وننهى خطب الحسين (ع)، فى التمهيد للثوره بهذه الخطبه الرائعه: ّه الغالبون، وعتره رسولاللّه(ص)، الاقربون، واهل بيته الطيبون، واحد الثقلين الذين جعلنا رسول الل ّه ثانى (نحن حزب الل ّه تبارك وتعالى الذى فيه تفصيل كل شىء لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والمعول علينا فى تفسيره، ولا كتاب الل ّه ورسوله مقرونه، قال اللّه عز وجل: (ياايها يبطانا تاويله بل نتبع حقائقه، فاطيعونا ان طاعتنا مفروضه اذا كانت بطاعه الل ّه واطيعوا الرسول واولى الامر منكم فان تنازعتم فى شىء فردوه الى اللّه والرسول)«النساء59/»، الذين آمنوا اطيعوا الل ّه عليكم ورحمته لاتبعتم وقال: (ولو ردوه الى الرسول والى اولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الل الشيطان الا قليلا)«النساء83/ »، واحذركم الاصغاء الى هتوف الشيطانبكم، فانه لكم عدو مبين، فتكونوا كاوليائه الذين قال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس وانى جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال انى برىء منكم فتلقون للسيوف ضربا . (59) وللرماح وردا وللعمد حطما وللسهام غرضا ثم لا يقبل من نفس ايمانها لم تكن آمنت من قبل او كسبت فى ايمانها خيرا) ثم هلك معاويه، وكشرت الافعى الامويه عن انيابها، فارسل يزيد رساله الى عامله على المدينه الوليد بن عتبه بن ابى ّه بن عمرو وعبداللّه بن الزبير بالبيعه اخذا سفيان، وجاء فى صحيفه ملحقه بها (كانها اذن فاره): (اما بعد، فخذ حسينا وعبدالل . (60) شديدا، ليس فيه رخصه حتى يبايعوا،والسلام) فلما وصلت الرساله، استشار الوليد مروان بن الحكم (وقال: كيف ترى ان نصنع؟، قال: فانى ارى ان تبعث الساعه الى هولاء النفر فتدعوهم الى البيعه والدخول فى الطاعه، فان فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم، وان ابوا قدمتهم فضربت اعناقهم، قبل ان يعلموا بموت معاويه، فان علموا بموته وثب كل امرىء منهم فى جانب، واظهر الخلاف والمنابذه. فارسل الوليد الى الحسين، (ع)، والى ابن الزبير يدعوهما فقالا له: انصرف، الان ناتيه. ّه بن الزبير للحسين: ما تراه بعث الينا فى هذه الساعه التى لم يكن يجلس فيها؟، ثم اقبل احدهما على الاخر، فقال عبدالل فقال حسين: قد ظننت ارى طاغيتهم قد هلك، فبعث الينا لياخذنا بالبيعه قبل ان يفشو فى الناس الخبر. فقال: وانا ما اظن غيره. قال: فما تريد ان تصنع؟، قال: اجمع فتيانى الساعه ثم امشى اليه، فاذا بلغت الباب احتبستهم عليه ثم دخلت عليه، وانا على الامتناع قادر. ّه فذهب الحسين بن على الى دار الوليد فجلس فاقراهالوليد الكتاب، ونعى له معاويه ودعاه الى البيعه، فقال حسين: انا لل ّه معاويه وعظم لك الاجر، اما ما سالتنى من البيعه فان مثلى لا يعطى بيعته سرا ولا اراك وانا اليه راجعون، ورحم الل تجتزىء لها منى سرا ودون ان نظهرها على رووس الناس علانيه. قال: اجل. قال: فاذا خرجت الى الناس فدعوتهم الى البيعه دعوتنا مع الناس فكان امرا واحدا. ّه حتى تاتينا مع جماعه الناس. فقال له الوليد: فانصرف على اسم الل ّه لئن فارقك الساعه ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها ابدا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، احبس الرجل فقال له مروان: والل ولا يخرج من عندك حتى يبايع او تضرب عنقه. ّه واثمت. فوثب عند ذلك الحسين فقال: يا ابن الزرقاء، انت تقتلنى ام هو كذبت والل ثم خرج فمر باصحابه فخرجوا معه حتى اتى منزله. ّه لا يمكنك من مثلها من نفسهابدا. فقال مروان للوليد: عصيتنى؟ لا والل ّه ما احب ان لى ما طلعت عليه الشمس فقال الوليد: وبخ غيرك يا مروان، انك اخترت لى التى فيها هلاك دينى، والل ّه اقتل حسينا ان قال لا ابايع، واللّه انى لا اظن امرا يحاسب بدم وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وانى قتلت سينا، سبحان الل ّه يوم القيامه. حسين لخفيف الميزان عند الل . (61) فقال له مروان: فاذا كان هذا رايك فقد اصبت فيماصنعت) خرج حسين من ليلته، وسبقه ابن الزبير، متوجهين الى مكه. ّه الحسين وبين المحيطين به سواء ممن ويبدو ان هذه الاونه القصيره فى هذا اليوم، كانت حافله بالمشاورات بين ابى عبدالل يحبه ويشفق عليه ويتمنى له النصر ام من اولئك الذين قدموا النصيحه لمجرد اداء الواجب. وهذه المشاورات على قصر مدتها تعكس حاله التصميم والتخطيط الواعى من قبل الامام الحسين الذى كان يحمل على كاهله ما لو حملته الجبال لتدكدكت، وآخر هذه الاعباء سلامه ذلك الجسد الطاهر الذى هو قطعه من نور الرسول الاكرم طالما ّه عليه وسلم، على عاتقه. حملها المصطفى، صلى الل ولكن الاولويه كانت حينئذ لحفظ الدين لا لحفظ الارواح. ّه يستشير اخاه محمد بن الحنفيه فيقول له اخوه: (يا اخى، انت احب الناس الى واعزهم على، ولست ادخر ها هو ابو عبدالل النصيحه لاحد من الخلق احق بها منك، تنح بتبعتك عن يزيد بن معاويه وعن الامصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك الى الناس ّه على ذلك، وان اجمع الناس على غيرك لم ينقص اللّه بذلك دينك ولا عقلك ولا فادعهم الى نفسك، فان بايعوا لك حمدت الل يذهب به مروءتك ولا فضلك. انى اخاف ان تدخل مصرا من هذه الامصار، وتاتى جماعه من الناس فيختلفون بينهم فمنهم طائفه معك واخرى عليك فيقتتلون فتكون لاول الاسنه، فاذا خير هذه الامه كلها نفسا وابا واما اضيعها دما واذلها اهلا. قال له الحسين: فانى ذاهب يا اخى. قال: فانزل مكه فان اطمانت بك الدار فسبيل ذلك، وان نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال، وخرجت من بلد الى بلد حتى تنظر الى ما يصير امر الناس وتعرف عند ذلك الراى فانك اصوب ما تكون رايا واحزمه عملا حين تستقبل الامور استقبالا ولا تكون الامور عليك ابدا اشكل منها حين تستدبرها استدبارا. . (62) قال: يا اخى قد نصحت فاشفقت فارجو ان يكون رايك سديداموفقا) ّه الحسين: (يا اخى، لو لم يكن فى الدنيا ملجا ولا وفى روايه اخرى انه اشار عليه بالتوجه الى اليمن فكان جواب ابى عبدالل ماوى لما بايعت يزيد بن معاويه. ّه خيرا، لقد نصحت واشرت بالصواب، فقطع محمد بن الحنفيه الكلام وبكى فبكى الحسين ساعه ثم قال: يا اخى جزاك الل وانا عازم على الخروج الى مكه، وقد تهيات لذلك انا واخوتى وبنو اخى وشيعتى وامرهم امرى ورايهم رايى، واما انت