علوم القرآن محاضرات القاها حجة الاسلام السيد محمد باقر الحكيم

وأحرفا وتصريفا، فمن زعم أن الكتاب مبهم فقد هلك وأهلك… ” (١).
الثاني: الإحاطة بظروف النص القرآني:
الإحاطة الكاملة بجميع ظروف النص القرآني سواء على مستوى الاحداث
والوقائع التي اقترن بها نزول النص القرآني وما يسمى ب ” أسباب النزول “، أو
على مستوى العادات والتقاليد التي كان يعيشها المجتمع الجاهلي خصوصا في مكة
والمدينة، أو على مستوى الأوضاع السياسية والأخلاقية التي كان يعيشها
المسلمون أنفسهم.
إذ من الواضح أن القرآن الكريم، في الوقت الذي يمثل الكتاب الإلهي الذي
جاء لتبيان رسالة الأمة الخاتمة، كذلك يمثل الكتاب الذي استهدف تغيير الأمة التي
نزل في أوساطها من الأميين وأبناء أم القرى بشكل مباشر من اجل أن يخلق قاعدة
قوية ثابتة قادرة على تحمل أعباء الرسالة ومسؤولية ابلاغها وإيصالها إلى الأمم
والناس جميعا (٢). ولذلك نجد القرآن الكريم راعى الظروف والأوضاع السياسية
والاجتماعية والنفسية والعادات والتقاليد التي كان يعيشها المجتمع الجاهلي، ولم
يأت مجردا عن كل هذه الظروف، فهي بطبيعة الحال تلقي بظروفها على فهم
القرآن الكريم ومقاصده، وفهمها ومعرفتها له دور كبير في فهم القرآن وتفسيره.
إضافة إلى أن فرز وتمييز المعاني أو الجوانب المرتبطة بالاحداث خصوصا عن
غيرها من المفاهيم ذات الطبيعة الشمولية تحتاج إلى هذه الإحاطة والاستيعاب
الكامل لكل هذه الظروف، وهذا ما يؤكده أهل البيت (عليهم السلام) في بعض
الروايات
——————–
(١) وسائل الشيعة :١٨ ١٤١ الحديث ،٣٩ ١٤٢ الحديث ٤٠ و ،٤٢ وص ١٣٨ الحديث
٣١ و .٣٨
(٢) أوضحنا هذه الفكرة في كتابنا (الهدف من نزول القرآن الكريم).
(٣٢١)
من خلال بيان معرفتهم بزمان نزول الآيات ومن نزلت فيه و… (١)، فإن هذا
التأكيد لا يراد منه مجرد بيان سعة علمهم بالاحداث، وانما لبيان ارتباط ذلك بفهم
القرآن وتفسيره.
الثالث: الاعتماد على السنة الصحيحة في التفسير:
الاخذ المباشر في التفسير عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والاعتماد على السنة
النبوية،
وتعليم رسول الله القواعد والضوابط التي يمكن من خلالها تفسير القرآن وفهمه
ومعرفة مقاصده وأغراضه، كل تلك الأمور شدد أهل البيت (عليهم السلام) على الالتزام
بها في أحاديثهم انطلاقا من نقطتين رئيستين:
الأولى: ما أشرنا إليه من تعليم رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام)
تفسير القرآن
بشكل كامل، إضافة إلى النصوص السابقة التي أشرنا إليها، نجد بعض النصوص
تؤكد هذا المعنى بشكل خاص.
الثانية: إن القرآن الكريم والسنة النبوية قد استوعبا كل القضايا التي يحتاجها
الانسان في حياته، لأنهما يمثلان الرسالة الخاتمة للبشرية ولا بد لهما من هذا
الاستيعاب، ولذلك فلا بد من الرجوع إليهما في كل هذه القضايا، وعدم جواز
الاخذ بالرأي والقياس والاجتهاد والظنون.
غاية الامر أن الناس العاديين ليس لهم القدرة على فهم القرآن والسنة
بالشكل الذي يستوعب كل هذه القضايا، أو لم يتلقوا من الرسول (صلى الله عليه وآله)
كل هذه
الأمور كما ذكرنا في النقطة الأولى.
ومن هنا نجد أهل البيت (عليهم السلام) يؤكدون هذه الشمولية والاستيعاب للقرآن
الكريم والسنة النبوية، ويرفضون أي طريق آخر للوصول إلى الأحكام الشرعية،
ولا يسمحون حتى لأصحابهم أن يسلكوا الطرق الاجتهادية، كالقياس من دون
——————–
(١) راجع النص السابق الذي رواه الكليني عن سليم بن قيس.
(٣٢٢)
فرق في ذلك بين الاستناد إلى الأحاديث العامة أو الأحاديث الخاصة التي
عرفوها عن أئمتهم.
فقد روى الكليني بسند صحيح عن أبي عبد الله (الصادق) (عليه السلام)، قال: ” إن
الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شئ حتى – والله – ما ترك شيئا يحتاج
إليه العباد، حتى لا يستطيع عبد أن يقول: لو كان هذا انزل في القرآن؟ إلا وقد
أنزله الله فيه ” (١).
وفي حديث آخر معتبر عن أبي عبد الله قال: سمعته يقول: ” ما من شئ إلا
وفيه كتاب وسنة ” (٢).
ويتحدث أهل البيت (عليهم السلام) عن وجود صحيفة جامعة عند علي (عليه السلام)
تشتمل
على تفاصيل الشريعة وقواعدها وأصولها: روى الكليني بسنده عن أبي شيبة،
قال: ” سمعت أبا عبد الله (الصادق) (عليه السلام) يقول ضل علم (ابن شبرمة)، عندنا
(الجامعة) املاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط علي (عليه السلام) بيده: إن
