الرئيسية / اخبار اسلامية / اكثر من 183 سنة مفقودة من تاريخ الإسلام .. أين اختفت ؟
1

اكثر من 183 سنة مفقودة من تاريخ الإسلام .. أين اختفت ؟

تدوين السنة الشريفة
بدايته المبكرة في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
ومصيره في عهود الخلفاء إلى نهاية القرن الأول
- السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
اكثر من 183 سنة مفقودة من تاريخ الإسلام .. أين اختفت ؟

هذا البحث جدير بالقراءة والتمعن.

ص 91

لكن أولياءهم حاولوا تدارك ذلك كله فاختلقوا الحديث المشهور: اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهدا لم تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربى تقربه بها إليك الحديث (1). آثر مختلق هذا الحديث سادته وكبراءه على الله تعالى ورسوله فلم يأبه بلوازم افترائه التي لا تليق بخاتم النبيين وسيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم كما أوضحناه في ما علقناه على الحديث في كتابنا – أبو هريرة -. وما كان لهؤلاء أن يحتفظوا بكرامة من لعنهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنفاقهم، ونفاهم لفسادهم، فيضيعوا على أنفسهم المصلحة التي توخاها

(هامش)

(1) أخرجه الشيخان عن أبي هريرة وأوردناه في كتابه، وهناك مباحث يجدر بأهل العم أن يلموا بها.

ص 92

لهم نبيهم في لعنه إياهم واقتضائه لهم. والآن يحدثنا عروة بن الزبير عن خالته – أم المؤمنين – بهذا الخبر، وإنه لعرة من العرر، فليعطف على قولها: مات رسول الله بين سحري وتحري، وربما قالت: بين حاقنتي وذاقنتي، وربما قالت: مات ورأسه على فخذي (1). وإن شئت فاعطفه على قولها: سابقني النبي فسبقته فلبثنا حتى رهقني اللحم، سابقني فسبقني. فقالت: هذه بتيك (2). أو على قولها: كنت العب بالبنات فيجئ صواحبي فيلعبن معي، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

(هامش)

(1) فيما روي عنها بطرق مختلفة، والحق أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحق بالرفيق الأعلى ورأسه في صدر أم المؤمنين عليه السلام كما أثبتناه بالحجج القاطعة في المراجعة 86 من كتاب المراجعات. (2) أخرجه الإمام أحمد من حديثها ص 39 من الجزء 6 من مسنده. (*)

ص 93

يدخلهن علي فيلعبن معي (1). أو على قولها: خلال في سع لم تكن في أحد من الناس إلا ما آتي الله مريم بنت عمران، نزل الملك بصورتي، وتزوجني رسول الله بكرا لم يشركه في أحد، وكنت من أحب النساء إليه، ونزل في آيات من القرآن كادت الأمة أن تهلك فيهن، ورأيت جبرائيل ولم يره أحد من سائه غيري، وقبض في بيتي لم يله أحد غيري (2

(هامش)

(1) أخرجه أحمد من حديثها في مسنده فراجع ص 75 من الجزء 6. (2) وقع الاتفاق على أنه صلى الله عليه وآله وسلم مات وعلي حاضر وهو الذي كان يمرضه وقلبه، وكيف يصح أنه لم يله أحد غيرها، فأين كان علي وفاطمة والعباس وصفية والهاشميون والهاشميات؟ وأين كان أزواج النبي؟ وأين كانت الأمة وأبرارها؟ وكيف يتركونه كلهم تستقل به عائشة وحدها؟ ثم لا يخفى على أحد أن مريم لم يكن فيها شيء من الخلال السبع التي ذكرتها عائشة، فما الوجه في استثنائها إياها؟ (*)

ص 94

أنا والملك الحديث (1). إلى آخر ما كانت تسترسل فيه من خصائصها، وكلها من هذا القبيل.