يا اخى فلا عليك ان تقيم بالمدينه فتكون لى عينا عليهم لا تخفى عنى شيئا من امورهم، ثم دعا بكتاب وكتب وصيه). ّه (هذا ما اوصى به الحسين بن على بن ابى طالب الى اخيه محمد المعروف بابن الحنفيه: ان الحسين يشهد ان لا اله الا الل وحده لا شريك له، وان محمدا عبده ورسوله، جاء بالحق من عنده، وان الجنه والنار حق، وان الساعه آتيه لا ريب فيها، وان ّه يبعث من فى القبور. الل وانى لم اخرج اشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وانما خرجت لطلب الاصلاح فى امه جدى وشيعه ابى على بن ابى ّه اولى بالحق، ومن رد على هذا اصبر حتى يقضى اللّه بينى وبين القوم بالحق وهو خير طالب، فمن قبلنى بقبول الحق فالل ّه عليه توكلت واليه انيب). الحاكمين، وهذه وصيتى لك يا اخى وما توفيقى الا بالل كما روى عنه، (ع)، انه كتب كتابا الى اخيه ابن الحنفيه والى بنى هاشم: ّه الرحمن الرحيم، من الحسين بن على الى محمد بن على ومن قبله من بنى هاشم، اما بعد، ان الدنيا لم تكن وان (بسم الل الاخره لم تزل، والسلام). كما روى الطبرى، فى تاريخه، عن ابى سعد المقبرى قال: (نظرت الى الحسين داخلا مسجد المدينه وانه ليمشى وهو معتمد على رجلين، وهو يتمثل بقول ابن مفرغ: لا ذعرت السوام فى فلق الصبح * مغيرا، ولا دعيت يزيدا يوم اعطى من المهابه ضيما * والمنايا يرصدننى ان احيدا ّه ما تمثل بهذين البيتين الا لشىء يريد. قال: فقلت فى نفسى والل قال: فما مكث الا يومين حتى بلغنى انه سار الى مكه،….. فلما سار نحو مكه قال: (فخرج منها خائفا يترقب قال رب (63) ، فلما دخل مكه قال: (ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربى ان يهدينى سواء نجنىمن القوم الظالمين)«القص 21/» . (64) السبيل)«القصص22/» 4 -ضرورات المرحله ونماذج رجالاتها ّه الحسين (ع) متجها الى مكه، ثم الى ارض الطف حيث المقر والمقام. هكذا بدات مسيره ابى عبدالل سامضى وما بالموت عار على الفتى * اذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وواسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مذموما وخالف مجرما كان الحسين، (ع)، قبل خروجه، يتمثل بقول الشاعر فى اباء الذل والضيم حتى وان كان ثمن ذلك التضحيه بالنفس: وهو على ما قاله الامام على، ذات يوم، مستحثا اصحابه على الجهاد من اجل الحق: (الموت فى حياتكم مقهورين والحياه فى موتكم قاهرين). انها المعادله التى لو وعاها المسلمون من قديم لما صاروا الى هذه الهوه السحيقه التى هم فيها الان، اباء الضيم وعدم الخضوع للظلم والظالمين مهما كان الثمن. ا- النموذج الاول: التعلق بالاوهام ّه بن كانت الامه المسلمه، آنئذ، فى امس الحاجه الى هذا الموقف الحسينى حيث تداخلت الاهواء والمواقف ما بين عبدالل عمر صاحب المواقف التائهه بدءا من خلع بيعه امام الحق على بن ابى طالب وجلوسه فى بيته يخزل الحق، باعتبار ان هذه الاحداث كانت فتنه وانه وحده هو والقله الذين جلس كل منهم فى بيته كانوا على الحق، ثم ها هو يكرر الماساه نفسها، ويحاول ان يسبغ هاله من القداسه الموهومه على ما اسماه (جماعه المسلمين)، يعنى الدوله اليزيديه الامويه، فينصح للحسين