوجود، و استمروا على هذا المسلك من البحث منذ ألوف من السنين من أقدم عهود الفلسفة إلى يومنا هذا، و لم يرتابوا في استناد المعلولات التي معها عللها الطبيعية الممكنة إلى علة واجبة، فليس استنادهم إلى العلة الواجبة لأجل الجهل بالعلة الطبيعية، و في المعلولات المجهولة العلل كما يتوهمه هؤلاء، و هذا ثانيا.

ثم إن القرآن المثبت لتوحيد الإله إنما يثبته مع تقرير جريان قانون العلية العام بين أجزاء العالم، و تسليم استناد كل حادث إلى علة خاصة به، و تصديق ما يحكم به العقل السليم في ذلك، فإنه يسند الأفعال الطبيعية إلى موضوعاتها و فواعلها الطبيعية و ينسب إلى الإنسان أفعاله الاختيارية في آيات كثيرة لا حاجة إلى نقلها، ثم ينسب الجميع إلى الله سبحانه من غير استثناء، قال تعالى: «الله خالق كل شيء»: الزمر – 62، و قال تعالى: «ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو»: المؤمن – 62، و قال تعالى: «ألا له الخلق و الأمر»: الأعراف – 54، و قال تعالى: «له ما في السموات و ما في الأرض»: طه – 5، فكل ما صدق عليه اسم شيء فهو مخلوق لله منسوب إليه على ما يليق بساحة قدسه و كماله، و قد جمع في آيات أخر بين الإثباتين جميعا فنسب الفعل إلى فاعله و إلى الله سبحانه معا كقوله تعالى: «و الله خلقكم و ما تعملون»: الصافات – 96، فنسب أعمال الناس إليهم و نسب خلق أنفسهم و أعمالهم إليه تعالى، و قال تعالى: «و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى»: الأنفال – 17، فنسب الرمي إلى رسول الله و نفاه عنه و نسبه إلى الله تعالى إلى غير ذلك.

و من هذا الباب آيات أخر تجمع بين الإثباتين بطريق عام كقوله تعالى: «و خلق كل شيء فقدره تقديرا»: الفرقان – 2، و قال تعالى: «إنا كل شيء خلقناه بقدر – إلى أن قال – و كل صغير و كبير مستطر»: القمر – 53، و قال تعالى: «قد جعل الله لكل شيء قدرا»: الطلاق – 3، و قال تعالى: «و إن من شيء إلا عندنا خزائنه و ما ننزله إلا بقدر معلوم»: الحجر – 21، فإن تقدير كل شيء هو جعله محدودا بحدود العلل المادية و الشرائط الزمانية و المكانية.

و بالجملة فكون إثبات وجود الإله الواحد في القرآن على أساس إثبات العلية و المعلولية بين جميع أجزاء العالم، ثم استناد الجميع إلى الإله الفاطر الصانع للكل مما لا يعتريه شك و لا ريب لا كما يزعمه هؤلاء من إسناد البعض إلى الله و إسناد الآخر إلى علله المادية المعلومة، و هذا ثالثا.

نعم حملهم على هذا الزعم ما تلقوه: من جمع من أرباب النحل الباحثين عن هذه المسألة و أمثالها في فلسفة عامية كانت تنشرها الكنيسة في القرون الوسطى.

أو يعتمد عليها الضعفاء من متكلمي الأديان الأخرى و كانت مؤلفه من مسائل محرفة ما هي بالمسائل، و احتجاجات و استدلالات واهية فاقدة لاستقامة النظر، فهؤلاء لما أرادوا بيان دعواهم الحق الذي يقضي بصحته إجمالا عقولهم و نقله من الإجمال إلى التفصيل دفعهم ضعف التعقل و الفكر إلى غير الطريق فعمموا الدعوى، و توسعوا في الدليل، فحكموا باستناد كل معلول مجهول العلة إلى الله سبحانه من غير واسطة، و نفوا حاجة الأفعال الاختيارية إلى علة موجبة، أو احتياج الإنسان في صدور فعله الاختياري إلى الإله تعالى، و استقلاله في فعله، و قد مر البحث عن قولهم في الكلام على قوله تعالى: «و ما يضل به إلا الفاسقين»: البقرة – 26، و نورد هاهنا بعض ما فيه من الكلام.