الثامن: سخافة الخوخة وما إليها من سخافات أخر

ما أخرجه البخاري (2) من حديث عكرمة عن ابن عباس. قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي مات فيه (3) عاصبا رأسه بخرقة فصعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: إنه ليس من الناس أحد أمن علي من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت

(هامش)

(1) أخرجه ابن أبي شيبة وهو الحديث 1017 من أحاديث الجزء السابع من كنز العمال. (2) في باب الخوخة والممر في المسجد من كتاب الصلاة في الجزء الأول من صحيحه. (3) قبل موته بثلاث ليال كما نص عليه القسطلاني في شرح هذا الحديث في باب سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر من أبواب مناقب المهاجرين ص 326 من الجزء 7 من إرشاد الساري. (*)

ص 95

أبا بكر خليلا، لكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر. وأخرج البخاري أيضا نحوه (1) من حديث فليح بن سليمان عن أبي سعيد الخدري، غير أن آخره: لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر. قلت: لا وزن لهذين الحديثين ولا قيمة لهما متنا وسندا. أما السند فلأن عكرمة كان من الخوارج. وكان داعية إلى الخروج، فعن الإمام أحمد بن حنبل: كان عكرمة من أعلام الناس، ولكنه كان يرى رأي الصفرية من الخوارج، ولم يدع موضعا إلا أتاه، وعن عطاء أن عكرمة كان أباضيا، وعن يعقوب الحضرمي: كان عكرمة يرى رأي الأباضية، وعن يحيى بن بكير قال: قدم عكرمة مصر وهو يريد المغرب، فخوارج

(هامش)

(1) في باب الخوخة من كتاب الصلاة. (*)

ص 96

الغرب كلهم عنه أخذوا، وعن ابن المديني: كان عكرمة يرى رأي نجدة الحروري، ى وعن مصعب الزبيري: كان عكرمة على رأي الخوارج، قال: وادعى على ابن عباس أنه كان يرى رأيهم، كذبا وافتراء على ابن عباس، وعن أحمد بن حنبل: ما علمت أن مالكا حدث بشيء عن عكرمة إلا في الرجل يطأ امرأته قبل الزيارة، وعن خالد بن أبي عمران قال: كنا في المغرب وعندنا عكرمة وقت موسم الحج فقال: وددت أن بيدي حربة فاعترض بها من شهد الموسم يمينا وشمالا، بناء منه على كفر المسلمين جميعا عدا إخوانه الخوارج، ووقف عكرمة على باب المسجد فقال: ما فيه إلا كافر، وحدث عكرمة يوما فقال: إنما أنزل الله المتشابه من القرآن ليضل به. قلت: ما أخبثها كلمة، بل أنزل ليهدي به،

ص 97

وما يضل به إلا الفاسقون من أمثاله. وكان مع هذا كله كذابا شهد عليه بالكذب جماعة من أعلام معاصريه، كعبد الله بن عمر إذ قال لمولاه نامع: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس، وكسعيد بن المسيب إذ قال لمولاه برد: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس، وأوثقه سيده علي بن عبد الله بن العباس فعوتب. فقال: إن هذا الخبيث يكذب على أبي، فشهد عليه بالكذب والخبث كليهما وهو أعرف الناس به، وشهد عليه بالكذب يحيى بن سعيد ومحمد بن سيرين وقال: ما يستوي أن يكون من أهل الجنة ولكنه كذاب. إلى آخر ما هو مذكور من جرحه في ترجمته من ميزان الاعتدال الذهبي وغيره، على أن كل من ترجمه كالقسطني في مقدمة فتح الباري وابن خلكان في

