الرئيسية / اخبار اسلامية / توحيد المفضل للمفضل بن عمر
40e4e361-a7c8-419a-9b69-b521a7dc0869 (1)

توحيد المفضل للمفضل بن عمر

(هيئة الأرض)

 فكر يا مفضل فيما خلق الله عز وجل عليه الجواهر الأربعة (1) ليتسع ما يحتاج إليه منها.. فمن ذلك سعة هذه الأرض وامتدادها، فلولا ذلك كيف كانت تتسع لمساكن الناس ومزارعهم ومراعيهم ومنابت أخشابهم وأحطابهم والعقاقير العظيمة والمعادن الجسيم غناؤها. ولعل من ينكر هذه الفلوات (2) الخاوية والقفار الموحشة. فيقول: ما المنفعة فيها؟ فهي مأوى هذه الوحوش ومحالها ومراعيها، ثم فيها بعد تنفس، ومضطرب للناس إذا احتاجوا إلى الاستبدال بأوطانهم، فكم بيداء وكم فدفد (3) حالت قصورا وجنانا، بانتقال الناس إليها وحلولهم فيها، ولولا سعة الأرض وفسحتها لكان الناس كمن هو في حصار ضيق لا يجد مندوحة عن وطنه إذا أحزنه أمر يضطره إلى الانتقال عنه.

(هامش)

(1) المراد بالجواهر الأربعة هي التراب والماء والهواء والنار، والمعروف أن المفكر اليوناني إمبذوقليس (495 – 435) ق. م. قد رد الكون إلى تلك العناصر أو الجواهر الأربعة التي هي في رأيه لا تفتأ في اتصال وانفصال يكونان سببا في نشأة الأشياء واختلاف صفاتها تبعا للاختلاف في نسبة المزج بين العناصر.. ولا يخفى أن ما ذهب إليه إمبذوقليس هذا في التفريق بين صفات العناصر وصفات الأشياء التي تركت منها تباين ظاهر وتناقص واضح. (2) الفلوات جمع فلات وهي الصحراء الواسعة. (3) الفدفد: الفلاة والجمع فدافد. (*)

ص 91

ثم فكر في خلق هذه الأرض على ما هي عليه حين خلقت راتبة راكنة، فتكون موطنا مستقرا للأشياء، فيتمكن الناس من السعي عليها في مأربهم، والجلوس عليها لراحتهم، والنوم لهدوئهم، والإتقان لأعمالهم فإنها لو كانت رجراجة منكفئة، لم يكونوا يستطيعون يتقنوا البناء والنجارة والصناعة وما أشبه ذلك، بل كانوا لا يتهنون بالعيش والأرض ترتج من تحتهم، واعتبر ذلك بما يصيب الناس حين الزلازل (1) – على قله مكثها – حتى يصيروا إلى ترك منازلهم، والهرب عنها.. فإن قال قائل: فلم صارت هذه الأرض تزلزل؟ قيل له الزلزلة وما أشبهها موعظة وترهيب يرهب لها الناس ليرعوا، وينزعوا عن المعاصي، وكذلك ما ينزل بهم البلاء في أبدانهم وأموالهم، يجري في التدبير على ما فيه صلاحهم واستقامتهم، ويدخر لهم إن صلحوا من الثواب والعوض في الآخرة ما لا يعد له شيء من أمور الدنيا، وربما عجل ذلك في الدنيا إذا كان ذلك الدنيا صلاحا للعامة والخاصة.. ثم إن الأرض في طباعها الذي طبعها الله عليه باردة يابسة، وكذلك الحجارة، وإنما الفرق بينها وبين الحجارة فضل يبس في الحجارة، أفرأيت لو أن اليبس أفرط على الأرض قليلا، حتى تكون حجرا صلدا، أكانت تنبت هذا النبات الذي به حياة الحيوان، وكان يمكن بها حرث أو بناء؟؟ أفلا ترى كيف نقصت من يبس الحجارة وجعلت على ما هي عليه من اللين والرخاوة لتتهيأ للاعتماد. (فوائد الماء والسبب في كثرته) ومن تدبير الحكيم جل وعلا في خلقه الأرض إن مهب الشمال أرفع من

(هامش)