و طائفة منهم – و هم بعض المحدثين و المتكلمين من ظاهريي المسلمين و جمع من غيرهم – لم يقدروا أن يتعقلوا معنى صحيحا لإسناد أفعال الإنسان الاختيارية إلى الله سبحانه على ما يليق بالمقام الربوبي فنفوا استناد مصنوعات الإنسان إليه سبحانه، و بالخصوص فيما وضعه للمعصية خاصة كالخمر و آلات اللهو و القمار و غير ذلك، و قد قال تعالى: «إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه»: المائدة – 90.

و معلوم أن ما عده الله سبحانه عملا للشيطان لا يجوز أن ينسب إليه.

و قد مر فيما تقدم ما يظهر به بطلان هذا التوهم نقلا و عقلا، فالأفعال الاختيارية كما أن لها انتسابا إلى الله سبحانه على ما يليق به تعالى كذلك نتائجها و هي الأمور الصناعية التي يصنعها الإنسان لداعي رفع الحوائج الحيوية.

على أن الأنصاب الواقعة في الآية السابقة هي الأصنام و التماثيل المنصوبة المعبودة التي ذكر الله سبحانه أنها مخلوقة له في قوله: «و الله خلقكم و ما تعملون»، الآية و من هاهنا يظهر أن فيها جهات مختلفة من النسب ينسب من بعضها إلى الله سبحانه و هي طبيعة وجودها مع قطع النظر عن وصف المعصية المتعلق بها، فإن الصنم ليس بحسب الحقيقة إلا حجرا أو فلزا عليه شكل خاص و ليس فيه ما يوجب نفي انتسابه إلى موجد كل شيء، و أما أنه صنم معبود دون الله سبحانه فهذه هي الجهة التي يجب نفيها عنه تعالى و نسبتها إلى عمل غيره من شيطان أو إنسان، و كذا حكم غيره من حيث انتسابه إليه تعالى و إلى غيره.

فقد تبين من جميع ما مر أن الأمور الصناعية منتسبة إلى الخلقة كاستناد الأمور الطبيعية من غير فرق، نعم يدور الأمر في الانتساب إلى الخلقة مدار حظ الشيء من الوجود فافهم ذلك.

قوله تعالى: و ما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها و بث فيها من كل دابة، فإن حقيقته عناصر مختلفة يحملها ماء البحار و غيره ثم يتكاثف بخارا متصاعدا حاملا للحرارة حتى ينتهي إلى زمهرير الهواء فيتبدل ماء متقاطرا على صورة المطر أو يجمد ثانيا فيصير ثلجا أو بردا فينزل لثقله إلى الأرض فتشربه و تحيا به أو تخزنه فيخرج على صورة ينابيع في الأرض بها حياة كل شيء فالماء النازل من السماء حادث من الحوادث الوجودية جار على نظام متقن غاية الإتقان من غير انتقاض و استثناء و يستند إليه انتشاء النبات و تكون الحيوان من كل نوع.

و هو من جهة تحدده بما يحفه من حوادث العالم طولا و عرضا تصير معها جميعا شيئا واحدا لا يستغني عن موجد يوجده و علة تظهره فله إله واحد، و من جهة أنه مما يستند إليه وجود الإنسان حدوثا و بقاء يدل على كون إلهه هو إله الإنسان.

قوله تعالى: و تصريف الرياح، و هو توجيهها من جانب إلى جانب بعوامل طبيعية مختلفة، و الأغلب فيها أن الأشعة النورية الواقعة على الهواء من الشمس تتبدل حرارة فيه فيعرضه اللطافة و الخفة لأن الحرارة من عواملها فلا يقدر على حمل ما يعلوه أو يجاوره من الهواء البارد الثقيل فينحدر عليه فيدفعه بشدة فيجري الهواء اللطيف إلى خلاف سمت الدفع و هو الريح، و من منافعه تلقيح النبات و دفع الكثافات البخارية، و العفونات المتصاعدة، و سوق السحب الماطرة و غيرها، ففيه حياة النبات و الحيوان و الإنسان.

