الرئيسية / اخبار اسلامية / شبهات و ردود – المحقق السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
لالالا

شبهات و ردود – المحقق السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

الشريعة الاسلامية من معين السنة النبوية بين حماية العلماء و تزييف العلمانيين

القسم الرابع

4 ـ الدلالات الاُخرى

وظاهرة خطرة في تصرّف المؤلّف ، تؤكّد بُعده عن الحياد العلمي ، هي تعامله مع النصوص المنقولة بشكل مبتور ، فيحذف منها المقاطع التي تدلّ على خلاف هدفه ، أو يزيد عليها ما يفيده! مثلا : حديث رواه الأسود ، عن عبدالله بن مسعود ، قال : جاء علقمة بكتاب ، فيه أحاديث عن رسول الله ، فدخلنا على عبدالله بن مسعود ، ودفعنا إليه الصحيفة ، قال : فدعا بطست فيه ماء . . . » إلى آخر الحديث الذي نقله في ص 54 ، وخرّجه في الهامش 10 عن تقييد العلم ، ص 54 ، و جامع بيان العلم . لكنّ الموجود في تقييد العلم ص 54 ، وجامع بيان العلم . لكنّ الموجود في تقييد العلم ص 54 : « جاء علقمة بكتاب من مكّة أو اليمن ، صحيفة فيها أحاديث في أهل البيت ـ بيت النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ـ فاستأذنّا على عبدالله ، فدخلنا عليه ، قال : فدفعنا إليه الصحيفة ، قال : فدعا الجارية ، ثمّ دعا بطست فيها ماء . . . » إلى آخر الحديث . فيلاحظ أنّه حذف بعد كلمة « أحاديث » جملة « في أهل البيت ، بيت النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) » التي تعبّر بوضوح عن محتوى « أحاديث الصحيفة » لكنّه أضاف بعد كلمة « أحاديث » جملة « عن رسول الله » !! فعلى ماذا يدلّ ذلك الحذف ؟! و ماذا تعني هذه الإضافة ؟!

 
لا ريب أنّ الإضافة تؤدّي إلى قلب المعنى إلى الوجهة التي يرغب فيها المؤلّف ، و هي المنع من الحديث النبوي المكتوب . لكن ماذا يسمّى هذا التصرّف في قانون « الأمانة العلميّة »؟! وإذا كان محتوى الصحيفة حول أهل البيت النبوي ، و جاءت من مكّة أو اليمن ، و ليست ـ بالذات ـ من المدينة التي هي مركز الحديث ومعدنه ، فهل الاستناد إلى هذه الرواية يفيد الدلالة التي يبتغيها المؤلّف ؟!

 

وإذا كان محتوى الصحيفة الحديث حول أهل البيت النبوي ، بالتأكيد الذي اعتمده الراوي للحديث ، فماذا تعني إماثة ابن مسعود لتلك الصحيفة و إتلافها ؟! وماذا يعني حذف إبراهيم فوزي لهذه الجملة؟! . إنّ ذلك يدلّ بلا ريب على أنّ ابن مسعود وفوزي يجريان في تيّار هوىً واحد ، و هو المنع من تدوين السنّة ، على حساب أهل البيت ! و مثل آخر من الدلالات التي أهملها الكاتب : في حديث استشارة عمر ابن الخطّاب للصحابة حول كتابة السنّة حيث جاء فيه : « فأشاروا عليه بكتابتها » كما نقله في ص 40 ، لكنّ المؤلّف لم يتحمّس لهذه الجملة التي تعبّر عن رأي الصحابة المستشارين ، عامّةً ، وهو إباحة التدوين ، وعدم التحرّج منه أبداً ، وليس « النهي عن التدوين » كما عنونه المؤلّف لهذا الفصل الثاني بالذات ، كما تدلّ هذه الجملة على ضدّ عنوان الفصل الثالث : « إمساك الصحابة عن تدوين السنّة » . وعلى الرغم من وضوح دلالة هذه الجملة على موقف الصحابة ـ عدا البعض ـ فإنّ المؤلّف أهمل هذه الدلالة ، فلا نجد في كلّ الكتاب أدنى إشارة إليها! ولا نظنّ أنّ هذا التصرّف يدلّ على الحياد في البحث!

 

5 ـ تناقضات !