وابن ّه، ولا تفرقا جماعه المسلمين)، هذه الجماعه او الامه التى صارت خولا وعبيدا لبنى اميه يقتلون ابناءهم الزبير قائلا: (اتقيا الل ويستحيون نساءهم ويذبحون خيارهم وصلحاءهم ويدنون فساقهم ومنافقيهم ويستاثرون باموال المسسلمين يجعلونها دوله بينهم، انها المفاهيم المعكوسه التى سادت الامه المسلمه المنكوبه بعد ذلك، ولذا نرى الامام الحسين يجبهه بالحق حين التقاه فى مكه ّه، يا ابا عبد الرحمن، ولا تدع نصرتى). قائلا له: (اتق الل ّه(ص)، والجماعه المسلمه التى عاشت فى كنف القياده انه من الضرورى ان نفرق بين الاسلام كما جاء به محمد بن عبدالل الرساليه للنبى الاكرم محمد(ص)، وذلك الكيان المسخ الذى آلت اليه الامه فى ظل قياده بنى اميه، شتان بين الحالين، فجماعه الحق تعرف بامام الحق ولا يمكن ان يكون العكس صحيحا فيصبح من اغتصب اراده جماعه الحق هو امام الحق، وهذا ما عجز ابن عمر عن رويته عمدا او عجزا عن الادراك، فخذل الامام على، وهو اوضح نموذج لالتقاء جماعه الحق مع امام الحق، ويسعى لتخذيل الامام الحسين وابقائه مع القاعدين، وينهى حياته اى ابن عمر نهايه تتلاءم مع مجموع مواقفه، فبينما يخرج الصحابه والتابعون على يزيد فى واقعه الحره تراه يصفهم بالبغى والعدوان، ثم يذهب مبادرا ليبايع الحجاج بن يوسف الثقفى بعدما قتل ابن الزبير وهدم الكعبه، انها مواقف التيه. ولذا كان الامام الحسين، (ع)، واضحا فى مخاطبته قاطعا عليه طريق الالتفاف قائلا له: (يا ابا عبد الرحمن، اما علمت ان ّه ان راس يحيى بن زكريا اهدى الى بغى من بغايا بنى اسرائيل، اما تعلم ان بنى اسرائيل كانوا يقتلون من هوان الدنيا على الل ّه ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس سبعين نبيا ثم يجلسون فى اسواقهم يبيعون ويشترون كان لم يصنعوا شيئا، فلم يعجل الل . (65) ّه يا ابا عبد الرحمن ولا تدعنصرتى) عليهم بل امهلهم واخذهم بعد ذلك اخذ عزيز ذى انتقام، اتق الل ّه عارفا بالرجل وبتوجهاته النفسيه التى حاول دائما ان يعطيها ثوب القداسه، وكان بنو اميه لا يقلون معرفه كان ابو عبدالل بالرجلوكانوا لا يخشونه، فقد بعث اليه الوليد قائلا: (بايع ليزيد. فقال: اذا بايع الناس بايعت. ّه بن عمر فقال رجل: ما يمنعك ان تبايع؟ انما تريد ان يختلف الناس فيقتتلوا ويتفانوا فاذا جهدهم ذلك، قالوا: عليكم بعبدالل لم يبق غيره بايعوه. ّه: ما احب ان يقتتلوا ولا يختلفوا ولا يتفانوا، ولكن اذا بايع الناس ولم يبق غيرى بايعت. قال عبدالل . (66) قال: فتركوه وكانوا لايتخوفونه) لماذا كان بنو اميه لا يتخوفونه؟ ولماذا لم يبايع منذ اللحظه الاولى؟، كانوا لا يتخوفونه لان الرجل كان وارثا لاسم ولم يكن ّه بن وارثالفاعليه، كانوا لا يتخوفونه لانه كان كما وصفوه يريد ان يقتتل الناس ويتفانوا، فاذا جهدهم ذلك: قالوا عليكم بعبدالل عمر، تماما كما حدث يوم شورى ابن العاص حيث كان بعض الناس يريد ان يدفع به الى سده الخلافه، وكان الرجل لا يزال ذاكرا لهذا اليوم ويحلم بتكراره، وهذا هو الوهم الاول الذى بدا للرجل المنتظر ان ياتى الناس اليه ويبايعوه. الوهم الثانى الذى عاشه ابن عمر يتمثل فى انه كان يعتقد