و هو في وجوده يدل على الإله و في التيامه مع سائر الموجودات و اتحاده معها كما مر يدل على إله واحد للعالم، و في وقوعه طريقا إلى وجود الإنسان و بقائه يدل على أن إله الإنسان و غيره واحد.

قوله تعالى: و السحاب المسخر بين السماء و الأرض، السحاب البخار المتكاثف الذي منه الأمطار و هو ضباب بالفتح ما لم ينفصل من الأرض فإذا انفصل و علا سمي سحابا و غيما و غماما و غير ذلك، و التسخير قهر الشيء و تذليله في عمله، و السحاب مسخر مقهور في سيره و إمطاره بالريح و البرودة و غيرهما المسلطة عليه بإذن الله، و الكلام في كون السحاب آية نظير الكلام في غيره مما عد معه.

و اعلم: أن اختلاف الليل و النهار و الماء النازل من السماء و الرياح المصرفة و السحاب المسخر جمل الحوادث العامة التي منها يتألف نظام التكوين في الأرضيات من المركبات النباتية و الحيوانية و غيرهما فهذه الآية كالتفصيل بوجه لإجمال قوله تعالى: «و بارك فيها و قدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين»: فصلت – 10.

قوله تعالى: لآيات لقوم يعقلون، العقل – و هو مصدر عقل يعقل إدراك الشيء و فهمه التام، و منه العقل اسم لما يميز به الإنسان بين الصلاح و الفساد و بين الحق و الباطل و الصدق و الكذب و هو نفس الإنسان المدرك و ليس بقوة من قواه التي هي كالفروع للنفس كالقوة الحافظة و الباصرة و غيرهما.

قوله تعالى: و من الناس من يتخذ من دون الله أندادا، الند كالمثل وزنا و معنى، و لم يقل من يتخذ لله أندادا كما عبر بذلك في سائر الموارد كقوله تعالى: «فلا تجعلوا لله أندادا»: البقرة – 22، و قوله تعالى: «و جعلوا لله أندادا»: إبراهيم – 30، و غير ذلك لأن المقام مسبوق بالحصر في قوله: و إلهكم إله واحد لا إله إلا هو الآية، فكأن من اتخذ لله أندادا قد نقض الحصر من غير مجوز و اتخذ من يعلم أنه ليس بإله إلها اتباعا للهوى و تهوينا لحكم عقله و لذلك نكره تحقيرا لشأنه، فقال و من الناس من يتخذ من دون الله أندادا.

قوله تعالى: يحبونهم كحب الله و الذين آمنوا أشد حبا لله، و في التعبير بلفظ يحبونهم دلالة على أن المراد بالأنداد ليس هو الأصنام فقط بل يشمل الملائكة، و أفرادا من الإنسان الذين اتخذوهم أربابا من دون الله تعالى بل يعم كل مطاع من دون الله من غير أن يأذن الله في إطاعته كما يشهد به ما في ذيل الآيات من قوله: «إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا»: البقرة – 166، و كما قال تعالى: «و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله»: آل عمران – 64، و قال تعالى: «اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله»: التوبة – 31، و في الآية دليل على أن الحب يتعلق بالله تعالى حقيقة خلافا لمن قال: إن الحب – و هو وصف شهواني – يتعلق بالأجسام و الجسمانيات، و لا يتعلق به سبحانه حقيقة و إن معنى ما ورد من الحب له الإطاعة بالايتمار بالأمر و الانتهاء عن النهي تجوزا كقوله تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله»: آل عمران – 31.

و الآية حجة عليهم فإن قوله تعالى: أشد حبا لله يدل على أن حبه تعالى يقبل الاشتداد، و هو في المؤمنين أشد منه في المتخذين لله أندادا، و لو كان المراد بالحب هو الإطاعة مجازا كان المعنى و الذين آمنوا أطوع لله و لم يستقم معنى التفضيل لأن طاعة غيرهم ليست بطاعة عند الله سبحانه فالمراد بالحب معناه الحقيقي.