و نجد في الكتاب نتائج يناور عليها المؤلّف بقوّة ، بينما يناقضها بنفسه في مواضع اُخرى من كتابه . مثلا يقول في ص 6 ـ 167 : « إنّ الحديث عن رسول الله لم يدوّن في عصر الصحابة ، و لا التابعين ، وإنّما دوّن في عصر متأخّر نقلا عن الذاكرة عن لسان الحفّاظ » . ومعنى هذا الكلام أنّ الحديث ـ في عصر غياب التدوين ـ كان يعتمد ضبطه على عنصر الذاكرة ، التي اعتمدت بدورها الأخذ عن لسان « الحفّاظ » . و المراد بالحفظ ، هو حفظ نصّ الحديث على الذاكرة ، و هو الطريقة البدائية ، و الطبيعيّة ، و المتعارفة للنصوص ما قبل مرحلة التدوين ، وإذا كان التدوين نقلا عن هذه الطريقة فإذن كان معتمداً على الذاكرة عن الحافظة ـ حسب ما قرّره المؤلّف ـ . و لكنّه يقول ـ بعد سطر ! ـ : « و من البديهيّ ـ بعد أن طال الزمن ـ من أن يدوّن الحديث بالمعنى ، بعد أُسدل النسيان على اللفظ » . فكيف كان التدوين هناك نقلا عن الذاكرة عن الحفّاظ؟! بينما هنا يدوّن بعد طول الزمن ،

 

و بالمعنى ، وقد نسي اللفظ؟! فما الذي قلب الذاكرة عن الحافظة ، إلى ناسية وقلب اللفظ إلى المعنى؟! ويقول في ص 190 : « جرى تقويم الحديث لاعتبارات تتعلّق بأخلاق الراوي ، ولم يجر تقويم الفكر والعقل لدى رجال الإسناد ، فقد يكون الراوي ممّن يتمتّع بالشروط التي وصفوها . . لكنّه لا يتمتّع بمستوى فكريّ و عقليّ يؤهّله لتقويم الحديث من جهة المعنى » . فيرى أنّ المستوى العقلي غير معتبر في الراوي ، بينما هو يعترف في ص 191 بأنّهم : « اكتفوا بأن تتوافر في رواية الحديث الشروط التالية : أوّلا : أن يكون الراوي عاقلا و مميّزاً . . . » . فإذا اشترط في الراوي أن يكون عاقلا ، فما معنى قبول رواية من لا يتمتّع بمستوى عقلي ؟!

 

6 ـ دعاوى ، و إنفراد بالموقف !

و رغم أنّ المؤلّف يحاول ـ أو يدّعى له ـ اتّباع « منهج نقدي على درجة عالية من الجسارة والشجاعة » إلاّ أنّ وجود عدد غير قليل من الدعاوى الفارغة من كلّ دليل ، بل مستندة إلى مجرّد الظنّ والتخمين ، لا يناسب هذه الدعوى ولا تلك المحاولة .

 
1 ـ يقول في ص 38 عن مرحلة مكّة : « لم تكن كتابة ما يتحدّث به [النبي] في هذه المرحلة ، موضع تفكير أحد من المسلمين الذين كانوا قلّة وجلّهم من المستضعفين المضطهدين الذين كانوا يجهلون القراءة والكتابة ، فالنهي عن تدوين السنّة وقع في المدينة بعد الهجرة ، وليس في مكّة » . فهو يوهم ـ هنا أيضاً ـ أنّ هناك نهياً ـ محتوماً ـ قد وقع ، و أنّ البحث إنّما هو في وقوعه في مكّة أو المدينة! وبدعوى أنّ المسلمين كانوا يجهلون القراءة والكتابة ، ينفي أن يكون ذلك في مكّة ، مع أنّه يجد القرآن قد كتب في مكّة ، وعلى يد اُولئك القلّة من المستضعفين والمضطهدين؟! ومن أين عرف المؤلّف أنّ المضطهدين لابدّ أن يجهلوا القراءة والكتابة؟! مع أنّ نهي قريش لعبدالله بن عمرو ، عن كتابة كلّ شيء عن النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) يقتضي أن يكون ذلك في مكّة ، لأنّ قريشاً لم تكن لها تلك الجرأة لكي يتكلّموا بذلك الكلام الثقيل في المدينة ، مركز ثقل النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و حكومته !

