الرئيسية / اخبار اسلامية / الامثال في القران – الشيخ جعفر السبحاني
,,

الامثال في القران – الشيخ جعفر السبحاني

( 26 )

إلى نفس الاَمثال لا إلى الضرب بها، فانّ الاَمثال شيء وضرب الاَمثال شيء آخر، لاَنّ إبراز المتخيل بصورة المحقّق، والمتوهم في معرض المتيقن، ليس من مهمة ضرب الاَمثال، وإنّما هي مهمة نفس الاَمثال، “وذلك أنّ المعاني الكلية تعرض للذهن مجملة مبهمة، فيصعب عليه أن يحيط بها وينفذ فيها فيستخرج سرّها، والمثل هو الذي يفصّل إجمالها، ويوضّح إبهامها، فهو ميزان البلاغة وقسطاسها ومشكاة الهداية ونبراسها”. (1)
السابع: الكتب الموَلفة في الاَمثال القرآنية
ولاَجل هذه الاَهمية التي حازتها الاَمثال القرآنية، قام غير واحد من علماء الاِسلام القدامى منهم والجدد، بتأليف رسائل وكتب حول الاَمثال القرآنية نذكر منها ما وقفنا عليه:
1. “أمثال القرآن” للجنيد بن محمد القواريري (المتوفّى سنة 298هـ).
2.” أمثال القرآن” لاِبراهيم بن محمد بن عرفة بن مغيرة المعروف بنفطويه(المتوفّـى سنة 323هـ).
3. “الدرة الفاخرة في الاَمثال السائرة” لحمزة بن الحسن الاصبهاني (المتوفّـى 351 هـ ).
4. “أمثال القرآن” لاَبي على محمد بن أحمد بن الجنيد الاسكافي(المتوفّى عام 381هـ).
5. “أمثال القرآن” للشيخ أبي عبد الرحمن محمد بن حسين السلمي النيسابوري (المتوفّـى عام 412هـ).

____________
1 ـ تفسير المنار: 1|237.


( 27 )

6. “الاَمثال القرآنية” للاِمام أبي الحسن على بن محمد بن حبيب الماوردي الشافعي (المتوفّـى سنة 450هـ).
7.” أمثال القرآن” للشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية (المتوفّـى سنة 754هـ). وقد طبعت موَخّراً .
8.” الاَمثال القرآنية” لعبد الرحمن حسن حنبكة الميداني.
9. “أمثال القرآن” للمولى أحمد بن عبد الله الكوزكناني التبريزي (المتوفّـى عام 1327 هـ ). المطبوعة على الحجر في تبريز عام 1324 هـ .
10. “أمثال القرآن” للدكتور محمود بن الشريف.
11. ” الاَمثال في القرآن الكريم” للدكتور محمد جابر الفياضي. وقد طبعت موَخّراً .
12. “الصورة الفنية في المثل القرآني” للدكتور محمد حسين علي الصغير. وقد طبعت موَخّراً .
13. ” أمثال قرآن” (بالفارسية) لعلي أصغر حكمت. وقد طبعت موَخّراً .
14. “تفسير أمثال القرآن” (بالفارسية) للدكتور إسماعيل إسماعيلي. وقد طبعت موَخّراً .
الثامن: تقسيم الاَمثال القرآنية إلى الصريح و الكامن
ذكر بدر الدين الزركشي ان الاَمثال على قسمين: ظاهر وهو المصرّح به، وكامن وهو الذي لا ذكر للمثل فيه وحكمه حكم الاَمثال. (1)
وقد نقل السيوطى ذلك النص بنفسه وحاول تفسير المثل الكامن، وقال
____________
1 ـ البرهان في علوم القرآن :1|571.


( 28 )

ما هذا نصّه: فمن أمثلة الاَوّل، قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذي اسْتَوقَدَ ناراً… )(1) ضرب فيها للمنافقين مثلين : مثلاً بالنار ومثلاً بالمطر ـ ثمّ قال ـ : وأما الكامنة: فقال الماوردي: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب بن إبراهيم، يقول: سمعت أبى يقول: سألت الحسين بن فضل، فقلت: إنّك تخرج أمثال العرب والعجم من القرآن، فهل تجد في كتاب الله : “خير الاَُمور أوسطها”؟ قال: نعم في أربعة مواضع:
قوله تعالى: (لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ ). (2)
وقوله تعالى: (وَالّذينَ إِذا أَنْفَقُوا لم يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُروا وكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً). (3)
وقوله تعالى: (وَلا تَجْعَل يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ).(4)
وقوله تعالى: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبيلاً).(5)
قلت: فهل تجد في كتاب الله “من جهل شيئاً عاداه”؟ قال: نعم، في موضعين:
(بَل كَذّبُوا بما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ). (6)