ويظن انه وارث لنهج فى الدين والسياسه ليس بنهج آل بيت محمد ولا هو بالنهج الاموى. والحقيقه انه كان وارثا لمرحله طويت فانطوت، مرحله تخيل بعض الناس انها دائمه، ولكن كبار المخططين الذين حكى عنهم ربنا عز وجل بقوله: (ام ابرموا امرا فانا مبرمون)«الزخرف / 79 » وصنعوها مرحله انتقاليه. ّه اليوم، فيقفز بنو اميه على سده الخلافه صبيحه اليوم التالى، لا بد من انتقال وتمهيد فليس من المعقول ان يموت رسول الل سواء على مستوى الامكان والتنفيذ ام على مستوى القبول النفسى لافراد هذه الامه، كان لا بد من ثلاثين عاما من التمهيد لم يعكر صفوها الى صعود الامام على بن ابى طالب سده الخلافه. اذا لم يكن مسموحا لابن عمر، ولا لاى ابن غيره ان يعيد استعراض نهج آبائه على المسلمين، فهذه مرحله قد طويت ويكفيكم ما نلتموه من شرف لم يكن يخطر لكم على بال، وعلى كل حال شرف مدفوع الثمن فى الدنيا. ب- النموذج الثانى: طلب الدنيا بعمل الاخره، اختلاط الدين بالاهواء واذا كنا قد اتينا على ذكر ابن عمر وما قدمه من نموذج فى فهم الاسلام، فان النموذج الاخر الذى عاصر ثوره الامام ّه بن الزبير، ذاك الذى قال عنه امير المومنين على(ع) (ما زال الزبير رجلا منا اهل البيت حتى الحسين(ع): هو نموذج عبدالل (67) فهو صاحب مواقف قد تركت بصماتها فى التاريخ، اذ لعب دورا رئيسيا فى تاجيج نار الفتنه فى ّه) نشا ابنه المشووم عبدالل واقعه الجمل فيذكر اصحاب التاريخ ان عائشه دعت ابن عمر يوما وقالت له: (يا ابا عبد الرحمن، ما منعك ان تنهانى عن ّه بن الزبير فقالت: اما انك لو نهيتنى ما خرجت) مسيرى؟ قال: رايت رجلا قد غلب عليك ورايتك لا تخالفينه يعنى عبدالل . (68) وها هو يرى فى هلاك معاويه واستخلاف يزيد فرصه كبرى لا بد من انتهازها ليبلغ ما يتمناه من الملك والخلافه، كما ّه بن الزبير قام فى الحرم فالتزم الركن وقال: اللهم انك عظيم ترجى لكل عظيم، اسالك روى عنه الشعبى: (رايت عبدالل . (69) بحرمه وجهك وحرمه عرشك وحرمه بيتك الا تخرجنى من هذه الدنيا حتى الى الحجاز ويسلم علىبالخلافه) وشتان بين الحالين، حال الامام الحسين الذى يضحى بنفسه شهيدا فى ارض كربلاء وبين هذا الرجل الذى يختار الحرم ّه الحرام، وهو عين ما حذر منه المكى موقفا ملائما لبدء تاسيس دولته بغض النظر عن النتائج الوخيمه التى تحل ببيت الل الامام الحسين (ع) قائلا: (لئن اقتل خارج مكه بشبر احب الى من ان اقتل داخلها بشبر، وان اقتل خارجها بشبرين احب الى من ان اقتل خارجها بشبر)، ولكنه لم يتورع عن تعريض الكعبه للدمار وجعلها مسرحا لسفك الدماء وصولا الى ما اراد من هدف وهو السلطه، ولما تحقق له بعض ما اراد، فعل الاعاجيب، فهم يحكون عنه صلاه وصياما وقياما ويحكون عنه ايضا انه ّه فى خطبه الجمعه اسابيع كثيره، فاستعظم الناس ذلك فقال: (انى لا ارغب عن ذكره، ولكن له اهيل سوء قطع ذكر رسول الل . (70) اذا ذكرته اقلعوا اعناقهم فانا احب اناكبتهم) ّه ما تركت ذلك علانيه الا وانا اقوله سرا واكثر منه، لكنى رايت بنى هاشم اذا فلما عاتبه بعض خاصته فى هذا قال: (والل ّه ما كنت لاتى لهم سرورا وانا اقدر عليه، واللّه لقد هممت ان احظر