ص 98

وفيات الأعيان، وياقوت الحموي الرومي في معجم الأدباء ذكروه بما سمعت، والشهرستاني لما ذكر رجال الخوارج في كتاب الملل والنحل، كان عكرمة أول رجل عده منهم. وكذلك فليح بن سليمان، إذ ضعفه يحيى بن معين وأبو حاتم والنسائي. قال ابن معين: فليح بن سليمان ليس بثقة، ولا ابنه محمد. وروى عباس عن يحيى: أن فليحا لا يحتج به. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت ابن معين يقول: ثلاثة يتقى حديثهم محمد بن طلحة بن مصرف، وأيوب بن عتبة، وفليح بن سليمان. وقال أبو داود: لا يحتج بفليح. قلت: وكانوا يتهمونه في علي وعثمان وعائشة ومعاوية ومن كان مع هؤلاء من الصحابة، فهو إذا من الخوارج كعكرمة، وهذا بمجرده يضطرنا إلى الريب فيهما، ولا سيما في حديثهما هذا المصوغ لمعارضة الصحاح

ص 99

الصراح في سد الأبواب غير باب علي عليه السلام. وحسبنا من حزازات المتن: أنه لم يكن لأبي بكر منزل جنب المسجد لينفذ إليه من خوخته، وإنما كان منزله في السنح من عوالي المدينة، ولبعد منزله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحضر احتضاره ولا وفاته، وإنما جاء كما صح عن عائشة بعد أن قضى نحبه فوجده مسجى – بأبي هو وأمي – وعمر يحلف بالله إنه ما مات، الحديث (1). ولما لم يكن لأبي بكر منزل قرب المسجد أشكل الأمر على المتعبدين بحديث البخاري ومسلم، فاضطروا

(هامش)

(1) أخرج البخاري وغيره عن عائشة قالت: ما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر بالسنح فقام عمر يقول: إنه والله ما مات وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم فجاء أبو بكر وكشف عن رسول الله الحديث، وكل من تعرض لذكر منزل أبي بكر قال: إنه في السنح، وذكره ابن الأثير في مادة سنح من نهايته في غريب الحديث. (*)

ص 100

إلى التحوز في حديث عكرمة وفليح فجعلوا سد الخوخة كناية عن سد أبواب المقالة وتطلع غير أبي بكر إلى الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبعبارة أوضح: جعلوا سد الأبواب كناية عن سد أفواه الأمة ومطامعها عن معارضته في أمر الخلافة أو سد طرق الوصول إليها على غيره، ونقل القسطلاني عن التوريشتي والطيبي القول بأن المجاز أقوى معللين ذلك بقولهما: إذ لم يصح عندنا أن أبا بكر كان له منزل بجنب المسجد وأن منزله إنما كان بالسنح من عوالي المدينة (1). قلت: لا لوم على القوم فإنهم أسراء العاطفة تسخر مشاعرهم وحواسهم، فإذا هم مسيرون بأف هامشهم وأحلامهم

(هامش)

(1) هذا كلام التوريشتي والطيبي عينا وهما من أعلام علمائهم نقله عنهما القسطلاني في إرشاد الساري فراجع كلمة التوريشتي في ص 327 من الجزء 7 في باب سد الأبواب إلا باب أبي بكر ونقله عن الطيبي في ص 474 من الجزء السابع أيضا في باب هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة. (*)

ص 101

أن نطقوا وإن صمتوا، ولو قيل لهم هل تثبت صحاحكم لعلي هذه الخصيصة، خصيصة سد الأبواب غير بابه لما وسعهم إلا الإقرار ببعض المأثور من صحاحها، وربما اقتصروا على ما اقتصر عليه القسطلاني، إذ يقول: وقد وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند الإمام أحمد والنسائي بإسناد قوي، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي (قال) وفي رواية للطبراني في الأوسط برجال ثقات مع زيادة فقالوا: يا رسول الله سددت أبوابنا. فقال: ما أنا سددتها ولكن الله سدها (قال) ونحوه عند أحمد والنسائي والحاكم ورجاله ثقات عن زيد بن أرقم وابن عباس، وزاد فكان علي يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره، رواه أحمد والنسائي والحاكم ورجاله ثقات قال: ونحوه من حديث