و يدل عليه أيضا قوله تعالى: «قل إن كان آباؤكم و أبناؤكم – إلى قوله – أحب إليكم من الله و رسوله»: التوبة – 25، فإنه ظاهر في أن الحب المتعلق بالله و الحب المتعلق برسوله و الحب المتعلق بالآباء و الأبناء و الأموال و غيرها جميعا من سنخ واحد لمكان قوله أحب إليكم، و أفعل التفضيل يقتضي اشتراك المفضل و المفضل عليه في أصل المعنى و اختلافهما من حيث الزيادة و النقصان.

ثم إن الآية ذم المتخذين للأنداد بقوله: يحبونهم كحب الله ثم مدح المؤمنين بأنهم أشد حبا لله سبحانه فدل التقابل بين الفريقين على أن ذمهم إنما هو لتوزيعهم المحبة الإلهية بين الله و بين الأنداد الذين اتخذوهم أندادا.

و هذا و إن كان بظاهره يمكن أن يستشعر منه أنهم لو وضعوا له سبحانه سهما أكثر لم يذموا على ذلك لكن ذيل الآية ينفي ذلك فإن قوله: إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا، و قوله: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا و رأوا العذاب و تقطعت بهم الأسباب، و قوله: كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، يشهد بأن الذم لم يتوجه إلى الحب من حيث إنه حب بل من جهة لازمه الذي هو الاتباع و كان هذا الاتباع منهم لهم لزعمهم أن لهم قوة يتقوون بها لجلب محبوب أو دفع مكروه عن أنفسهم فتركوا بذلك اتباع الحق من أصله أو في بعض الأمر، و ليس من اتبع الله في بعض أمره دون بعض بمتبع له و حينئذ يندفع الاستشعار المذكور، و يظهر أن هذا الحب يجب أن لا يكون لله فيه سهيم و إلا فهو الشرك و اشتداد هذا الحب ملازم لانحصار التبعية من أمر الله، و لذلك مدح المؤمنين بذلك في قوله و الذين آمنوا أشد حبا لله.

و إذ كان هذا المدح و الذم متعلقا بالحب من جهة أثره الذي هو الاتباع فلو كان الحب للغير بتعقيب إطاعة الله تعالى في أمره و نهيه لكون الغير يدعو إلى طاعته تعالى – ليس له شأن دون ذلك – لم يتوجه إليه ذم البتة كما قال تعالى: «قل إن كان آباؤكم و أبناؤكم – إلى قوله – أحب إليكم من الله و رسوله»: التوبة – 24، فقرر لرسوله حبا كما قرره لنفسه لأن حبه (عليه السلام) حب الله تعالى فإن أثره و هو الاتباع عين اتباع الله تعالى فإن الله سبحانه هو الداعي إلى إطاعة رسوله و الأمر باتباعه، قال تعالى: «و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله»: النساء – 64، و قال تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله» و كذلك اتباع كل من يهتدي إلى الله باتباعه كعالم يهدي بعلمه أو آية تعين بدلالته و قرآن يقرب بقراءته و نحو ذلك فإنها كلها محبوبة بحب الله و اتباعها طاعة تعد مقربة إليه.

فقد بان بهذا البيان أن من أحب شيئا من دون الله ابتغاء قوة فيه فاتبعه في تسبيبه إلى حاجة ينالها منه أو اتبعه بإطاعته في شيء لم يأمر الله به فقد اتخذ من دون الله أندادا و سيريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، و أن المؤمنين هم الذين لا يحبون إلا الله و لا يبتغون قوة إلا من عند الله و لا يتبعون غير ما هو من أمر الله و نهيه فأولئك هم المخلصون لله دينا.

و بان أيضا أن حب من حبه من حب الله و اتباعه اتباع الله كالنبي و آله و العلماء بالله، و كتاب الله و سنة نبيه و كل ما يذكر الله بوجه إخلاص لله ليس من الشرك المذموم في شيء، و التقرب بحبه و اتباعه تقرب إلى الله، و تعظيمه بما يعد تعظيما من تقوى الله، قال تعالى: «و من يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب»: الحج – 32 و الشعائر هي العلامات الدالة، و لم يقيد بشيء مثل الصفا و المروة و غير ذلك، فكل ما هو من شعائر الله و آياته و علاماته المذكرة له فتعظيمه من تقوى الله و يشمله جميع الآيات الآمرة بالتقوى.