(1) الزلازل جمع زلزلة، وهي من آثار التفاعلات الأرضية الحاصلة في بطن الأرض، وسببها هو سبب تكون البراكين، وذلك أن مياه البحر تتسرب من خلال طبقات الأرض، حتى تصل إلى عمق تكون فيه درجة الحرارة شدة، فإذا تبخر الماء بفعل الحرارة طلب له منفذا، ولا يزال يتراكم على بعضه إلى أن يهدم ما يصادفه أمامه من الحواجز، فترتج له القشرة الأرضية بحسب قوة البخار واندفاعه وهذا ما يسمى بالزلزلة. (*)

ص 92

مهب الجنوب (1) فلم جعل الله عز وجل كذلك إلا لتنحدر المياه على وجه الأرض فتسقيها وترويها، ثم تفيض آخر ذلك إلى البحر، فكما يرفع أحد جانبي السطح، ويخفض الآخر لينحدر الماء عنه ولا يقوم عليه كذلك جعل مهب الشمال أرفع من مهب الجنوب لهذه العلة بعينها، ولولا ذلك لبقي الماء متحيرا على وجه الأرض، فكان يمنع الناس من أعمالها، ويقطع الطرق والمسالك، ثم الماء لولا كثرته، وتدفقه في العيون والأودية والأنهار، لضاق عما يحتاج إليه الناس، لشربهم وشرب أنعامهم ومواشيهم، وسقي زروعهم وأشجارهم وأصناف غلاتهم، وشرب ما يرده من الوحوش والطير والسباع، وتتقلب فيه الحيتان ودواب الماء، وفيه منافع أخر أنت بها عارف وعن عظيم موقعها غافل فإنه (2) سوى الأمر الجليل المعروف من عظيم غنائه في إحياء جميع ما على الأرض من الحيوان والنبات يمزج الأشربة فتلذ وتطيب لشاربها، وبه تنظف الأبدان والأمتعة من الدرن (3) الذي يغشاها، وبه يبل (4) التراب فيصلح للأعمال وبه يكف عادية النار إذا اضطرمت، وأشرف الناس على المكروه، وبه يستحم المتعب الكال (5) فيجد الراحة من أوصابه، إلى أشباه هذا من المآرب التي تعرف عظم موقعها في وقت الحاجة إليها، فإن شككت في منفعة

(هامش)

(1) أي بعد ما خرجت الأرض من الكروية الحقيقية، صار ما يلي الشمال منها في أكثر المعمورة أرفع مما يلي الجنوب، ولذا ترى أكثر الأنهار كدجلة والفرات وغيرهما تجري من الشمال إلى الجنوب، لأن الماء الساكن في جوف الأرض تابع للأرض في ارتفاع وانخفاضه، ولذا – أيضا صارت العيون المتفجرة تجري هكذا من الشمال إلى الجنوب.. ومن أجل ذلك حكموا بفوقية الشمال على الجنوب. ويظهر لك مما بينه الإمام عليه السلام أنه لا ينافي كروية الأرض. (من تعليقات البحار). (2) الضمير راجع إلى الماء وهو اسم إن ويمزج خبرها.. أي للماء سوى النفع الجليل المعروف وهو كونه سببا لحياة كل شيء ومنافع أخرى منها أنه يمزح مع الأشربة. (3) الدرن – بفتحتين – هو الوسخ جمعه أدران. (4) بله الماء: نداه. (5) الكان اسم فاعل من كل: تعب واعيا. (*)

ص 93

هذا الماء الكثير المتراكم في البحار، وقلت: ما الأرب فيه؟ فعلم أنه مكتنف ومضطرب ما لا يحصى من أصناف السمك ودواب البحر ومعدن اللؤلؤ والياقوت والعنبر (1) وأصناف شتى تستخرج من البحر، وفي سواحله منابت العود اليلنجوج (2) وضروب من الطيب والعقاقير، ثم هو بعد مركب للناس، ومحمل لهذه التجارات التي تجلب البلدان البعيدة، كمثل ما يجلب من الصين إلى العراق، ومن العراق إلى الصين (3) فإن هذه التجارات، لم يكن لها محمل إلا على الظهر لبارت وبقيت بلدانها وأيدي أهلها. لأن أجر حملها يجاوز أثمانها، فلا يتعرض أحد لحملها وكان يجتمع في ذلك أمران: أحدهما فقد أشياء كثيرة تعظم الحاجة إليها والآخر انقطاع معاش من يحملها ويتعيش بفضلها. (فوائد الهواء والسبب في كثرته) وهكذا الهواء لولا كثرته وسعته لاختنق هذا الأنام من الدخان والبخار الذي يتحير فيه، ويعجز عما يحول إلى السحاب والضباب أولا أولا، فقد تقدم من صفته ما فيه كفاية.