ص 102

جابر بن سمرة عند الطبراني (قال) وبالجملة فهي كما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني أحاديث يقوي بعضها بعضا وكل طريق منها صالح للاحتجاج بنفسه فضلا عن مجموعها هذا كلامه بنصه. قلت: إن هذا المقدار لأقل ما يقال في الصحاح المأثورة في سد الأبواب غير باب علي وكفى به حجة على ثبوت ذلك. وإليك تفصيل حديث واحد من السنن التي أشار إليها القسطلاني بإجمال أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس في الجزء الأول من مسنده (1) والحاكم في الجزء الثالث من المستدرك (2) والنسائي في خصائصه العلوية (3) كلهم عن عمرو بن ميمون. قال: إني لجالس عند ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط فقالوا: يا ابن عباس إما أن تقوم معنا وإما أن تخلو بنا من بين هؤلاء.

(هامش)

(1) آخر ص 330. (2) ص 133. (3) ص 6. (*)

ص 103

فقال ابن عباس: بل أقوم معكم. قال – وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى -: فابتدأوا فتحدثوا فلا ندري ما قالوا. قال: فجاء ينفض ثوبه ويقول: أف وتف وقعوا في رجل له بضع عشرة فضائل ليست لأحد غيره، وقعوا في رجل قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لأبعثن رجلا لا يخزيه الله أبدا، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فاستشرف لها من استشرف. فقال: أين علي فجاء وهو أرمد لا

ص 104

يكاد أن يبصر فنفث في عينيه ثم هز الراية ثلاثا فأعطاها إياه، فجاء علي بصفية (1) بنت حيي. قال ابن عباس: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلانا بسورة التوبة فبعث عليا خلفه فأخذها منه. وقال: لا يذهب

(هامش)

(1) لا يخفى دلالة ما أشار إليه ابن عباس بكلامه هذا من سرعة الفتح وعظمته بسبي بنت الملك حي. بها إلا رجل هو مني وأنا منه. قال ابن عباس: وقال النبي لبني عمه: أيكم يواليني في الدنيا والآخرة. قال: وعلي جالس معه، فأبوا. فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة. قال: أنت وليي في الدنيا والآخرة. قال: فتركه ثم قال أيكم يواليني في الدنيا والآخرة، فأبوا. وقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة. فقال لعلي: أنت وليي في الدنيا والآخرة، قال ابن عباس: وكان علي أول من آمن من الناس بعد خديجة. قال ابن عباس: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثوبه فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين. وقال إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. قال ابن عباس: وشرى علي نفسه فلبس ثوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم نام مكانه، وكان المشركون يرمون رسول الله، إلى أن قال: وخرج (*)

ص 105

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك فقال له علي أخرج معك؟ فقال: لا، فبكى علي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي، لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي. وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنت ولي كل مؤمن بعدي ومؤمنة. قال ابن عباس: وسد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبواب المسجد غير باب علي، فكان يدخل المجد جنبا وهو طريقه ليس له طريق غيره. قال ابن عباس: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من كنت مولاه فإن مولاه علي، الحديث. قال الحاكم بعد إخراجه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة. قلت: وأورده

ص 106

الذهبي في التلخيص مصرحا بصحته على مزيد تعنته. ولا يخفى ما فيه من الأدلة القاطعة على أن عليا ولي عهد والقائم مقامه من بعده جعله وليه في الدنيا والآخرة، وأنزله منه منزلة هاون من موسى، ولم يستثن إلا النبوة، واستثناؤها دليل على العموم، والمسلمون والكتابيون يعلمون أن أظهر المنازل التي كانت لهارون من موسى وزارته له وشد أزره به ومشاركته في أمره، وخلافته عنه، وفرض طاعته على أمته بدليل قوله تعالى: واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري. وقوله سبحانه لهارون: أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين.

