الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا
محمد وآله الطيبين الطاهرين ، وبعد:
فقد نشأت في جبل عامل في قرية ياطر، وأصل إسمها: ياثر ، وهيكلمة سريانيةأوعبرية بمعنى البخور ، وقربها من جهة صور والبحر قرية شَمَع ، وهي كلمة سريانية أو عبرية بمعنى: الخبر، وفيها مقام شمع (ع) ، الذي يزوره أهل بلادنا ويقولون إنه قبر النبي شمعون الصفا، وصي عيسى (ع) .
وقد ألفأحد الباحثين العامليين ، الكاتب الأستاذ علي جابر ، كتاباً باسم: شمعون الصفا بين المسيحية والإسلام ، أكد فيه بقرائن أن القبر الذي في شمع هو قبر شمعون الصفا (ع) ، وأن جبل حامول الذي هو قرب شمع ، كان مسكن أبيه ، لأنه شمعون بن حمون أو شمعون بن يون .
قال في كتابه: ( وكان شمعون يسكن في جبال الجليل، في بلدة كفرناحوم على بحيرة طبريا،وسكن والده بالقرب من الناقورة في منطقة حامول،وهو تل بالقرب من الناقورة يبعد عن مقام شمعون حوالي خمسة كيلو متر من الناحية الجنوبية الغربية ، ويُعتقد أن قبر أحد الأنبياء أو الصالحين موجود على سفحه الغربي وأنه حمون ، والد شمعون الصفا . وتكون لفظة حمون قد حرفت نونها لاماً،ويؤيد ذلك ما ذكره روبنصون في كتابه يوميات في لبنان تعريفاً لحامول فقال:تحتنا وادي حامول القصيرة ، وهو يشق الجبل ويخرج من ثغرة ضيقة إلى الشاطئ شمال الناقورة، وفي هذه الوادي أطلال حامول، وربما كانت حمون).
وأتمنى أن يكون هذا الإستنتاج صحيحاً، لكنه لايملك دليلاً ! لذلك لايمكن القول إن شمع تعني شمعون ، ولا إن حامول تعني حمون !
ففي قاموس الكتاب المقدس المعتمد عند مجمع الكنائس الشـرقية/521: (شمع: إسمعبريمعناه: خبَر. وهوبنياميني،كانأحدرؤوسالآباءالذينطردواسكانجت (1 أخبار 8: 13) وأحدالذينعاونواعزراالكاتبعندقراءةسفرالشريعةنح 8: 4).
وقال /284: (حامول:إسمعبريمعناه: محمول..أصغرأبناءفارص،ومؤسسأسرةفييهوذا ( تكوين 46: 12وعدد 26: 21 و1 أخبار 2: 5) حاموليون: نسلحامول ).
وفي مقابل ذلك يوجد القول السائد في المسيحية ، وهو أن قبره (ع) في روما، وأن (كنيسة القديس بطرس) التي هي مقر الفاتيكان مبنية على قبره ، لأنه قتل في روما ودفن هناك ، وتعتقد المسيحية أن البابا هو نائب بطرس (ع) .
لكن عدداً من الباحثين المسيحيين والمؤرخين الغربيين ردوا هذه الرواية ، وقالوا لا يوجد أي نص ديني أو تاريخي موثوق يثبت أن بطرس (ع) قتل في روما وأن الفاتيكان موضع قبره .
قال في قصة الحضارة (4/4376): (إن مهندسي قسطنطين خططوا كنيسة القديس بطرس الأولى بالقرب من ساحة الألعاب الحيوانية التي أنشأها نيرون على تل الفاتيكان،وجعلوا طولها380 قدماً وعرضها 212. وقد ظلت هذه الكنيسة مدى اثني عشر قرناً أعظم كنائس المسيحية اللاتينية حتى هدمها برامنتي، ليقيم في مكانها كنيسة أكبر منها هي كنيسة القديس بطرس الحالية .
وأعاد فلنتيان الثاني وثيودوسيوس الأول بناء الكنيسة التي أقامها قسطنطين للقديس بولس خارج الأسوارSan Paolo fuori le mura في المكان الذي قيل إن الرسول استشهد فيه. وهذه الكنيسة أقل أتساعاً من كنيسة القديس بطرس، فقد كان طولها أربعمائة قدم وعرضها مائتين. ولاتزال كنيسة القديس قنسطنزSanta Constanzaالتي أقامها قسطنطين ضريحاً لأخته قنسطنطيا في معظم أجزائها بالصورة التي كانت عليها وقت بنائها في سنة 326-330).
إن التأكيد (العاملي) بأن قبر شمعون الصفا (ع) في قرية شمع قرب صور ،والتأكيد (الفاتيكاني) بأن قبره في روما،يزيدانالصعوبة على الباحث في الموضوع ، فيحتاج الى مدة أطول وقراءة أكثر . وقد شجعني على مواصلة البحثرغبة سيد جليل ، حثني على إكمال بحث الموضوع فعسانا نجد دليلاً على مكان قبره . وكنت كلفت الأخ الفاضل البرفيسور رشيد بن عيسى الجزائري أن يبحث في المصادر الغربية ، فأخبرني بأن رأي المؤرخين الغربيين أنه لا يوجد دليل على أن قبر بطرس في روما .
وهكذا وصلت الى أنه لادليل على مكان شهادته وقبره لافي جنوب لبنان ولا في روماحتىفاجأتني روايات صحيحة بأن شمعون الصفا (ع) ظهر من قبره قرب صفين ، وكلم علياً (ع) وهو في طريقه الى صفين،ثم رجع الى قبره !
وقد تأملت في هذه الرواية فظهر لي صحتها، فيكون اليهود والرومان قبضوا على بطرس (ع) على الحدود السورية العراقية، وكانت حدوداً للدولة الرومانية مع بابلوقتلوه هناك قبل أن يدخل بابل ، وكان له فيها أتباع ، وكان يزورها ، وقد كتب منها رسالتيه ، ونص في الأولى أنه يكتب من بابل .
ماذا أصنع إذا كانت النتيجة التي توصلت اليها لا ترضي أهلي وقومي في جبل عامل ولا ترضي إخواننا المسيحيين الفاتيكانيين. وعذري اليهم أن الحق أحق أن يتبع .
هذا ، وقد رأيت أن أكمل الحديث في هذا الكتاب عن أهم شخصيات المسيحية ، لأنقضية المسيح (ع) قضية ضخمة ، غيَّرَ الله بها وجه العالم ، وشخصيته مميزة محببة الى العقل والنفس ، فكتبت باختصار عنه وعن والدته (ع) ، وعن أهم شخصيات المسيحية ، ليكون الكتاب صورة عامة عن معالم العصور المسيحية ، وصورة مفصلة عن شمعون الصفا وصي عيسى (ع) .
نفع الله به وجعله ذخراً : يَوْمَ لايَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلامَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ .