الرئيسية / اخبار اسلامية / دروس منهجية في علوم القرآن
25

دروس منهجية في علوم القرآن

الدرس الثاني والثلاثون

الرابع: وجود روايات عديدة عن أهل البيت(عليهم السلام) في تفسير هذه السور والآيات من دون هذا التغيير المزعوم.

منها: ما رواه في إرشاد القلوب عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في تفسير سورة الفاتحة الى أن قال: “وأمّا قوله (ولا الضّالين) “…إلخ(1).

وكذلك ما رواه في الكافي عن حمران بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) “والذين كفروا أولياؤهم الطواغيت”(2) فإنّه معارض ببعض النصوص الواردة في تفسير آية الكرسي من دون هذا التغيير منها: ما جاء في تفسير القمي عن الإمام الرضا (عليه السلام) ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ..﴾(3).

وكذلك ما روي عن حمران قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقرأ هذه الآية “إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل محمد على العالمين” قلت: ليس يقرأ هكذا، فقال: أُدخل حرف مكان حرف(4).

فإنّه معارض بما رواه الكليني بسنده عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام)… قول الله عزّوجلّ (إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين)(5).

وكذا ما روي من إضافة لفظ “في علي” في آية البلاغ من سورة المائدة، فانّه معارض بنصوص عديدة لهذه الآية من دون هذه الزيادة منها: ما رواه الكليني بسند معتبر عن الفضلاء الخمسة وغيرهم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: “.. فأوحى الله عزّوجلّ إليه ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾(6) فصدع بأمر الله تعالى ذكره..”(7).

كل هذا يؤكد ان تلك الزيادات يقصد منها مجرد التفسير أو التطبيق.

الخامس: يلاحظ انّ بعض النصوص أشارت الى هذه الزيادات ضمن تفسير الآيات لا أنها جزء منها، فيكون ما تعارف من اقحام التفسير في النص هو السبب في الالتباس، فبينما نرى في مرسلة ابن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله عزّوجل (سيطوّقون ما بخلوا به (من الزكاة) الى يوم القيامة).

نجد في نص آخر تصريحاً بأنّ هذه الزيادة للتفسير لا أنّها جزء من الآية، وذلك فيما رواه الكليني بطريقين معتبرين عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾(8) فقال: “يا محمد ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئاً إلاّ جعل الله عزّوجلّ ذلك يوم القيامة ثعباناً من نار مطوّقاً في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب” ثم قال: “هو قول الله عزّوجلّ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني ما بخلوا به من الزكاة”(9).

فنجد تصريحاً في هذا النص بأنّ فقرة “من الزكاة” تفسير لا جزء الآية. بينما يوحي النص الأول أنّها من ضمن الآية. وكأنّه بسبب إقحام التفسير في كتابة النص آنذاك، كما نلاحظه في المخطوطات القديمة.

وهناك مجموعة من النصوص أشارت الى هذا التعارف والتحذير منه. فقد ذكر أبو حمزة: أنّ إبراهيم النخعي رأى في مصحفه فاتحة كذا وكذا. فقال لي: امحه، فإنّ عبدالله بن مسعود قال: لا تخلطوا بكتاب الله ما ليس فيه.

وذكروا أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: “اخلصوا القرآن وامحضوه”(10).

موقف المسلمين من فكرة التحريف:

1 – موقف علماء العامّة

قدّمنا سابقاً انّ كثيراً من علماء العامة ومحدّثيهم اعتمدوا على روايات وردت في صحاحهم وكتبهم الروائية المعتمدة حول بعض اقسام النسخ في القرآن، وأوضحنا سابقاً ان مقتضى تلك الروايات هو تحريف القرآن، حيث نسبت الى بعض الصحابة ادّعاء أن هناك بعض الآيات قد حُذفت بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) مثل آية الرجم، وآية الجهاد، وآية الفراش وغيرها(11).

بل في بعضها انّه قد ذهب منه قرآن كثير(12). وفي بعض تلك الروايات ما يدلّ أن القرآن الموجود أقل من ثلث القرآن الكامل(13).. الى غير هذه من الدعاوى الباطلة(14).

2 – موقف علماء الشيعة

عُرف عن علماء الشيعة رفضهم لفكرة التحريف بكل أشكالها، ونشير الى بعض تصريحاتهم في مؤلفاتهم:

أ) الشيخ الصدوق ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين الصدوق (ت: 381): قال: “اعتقادنا ان القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك… قال: ومن نسب إلينا انّا نقول انّه اكثر من ذلك فهو كاذب”(15).

ب) الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (ت: 413) قال: “وقد قال جماعة من أهل الإمامة: انّه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة، ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين (صلى الله عليه وآله وسلّم) من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله، وذلك كان ثابتاً منزلاً وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز، وقد يسمى تأويل القرآن قرآناً… قال: وعندي انّ هذا القول اشبه من مقال من ادّعى نقصان كَلِم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل، وإليه أميل.

قال: وأمّا الزيادة فيه فمقطوع على فسادها ان اريد زيادة سورة على حدٍّ يلتبس على الفصحاء فانّه متناف من تحدّي القرآن بذلك، وان اريد زيادة كلمة أو كلمتين أو حرف أو حرفين، ولستُ أقطع على كون ذلك، بل أميل الى عدمه وسلامة القرآن عنه. قال: ومعي بذلك حديث عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) “(16).

ج) الشريف المرتضى علي بن الحسين علم الهدى (ت: 436) قال – في رسالته الجوابية الأولى عن المسائل الطرابلسيات -: “ان العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة واشعار العرب المسطور فإنّ العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت الى حدٍّ لم يبلغه فيما ذكرناه، لأنّ القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من اعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً ومنقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد… من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية(17) لا يعتدّ بخلافهم، فإنّ الخلاف في ذلك مضاف الى قوم من اصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا صحّتها، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته(18).

د) شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت:460) قال: “وأمّا الكلام في زيادته ونقيصته فمما لا يليق بهذا الكتاب المقصود منه العلم بمعاني القرآن، لأنّ الزيادة منه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا”(19).

ونلاحظ نظير هذه الكلمات لدى كثير من علمائنا السابقين واللاحقين منهم:

أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي (ت: 548) صاحب تفسير مجمع البيان.

والعلاّمة الحلي جمال الدين أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلي (ت: 726).

والمحقق الثاني علي بن عبدالعالي المعروف بالكركي (ت: 940).

والمحقق الأردبيلي (ت: 993).

وشيخ الفقهاء الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت: 1228).

وكذلك حفيده الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ت: 1373).

والشيخ البهائي محمد بن الحسين الحارثي العاملي (ت: 1032).

والفيض الكاشاني محمد بن المحسن (ت: 1090).

والحرّ العاملي محمد بن الحسن بن علي – صاحب كتاب وسائل الشيعة – (ت: 1104).

والمحقق السيد محسن الأعرجي (ت: 1227).

والحجة الشيخ محمد جواد البلاغي (ت: 1302).

والعلاّمة السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي (ت: 1377).

والعلاّمة السيد محسن الأمين العاملي (ت: 1371).

والمرجع الديني الفقيه السيد محسن الحكيم (ت: 1390)(20).

و الفيلسوف المفسّر الشهير السيد محمد حسين الطباطبائي (ت: 1402).

والمرجع الديني المحقق السيد أبو القاسم الخوئي (ت: 1413).

وقائد الثورة الإسلامية الراحل السيد روح الله الموسوي الخميني (ت: 1409)، فقد ذكر عنه تلميذه “ان الواقف على عناية المسلمين بجمع الكتاب وحفظه وضبطه قراءةً وكتابةً يقف على بطلان تلك المزعومة. وما ورد فيه من أخبار – حسبما تمسّكوا – امّا ضعيف لا يصلح الاستدلال به او مجعول تلوح عليه إمارات الجعل، أو غريب يقضي بالعجب، أمّا الصحيح منها فيرمي الى مسألة التأويل والتفسير وانّ التحريف انّما حصل في ذلك لا في لفظه وعباراته”(21).

1- البحار: 92/260، وتوجد هذه النصوص في علل الشرائع وعيون أخبار الرضا (عليه السلام) وغيرهما.

2- الكافي: 2 289.

3- تفسير القمي: 74.

4- تفسير فرات بن إبراهيم: 18.

5- الكافي: 8 381.

6- سورة المائدة: 67.

7- الكافي: 8 381.

8- سورة آل عمران: 180.

9- الكافي: 3 502 باب منع الزكاة حديث 1، ويراجع حديث 10.

10- علوم القرآن عند المفسرين: 1 487.

11- يراجع كتاب صيانة القرآن من التحريف: 159، وما بعدها.

12- الاتقان: 3 72.

13- الاتقان: 1 198.

14- راجع صيانة القرآن من التحريف: 157، وما بعدها ولاحظ ما قدّمناه في موضوع نسخ التلاوة وفي بحث التحريف.

15- اعتقادات الإمامية – المطبوع مع شرح الباب الحادي عشر: 93 – 94.

16- أوائل المقالات: 54 – 56.

17- وهم فئة من أبناء العامة. قال الجرجاني: “وسميت الحشوية حشوية، لأنهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول الله (ص) قال: “وجميع الحشوية يقولون بالجبر و التشبيه وتوصيفه (تعالى) بالنفس واليد والسمع والبصر. وقالوا: ان كل حديث يأتي به الثقة من العلماء فهو حجّة أيّاً كانت الواسطة” بحوث في الملل والنحل، للسبحاني: 1 124.

18- مجمع البيان: 1 15، ضمن الفن الخامس.

19- التبيان: 1 3، طبعة النجف.

20- جاء ذلك في جواب محفوظ على سؤال وجّه لسماحته بهذا الخصوص.

21- تهذيب الأصول تقرير الشيخ جعفر السبحاني: 2 165.

شاهد أيضاً

IMG-20140104-WA0010

وصايا الرسول لزوج البتول – يا علي الربا سبعونَ جزءاً

(97) يا علي ، الربا سبعونَ جزءاً فأيسرُها مثلُ أن ينكِحَ الرجلُ أُمَّه في بيتِ ...