نعم لا يخفى لذي مسكة أن إعطاء الاستقلال لهذه الشعائر و الآيات في قبال الله و اعتقاد أنها تملك لنفسها أو غيرها نفعا أو ضرا أو موتا أو حياة أو نشورا إخراج لها عن كونها شعائر و آيات و إدخال لها في حظيرة الألوهية و شرك بالله العظيم، و العياذ بالله تعالى.

قوله تعالى: و لو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا و أن الله شديد العقاب، ظاهر السياق أن قوله: إذ مفعول يرى، و أن قوله: إن القوة لله إلى آخر الآية، بيان للعذاب، و لو للتمني.

و المعنى ليتهم يرون في الدنيا يوما يشاهدون فيه العذاب فيشاهدون أن القوة لله جميعا و قد أخطئوا في إعطاء شيء منه لأندادهم و أن الله شديد في عذابه، و إذاقته عاقبة هذا الخطأ فالمراد بالعذاب في الآية – على ما يبينه ما يتلوه – مشاهدتهم الخطأ في اتخاذهم أندادا يتوهم قوة فيه و مشاهدة عاقبة هذا الخطأ و يؤيده الآيتان التاليتان: إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا فلم يصل من المتبوعين إلى تابعيهم نفع كانوا يتوقعونه و رأوا العذاب و تقطعت بهم الأسباب فلم يبق تأثير لشيء دون الله، و قال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة، و هو تمني الرجوع إلى الدنيا فنتبرأ منهم أي من الأنداد المتبوعين في الدنيا كما تبرءوا منا في الآخرة، كذلك يريهم الله أي الذين ظلموا باتخاذ الأنداد أعمالهم، و هي حبهم و اتباعهم لهم في الدنيا حالكونها حسرات عليهم و ما هم بخارجين من النار.

قوله تعالى: و ما هم بخارجين من النار، فيه حجة على القائلين بانقطاع العذاب من طريق الظواهر.

بحث روائي

في الخصال، و التوحيد، و المعاني، عن شريح بن هاني قال: إن أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال يا أمير المؤمنين أ تقول إن الله واحد؟ قال فحمل الناس عليه، فقالوا: يا أعرابي أ ما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب؟ فقال أمير المؤمنين دعوه فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم، ثم قال: (عليه السلام) يا أعرابي إن القول: في أن الله واحد على أربعة أقسام فوجهان منها لا يجوزان على الله تعالى، و وجهان يثبتان فيه فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل واحد يقصد به باب الأعداد فهذا لا يجوز لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أ ما ترى أنه كفر من قال إنه ثالث ثلاثة؟ و قول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز لأنه تشبيه و جل ربنا و تعالى عن ذلك، و أما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل هو واحد ليس له في الأشياء شبه كذلك ربنا، و قول القائل إنه عز و جل أحدي المعنى يعني به: أنه لا ينقسم في وجود و لا عقل و لا وهم كذلك ربنا.

أقول: و الوجهان اللذان أثبتهما (عليه السلام) كما ترى منطبق على ما ذكرناه في بيان قوله تعالى و إلهكم إله واحد الآية.

و قد تكرر في الخطب المروية عن علي (عليه السلام) و الرضا (عليه السلام) و غيرهما من أئمة أهل البيت: قولهم: إنه واحد لا بالعدد الخطبة، و هو ما مر من معنى صرافة ذاته الآبية عن العدد، و في دعاء الصحيفة الكاملة: لك وحدانية العدد الدعاء، و يحمل على الملكية أي أنت تملك وحدانية العدد دون الاتصاف فإن العقل و النقل ناهضان على أن وجوده سبحانه صرف لا يتثنى و لا يتكرر بذاته و حقيقته.

