كتاب المحبة و الشوق و الرّضا و الانس‌ 11

لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار و لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان» [1] و قال ابنه الحسين سيّد الشهداء: «كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أ يكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك و متى بعدت حتّى تكون الآثار هي الّتي توصل إليك، عميت عين لا تراك و لا تزال عليها رقيبا، و خسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيبا» و قال أيضا «تعرّفت لكلّ شي‌ء فما جهلك شي‌ء» و قال: «تعرّفت إليّ في كلّ شي‌ء» [2] إلى غير ذلك ممّا ورد عنهم عليهم السّلام في هذا المعنى، نعم يمكن أن يزيد الانكشاف في الآخرة بقدر زيادة صفاء القلوب و زكائها.

قال أبو حامد: فإذا ارتفع الحجاب بالموت بقيت النفس ملوّثة بكدورات الدّنيا غير منفكّة عنها بالكلّيّة و إن كانت متفاوتة فمنها ما تراكم عليها الخبث و الصدأ فصار كالمرآة الّتي فسد بطول تراكم الخبث جوهرها فلا تقبل الإصلاح و التصقيل، و هؤلاء هم المحجوبون عن ربّهم أبد الآباد نعوذ باللّه منه، و منها ما لم ينته إلى حدّ الرّين و الطبع و لم يخرج عن قبول التزكية و التصقيل فيعرض على النار عرضا يقمع منها الخبث الّذي هو متدنّس به و يكون العرض على النّار بقدر الحاجة إلى التزكية و أقلّها لحظة خفيفة و أقصاها في حقّ المؤمنين كما وردت به الأخبار سبعة آلاف سنة و لم ترتحل نفس عن هذا العالم إلّا و تصحبها غبرة و كدورة ما و إن قلّت، و لذلك قال تعالى: «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى‌ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» [3] فكلّ نفس مستيقنة الورود على النار و غير مستيقنة الصدور عنها فإذا أكمل اللّه عزّ و جلّ تطهيرها و تزكيتها و بلغ الكتاب أجله و وقع الفراغ عن جملة ما ورد به الشرع من العرض و الحساب و غيره و كان له استحقاق الجنّة و ذلك وقت مبهم لم يطّلع اللّه عليه أحدا من خلقه‌

[1] الكافي ج 1 ص 97 تحت رقم 6.

[2] راجع دعاءه عليه السّلام في يوم عرفة في كتاب إقبال الاعمال للسيد بن الطاووس (ره).

[3] مريم: 72 و 73.
فإنّه واقع بعد القيامة و وقت القيامة مجهول فعند ذلك يشتغل بصفائه و نقائه عن الكدورات حيث لا ترهق وجهه غبرة و لا قترة لأن يتجلّى فيه الحقّ سبحانه و تعالى فيتجلّى له تجلّيا يكون انكشاف تجلّيه بالإضافة إلى ما علمه كانكشاف تجلّى المرآة بالإضافة إلى ما تخيّله و هذه المشاهدة و التجلّي هي الّتي تسمّى رؤية فإذن الرّؤية حقّ بشرط أن لا يفهم من الرّؤية استكمال الخيال في متخيّل متصوّر مخصوص بجهة و مكان فإنّ ذلك ممّا يتعالى عنه ربّ الأرباب علوّا كبيرا بل كما عرفته في الدّنيا معرفة حقيقيّة تامّة من غير تخيّل و تصوّر و تقدير شكل و صورة فتراه في الآخرة كذلك، بل أقول: المعرفة الحاصلة في الدّنيا بعينها هي الّتي تستكمل فتبلغ كمال الكشف و الوضوح و تنقلب مشاهدة و لا يكون بين المشاهدة في الآخرة و المعلوم في الدّنيا اختلاف إلّا من حيث زيادة الكشف و الوضوح كما ضربنا المثال في استكمال الخيال بالرّؤية فإذا لم يكن في معرفة اللّه إثبات صورة و جهة فلا يكون في استكمال تلك المعرفة بعينها و ترقّيها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضا جهة و صورة لأنّها هي بعينها لا تفترق منها إلّا في زيادة الكشف كما أنّ الصورة المرئية هي المتخيّلة بعينها إلّا في زيادة الكشف، و على الجملة فاللّه سبحانه بذاته و جميع صفاته كما وصفه في كتابه و أخبر عنه نبيّه منزّه مقدّس عن الشبه و المثل و مشاكلة رسوم الحدثان، لا يشبه ذاته سائر الذّوات و لا صفاته جميع الصفات و أنّى يشبه ربّ أزليّ حيّ قيّوم أبديّ فرد وتر أحديّ لم يزل متّصفا بصفاته العليا متسمّيا بأسمائه الحسني إلها عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا و من أين يماثل مخلوقا عاجزا محدثا مكوّنا لم يكن في الأصل شيئا فخلقه بقدرته و أنشأه كما شاء بحكمته، و أحدث فيه صفات ناقصة متزلزلة غير مستقيمة فوكّل به أنواع الآفات و فنون النقائص و العاهات من البلايا المتنوّعة و الفتن و المحن المتفنّنة كالجوع و العطش و الغلق و الشبق و الحيرة و الضجر و القلق و الأدواء و الأمراض و العلل و الأسقام إلى ما لا يتناهى ثمّ أرهقه ورود مورد الممات و جرّعه مرارة كئوس الوفاة. و جعله على أثر ذلك رهين الجدث و التراب إلى وقت العرض و الحساب، ثمّ يبعثه في يوم يكلّ اللّسان عن وصف أحواله، و يعجز
البيان دون حصر أحواله لمواقف و مقامات يفرغ عنها معشر الصدّيقين و الأولياء بل خيار الرّسل و الأنبياء، و هلمّ جراًّ إلى أن يسكنه بحبوحة الجنان مع الرّوح و الرّيحان و الرّاحة و الرّضوان أو يحبسه في حصير جهنّم و أركان النيران بالخزي و الهوان و الشقاء و الخذلان، فليت شعري من أين يتصوّر هاهنا مماثلة أو كيف يمكن بين خالق وصفناه و مخلوق ذكرناه مشاكلة عند غمر غافل و سفيه جاهل فضلا عن ذوي العقول و أرباب الألباب تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون و المشركون و المشبّهة و الممثّلة و المعطّلون علوّا كبيرا.