 (منافع النار وجعلها كالمخزونة في الأجسام)

 والنار أيضا كذلك، فإنها لو كانت مبثوثة كالنسيم والماء كانت تحرق العالم وما فيه، ولما لم يكن بد من ظهورها في الأحايين، لغنائها في كثير من

(هامش)

(1) العنبر هو الطيب والزعفران، أو حوت قد يبلغ طوله نحوا من 60 قدما ضخم الرأس وله أسنان بخلاف البال والجمع عنابر. (2) اليلنجوج: العود الطيب الرائحة. (3) في نسخة البحار ومن العراق… إلى العراق… وما ذكرناه أظهر. (*)

ص 94

المصالح، جعلت كالمخزونة في الأجسام، فتلتمس عند الحاجة إليها، وتمسك بالمادة والحطب ما احتيج إلى بقائها لئلا تخبو فلا هي تمسك بالمادة والحطب، فتعظم المؤونة في ذلك، ولا هي تظهر مبثوثة، فتحرق كل ما هي فيه، بل هي على تهيئة وتقدير، اجتمع فيها الاستمتاع بمنافعها والسلامة من ضررها. ثم فيها خلة أخرى وهي أنها مما خص بها الإنسان دون جميع الحيوان لما له فيها من المصلحة، فإنه لو فقد النار لعظم ما يدخل عليه من الضرر في معاشه، فأما البهائم فلا تستعمل النار، ولا تستمتع بها، ولما قدر الله عز وجل أن يكون هذا هكذا، خلق للإنسان كفا وأصابع مهيئة لقدح النار واستعمالها، ولم يعط البهائم مثل ذلك، لكنها اعينت بالصبر على الجفاء والخلل في المعاش لكيلا ينالها في فقد النار ما ينال الإنسان عند فقدها. وأنبئك من منافع النار على خلقة صغيرة عظيم موقعها، وهي هذا المصباح الذي يتخذه الناس، فيقضون به حوائجهم ما شاؤوا في ليلهم ولولا هذه الخلة لكان الناس تصرف أعمارهم بمنزلة من في القبور، فمن كان يستطيع أن يكتب أو يحفظ، أو ينسج في ظلمة الليل، وكيف كان حال من عرض له وجع في وقت من أوقات الليل، فاحتاج إلى أن يعالج ضمادا أو سفوفا (1) أو شيئا يستشفى به.. فإما منافعها في نضج الأطعمة ودفاء الأبدان وتجفيف أشياء وتحليل أشياء وأشباه ذلك، 7 فأكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى.

 (الصحو والمطر وتعاقبهما على العالم وفوائد ذلك)

 فكر يا مفضل في الصحو والمطر كيف يتعاقبان على هذا العالم لما فيه

(هامش)

(1) السفوف – بالفتح -: ما تسفه من دواء ونحوه. وسف الدواء ونحوه: أخذه غير ملتوت. (*)

ص 95

صلاحه، ولو دام واحد منهما عليه كان في ذلك فساده.. ألا ترى أن الأمطار إذا توالت عفنت البقول والخضر واسترخت أبدان الحيوان وحصر الهواء فأحدث ضروبا من الأمراض. وفسدت الطرق والمسالك وأن الصحو إذا دام جفت الأرض، واحترق النبات، وغيض ماء العيون والأودية، فأضر ذلك بالناس، وغلب اليبس على الهواء فأحدث ضروبا أخرى من الأمراض… فإذا تعاقبا على العالم هذا التعاقب إعتدل الهواء ودفع كل واحد منهما عادية الأخر، فصلحت الأشياء واستقامت.. فإن قال قائل: ولم لا يكون في شيء من ذلك مضرة البتة؟ قيل له ليمض ذلك الإنسان ويؤلمه بعض الألم، فيرعوي عن المعاصي، فكما إن الإنسان إذا سقم بدنه احتاج إلى الأدوية المرة البشعة ليقوم طباعه، ويصلح ما فسد منه، كذلك إذا طغى واشتد، احتاج إلى ما يمضه ويؤلمه، ليرعوي ويقصر عن مساويه، ويثبته على فيه حظه ورشده.. ولو أن ملكا من الملوك قسم في أهل مملكته قناطيرا (1) من ذهب وفضة، ألم يكن سيعظم عندهم ويذهب له به الصوت، فأين هذا من مطرة رواء يعم به البلاد، ويزيد في الغلات أكثر من قناطير الذهب والفضة في أقاليم الأرض كلها.. أفلا ترى المطرة الواحدة ما أكبر قدرها، وأعظم النعمة على الناس فيها وهم عنها ساهمون، وربما عاقت عن أحدهم حاجة لا قدر لها، فيتذمر ويسخط إيثارا للخسيس قدره على العظيم نفعه، جميلا محمودا لعاقبته وقلة معرفته (2) لعظيم الغناء والمنفعة فيها.

