الرئيسية / اخبار اسلامية / 19 أسرار الآيات وأنوار البينات
7fdd3cc0-4950-480c-a63e-c790c273d170

19 أسرار الآيات وأنوار البينات

( 2 ) قاعدة في تحقيق أسمائه تعالى 

قال اللَّه سبحانه :

« وَلِلَّه ِ الأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوه ُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِه ِ » .
واعلم أن العلم بالأسماء الإلهية علم شريف دقيق ومعرفة لطيفة غامضة وبه فاق أبونا آدم عليه السلام على الملائكة حيث قال :

« وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . . . فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ » ويستفاد من هذه الآيات أحكام علمية شريفة .
منها أن المراد من الاسم ليس كما فهمه المتكلمون من أنه لفظ موضوع في اللغة بإزاء معنى من المعاني يدل على ذلك أمور :

أحدها قوله :

« وَلِلَّه ِ الأَسْماءُ الْحُسْنى » فوصفها بالحسنى من قبل اللَّه مشعر بأنها ليست من قبيل الهيئة العارضة للصوت إذ لا شرافة معتد بها لبعض الألفاظ على بعض إذ كلها من نوع واحد فكما لا فرق بين لفظ الإيمان والكفر والنور والظلمة في الحسن والقبح من حيث إنها هيئات مسموعة بل في مدلولاتها ومعانيها التي وضعت هذه الألفاظ بإزائها .

وثانيها قوله تعالى :

« سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى » اذ معلوم أن الاسم مما يسبح به لا مما يسبح له .

وثالثها أن الذي صار سببا لمزية منزلة آدم عليه السلام على الملائكة لم يكن مجرد حفظ الألفاظ بل الاسم هو ما يعرف به حقيقته وحده كمفهوم الحيوان الناطق للإنسان فقد يكون لشيء واحد في الوجود والهوية والذات مفهومات كثيرة كلها موجودة بوجود واحد كالجوهر والجسم والنامي والحساس والناطق والموجود والممكن والمتحيز والمتقدر والمتمكن وغير ذلك في باب الإنسان فإنها مع كثرتها بحسب المعنى والمفهوم صارت ذاتا واحدة موجودة بوجود واحد . فالمراد من الاسم في عرف العرفاء هو المعنى المحمول على الذات والفرق بين الاسم والصفة كالفرق بين المركب والبسيط بوجه فإن الاسم كالأبيض والصفة كالبياض والفرق بين العرضي والعرض عند محققي أهل النظر أن المأخوذ ( لا بشرط شيء ) هو العرضي والمأخوذ ( بشرط لا شيء ) هو العرض فالمسمى قد يكون واحدا والأسماء كثيرة وهي محمولات عقلية وليس المراد بها الألفاظ لأنها غير محمولة حملا اتحاديا وهذه الألفاظ التي هي بإزائها أسماء الأسماء عندهم وأما تلك المحمولات فهي بالحقيقة علامات ومعرفات للذات الموسومة بها .

واعلم أن عالم الربوبية عظيم الفسحة جدا فيه جميع ما في عالم الإمكان على وجه أعلى وأشرف مع ما يزيد عليها مما استأثره اللَّه بعلمه ومن لم يكن عنده علم الأسماء تعذر عليه إثبات عالميته تعالى بجميع الموجودات لأنها بحسب وجوداتها الخاصة متأخرة عن مرتبة ذاته تعالى مع أنه تعالى عالم بجميعها علما مقدما على وجوداتها الإمكانية فلو لم يكن الممكنات
على كثرتها وتفصيلها موجودة بوجود واحد في مرتبة الذات الأحدية لم يكن علمه تعالى بخصوصياتها وماهياتها مقدما عليها ثابتا له قبل وجودها .

ومنها أنه وقعت الإشارة إلى ما ذكرناه من كيفية علمه بالموجودات من جهة اشتمال أسمائه تعالى على كل شيء بقوله تعالى :

« فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ : أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ » كأنهم حيث لم يحصل لهم العلم بالأسماء لم يعرفوا كيفية علمه تعالى بكل خفي وجلي وجزئي وكلي .