____________
1 ـ البقرة:17ـ20.
2 ـ البقرة:68.
3 ـ الفرقان:67.
4 ـ الاِسراء:29.
5 ـ الاِسراء:110.
6 ـ يونس:39.


( 29 )

(وَإِذ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَديم ). (1)
قلت: فهل تجد في كتاب الله “احذر شر من أحسنت إليه”؟ قال: نعم.
(وما نَقمُوا إِلاّ أن أغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ). (2)
قلت: فهل تجد في كتاب الله “ليس الخبر كالعيان”؟ قال: في قوله تعالى: (قالَ أَوَ لَمْ تُوَْمِن قال بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنّ قَلْبي ). (3)
قلت: فهل تجد “في الحركات البركات”؟ قال: في قوله تعالى: (وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبيلِ اللهِ يَجِدْ في الاََرْضِ مُراغَماً كَثيراً وَسَعَة ). (4)
قلت: فهل تجد”كما تدين تدان”؟ قال: في قوله تعالى: (مَنْ يعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه).(5)
قلت: فهل تجد فيه قولهم “حين تَقْلي تدري”؟ قال: (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حينَ يَرَونَ العَذابَ مَن أَضلُّ سَبِيلاً ). (6)
قلت: فهل تجد فيه : “لا يُلدغ الموَمن من جحر مرّتين”؟ قال: (هَلْ آمنُكُمْ عَليهِ إِلا كَما أَمِنتُكُمْ عَلى أَخيهِ مِنْ قَبْلُ ). (7)
قلت: فهل تجد فيه “من أعان ظالماً سُلّط عليه”؟ قال: (كَتَبَ عَليهِ أَنَّهُ مَنْ
____________
1 ـ الاَحقاف:11.
2 ـ التوبة:74.
3 ـ البقرة:260.
4 vـ النساء:100.
5 ـ النساء:123.
6 ـ الفرقان:42.
7 ـ يوسف:64.


( 30 )

تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعير ). (1)
قلت: فهل تجد فيه قولهم: “ولا تلد الحية إلا حيّة”؟ قال: قوله تعالى: (وَلا يَلِدُوا إِلا فاجِراً كَفّاراً ). (2)
قلت: فهل تجد فيه: “للحيطان آذان”؟ قال: (وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ ). (3)
قلت: فهل تجد فيه: “الجاهل مرزوق والعالم محروم”؟ قال: (مَنْ كانَ فِي الضَّلالةِ فلَيَمْدُد لَهُ الرَّحْمنُ مَدّاً ). (4)
قلت: فهل تجد فيه: “الحلال لا يأتيك إلا قوتاً، والحرام لا يأتيك إلا جزافاً”؟ قال: (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَومَ سَبْتِهِمْ شُرّعاً وَيَومَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهم)(5).(6)
وقد أخذ عليه “بأنّه لو حققْتَ النظر فيما أورده الماوردي، لما وجدت مثلاً قرآنياً واحداً بالمعنى الذي يراد التعبير عنه بأنّه مثل كامن، على أنّ الماوردي لم ينقل عن الحسين بن الفضل بأنّ متخيّره هذا مثل كامن، ولاسمَّى الماوردي ذلك به، وإنّما أورد رواية للمقارنة بما يمكن أن يعد أمثالاً من كلام العرب والعجم، ووضع قائمة مختارة ازاءه من كتاب الله بما يبذّ كلامهم ويعلو على أمثالهم.
فالتسمية إذن اختارها السيوطي متابعاً فيها الزركشي. وطبّق عليها هذه
____________
1 ـ الحج:4.
2 ـ نوح:27.
3 ـ التوبة:47.
4 ـ مريم:75.
5 ـ الاَعراف:163.
6 ـ الاِتقان في علوم القرآن:2|1045ـ 1046.