و في الكافي، و الاختصاص، و تفسير العياشي، عن الباقر (عليه السلام): في قوله: «و من الناس من يتخذ من دون الله أندادا» الآية في حديث قال: هم و الله يا جابر أئمة الظلمة و أشياعهم، و في رواية العياشي: و الله يا جابر هم أئمة الظلم و أشياعهم.

أقول: و قد اتضح معناه بما مر من البيان و تعبيره (عليه السلام) بأئمة الظلم لمكان قوله تعالى: و لو يرى الذين ظلموا، فعد التابعين المتخذين للأنداد ظلمة فيكون متبوعوهم أئمة الظلمة و أئمة الظلم.

و في الكافي، عن الصادق (عليه السلام): في قوله تعالى: كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم الآية، قال: هو الرجل يدع ماله لا ينفقه في طاعة الله بخلا ثم يموت فيدعه لمن يعمل في طاعة الله أو في معصية الله فإن عمل به في طاعة الله رآه في ميزان غيره فرآه حسرة و قد كان المال له و إن كان عمل به في معصية الله قواه بذلك المال حتى عمل به في معصية؟ الله.

أقول: و روى هذا المعنى العياشي و الصدوق و المفيد و الطبرسي عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) و هو ناظر إلى التوسعة في معنى الأنداد و هو كذلك كما تقدم.

بحث فلسفي

من المعاني الوجدانية التي عندنا معنى نسميه بالحب كما في موارد حب الغذاء و حب النساء و حب المال و حب الجاه و حب العلم، هذه مصاديق خمسة لا نشك في وجودها فينا، و لا نشك أنا نستعمل لفظ الحب فيها بمعنى واحد على سبيل الاشتراك المعنوي دون اللفظي، و لا شك أن المصاديق مختلفة، فهل هو اختلاف نوعي أو غير ذلك.

إذا دققنا النظر في حب ما هو غذاء كالفاكهة مثلا وجدناه محبوبا عندنا لتعلقه بفعل القوة الغاذية، و لو لا فعل هذه القوة و ما يحوزه الإنسان بها من الاستكمال البدني لم يكن محبوبا و لا تحقق حب، فالحب بحسب الحقيقة بين القوة الغاذية و بين فعلها، و ما تجده عند الفعل من اللذة، و لسنا نعني باللذة لذة الذائقة فإنها من خوادم الغاذية و ليست نفسها، بل الرضى الخاص الذي تجده القوة بفعلها، ثم إذا اختبرنا حال حب النساء وجدنا الحب فيها يتعلق بالحقيقة بالوقاع، و تعلقه بهن ثانيا و بالتبع، كما كان حب الغذاء متعلقا بنفس الغذاء ثانيا و بالتبع، و الوقاع أثر القوة المودعة في الحيوان، كما كان التغذي كذلك أثرا لقوة فيه، و من هنا يعلم أن هذين الحبين يرجعان إلى مرجع واحد و هو تعلق وجودي بين هاتين القوتين و بين فعلهما أي كمالهما الفعلي.

و من المحتمل حينئذ أن يكون الحب هو التعلق الخاص بهذين الموردين و لا يوجد في غير موردهما لكن الاختبار بالآثار يدفع ذلك، فإن لهذا التعلق المسمى حبا أثرا في المتعلق اسم فاعل و هو حركة القوة و انجذابها نحو الفعل إذا فقدته و تحرجها عن تركه إذا وجدته، و هاتان الخاصتان أو الخاصة الواحدة نجدها موجودة في مورد جميع القوى الإدراكية التي لنا و أفعالها و إن قوتنا الباصرة و السامعة و الحافظة و المتخيلة و غيرها من القوى و الحواس الظاهرية و الباطنية جميعها – سواء كانت فاعلة أو منفعلة – على هذه الصفة فجميعها تحب فعلها و تنجذب إليها و ليس إلا لكون أفعالها كمالات لها يتم بها نقصها و حاجتها الطبيعية، و عند ذلك يتضح الأمر في حب المال و حب الجاه و حب العلم فإن الإنسان يستكمل نوع استكمال بالمال و الجاه و العلم.