 (مصالح نزول المطر على الأرض وأثر التدبير فيه)

 تأمل نزوله على الأرض والتدبير في ذلك، فإنه جعل ينحدر عليها من علو ليغشى ما غلظ وارتفع منها فيرويه، ولو كان إنما يأتيها من بعض نواحيها لما

(هامش)

(1) القناطير جمع قنطار وهو المال الكثير أو وزن اختلف مقدار موزونه مع الأيام. (2) في الأصل المطبوع محمود العاقبة وقلة معرفة، وما ذكرناه هو الأصح. (*)

ص 96

علا المواضع المشرفة منها، ويقل ما يزرع في الأرض… ألا ترى أن الذي يزرع سيحا (1) أقل من ذلك، فالأمطار هي التي تطبق الأرض، وربما تزرع هذه البراري الواسعة وسفوح الجبال وذراها فتغل الغلة الكثيرة. وبها يسقط عن الناس في كثير من البلدان مؤنة سياق الماء من موضع إلى موضع، وما يجري في ذلك بينهم من التشاجر والتظالم حتى يستأثر بالماء ذو العز والقوة، ويحرمه الضعفاء، ثم إنه حين قدر أن ينحدر على الأرض انحدارا جعل ذلك قطرا شبيها بالرش، ليغور في قعر الأرض فيرويها، ولو كان يسكبه انسكابا كان ينزل على وجه الأرض فلا يغور فيها، ثم كان يحطم الزروع القائمة إذا اندفق عليها، فصار ينزل نزولا رقيقا، فينبت الحب المزروع، ويحيي الأرض والزرع القائم. وفي نزوله أيضا مصالح أخرى، فإنه يلين الأبدان، ويجلو كدر الهواء، فيرتفع الوباء الحادث من ذلك، ويغسل ما يسقط على الشجر والزرع من الدماء المسمى باليرقان (2) إلى أشباه هذا من المنافع، فإن قال قائل: أو ليس قد يكون منه في بعض السنين الضرر العظيم الكثير، لشدة ما يقع منه، أو برد (3) يكون فيه تحطم الغلات، وبخورة يحدثها في الهواء، فيولد كثيرا من الأمراض في الأبدان والآفات في الغلات؟ قيل: بلى قد يكون ذلك الفرط، لما فيه من صلاح الإنسان، وكفه عن ركوب المعاصي والتمادي فيها. فيكون المنفعة فيما يصلح له من دينه، أرجح مما عسى أن يرزأ في ماله!.

 (منافع الجبال)

 أنظر يا مفضل إلى هذه الجبال المركومة من الطين والحجارة، التي يحسبها

(هامش)

(1) زراعة السيح هي الزراعة التي تحصل عن طريق الأنهر والمياه الجارية. (2) البرقان – بفتحتين أو فتح فسكون – آفة للزرع أو دود يسطو على الزرع. (3) البرد – بفتحتين -: ماء الغمام يتجمد في الهواء البارد ويسقط على الأرض حبوبا. (*)

ص 97

الغافلون: فضلا لا حاجة إليها. والمنافع فيها كثيرة: فمن ذلك أن تسقط عليها الثلوج، فتبقى في قلالها (1) لمن يحتاج إليه، ويذوب ما ذاب منه، فتجري منه العيون الغزيرة التي تجتمع منها الأنهار العظام، وينبت فيها ضروب من النبات والعقاقير التي لا ينبت مثلها في السهل، ويكون فيها كهوف ومعاقل للوحوش من السباع العادية (2) ويتخذ منها الحصون والقلاع المنيعة للتحرز من الأعداء وينحت منها الحجارة للبناء والأرحاء (3) ويوجد فيها معادن لضرب من الجواهر، وفيها خلال أخر يعرفها إلا المقدر لها في سابق علمه. (أنواع المعادن واستفادة الإنسان منها) فكر يا مفضل: في هذه المعادن وما يخرج منها من الجواهر المختلفة مثل الجص والكلس (4) والجبسين (5) والزرنيخ (6) والمرتك (7) والتوتيا (8) والزئبق (9)

(هامش)