( 31 )

الاَمثلة . فهي فيما عنده أمثال كامنة ولكنّه من الواضح أن هذه العبارات القرآنية لا تدخل في باب الاَمثال، فإن اشتمال العبارة على معنى ورد في مثل من الاَمثال، لا يكفى لاِطلاق لفظ المثل على تلك العبارة، فالصيغة الموروثة ركن أساس في المثل، لذلك نرى أنّ اصطلاح العلماء على تسمية هذه العبارات القرآنية (أمثالاً كامنة) محاولة لا تستند على دليل نصّي ولا تاريخي. (1)
تفسير آخر للمثل الكامن:
ويمكن تفسير المثل الكامن بالتمثيلات التي وردت في الذكر الحكيم من دون أن يقترن بكلمة “مثل” أو “كاف” التشبيه، ولكنّه في الواقع تمثيل رائع لحقيقة عقلية بعيدة عن الحسن المجسّد بما في التمثيل من الاَمر المحسوس، ومن هذا الباب قوله سبحانه:
1. (أَفَمَنْ أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيرٌ أَمْ مَن أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بهِ في نارِ جَهَنَّم وَاللهُ لا يَهْدي القَوم الظّالِمين ). (2)
إنّه سبحانه شبَّه بنيانهم على نار جهنم بالبناء على جانب نهر هذا صفته، فكما أنّ من بنى على جانب هذا النهر فإنّه ينهار بناءه في الماء ولا يثبت، فكذلك بناء هوَلاء ينهار ويسقط في نار جهنم، فالآية تدلّ على أنّه لا يستوي عمل المتقي وعمل المنافق، فإنّ عمل الموَمن المتقي ثابت مستقيم مبني على أصل صحيح ثابت، وعمل المنافق ليس بثابت وهو واهٍ ساقط. (3)

____________
1 ـ الصورة الفنية في المثل القرآني: 118، نقلاً عن كتاب “الاَمثال في النثر العربي القديم”.
2 ـ التوبة:109.
3 ـ مجمع البيان:3|73.


( 32 )

2. (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَروا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدخُلُونَ الجنَّةَ حتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِين ). (1)
كانت العرب تمثّل للشيء البعيد المنال، بقولهم: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب، وحتى يَبْيَضَّ القار، إلى غير ذلك من الاَمثال .
يقول الشاعر:
إذا شاب الغراب أتيت أهليوصار القار كاللبن الحليب
ولكنّه سبحانه مثّل لاستحالة دخول الكافر الجنّة بأنّهم يدخلون لو دخل الجمل في ثقب الاِبرة، وقال: ولايدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط، معبراً عن كونهم لا يدخلون الجنة أبداً.
ففي الآية تمثيل وليس لها من لفظ المثل وحرف التشبيه أثر.
3. (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ وَالّذي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرّفُ الآيات لِقَوْمٍ يَشْكُرُون ). (2)
إنّ هذا مثل ضربه الله تعالى للموَمن والكافر فأخبر بأنّ الاَرض كلّها جنس واحد، إلا أنّ منها طيّبة تلين بالمطر، ويحسن نباتها ويكثر ريعها، ومنها سبخة لا تنبت شيئاً، فإن أنبتت فممّـا لا منفعة فيه، وكذلك القلوب كلّها لحم ودم ثمّ منها ليّن يقبل الوعظ ومنها قاسٍ جافٍ لا يقبل الوعظ، فليشكر الله تعالى من لانَ قلبه بذكره.(3)

____________
1 ـ الاَعراف:40.
2 ـ الاَعراف:58.
3 ـ مجمع البيان:2|432.


( 33 )

وفي ذيل الآية (كَذلِكَ نُصَرّفُ الآيات )إلمام إلى كونه تمثيلاً، كما في الآية التالية.
4.قال سبحانه: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاََنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلّ الثَّمراتِ وَأَصابَهُ الكِبَر وَلَهُ ذُرّيّةٌ ضُعفاءُ فَأَصابَها إعصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون ). (1)
أخرج البخاري عن ابن عباس، قال: قال عمر بن الخطاب يوماً لاَصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم ) فيمن ترون هذه الآية نزلت (أَيَوَدُّ أَحدكُمْ أَنْ تَكُون لَهُ جَنَّة مِنْ نَخيل وَأَعْناب
قالوا: الله أعلم، فغضب عمر، و قال: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء، فقال: يابن أخي: قل ولا تحقِّر نفسك، قال ابن عباس: ضربت مثلاً لعملٍ، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لرجل غني عمل بطاعة الله ، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله. (2)
وحصيلة البحث: إنّ التمثيل الوارد في القرآن الكريم، تارة يقترن بكلمة المثل، وأُخرى يقترن به مع لفظ الضرب حيث اختار سبحانه مادة الضرب لقسم كبير من أمثال القرآن، وثالثة بحرف كاف التشبيه، ورابعة بذكر مادة المثل بدون اقتران بواحد منهما مثل قوله: (وَالْبَلَدُ الطَّيّبُ يخْرجُ نَباتهُ بِإِذْنِ رَبّهِ وَالّذِي خَبُثَ لا يَخرجُ إِلا نَكِداً ). (3)

____________
1 ـ البقرة:266.
2 ـ صحيح البخاري: التفسير: تفسير سور ة البقرة، باب قوله: (أيودّ أحدكم )رقم 4264.
3 ـ الاَعراف: 58.