ص 107

وقوله عز وجل: قد أوتيت سؤلك يا موسى. فعلي بحكم هذه النصوص خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قومه، ووزيره من أهله وشريكه في أمره على سبيل الخلافة، عنه لا على سبيل النبوة، وأفضل أمته وأولاهم به حيا وميتا، وله عليهم من فرض الطاعة حتى في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل الذي كان لهارون على أمة موسى زمن موسى، ومن سمع حديث المنزلة تبادر إلى ذهنه كل هذه المنازل، وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأمر جليا بقوله: إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي، وهذا نص صريح في كونه خليفته، بل نص جلي في أنه لو ذهب ولم يستخلفه كان قد فعل ما لا ينبغي أن يفعل، وهذا

ص 108

ليس إلا لأنه كان مأمورا من الله عز وجل باستخلافه كما ثبت في تفسير قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس. ومن تدبر في قوله تعالى في هذه الآية فما بلغت رسالته ثم أمعن النظر في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم هنا: إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي، وجدهما يرميان إلى غرض واحد كما ذكرناه في المراجعة 26 من مراجعاتنا الأزهرية البشرية. ولا تنس قوله: أنت ولي كل مؤمن بعدي، ولا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من كنت مولاه فإن مولاه علي، فإنه نص في أنه ولي الأمر وواليه، والقائم مقامه فيه. كما قال الكميت عليه الرحمة:

ص 109

ونعم ولي الأمر بعد وليه * ومنتجع التقوى ونعم المؤدب وقد جاء النص في سد الأبواب غير باب علي بطرق كثيرة عن كل من ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم، وصحابي من خثعم، وأسماء بنت عميس، وأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحذيفة بن أسيد، وسعيد بن أبي وقاص، والبراء بن عازب، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبي ذر، وأبي الطفيل، وبريدة الأسلمي، وأبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجابر بن عبد الله (1) وغيرهم.

(هامش)

(1) من أراد الوقوف على المأثور من حديث هؤلاء كلهم بسد الأبواب غير باب علي، فليستقص موارده من مسند أحمد ومستدرك الحاكم وصيح الترمذي وخصائص النسائي والأكبر والأوسط والصغير للطبراني ومسند أبي يعلى ومختارة الضياء وكنز العمال للمتقي الهندي ومناقب الإمام أحمد والمناقب لابن المغازلي الشافعي وغاية المراد للشريف الكتكاني. (*)

ص 110

فلا يعارضه حديث خوخة أبي بكر لشذوذه وسقوط راوييه الخارجيين عكرمة وفليح عن درجة العدالة والاعتدال والصدق، ولحزازات متنه، وعدم استقامته، على أنه صريح في أنه إنما صدر في مرض موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحينئذ كانت الأبواب كلها مسدودة غير باب علي، لتقدم الأمر بذلك على مرضه صلى الله عليه وآله وسلم، فأي معنى لقوله بعد ذلك: سدوا هذه الأبواب غير خوخة أبي بكر يا أولي الألباب؟؟. وإذا، فليسقط عكرمة وفليح، وليسقط روايتهما بسلطان البرهان الساطع، ولتعطف على سائر المختلفات من الأحاديث الموضوعة، لمعارضة علي وغيره من أهل البيت فيما اختصهم الله به من فضله، وهي على أنواع وإنما نورد الآن منها ما تسعه هذه العجالة.

ص 111

فمنها، معارضا لحديث المنزلة، كحديث قزعة بن سويد عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن الله اتخذ صاحبكم خليلا، أبو بكر وعمر مني بمنزلة هارون من موسى. رواه غير واحد عن قزعة بن سويد الباهلي، وأخرجوه في كتب المناقب، وقد جاء في بعض طرقه: ما نفعني مال كما نفعني مال أبي بكر، أبو بكر وعمر مني بمنزلة هارون من موسى. لكن الذهبي وأورده بطريقيه، تارة في ترجمة قزعة بن سويد، فقال: منكر، وتارة في ترجمة عمار بن هارون، فقال: هذا كذب، وقال ابن عدي: وقرعة ليس بشيء.