 
2 ـ و في ص45 ، بعد نقل حديث عن أحمد ، نصّه : « أفضل الصوم صوم أخي داود . . . » يقول : « وما نظنّه إلاّ من وضع اُولئك الصالحين الذين كانوا يضعون الأحاديث » . وأيّ منهج نقدي يجيز له هذا التظنّي؟!
3 ـ و في ( ص44 ) عن صحيفة عبدالله بن عمرو ، يقول : « لم يأخذها أحمد بن حنبل في مسنده ، عن صحيفة مكتوبة ، إذ أنّ علماء الحديث كانوا لا يجيزون أخذ الحديث عن الصحف المكتوبة إلاّ إذا رويت بطريق السماع عن ثقة عن ثقة عن ثقات حتّى ينتهي إلى الصحابي الذي سمعها من النبي ، كانوا يطلقون على الأحاديث المكتوبة في صحيفة اسم ( الوجادة ) وقد احتجّ الفقهاء على عدم الأخذ بها ، ولو عُلم كاتبها ، إلاّ إذا اُخذت بالسماع والرواية » . فمع أنّ الكلام مؤلّف من دعاو متعدّدة ، وخال عن أيّ مصدر أو مرجع ، فهو مخالف للواقع في عدّة مواقع : فدعواه « أنّ أحمد لم يأخذ من صحيفة مكتوبة » لم يدلّ عليه الدليل ، فالحاجة إلى السماع لا تنافي كون الحديث مكتوباً ، فيسمعه أيضاً . مع أنّ حصر طرق الرواية بالسماع فقط ، مخالف لإجماع العلماء على أنّ طرق التحمّل والأداء عديدة .

 
على أنّ الوجادة المقرّرة كآخر الطرق الثمان لتحمّل الحديث وأدائه هي أن يعتمد الراوي على وجود الحديث في نسخة مكتوبة ، بشرط أن يكون خطّ الكاتب معروفاً ، وموثوقاً به من حيث الضبط والصحّة ، لكنّ الراوي الواجد لم يحصل على الكتاب بطريق السماع والقراءة أو غيرها من الطرق ، غير هذه الوجادة . وأمّا العثور على كتاب لا يعرف صاحبه ولا كاتبه ولم يوثق بصحّته وضبطه ، فلا يدخل في البحث عن « الوجادة » المصطلح عليها . والوجادة ـ مع شروطها المقرّرة ـ عدّها البعض كآخر الطرق لبلوغ الحديث إلى الواجد ، فيكون متحمّلا له لوصوله إليه ، وأنّه خير من التزام الرأي . إذن ، فالكتابة الموجودة بخطّ معروف ، ليس من المختلف فيه ، بل هو معتمد عليه عند الأكثر ، وبهذا يعرف وجه المهاترة في قوله : « حتّى لو علم كاتبها » إذ لو لم يكن لذلك أثر ، فما هو الذي دفعه إلى فرضه ؟!
4 ـ و في ص47 ـ 48 ، يقول : بعد نقل أحاديث إباحة التدوين ـ :

« هذه تثبت أنّه ( صلى الله عليه وآله ) رخّص بكتابة أحاديثه لبعض أصحابه ، ممّن كانوا يعرفون القراءة والكتابة ، وهذا القول ـ و إن كان صحيحاً ـ فإنّه لا يشكّل دليلا يثبت أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) أراد أن يجعل من أحاديثه كتاباً يقرؤه الناس ، كالقرآن ، وأنّ كلّ الأدلّة تشير إلى أنّه رخّص لبعض أصحابه ممّن كانوا يحسنون القراءة والكتابة ، بكتابة أحاديثه من أجل حفظها ، وكان الناس الذين يكتبونها يتلفونها إذا حفظوها ، ولو صحّ أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) أباح كتابة السنّة ليجعل منها كتاباً ككتاب الله يقرؤه الناس على نحو ما حدث في القرن الثالث الهجري ، لما بدر من جانب الصحابة هذا التشدّد في منع كتابتها ،

 

والذي وصل درجة التحريم ، وقد قضت السنّة قرابة القرن من الزمن والمسلمون يحرّمون كتابتها ، أمّا الصحف فلم يصل شيء منها إلى الرجال الذين قاموا بتدوين الحديث في القرن الثالث ، ولم يقل أحد منهم أنّه اعتمد في جمع السنّة على صحيفة من هذه الصحف » . فالمصادرة ـ كما يقول أهل المنطق ـ واضحة في دعواه الاُولى ودليلها بفارق واحد ، وهو أنّ الدعوى هي كون الترخيص لبعض من يعرفون الكتابة والقراءة ، وأمّا الدليل فهو كون الترخيص لبعض من يحسنون ذلك؟! فهل يريد المؤلّف أن يفرّق بين من « يعرفون » وبين من « يُحسنون »؟! وأمّا تصحيحه للدعوى ، فهل يأمن أن يقول له المعارضون : إنّ النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم )

 

إنّما منع بعض الصحابة ممّن لم يعرفوا ـ أو لم يحسنوا ـ الكتابة والقراءة؟! وإذا لم تشكّل أدلّة الإباحة دليلا على الجواز العامّ ، فلماذا شكّلت أدلّة النهي دليلا على المنع المطلق والعامّ؟! وأمّا دعواه « أنّ الناس كانوا يتلفون ما يكتبون » فهل وجد له مصدراً دلّ على ذلك ، ممّا اتّصل بعصر النبوّة ، حتّى يمكن نسبة ذلك إلى الشريعة؟! وإذا كان النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) قد أجاز للبعض ـ ممّن يعرف أو يحسن ـ فلماذا لم يرد أن يكون كتاباً يقرأ؟! فهل الكتاب يسجّل إلاّ ليقرأ؟! وهل إتلاف الكتاب ـ بعد كتابته ـ يوافق المنطق والعقل السليم؟! فلماذا لا ينقد المؤلّف متن ما جاء بذلك من الأحاديث ـ لو وردت ـ وهو من دعاة النقد العقلي للحديث؟! وأمّا استناده إلى ما بدر من الصحابة من التشدّد في منع الكتابة ، فهو إستدلال باجتهاداتهم مقابل نصّ النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) وأمره بالكتابة . وهل عمل الخلفاء في القرن الأوّل ، يشكّل دليلا في مقابل نصّ النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) حتّى يستند إليه ، فيدّعي أنّ السنّة قضت قرناً من الزمن غير مكتوبة؟!

 
نعم ، إنّ الحديث طيلة القرن الأوّل قد حورب ومنع من كتابته ، ولكن ذلك لا يشكّل دليلا شرعياً على صحّة ما فعلوا ، ما دام الحديث حجّة بنصّ القرآن ، وتأكيد الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم )على المحافظة عليه ، ونشره وتبليغه . مع أنّ المتشدّدين ضدّ تدوين السنّة لم يكونوا إلاّ القلّة ـ من الحكّام ومؤيّديهم ـ ، و أمّا عامّة الصحابة فكانوا مع التدوين ، وقائمين به ، ومؤكّدين عليه ، من خلال أعماله ومؤلّفاتهم ، وأقوالهم وتصريحاتهم . وأمّا دعواه بالنسبة إلى من جمع الحديث في القرن الثالث ، فهي فارغة من كلّ دليل ، بل اعتمادهم على الصحف والكتب والكتابات ، فهو أمر معروف لا يحتاج إلى تصريح ، بعد كلّ حرصهم و تأكيدهم على التدوين والتأليف .

 

والمؤلّف يعيد بعض هذه الدعاوى في ص57 ، ويقول في ص145 : « عندما أمر الخليفة عمر بن عبدالعزيز بتدوين السنّة ، في بداية القرن الثاني للهجرة ، لم يكن في أيدي المسلمين أيّ كتاب ، أو صحيفة ، أو وثيقة تحوي شيئاً من أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) . . . أمّا ما قيل عن بعض الصحف التي كتبت في عهد رسول الله ، فهي قد إندرست ، ولم يعرف شيء منها ، ولذلك اعتمد رجال الحديث في جمعه على الرواية و الذاكرة ممّن كانوا يحفظونه » . وهل في اعتماد الرواية والذاكرة ممّن كانوا يحفظونه ما يقتضي إندراس الكتب السابقة ؟! أو في ذلك دلالة على عدم الحاجة إلى الكتابة ؟! وهل الكتابة تنافي الحفظ على الذاكرة؟! كيف ، وهو قد إفترض أنّ الكتب إنّما كتبت كي تحفظ ، فإذا حفظت أُتلفت ـ كما زعم ـ؟! و من أين كلّ هذه الدعاوى الطويلة العريضة ، على التاريخ وحوادثه ، وعلى الحديث ، وعلى المحدّثين ؟! هل « المنهج النقدي » يسمح بمثل هذه الدعاوى من دون دليل ؟! و البحث إنّما هو عن أمر يحتاج في معرفته إلى النقل والرواية ، إلاّ أن نترك المنهج إلى التزام الجسارة والتعدّي والتجاوز على التراث و ذخائره !