( 34 )

التاسع: ما هو المراد من ضرب المثل؟
قد استعمل الذكر الحكيم كلاً من لفظي “المَثَل” و”المِثْل” في غير واحد من سوره وآياته حتى ناهز استعمالهما ثمانين مرة، إلاّ أنّ الثاني يزيد على الاَوّل بواحد.والاَمثال جمع لكليهما ويميّزان بالقرائن قال سبحانه: (إِنَّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله عِبادٌ أَمْثالُكُمْ )(1) وهو في المقام، جمع المِثْل لشهادة أنّه يحكم على آلهتهم بأنّها مثلهم في الحاجة والاِمكان.
وقال سبحانه: (تِلْكَ الاََمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لعلّهُمْ يَتفَكَّرُون ). (2)
فاقتران الاَمثال بلفظ الضرب، دليل على أنّه جمع مَثَل. إلاّ أنّ المهم هو دراسة معنى “الضرب” في هذا المورد ونظائره، فكثيراً ما يقارن لفظ المثل لفظ الضرب، يقول سبحانه: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً ). (3)وقال سبحانه: (وَلَقَدْضَرَبْنا للنّاسِ في هذا القُرآن مِنْ كُلّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرون ). (4)
وقد اختلفت كلمتهم في تفسير لفظ “الضرب” في هذا المقام، بعد اتّفاقهم على أنّه في اللغة بمعنى إيقاع شيء على شيء، ويتعدّى باليد أو بالعصى أو بغيرهما من آلات الضرب، قال سبحانه: (أَنِ اضْرِب بِعَصاكَ الْحَجَر) (5)وقد ذكروا وجوهاً :
الاَوّل: إنّ الضرب في هذه الموارد بمعنى المَثَل، والمرا د هو التَمثيل، وهو
____________
1 ـ الاَعراف:194.
2 ـ الحشر:21.
3 ـ إبراهيم:24.
4 ـ الزمر:27.
5 ـ الاَعراف:160.


( 35 )

خيرة ابن منظور واستشهد بقوله: (واضْربْ لَهُمْ مَثَلاً أَصحابَ القَرْيَةِ إِذْ جاءَها الْمُرسَلُون ) (1)أي مثّل لهم مثلاً وهو حال أصحاب القرية، وقال: (يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالباطِل ) (2)أي يمثل الله الحقّ والباطل. (3)وهذا خيرة صاحب القاموس أيضاً.
الثاني: إنّ الضرب بمعنى الوصف والبيان، وقد حُكي عن مقاتل بن سليمان، وفسر به قوله سبحانه: (وضَرَبَ الله مَثلاً عَبداً مَمْلُوكاً لاَ يَقْدِرُ عَلى شَىء). (4)
واستشهد بقول الكميت:
وذلك ضرب أخماس أريدت لاَسداس عسى أن لا تكونا (5)
الثالث: إنّ الضرب بمعنى الاعتماد والتثبيت، وهو خيرة الشيخ الطوسى(6) (385ـ 460هـ)، والزمخشري، (7)والآلوسى، (8)(المتوفّى عام 0721) فقد فسّروا به قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ). (9)
الرابع: إن الضرب في المقام من باب الضرب في الاَرض وقطع المسير،

____________
1 ـ يس: 13
2 ـ الرعد:17.
3 ـ لسان العرب:2|37 ، مادة ضرب.
4 ـ النحل:75.
5 ـ تفسير الطبرى:1|175.
6 ـ التبيان في تفسير القرآن:7|302.
7 ـ الكشّاف:2|553.
8 ـ روح المعاني:1|206.
9 ـ الحج:73.