(1) القلال – بالكسر – جمع قلة – بضم فتشديد – أعلى الرأس والجبل وكل شيء. (2) العادية: المعتدية. (3) الارحاء جمع رحى وهي الطاحون. (4) الكلس – بالكسر – تقدم ذكره. (5) الجبسين كذا في النسخ ولم نجده فيما عندنا من كتب اللغة – الظاهر أنه الجبس وهو الجص الذي يبنى به وهو مركب من كبريتات الكالسيوم ويوجد في الأراضي الثلا. (6) في الأصل الزرانيج والألف زائدة، ولم ترد في كلام العرب، – والزرنيخ عنصر معروف يوجد منفردا وعلى حالة كبرتيور الزرنيخ وهو جسم صلب لونه سنجابي لماع متبلور يتطاير بالحرارة من غير أن يصهر ولا يذوب في الماء، وإذا خلط الزرنيخ مع الكلس حلق الشعر. (7) المرتك وتضاف إليه غالبا كلمة الذهبي وهو أكسيد الرصاص عبارة عن بلورات صغيرة مسحوقة يدخل في تركيب مرهم للبواسير. (8) التوتياهي أوكسيد الزنك غير النقي مخلوطا مع الزرنيخ لا يستعمل في الطب. (9) في الأصل الزيبق وهو استعمال عامي، والزئبق سيال معدني لماع يتجمد على درجة 40 تحت الصفر ويغلي على درجة 360 فوق الصفر، ويستعمل لاستخراج الذهب والفضة بالتملغم وفي البارومتر والترومومتر وفي عمل المرايا وفي الطب دهانا على الجلد في معالجة الزهري. (*)

ص 98

والنحاس والرصاص والفضة والذهب والزبرجد والياقوت والزمرد (1) وضروب الحجارة، وكذلك ما يخرج منها من القار والموميا والكبريت والنفط (2) وغير ذلك مما يستعمله في مأربهم فهل يخفى على ذي عقل إن هذه كلها ذخائر ذخرت للإنسان في هذه الأرض، ليستخرجها فيستعملها عند الحاجة إليها، ثم قصرت حيلة الناس عما حاولوا من صنعتها على حرصهم واجتهادهم في ذلك فإنهم لو ظفروا بما حاولوا من هذا العلم كان لا محالة سيظهر، ويستفيض في العالم، حتى تكثر الفضة والذهب، ويسقطا عند الناس. فلا تكون لهما قيمته. ويبطل الانتفاع بهما في الشراء والبيع والمعاملات، ولا كان يجبي السلطان الأموال ولا يدخرهما أحد للأعقاب، وقد أعطى الناس – مع هذا – صنعة الشبه (3) من النحاس، والزجاج من الرمل. والفضة من الرصاص، والذهب من الفضة، وأشباه ذلك مما لا مضرة فيه. فانظر كيف أعطوا إرادتهم في ما لا ضرر فيه، ومنعوا ذلك فيما كان ضارا لهم لو نالوه، ومن أوغل في المعادن انتهى إلى واد عظيم يجري منصلتا بماء غزير، لا يدرك غوره، ولا حيلة في عبوره، ومن ورائه أمثال الجبال من الفضة. تفكر الآن في هذا، من تدبير الخالق الحكيم، فإنه أراد جل ثناؤه أن يرى العباد قدرته، وسعه خزائنه، ليعلموا أنه لو شاء أن يمنحهم كالجبال من الفضة لفعل، لكن لا صلاح لهم في ذلك، لأنه لو كان فيكون فيها – كما ذكرنا – سقوط هذا الجوهر عند الناس، وقلة انتفاعهم به. واعتبر ذلك بأنه قد يظهر الشيء الظريف مما يحدثه من الأواني والأمتعة، فما دام عزيزا قليلا، فهو نفيس جليل آخذ الثمن، فإذا فشا وكثر في أيدي الناس، سقط عندهم وخست قيمته.. ونفاسة الأشياء من عزتها.