(الجامعة) لم تدع لاحد
كلاما، فيها علم الحلال والحرام، إن أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم
يزدادوا من الحق إلا بعدا، إن دين الله لا يصاب بالقياس ” (٣).
ويؤكد أهل البيت (عليهم السلام) أن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام
إلى يوم القيامة، فلا بد أن يكون كل ذلك مذكورا ومعروفا من قبل رسول الله:
روى الكليني بسند معتبر عن زرارة، قال: سألت أبا عبد الله (الصادق) (عليه السلام)
عن الحلال والحرام، فقال: ” حلال محمد حلال أبدا إلى يوم القيامة، وحرامه
حرام أبدا إلى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجئ غيره وقال: قال علي (عليه السلام):
——————–
(١) الكافي :١ ٥٩ الحديث .١
(٢) المصدر السابق، الحديث .٤
(٣) المصدر السابق: ،٥٧ الحديث ١٤ وص ،٢٣٨ الحديث ١ وص ،٢٤١ الحديث ٥ و ٦ و .٧
(٣٢٣)
ما أحد ابتدع بدعة إلا ترك بها سنة ” (١).
الرابع: القرآن تحدث عن كل عصر وزمان:
إن القرآن الكريم حي لا يموت، تجري أحكامه وأمثاله ومفاهيمه في جميع
الأزمان والعصور، فهو وإن كان قد نزل في عصر معين وعالج قضايا وأحداثا
خاصة، وتحدث عن أشخاص معينين ماضين أو معاصرين في القصص، أو
أحداث نزول الرسالة وتطورها مما يرتبط بأسباب النزول، وبنى قاعدة بشرية
قوية من خلال هذه المعالجة تحملت أعباء الرسالة الاسلامية – كما أشرنا سابقا –
إلا أن القرآن – مع ذلك كله – هو الكتاب الإلهي للرسالة الخاتمة والمعجزة الخالدة
للاسلام ونبيه الكريم، يتحدث إلى جميع الناس في مختلف العصور والأزمان.
وفي هذا المجال توجد نظرة شمولية يتميز بها أهل البيت (عليهم السلام)، فإنه بالرغم
من
أن أكثر علماء الاسلام ذهبوا إلى مبدأ ” إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب ” ومن ثم فهم يرون أن خصوص السبب لا يتقيد بخصوص الاحداث
والوقائع التي تحدث عنها أو نزل فيها، لان جميع هذه القضايا انما جاء بها القرآن
الكريم للعبرة والهداية والموعظة، كما دلت على ذلك الآيات الكريمة:
(لقد كان في قصصهم عبرة لاولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق
الذي بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) (٢).
(هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) (٣).
(ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا) (٤).
——————–
(١) الكافي :١ ٥٨ الحديث ١٩ راجع أيضا الحديث ١ و ٢ و .٣
(٢) يوسف: .١١١
(٣) آل عمران: .١٣٨
(٤) الاسراء: .٨٩
(٣٢٤)
حيث نلاحظ أن القرآن الكريم ضرب الأمثال وتحدث عن الاحداث
والوقائع بروح التربية والتزكية والهداية، فكما ان هذا المثل له مصاديقه في عصر
النزول، فهو له مصاديق (يؤول) إليها في العصور الأخرى.
وكما أن قصة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء تمثل حقائق
عاصرها الأنبياء، ولم يذكرها القرآن الكريم لمجرد التسلية أو تسجيل حوادث
التأريخ وتوثيقها، بل لأنها تمثل أيضا حقائق وقعت في عصر نزول القرآن،
فكذلك هي – في نظر أهل البيت (عليهم السلام) – تمثل حقائق متشابهة ومطابقة لها
في
العصور والأزمنة الأخرى التي تلت عصر الرسالة الاسلامية، وفي كل عصر
وزمان.
وهكذا الحال في الأحكام الشرعية والأخلاق الاسلامية والسنن التأريخية
والحقائق الكونية كلها تتحدث عن مصاديق ونظائر ومفردات وتطبيقات لعصر
الرسالة، بل ولكل عصر وزمان.
ونحن هنا لا نريد ان نفصل في الاستدلال على صحة هذه (الرؤية) فإن لذلك
مجالا آخر، وانما نريد هنا أن نذكر الجانب (التصوري) لهذه (النظرية) من خلال
ما ذكره أهل البيت (عليهم السلام).
ولعل هذا المعلم يمثل أحد أهم المعالم التي تتميز بها (رؤية) أهل البيت
لتفسير القرآن الكريم بشكل واضح وأساسي عن بقية النظريات في المذاهب
الاسلامية.
نظرية أهل البيت (عليهم السلام) في فهم القرآن الكريم:
لقد تناول هذا الموضوع عدد كبير من الروايات التي وردت عن أهل
البيت (عليهم السلام)، كما ورد بعضها عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وذكرت في
كتب علماء أهل السنة،
الامر الذي يؤكد أهمية الموضوع ودقته.
(٣٢٥)

شاهد أيضاً

بعد خسارة ترامب ماذا سيحدث لموازين القوى في الشرق الأوسط بعد الحرب

بعد خسارة ترامب ماذا سيحدث لموازين القوى في الشرق الأوسط بعد الحرب. 78 هناك ستة …