( 36 )

وضرب المثل عبارة عن جعله سائراً في البلاد كقولك : ضرب في الاَرض إذا صار فيها، ومنه سُمِّيَ الضارب مضارباً. (1)
فإذا كان الضرب بمعنى قطع الاَرض وطيّها، فضرب المثل عبارة عن جعله شيئاً سائراً بين الاَقوام والشعوب يمشى ويسير حتى يستوعب القلوب.
وفي المقام كلمة لابن قيم، يوضّح فيها أكثر هذه الاحتمالات:
ضرب الله سبحانه لعباده، الاَمثال، وضرب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ) لاَُمّته الاَمثال، وضرب الحكماء والعلماء والموَدّبون الاَمثال، فما معنى ضرب المثل؟
قد يكون مشتقّاً من قولك (ضرب في الاَرض) أي سار فيها.
فمعنى ضرب المثل جعله ينتشر ويذيع ويسير في البلاد. وإلى هذا ذهب أبو هلال في مقدمة كتابه. (2)
وقد يكون معنى “ضرب المثل” نصبه للناس بإشهاره لتستدلّ عليه خواطرهم كما تستدلّ عيونهم على الاَشياء المنصوبة. واشتقاقه حينئذٍ من قولهم:(ضربت الخباء) إذا نصبته .
وقوله تعالى: (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالباطل ) (3)أي ينصب منارهما ويوضح أعلامهما ليعرف المكلّفون الحق بعلاماته فيقصدوه، ويعرفون الباطل فيجتنبوه، كما قال الشريف الرضيّ (359ـ 406هـ) في كتابه “تلخيص البيان في مجازات القرآن” :

____________
1 ـ الحكم والاَمثال:79.
2 ـ انظر مقدمة كتاب جمهرة الاَمثال.
3 ـ الرعد:17.


( 37 )

وقد يفهم من ضرب المثل صنعه وإنشاوَه، فيكون مشتقّاً من ضرب اللّبْنِ وضرب الخاتم.
أو قد يكون من الضرب بمعنى : إبقاء شيء على شيء. (1)
ومنه ضرب الدراهم: أي إيقاع النموذج الذي به الصّكُ على الدراهم لتنطبع به، فكأنّ المثل مطابق للحالة، أي للصفة التي جاء لاِيضاحها، وخلاصة القول: ضرب المثل مأخوذ: إمّا من:
1. ضرَب في الاَرض بمعنى : سار.
2. ضربه: نصبه للناس وأشهره.
3. ضرب: صنع وأنشأ.
4. ضرب: إبقاء شيء على مثال شيء. (2)
وبذلك يُعلم تفسير قوله سبحانه: (… وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراًx انْظُر كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الاََمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ). (3)
نرى أنّ المشركين وصفوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) بكونه رجلاً مسحوراً، فيردّ عليه سبحانه باستنكار ويقول: (انظر ـ أيّها النبي ـ كيف ضربوا لك الاَمثال) أي كيف وصفوك بأنّك مسحور مع أنّ سيرتك تشهد على خلاف ذلك، وما تتلو من الآيات كلامه سبحانه لا صلة له بالسحر وإنّ ما يجدونه خلاَّباً للعقول وآخذاً بمجامع القلوب فإنّه هو لاَجل عذوبته وجماله وإعجازه الخارق وأين هو من السحر؟!

____________
1 ـ تلخيص البيان في مجازات القرآن: 107.
2 ـ الاَمثال في القرآن الكريم:20ـ 21.
3 ـ الفرقان: 8 ـ 9.


( 38 )

وعلى ذلك فالمعنى المناسب لتفسير الآية ، هو تفسير الضرب بالوصف، وقد تقدّم أنّ الوصف أحد معانيه، وأقرّ به ابن منظور: أن انظر كيف وصفوك بكونك مسحوراً.
وأمّا تفسيره بالتمثيل بأن يقال: انظر كيف مثّلوا لك المثال أو التمثيل، فغير تام، لاَنّ وصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) بكونه “مسحوراً”، لا مثَل سائر، ولا تمثيل قياسي.
ونظيره تفسيره بقطع الاَرض، لاَنّ المشركين ما وصفوه به ليشهّروه حتى يصير قولهم “سيراً في الاَرض”.
العاشر: الاَمثال القرآنية وانسجامها مع البيئة
لا شكّ أنّ كلّ خطيب يتأثر بالظروف التي يعيش فيها، وبسهولة يمكن فرز كلام المدني عن القروي، وكلامهما عن كلام البدوي، وما ذاك إلاّ لاَنّ البيئة تُعدّ أحد الاَضلاع الثلاثة التي تُكوّن شخصية الاِنسان ، و من هذا الجانب أصبح بإمكان المحقّق الخبير بالتاريخ أن يميز الشعر الجاهلي عن الشعر في العصر الاِسلامي، و الشعر في العصر الاَموي عن الشعر في العصر العباسي، وما هذا إلاّ نتيجة انعكاسات البيئة على التراث الاَدبي، ولكن القرآن بما أنّه كلامه سبحانه قد تنزّه عن هذه الوصمة، لاَنّ الله سبحانه خالق كلّ شيء فهو منزَّه من أن يتأثر بشىء سواه.
ومع ذلك كلّه نزلت الاَمثال القرآنية لهداية الناس ولذلك رُوعيَ فيها الغايات التي نزلت لاَجلها، فنجد ان الطابع المكي يعلو هامة الاَمثال المكية، والطابع المدني يعلو هامة الاَمثال المدنية.
أمّا الاَمثال المكية، فكانت دائرة مدار معالجة الاَدواء التي ابتلي بها


( 39 )

المجتمع المكى لا سيما وانّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يجادل المشركين ويسفّه أحلامهم ويدعوهم إلى الاِيمان بالله وحده، وترك عبادة غيره، والاِيمان باليوم الآخر، ففي خِضمّ هذا الصراع يأتي القرآن بأروع مثل ويشبّه آلهتهم المزعومة التي تمسّكوا بأهدابها ببيت العنكبوت الذي لا يظهر أدنى مقاومة أمام النسيم الهاديَ، وقطرات المطر ، وهبوب الرياح.
يقول سبحانه: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَولياء كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتّخَذَتْ بَيتاً وإِنَّ أَوهَنَ الْبُيُوتِ لَبيتُ العَنْكَبُوتِ لو كانُوا يَعْلَمون ). (1)
فقد شبّه آلهتهم التي اتخذوها حصوناً منيعة لاَنفسهم بخيوط العنكبوت، وبذلك صغّرهم وذلّلهم.
كما أنّه سبحانه في آية أُخرى شبّه آلهتهم بالذباب، وقال: (يا أَيُّهَا النّاس ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا له إِنَّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً ولَوِ اجْتَمَعوا لَهُ وإن يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوب).(2)
فقد كانت قريش تعبد 360 إلهاً يطلونها بالزعفران فيجفّ، فيأتى الذباب فيختلسه فلا يقدرون عن الدفاع عن أنفسهم، ففي هذا الصدد، قال سبحانه: (ضعف الطالب والمطلوب )أي الذباب والمدعوّ .
فأي مثل أقرع من تشبيه آلهتهم بهذه الحشرة الحقيرة.ولقد مضى على الناس منذ ضرب لهم كتاب الاِسلام هذا المثل أربعة عشر قرناً، وما يزال المثل القرآني يتحدَّى كل جبروت الغزاة وعبقرية العلماء، وما يزال على الذين غرّهم الغرور بما حقّق إنسان العصر الحديث من معجزات العلم، أن ينسخوا ذلك، بأن
____________
1 ـ العنكبوت:41.
2 ـ الحج:73.


( 40 )

يجتمعوا فيخلقوا ذباباً، أو يستنقذوا شيئاً سلبتهم إيّاه هذه الحشرة الضئيلة التي تقتلها ذرّة من هواء مشبع بمُبيد الحشرات، وتستطيع مع ذلك أن تسلب مخترع المبيد حياته، بلمسة هيّنة خاطفة تحمل إليه جرثومة داء مميت.(1)
هذا في مجال الردِّ على عبادتهم للاَوثان والاَصنام، أمّا في مجال ركونهم إلى الدنيا والاِعراض عن الآخرة، يستعرض مثلاً يشير فيه إلى أنّ الدنيا ظل زائل وليست خالدة، قال سبحانه: (إِنَّما مَثَلُ الحَياة الدُّنيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الاََرض مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالاََنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الاََرْضُ زُخْرُفَها وَ ازّيّنَتْ وَظَنّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَليها أَتاها أَمْرُنا لَيلاً أو نَهاراً فَجَعَلْناها حَصيداً كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالاََمْسِ كَذلِكَ نُفَصّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَتَفكَّرُون ). (2)
هذا بعض ما يمكن أن يقال حول الاَمثال التي نزلت في مكة.
وأمّا الاَمثال التي نزلت في المدينة، فقد نجد فيها الطابع المدني لاَجل انّها بصدد علاج الاَدواء التي ابتلي بها المجتمع يومذاك وهي الاَدواء الخلقية مكان الشرك والوثنية، أو مكان إنكار الحياة الاَُخروية، فلذلك ركّز الوحي على معالجة هذا النوع من الاَدواء بالتمثيلات التي سنشير إليها.
فقد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مهجره مبتلياً بالمنافقين الذين كانوا يبطنون الكفر ويظهرون الاِسلام بغية الاِطاحة بالحكومة الاِسلامية الفتيّة، وفي هذا الصدد نرى أنّ الاَمثال المدنية تطرّقت في آيات كثيرة إلى المنافقين و بيّنت خطورة موقفهم على الاِسلام والمسلمين، فتارة يضرب الله سبحانه لهم مثلاً بالنار وأُخرى بالمطر، يقول سبحانه: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ
____________
1 ـ الصورة الفنية في المثل القرآني: 99، نقلاً عن كتاب “القرآن وقضايا الاِنسان” لبنت الشاطىَ.
2 ـ يونس:24.


( 41 )

ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ في ظُلماتٍ لا يُبْصِرُون x صُمّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُون x أَوْ كَصَيّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ المَوتِ وَاللهُ مُحيطٌ بِالكافِرين ). (1)
كان المجتمع المدني يضمُّ في طيّاته طوائف ثلاث من اليهود وهم: بنو قينُقاع، وبنو النضير، وبنو قُريظة؛ وقد جبلوا على المكر والحيلة والغدر ، وكانوا يقرأون سمات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في توراتهم، ويمرّون عليها مرار الاَُمي الذي لا يجيد القراءة والكتابة، وهذه السمة أدت إلى أن يشبّههم سبحانه بالحمار الذي يحمل أسفاراً قيّمة دون أن يستفيدوا منها شيئاًً، يقول سبحانه: (مَثَلُ الّذِينَ حُمّلُوا التَّوراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ القَومِ الَّذينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي القَومَ الظالِمين ). (2)
وأمّا المسلمون الذين عاصروا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانوا بحاجة إلى هداية إلهية تصلح أخلاقهم، فقد كان البعض منهم ينفقون أموالهم رئاءً دون ابتغاء مرضاة الله، أو ينفقونها بالمنّ والاَذى، فنزل الوحي الاِلهي بمثل خاص يبيّن موقف المنفق في سبيل الله، والمنفق بالمنِّ والاَذى أو رئاء الناس، قال سبحانه: (مَثَلُ الَّذينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ في سَبيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مائةُ حَبّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَليم ). (3)
وقال سبحانه: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا لاتُبْطِلُوا صَدقاتِكُمْ بِالمَنّ وَالاََذى كَالّذي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُوَْمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفوانٍ عَليه
____________
1 ـ البقرة:17ـ 19.
2 ـ الجمعة:5.
3 ـ البقرة:261.


( 42 )

تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَركَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ على شَىءٍ مِمّا كَسَبوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقومَ الكافِرِين ). (1)
هذه إلمامة خاطفة لملامح الاَمثال القرآنية التي نزلت قبل الهجرة وبعدها، وسيوافيك البحث في تلك الاَمثال عند تفسير الآيات واحدة تلو الاَُخرى.
الحادي عشر: استنكار الاَمثال القرآنية
يظهر من بعض الآيات أنّ بعض المخاطبين بالاَمثال كانوا يستنكرونها ويستغربون منها، و ما ذلك إلا لاَنّ المثل كان يكشف عن نواياهم ويبيّـن واقع عقيدتهم، ويسفّه أحلامهم، فيبعث فيهم القلق والاضطراب، ذلك عندما يجمع سبحانه في أمثاله تارة بين الذباب و العنكبوت والبعوضة ـ كما مرّ ـ وأُخرى بين الكلب والحمار :
كقوله سبحانه:
(فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْب إنْ تَحْمِل عَلَيهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ). (2)
(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوراة ثمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً).(3)
وقد نقل سبحانه استنكارهم، وقال: (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوقَها فَأَمّا الّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبّهِمْ وَأَمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلّ بِهِ كَثيراً وَيَهْدي بِهِ كَثيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلا
____________
1 ـ البقرة:264.
2 ـ الاَعراف:176.
3 ـ الجمعة:5.


( 43 )

الفاسِقين ). (1)
قال الزمخشري: والتمثيل إنّما يصار إليه لكشف المعاني، وإدناء المتوهّم من الشاهد، فإن كان المتمثَّل له عظيماً كان المتمثّل به مثله، وإن كان حقيراً كان المتمثل به كذلك. (2)
وربما سرت تلك الشبهة إلى عصرنا الحاضر، فقد استغرب بعضهم من ضرب المثل بالحشرات والاَُمور الحقيرة الضئيلة، ولكنّه غفل عن أنّ العبرة في ضرب الاَمثال ليس بأدواتها وآلاتها، وإنّما بمكنوناتها وغاياتها،وما يدرينا بسرّ الاِعجاز في التركيب الجثماني للبعوضة، مثلاً، وما فيه من إبداع وتحدٍّ وإعداد، ولعل فيه من الاِنجاز الخلقي ما لا نشاهده بأكثر الاَجسام ضخامة وكبراً، على أن المبدع لها جميعاً هو الله وكفى، “والله رب الصغير والكبير وخالق البعوضة والفيل، والمعجزة في البعوضة هي ذاتها المعجزة في الفيل، إنّها معجزة الحياة، معجرة السر المغلق الذي لا يعلمه إلا الله على أنّ العبرة في المثل ليست في الحجم، إنّما الاَمثال أدوات للتنوير والتبصير، وليس في ضرب الاَمثال ما يعاب، وما من شأنه الاستحياء من ذكره. والله ـ جلّت حكمته ـ يريد بها اختبار القلوب وامتحان النفوس”. (3)
الثاني عشر : التمثيلات القرآنية
قد عرفت أنّ المثل السائر غير التمثيل الوارد في القرآن الكريم، وأنّه
____________
1 ـ البقرة:26.
2 ـ الاِتقان في علوم القرآن:2|1042.
3 ـ في ظلال القرآن:1|57.