نعم اقتضت الحكمة الأزليّة و الإرادة الأحديّة الإيجاد و الإبداع و الإنشاء و الاختراع فأنشأ أصناف الخليقة و أوجد أنواع البريّة على وفق مراده و مشيّته دون سابقة مثال في تكوين الكون و فطرته و قسّم إذ ذاك بني آدم من بينهم قسمين و ذرأهم من قبل الطاعة و المعصية فرقتين أشقياء و سعداء و مهتدين و أغوياء فنوّر أهل السعادة في هذه الحياة بنور المعرفة و الإيمان و ترك أهل الشقاوة في غمرات ظلمة الكفر و الطغيان ثمّ غدا في دار البقاء و مقام الرّؤية و اللّقاء يتمّ لهم ذلك النور و الضياء و إليه الإشارة بقوله تعالى: «نُورُهُمْ يَسْعى‌ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا» [1] إذ تمام النور لا يؤثر إلّا في زيادة الكشف و لهذا لا يفوز بدرجة الرّؤية و النظر إلّا العارفون في الدّنيا لأنّ المعرفة هي البذر الّتي تنقلب في الآخرة مشاهدة كما تنقلب النواة شجرة و البذر زرعا و من لا نواة له فكيف يحصل له نخل و من لم يزرع البذر كيف يحصل الزّرع و كذلك من لم يعرف اللّه عزّ و جلّ في الدّنيا فكيف يراه في الآخرة، و لمّا كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلّي أيضا على درجات متفاوتة فاختلاف التجلّي بالإضافة إلى اختلاف المعارف كاختلاف النبات بالإضافة إلى اختلاف البذر إذ تختلف لا محالة بكثرتها و قلّتها و حسنها و رديّها و قوّتها و ضعفها و كما أنّك ترى في الدّنيا من يؤثر لذّة الرّئاسة على المنكوح و المطعوم و ترى من يؤثر لذّة العلم و انكشاف مشكلات ملكوت السماوات و الأرض و سائر الأمور الإلهيّة

[1] التحريم: 8.

 

 المحجة البيضاء : الفيض الكاشاني    جلد : 8  صفحه : 38

كتاب المحبة و الشوق و الرّضا و الانس‌ 11

شاهد أيضاً

بعد خسارة ترامب ماذا سيحدث لموازين القوى في الشرق الأوسط بعد الحرب

بعد خسارة ترامب ماذا سيحدث لموازين القوى في الشرق الأوسط بعد الحرب. 78 هناك ستة …