(هامش)

(1 – 2) هذه العناصر والأحجار معروفة كلها فلا حاجة إلى شرحها. (3) الشبه – بكسر ففتح – هو النحاس الأصفر. (*)

ص 99

(النبات وما فيه من ضروب المآرب)

 فكر يا مفضل في هذا النبات وما فيه من ضروب المآرب، فالثمار للغذاء، والأتبان (1) للعلف، والحطب للوقود، والخشب لكل شيء من أنواع التجارة وغيرها، واللحاء (2) والورق والأصول والعروق والصموغ لضروب من المنافع. أرأيت لو كنا نجد الثمار التي نغتذي بها مجموعة على وجه الأرض، ولم تكن تنبت على هذه الأغصان الحاملة لها، كم كان يدخل علينا من الخلل في معاشنا، وإن كان الغذاء موجودا فإن المنافع بالخشب والحطب والأتبان وسائر ما عددناه كثيرة عظيم قدرها، جليل موقعها، هذا مع ما في النبات من التلذذ بحسن منظره، ونضارته التي يعدلها شيء من مناظر العالم وملاهيه. (الريع في النبات وسببه) فكر يا مفضل في هذا الريع الذي جعل في الزرع، فصارت الحبة الواحدة تخلف مائة حبة وأكثر وأقل، وكان يجوز للحبة أن تأتي بمثلها فلم صارت تريع هذا الريع إلا ليكون في الغلة (3) متسع، لما يرد في الأرض من البذر، وما يتقوت الزراع إلى إدراك زرعها المستقبل، ألا ترى أن الملك لو أراد عمارة بلد من البلدان كان السبيل في ذلك أن يعطي أهله ما يبذرونه في أرضهم وما يقوتهم إلى إدراك زرعهم. (فانظر كيف تجد المثال قد تقدم في تدبير الحكيم، فصار الزرع يريع

(هامش)

(1) لم يرد في معاجم اللغة العربية، لفظ الأتبان على معنى التبن المعروف ولعل اللفظ قد غيره النساخ والصحيح تبن. (2) اللحاء: قشر العود أو الشجر. (3) الغلة – بالفتح -: الدخل من كراء دار وفائدة أرض ونحو ذلك والجمع غلات وغلال. (*)

ص 100

هذا الريع ليفي بما يحتاج إليه للقوت والزراعة، وكذلك الشجر والنبت والنخل يريع الريع الكثير، فإنك ترى الأصل الواحد حوله من فراخه أمرا عظيما، فلم كان كذلك إلا ليكون فيه ما يقطعه الناس، ويستعملونه في مأربهم، وما برد فيغرس في الأرض، ولو كان الأصل منه يبقى منفردا لا يفرخ ولا يريع لما أمكن أن يقطع منه شيء لعمل ولا لغرس، ثم كان إن أصابته آفة انقطع أصله، فلم يكن منه خلف.

 (بعض النباتات وكيف تصان)

 تأمل نبات هذه الحبوب من العدس والماش والباقلاء وما أشبه فإنها تخرج في أوعية مثل الخرائط (1) لتصونها وتحجبها من الآفات إلى أن تشتد وتستحكم، كما قد تكون المشيمة (2) على الجنين لهذا المعنى بعينه وأما البر (3) وما أشبهه فإنه يخرج مدرجا في قشور صلاب على رؤوسها أمثال الأسنة من السنبل ليمنع الطير منه ليتوفر على الزراع فإن قال قائل: أو ليس قد ينال الطير من البر والحبوب؟ قيل له: بلى على هذا قدر الأمر فيها، لأن الطير خلق من خلق الله تعالى وقد جعل الله تبارك وتعالى له في ما تخرج الأرض حظا ولكن حصنت الحبوب بهذه الحجب لئلا يتمكن الطير منها كل التمكن فيعبث بها ويفسد الفساد الفاحش. فإن الطير لو صادف الحب بارزا ليس عليه شيء يحول دونه لأكب عليه حتى ينسفه أصلا، فكان يعرض من ذلك أن يبشم (4) الطير فيموت، ويخرج الزراع من زرعه صفرا، فجعلت عليه هذه الوقايات لتصونه، فينال الطائر منه شيئا يسيرا يتقوت به، ويبقى أكثره للإنسان، فإنه

(هامش)

(1) لم نجد للفظ (الخرائط) هنا معنى يتسق ومراد الإمام (ع) ولعله يريد الشكل المخروطي، وهو ما يبتدئ من سطح مستدير ويرتفع مستدقا حتى ينتهي إلى نقطة. (2) المشيمة: غشاء ولد الإنسان يخرج معه عند الولادة، جمعه: مشيم ومشايم. (3) البر – بضم فتشديد – هو القمح، الواحدة برة. (4) يبشم الطعام: أي يتخم من الطعام. (*)

شاهد أيضاً

0

ابصار العين في انصار الحسين عليه وعليهم السلام

الفائدة السادسة عشرة قتلت مع الحسين في يوم الطف امرأة واحدة وهي أم وهب النمرية ...