 
5 ـ و في ص 168 ، يقول : « بعد أن انتشرت الكتابة وكثر الذين يكتبون وظهرت الكتب وفيها الأحاديث المكتوبة ، صار يجوز الأخذ بها إذا أجازها قائلها ، وقد أطلقوا عليها اسم « الإجازة » وهذه المرحلة التي مرّ بها الحديث والمسمّاة بمرحلة الإجازه جاءت بعد مضيّ قرن من الزمن كانت كتابة الحديث فيه محرّمة » . فإن صحّ الربط بين وجود الكتب ، وبين ما يسمّى بالإجازة ، فإنّ ذلك ينسف دعواه تحريم كتابة الحديث في القرن الأوّل وعدم تحقّقها فيه ، لأنّا قد أثبتنا في بحث مفصّل وجود « إجازات » صادرة في بداية النصف الثاني من القرن الأوّل 3 ، فتكون الكتب متداولة منذ ذلك الحين ، وتكون مرحلة التدوين متقدّمة على ما فرضه . وأمّا قوله بعد ذلك في ص169 : « ثمّ تلت هذه المرحلة مرحلة جديدة وهي جواز نقل الحديث وتدوينه في الكتب من دون إجازة من أحد » .

 

فيدلّ على ضحالة معرفته بتاريخ التراث الإسلامي ، ومناهج رجاله في ضبطه وتداوله ، فإنّ الرجوع إلى الكتب من دون سماع أو إجازة ، أو سائر طرق التحمّل سوى وجود الكتاب ، إنّما تسمّى « الوجادة » لكنّها لم تكن عنده معتبرة كما ذكر في ص44 أنّ الفقهاء احتجّوا على عدم الأخذ بها . أمّا « الإجازة » فقد ظلّت ضرورية ومتداولة حتّى عهد متأخّر ، ولا تزال مهمّة لأداء آثارها التراثية .
6 ـ و يقول في ص 167 : « و في كتب الحديث أحاديث ركيكة في تركيبها وبنائها ولا يتصوّر أن تصدر من النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو أفصح الفصحاء ، وقد نزل القرآن على لسانه ، وكان في غاية الفصاحة » . وهذه نغمة سبق أن ضرب على وترها محمود أبو ريّة ، وهي دعوى خاوية على عروشها ، ولقد فنّدناها في دراستنا عن « تدوين السنّة الشريفة » .

 
7 ـ و يقول في ص 5 ـ 146 عن علوم الحديث : « هي مجموعة الأبحاث التي ظهرت في القرنين الثاني والثالث الهجريّين لحلّ الإشكالات التي نجمت عن تدوين السنّة في العصر الإسلامي الأوّل » . فمع أنّ تأخّر ظهور علوم الحديث لا يدلّ على تأخّر تدوين الحديث فإنّ كلامه هذا يدلّ على عدم معرفته بالمعنى الصحيح لهذه العلوم ، إذ غالب أنواعها إنّما يرتبط بنفس الحديث بقطع النظر عن كونه مدوّناً أو غير مدوّن . مع أنّ ظهور العلم بشكل منظّم ومدوّن ، لا ينافي وجوده في الواقع ، و إن لم يدوّن ، و عدم تدوينه لا يدلّ على عدم وجوده ، فالمتأخّر هو جمع قواعده وإقتناصها وتنظيمها وتأليفها بشكل علم مستقلّ ، فالنحو ـ مثلا ـ و إن كان إبرازه و إظهاره كعلم مستقلّ له قواعده واُصوله ومؤلّفاته ، إلاّ أنّه موجود في صميم اللغة العربية يتداوله العرب في لغتهم ، ولا ينكره أحد منهم . فكيف يدّعي كون الإشكالات الناتجة من التدوين هي السبب في ظهور علوم الحديث؟!

شاهد أيضاً

8b90a718-25da-42e0-97b9-602367038582

تحدي جونسون والقلق الكبير الذي ينتابه حيال زيارة ترامب المرتقبة إلى لندن

الوقت- كانت زيارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخارجية، خلال السنوات الثلاث التي ترأس فيها البيت ...