( 44 )

سبحانه عند ما يقول: (وَتِلْكَ الاََمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفكَّرون ) (1)يريد التمثيل لا المثل السائر، وهذه التمثيلات هي نمط آخر من علوم القرآن وباب عظيم من معارفه.
وقد ألّف غير واحد في توضيح رموزها كتباً ورسائل، ذكرنا أسماءها في قائمة خاصة، ولعلّ ما لم أقف عليه أكثر من ذلك.
ولاَجل إيقاف القارىَ الكريم على الآيات التي سنتناولها بالبحث في هذا الكتاب، نذكر التمثيلات القرآنية حسب ترتيب السور التي وردت فيها،وقد تحمّل عبأ جمعها الدكتور محمد حسين على الصغير في كتابه “الصورة الفنية في المثل القرآني” على الرغم من ذلك فقد فاته بعض الآيات كما عدّ منها ما ليس منها ويتضح ذلك في دراسة هذه الآيات:
1. (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ في ظُلُماتٍ لايُبْصِرُونَ x صُمّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُون ). (2)
2. (أَوْكَصَـيّبٍ مِنَ السَّماءِ فيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوتِ وَاللهُ مُحيطٌ بِالكافِرين xيَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوا فيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَو شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلّ شَىْءٍ قَدير ). (3)
3. (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمّا الّذينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبّهِمْ وَأَمّا الّذينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثيراً وَيَهْدي بِهِ كَثيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلا الفاسِقينَ x الّذينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ
____________
1 ـ الحشر:21.
2 ـ البقرة:17ـ 18.
3 ـ البقرة:19ـ20.


( 45 )

ميثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الاََرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرونَ ). (1)
4. (وَمَثَلُ الّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الّذي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعاءً وَنداءً صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُون ).(2)
5. (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَما يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَريبٌ ). (3)
6. (أَو كَالّذي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنّى يُحْيي هذهِ اللهُ بَعْدَ مَوتِها فَأَماتَهُ اللهُ مائةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوماً أَوْ بَعْضَ يَومٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُر إلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وَ انْظُرْ إِلى العِظامِ كَيْفَ نَنْشِزُُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ قالَ أَعلَم أَنّ الله عَلى كُلّ شَىءٍ قَديرٌ ). (4)
7. (مَثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ في سَبيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلّّ سُنْبُلَةٍ مِائةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَليمٌ ). (5)
8. (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالمَنّ وَالاََذى كَالّذي يُنْفِقُ مالَهُ رئاءَ النّاسِ ولا يُوَْمِنُ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَليهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ
____________
1 ـ البقرة:26ـ27.
2 ـ البقرة:171.
3 ـ البقرة:214.
4 ـ البقرة:259.
5 ـ لبقرة:261.


( 46 )

وابِلٌ فَتَركَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّاكَسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَومَ الكافِرينَ).(1)
9. (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلّ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ ) . (2)
10. (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الاََنْهارُ لَهُ فيها مِنْ كُلّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُرِيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفكَّرُون ) . (3)
11. (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). (4)
12. (مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هذهِ الحَيوةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ ريحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) . (5)
13. (أَوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيّنَ لِلْكافِرينَ ما كانُوا يَعمَلُون ) . (6)

____________
1 ـ البقرة:264.
2 ـ البقرة:265.
3 ـ البقرة:266.
4 ـ آل عمران:59.
5 ـ آل عمران:117.
6 ـ الاَنعام:122.

شاهد أيضاً

IMG_7267

روح العبادة الآداب المعنوية للعبادات

                    النية والإخلاص في العبادة     أهداف الدرس على المتعلّم مع نهاية هذا الدرس ...