ص 112

ومنها، ما كان لمعارضة نصوص الخلافة، كحديث عمر بن إبراهيم بن خالد، عن عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس، عن أبيه عن جده. أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال العباس: يا عم إن الله جعل أبا بكر خليفتي على دين الله فاسمعوا له وأطيعوا تفلحوا، أوردوه في المناقب، وجهابذة الحديث مجمعون على بطلانه، وممن صرح بذلك علامة عصره الذهبي في ترجمة إبراهيم من ميزان الاعتدال، ونص الخطيب في ترجمة عمر بن إبراهيم بن خالد من تاريخ بغداد على أنه كذاب، ويروي المناكير عن الإثبات، وأورد من حديثه عن زيد بن ثابت مرفوعا: أول من يعطى كتابه بيمينه عمر بن الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس، قيل: عن أبي بكر؟ تزفه الملائكة إلى الجنة.

ص 113

منها، ما كان لمعارضة عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى علي، أنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق – الموجود في صحيح مسلم وغيره – كحديث عبد الرحمن بن مالك بن مغول، بسنده إلى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يبغضن أبا بكر وعمر مؤمن، ولا يحبهما منافق، أوردوه في المناقب، لكن عبد الرحمن بن مالك بن مغول هذا ترجمه الخطيب في صة 236 والتي بعدها من الجزء العاشر من تاريخ بغداد، فنقل ثمة عن أئمة الجرح والتعديل: أنه كذاب أفاك وضاع، لا يشك فيه أحد، وذكره الذهبي في ميزانه فنقل عنهم: أنه متروك وأنه كذاب وأنه يضع الحديث. ومنها ما كان لمعارضة سيدي شباب أهل الجنة، كحديث عبد الرحمن بن مالك بن مغول الآنف

ص 114

الذكر بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد رأى أبا بكر وعمر: هذان سيدا كهول أهل الجنة. قلت: وقد علمت حال عبد الرحمن هذا وحال لهجته. ومنا ما كان معارضا للعترة في حديث الثقلين المجمع على صحته، كحديث صالح بن موسى بن عبد الله بن إسحاق بن طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي الطلحي بسنده إلى أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إني قد خلفت فيكم ثنتين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض: قلت مضمون الحديث حق، لكن صدوره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ: وسنتي باطل، ومرمى راويه تضليل، والصحيح – الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا

ص 115

كلام وقد أخرجه مسلم وغيره – إنما هو بلفظ: كتاب الله وعترتي أهل بيتي باعتبار أنهم عليهم السلام عيبة سنته التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها كالفرقان العظيم والذكر الحكيم. والآفة في تحريف هذا الحديث، وإنما هي – على رأي إخواننا الجماعيين من صالح الطلحي – لأنه طالح بلا كلام -. قال يحيى: إنه ليس بشيء ولا يكتب حديثه. وقال البخاري: مكر الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد. وقال ابن إسحاق الجوزجاني: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: منكر الحديث جدا عن الثقات. وأرسل الذهبي ضعفه إذ أورده في الميزان إرسال المسلمات. ونقل عن أئمة الجرح والتعديل: كل ما نقلناه عنهم من جرحه.

ص 116

ولو أردنا استقصاء ما كان من الأحاديث مختلفا لمعارضة علي وسائر أهل البيت لطال بنا المقام وخرجنا عن موضوع البحث، وهذا القدر كافي لما أوردناه والحمد لله.

