اعلم أن السالك سبيل الله ، والمتوجّه لما عند الله يجب عليه أمور حتى لا ينقطع عليه الطريق ، فإنّ أدلاّء هذا الطريق وهم أهل البيت عليهم السلام قد أرشدوا إلى أمور من عرفها سهل عليه ، وإلا انقطع به الطريق ، ورجع إلى خلفٍ رجوع القهقرى. الاول: أن يعرف أن الخير كلهعند الله ، فلا يلتمس الخير إلا عنده ، ولا يطلب من سواه. فإذا عاشرت الخلقوباشرتهم فليكن ذلك طلبا لما عند الله، وابتغاء لرضا الله ، بأن يكون همّك الإحسانإليهم ، وإدخال النفع عليهم ، فإنّ الخلـق عيـال الله ، وأحب الخلق إلى الله منأدخل النفع على عيــال الله . [ الكافي : 2/131 ] .. كما في أخبار أهل البيت(ع). (1)
(1) إنّ هذا المعنى قد يغيب عن قلوب الكثيرين حتى من الخواص .. فإنهم عند الإحسان إلى الخلق يعيشون حالة لا شعورية من المنّة على من أحسنوا إليه ، ويبدو ذلك من خلال فلتات ألسنتهم ولحظات عيونهم .. فهذا المعنى الذي ذكره المؤلف من مقتضيات المعرفة العميقة بحقّ الله تعالى وبحقّ من أمر الله تعالى بصلتهم .. كما أنها من مقتضيات الرقابة الدقيقة ، لما يدور في خبايا النفوس ، فإنّ القلب لا يصير محطةً لأنوار الملكوت إلا إذا تخلى حتى عن هذه الشوائب الخفيّة ، التي هي بمثابة السيئات عند المقربين وإن كانت تبدو بصورة الحسنات عند الأبرار . ( المحقق )
فإذا أردت المرتبة العليا بأن تكون أحب الخلق إلى الله على ما اقتضاه الحديث الشريف، فاتقن هذه المقدمة أولا ً، وهي أن تعلم بأن انتفاعك منهم بهذا الطريق أعظم مننفعك لهم ، حيث أنك بسببهم توصلّت إلى أن تكون أحب الخلق إلى الله ، فلا تطلب منهمنفعاً غير هذ ا، واقطع النظر عن كل ما سواه .. فما وراء عبادان قرية. فإذا كانأصل معاشرتك لأجل أن تنفعهم ، ويصل منك الإحسان إليهم فوطّن نفسك أولاً على تحملالإساءة منهم ، وعدم مكافأتهم بها ، وهذا أول إحسان منك إليهم. ثم إذا وطّنتنفسك على أن لا تكافئ المسيء بإساءته فلا تقنع بذلك ، فإنك تريد الاقتداء بأهل بيتسجيتهم الإحسان إلى من أساء إليهم ، والعفو عمن ظلمهم ، والوصل مع من قطعهم ،والإعطاء لمن حرمهم. فلا بدّ لك من توطين نفسك على أن تتمنى أن يسيء إليكأحد ثم تحسن إليه ، حتى تتوصل بسببه إلى تحصيل فضيلة الإحسان إلى من أساء إليك ،فتُحصّل التأسي بالنبي (ص) وأهل بيته (ع) حيث إن سجيتهم ذلك ، وقد قال مولانا أميرالمؤمنين (ع): إن أحب الخلق إلى الله المتأسي بنبيه . نهج البلاغة : الخطبة 160..
فتحصل بإساءته إليك ومقابلتك له بالإحسان على هذا المقام العالي أولا ً، ثمأنك مع فقرك ولؤمك وحاجتك ، إذا كافأت المسيء بالإحسان فالله سبحانه وتعالى بكرمهوغناه أولى على أن يكافئك على الأعمال السيئة بالإحسان ، فتحصل لك الحجة على إكرامهبذلك ثانياً.
بل هو سبحانه إنما أمرك بالإحسان إلى من أساء إليك ، لينبّهكعلى أنك فعلت ذلك فأنا أولى بذلك منك ، وأنت أحوج إلى إجراء المعاملة هذه معك ،فأمرك بأن تجري هذه المعاملة.
ونفع هذه المعاملة العائد لك أعظم من النفعالذي أمرتك بأن توصله إلى من أحسنت المعاملة معه ، فلو أنك نظرت بعين البصيرة لرأيتإساءته إليك ، حيث أوصلك إلى هذه المقامات إحساناً يستحق الشكر عليه ، فضلاً عنالمجازاة له بالإساءة. (2)
(2) إنّ هذا القول من آثار تبدل نظرة السالك إلى الوجود وحركة الحياة ، ومن هنا كانت المعرفة والبصيرة المقدمة الأولى للسير نحو الكمال .. فانظر كيف أنّ السالك يحوّل الخصومة التي تحمل في طيّاتها الكثير من الظلمة والظلامة إلى أداة للتقرب إلى المولى الحق ، فيثبت العبد فيها أنه عبدٌ لمولاه في كل حركاته وسكناته ، وخاصةً عند إثارة دواعي الغضب أو الشهوة فإنهما من مزال أقدام العوام والخواص ، ولطالما كانا من موجبات الإبتلاء الدائم ، إما بالجحيم أو بنار البعد عن الحقّ ، والذي لا تقلّ إحراقاً عن سابقتها عند من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ..( المحقق )