و من هنا يستنتج أن الحب تعلق خاص و انجذاب مخصوص شعوري بين الإنسان و بين كماله، و قد أفاد التجارب الدقيقة بالآثار و الخواص أنه يوجد في الحيوان غير الإنسان، و قد تبين أن ذلك لكون المحب فاعلا أو منفعلا عما يحبه من الفعل و الأثر و متعلقا بتبعه بكل ما يتعلق به كما مر في حديث الأكل و الفاكهة، و غير الحيوان أيضا كالحيوان إذا كان هناك استكمال أو إفاضة لكمال مع الشعور.

و من جهة أخرى لما كان الحب تعلقا وجوديا بين المحب و المحبوب كانت رابطة قائمة بينهما فلو كان المعلول الذي يتعلق به حب علته موجودا ذا شعور وجد حب علته في نفسه لو كان له نفس و استقلال جوهري.

و يستنتج من جميع ما مر: أولا أن الحب تعلق وجودي و انجذاب خاص بين العلة المكملة أو ما يشبهها و بين المعلول المستكمل أو ما يشبهه، و من هنا كنا نحب أفعالنا لاستكمالنا بها و نحب ما يتعلق به أفعالنا كغذاء نتغذى به، أو زوج نتمتع بها، أو مال نتصرف فيه، أو جاه نستفيد به، أو منعم ينعم علينا، أو معلم يعلمنا، أو هاد يهدينا أو ناصر ينصرنا، أو متعلم يتعلم منا، أو خادم يخدمنا، أو أي مطيع يطيعنا و ينقاد لنا، و هذه أقسام من الحب بعضها طبيعي و بعضها خيالي و بعضها عقلي.

و ثانيا: أن الحب ذو مراتب مختلفة من الشدة و الضعف فإنه رابطة وجودية – و الوجود مشكك في مراتبه – و من المعلوم أن التعلق الوجودي بين العلة التامة و معلولها ليس كالتعلق الكائن بين العلل الناقصة و معلولاتها، و أن الكمال الذي يتعلق بواسطته الحب مختلف من حيث كونه ضروريا أو غير ضروري، و من حيث كونه ماديا كالتغذي أو غير مادي كالعلم، و به يظهر بطلان القول باختصاصه بالماديات حتى ذكر بعضهم: أن أصله حب الغذاء، و غيره ينحل إليه، و ذكر آخرون: أن الأصل في بابه حب الوقاع، و غيره راجع إليه.

و ثالثا: أن الله سبحانه أهل للحب بأي جهة فرضت فإنه تعالى في نفسه موجود ذو كمال غير متناه و أي كمال فرض غيره فهو متناه، و المتناهي متعلق الوجود بغير المتناهي و هذا حب ذاتي مستحيل الارتفاع، و هو تعالى خالق لنا منعم علينا بنعم غير متناهية العدة و المدة فنحبه كما نحب كل منعم لإنعامه.

و رابعا: أن الحب لما كانت رابطة وجودية – و الروابط الوجودية غير خارجة الوجود عن وجود موضوعها و من تنزلاته – أنتج ذلك أن كل شيء فهو يحب ذاته، و قد مر أنه يحب ما يتعلق بما يحبه فيحب آثار وجوده، و من هنا يظهر أن الله سبحانه يحب خلقه لحب ذاته، و يحب خلقه لقبولهم إنعامه عليهم، و يحب خلقه لقبولهم هدايته.

و خامسا: أن لزوم الشعور و العلم في مورد الحب إنما هو بحسب المصداق و إلا فالتعلق الوجودي الذي هو حقيقة الحب لا يتوقف عليه من حيث هو، و من هنا يظهر أن القوى و المبادي الطبيعية غير الشاعرة لها حب بآثارها و أفعالها.

و سادسا: يستنتج مما مر أن الحب حقيقة سارية في الموجودات.

يتبع…

شاهد أيضاً

5

ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا 02

الإنسان الكامل إنّ معرفة الإنسان الكامل أو الإنسان النموذجيّ أو الأسمى واجبة علينا كمسلمين, لأنّه ...