وسبب اختصاص الإنسان بهذا التعليم دون الملائكة وغيرهم أن حقيقة الإنسان مظهر جامع لمظاهر كل الأسماء بخلاف غيره من الموجودات فإن كل واحد منها مظهر لبعض الأسماء كالملائكة للسبوح والقدوس والسلام ونحوها والشياطين للمضل والمتكبر والعزيز والجبار وما يجري مجراها والحيوانات مظاهر للسميع والبصير والحي والقدير وأشباهها والنار مثلا للقهار والهواء للطيف والماء للنافع والأرض للصبور والأدوية السمية للضار والدنيا للأول والآخرة للآخر وعلى هذا القياس فلو لم يكن الإنسان مما يوجد فيه مظاهر جميع الأسماء والصفات لم يكن من شأنه العلم بالأسماء ومعرفة الأشياء كما هي والملائكة كل منهم له مقام معلوم فالقائم منهم لا يركع والراكع منهم لا يسجد .

ومنها إيراد ضمير ذوي العقول في قوله :

« أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ » مع أن المراد بها ليس أسماء الملائكة بل الأسماء كلها كما دل عليه سياق الآية .

ففيه إشعار بما ذهب إليه أساطين الحكماء الأقدمون من أن لكل نوع من أنواع الموجودات جوهرا نورانيا عقليا هو كلي ذلك النوع وتمام حقيقته ومثاله القائم عند اللَّه فهي المظاهر الأولى للأسماء الإلهية والصور النوعية الخارجية هي المظاهر الثانية ومظاهر المظاهر كما بين في مقامه على نحو البيان الحكمي البرهاني وليس غرضنا في هذا الكتاب إلا إشارة إجمالية إلى أسرار بعض آيات القرآن . وأما إيراد البراهين على وجه مبسوط مشروح فهو موكول إلى سائر كتبنا وتفاسيرنا سيما كتاب الأسفار الأربعة .

فإذا تقرر ما ذكرناه فنقول : أسماء اللَّه تعالى بالحقيقة هي المحمولات
العقلية المشتملة عليها ذاته الأحدية لا يتعلق بها جعل وتأثير بل هي موجودة باللاجعل الثابت للذات ولها أحكام ثابتة وآثار لازمة هي مظاهرها وربما يطلق عند العرفاء الاسم ويراد بها المظهر لأنه أيضا فرد من معنى ذلك الاسم كما في قوله تعالى :

« قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه ِ » وأليق المجعولات بأن يعرف بها ذاته تعالى ويكون مظاهرا لأسمائه وصفاته هي كلمات اللَّه التامات والأرواح العاليات التي هي بمنزلة أشعة نور وجهه وكماله ومعرفات جماله وجلاله فهي الأسماء الحسنى واللَّه اسم للذات الإلهية باعتبار جامعيته لجميع النعوت الكمالية وصورته الإنسان الكامل وأشير بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله :

« أوتيت جوامع الكلم » والرحمن هو المقتضي للوجود المنبسط على الكل بحسب ما يقتضيه الحكمة ويحتمله القوابل على وجه البداية والرحيم هو المقتضي للكمال المعنوي للأشياء بحسب النهاية ولذا قيل :

« يا رحمان الدنيا ورحيم الآخرة » بمعنى بسم اللَّه الرحمن الرحيم بالصورة الكاملة الجامعة للرحمة الخاصة والعامة التي مظهر الذات الإلهية والاسم الأعظم مع جميع الصفات . وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى اللَّه عليه وآله :

« أوتيت جوامع الكلم » وبقوله :

« بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » إذ الكلمات هي حقائق الموجودات وأعيانها وخصوصا صورها المجردة كما سمي عيسى كلمة من اللَّه وسميت المفارقات العقلية كلمات اللَّه التامات ومكارم الأخلاق كمالاتها وقواها التي هي مصادر أفعالها وجميعها محصورة في الحقيقة الجامعة الإنسانية .

 

https://t.me/wilayahinfo

https://chat.whatsapp.com/JG7F4QaZ1oBCy3y9yhSxpC

https://chat.whatsapp.com/CMr8BZG9ohjIz6fkYqZrmh

شاهد أيضاً

0cc998a3-8a02-435e-83b8-c031eee25951

21 أسرار الآيات وأنوار البينات

( 4 ) قاعدة في علمه تعالى بذاته وبغيره كل وجود لا يشوبه عدم ولا ...