التاسع: فرية رعناء في فضل أبي سفيان

ما أخرجه مسلم في باب من فضائل أبي سفيان عن عكرمة بن عمار العجلي اليمامي عن سماك الحنفي عن ابن عباس: أن المسلمين كانوا لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه. فقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا نبي الله ثلاث أعطنيهن. قال: نعم. قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. قال: نعم. قال: ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك. قال: نعم. وتأمرني أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: نعم الحديث

(هامش)

(1) وضعه عكرمة بن عمار وجزم بذلك ابن حزم فيما نقله النوري عنه فراجع ما علقه النوري على هذا الحديث في شرحه. (*)

ص 117

اقتصر عليه مسلم في باب فضائل أبي سفيان، إذ لم يجد – والحمد لله – سواه، على أنه باطل بالإجماع، لأن أبا سفيان إنما دخل في عداد المسلمين يوم فتح مكة إجماعا وقولا واحدا، وقبل الفتح كان حربا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ولكن بنته أم حبيبة واسمها رملة أسلمت وحسن إسلامها قبل الهجرة، وهاجرت مع المهاجرين إلى الحبشة هربا من أبيها وقومها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض أصحابه إلى النجاشي فخطب عليه أم حبيبة فزوجه إياها وأصدقها النجاشي من ماله عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأربعمائة دينار، وأبوها إذ ذاك ممعن في عداوة الله ورسوله، وقدم بعد ذلك على المدينة ليزيد في هدنة الحديبية، فدخل على بنته أم حبيبة، وحين أراد أن يجلس طوت الفراش دونه.

ص 118

فقال: يا بنية أرغبت به عني؟ فقالت: هو فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنت امرؤ نجس مشرك. فقال: لقد أصابك يا بنية بعدي شر، ينص على هذا كله أثبات الأمة من حفظة السنن والآثار (1).

العاشر: فرية حمقاء ما أغنى عثمان بن عفان عن أمثاله

ما أسندوه إلى أبي هريرة من طريق صحيح. قال: دخلت على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأة عثمان وبيدها مشط. فقالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عندي آنفا رجلت شعره. فقال لي: كيف تجدين أبا عبد الله – عثمان -؟. قلت: بخير. قال: أكرميه فإنه من أشبه أصحابي، بي خلقا. أخرجه الحاكم في أحوال رقية من الجزء الرابع من

(هامش)

(1) وهو مما قاله الأستاذ محمد كرد علي في محاضرة ألقاها في مدرج الجامعة السورية وأثبته في ص 416 من المجلد 16 من مجلة المجمع. (*)

ص 119

صحيحه المستدرك. ثم قال: هذا حديث صحيح الأسناد واهي المتن، فإن رقية ماتت سنة ثلاث من الهجرة عند فتح بدر، وأبو هريرة إنما أسلم بعد فتح خيبر سنة سبع. قلت: وأورده الذهبي في أحوال رقية من تلخيص المستدرك أيضا. ثم قال: صحيح منكر المتن، فإن رقية ماتت وقت بدر، وأبو هريرة أسلم وقت خيبر. وفي صحيح البخاري ومسلم من الأسقاط أمثال هذه الأحاديث الشرة شيء كثير، ولعل هؤلاء المرجفين إذا تمادوا في أرجافهم يضطروننا إلى أن نفرد لإسقاطهم وسخافاتهم كتابا على حدة يكون فذا في بابه. أما الآن فإنا إنما نريد تنبيه الأستاذ إلى أن المآخذ التي أخذها على كتاب ابن شهرآشوب لا يسلم الصحيحان مما هو أفظع منها.

ص 120

مع أن الشيخين وسائر السنة من أصحاب الصحاح أخذوا على أنفسهم شروطا ثقيلة فيما جمعوه من الحديث ما أخذ ابن شهرآشوب على نفسه شيئا منها، وإنما جرى في مناقبه على أسلوب الإمام أحمد في مناقبه، وإنه لأسلوب الأكثرين من حفظة الآثار كما أسلفناه.

شاهد أيضاً

0082-620x330

النفط ليست أغلى من دماء شعبنا اليمني

أكد المتحدث باسم حركة أنصار الله اليمنية ورئيس الوفد الوطني محمد عبد السلام في بيان ...