سمعوا ذكره اشرابوا واحمرت الوانهم وطالت رقابهم، والل ّه لا انماهم اللّه ولا بارك عليهم بيت سوء لا لهم حظيره ثم اضرمها عليهم نارا فانى لا اقتل منهم الا آثما كفارا سحارا، والل . (71) ّه ما ترك نبى اللّه فيهم خيرا، استفرغ نبى الل ّه صدقهم فهم اكذبالناس) اول لهم ولا آخر، والل ولسنا هنا بصدد استقصاء سيره ابن الزبير ولا ردود ابن عباس عليه، فيكفيه انه نفى ابن عباس الى الطائف، فكان يجلس ليحدث اهل الطائف مترحما على السابقين، ويقول واصفا ابن الزبير: (ذهبوا فلم يدعوا امثالهم ولا اشباههم، ولا من يدانيهم. ولكن بقى اقوام يطلبون الدنيا بعمل الاخره، يلبسون جلد الضان تحتها قلوب الذئاب والنمور، ليظن الناس انهم من الزاهدين ّه بسرائرهم، فادعوا اللّه ان يقضى لهذه الامه بالخير والاحسان فيولى امرها فى الدنيا يراوون الناس باعمالهم ويسخطون الل خيارها وابرارها ويهلك فجارها واشرارها، ارفعوا ايديكم الى ربكم وسلوه ذلك، فيفعلون). ويكفيه انه جمع بنى هاشم جميعهم فى سجن عارم، واراد ان يحرقهم بالنار فجعل فى فم الشعب حطبا كثيرا، فارسل ّه الجدلى فى اربعه آلاف فارس فما شعر بهم ابن الزبير الا والرايات تخفق بمكه فاخرج الهاشميين. المختار ابا عبدالل ّه فى حصر بنى هاشم فى الشعب قال المسعودى: (وكان عروه بن الزبير من اعلام الرواه والمحدثين يعذر اخاه عبدالل وجمعه الحطب ليحرقهم ويقول: انما اراد بذلك ان لا تنتشر الكلمه ولا يختلف المسلمون وان يدخلوا فى الطاعه فتكون الكلمه . (72) واحده، كما فعل عمر بن الخطاب ببنى هاشم لما تاخروا عن بيعه ابى بكر فانه احضر الحطب ليحرق عليهمالدار) اننا امام واقع لا بد من ايراده، كما هو، بغض النظر عما لدينا من انطباع وتخيلات عن هذا الشخص او ذاك. كان ابن الزبير يشكل نموذجا اختلط فيه الدين بالاهواء، نموذج يتكرر على مدى الازمنه وخاصه فى زماننا هذا، حيث يستفيد امثال هولاء (الذين طلبوا الدنيا بعمل الاخره) من حالات الخلخله التى تمر بها المجتمعات الاسلاميه نتيجه للصراعات السياسيه، فيحاولون الاستفاده من هذه الفرصه للاستيلاء على السلطه عشقهم الاول والاخير، وهم لا يرون اثقل على قلوبهم من حمله كلمه الحق مثل الحسين وابن عباس، ولو ظفروا بالسلطه لكان هولاء اول ضحاياهم، وهم فى محاولاتهم الحصول ّه الحرام، ثم يموهون على على مشتهاهم من السلطان والجاه يمكنهم الاطاحه بكثير من المقدسات مثل انتهاك حرمه بيت الل العامه والبسطاء ببعض التوابل مثل الصلاه والصيام والقيام وطول الركوع والسجود، وتبقى القلوب قلوب الذئاب مهما ارتدت من جلود الضان، اذا كان الزبير طالبا للحق فلماذا حارب امير المومنين على؟، ولماذا خذل الحسين، (ع)؟، فلا عجب ان يهدى اليه ابن عباس هذه الكلمات، والحسين خارج من مكه: يا لك من قبره بمعمر * خلالك الجو فبيضى واصفرى ونقرى ما شئت ان تنقرى ولا عجب ايضا ان ينذره الحسين بسوء فاله: (ان ابى حدثنى ان بها كبشا يستحل حرمتها، فما احب ان اكون ذلك الكبش) . (73) ج- النموذج الثالث: طلب الحق والشهاده فى سبيله كان لا بد من المرور بذكر ابن الزبير لان ذكر النقائض يعين على كشف الحقائق، فلم يكن الحسين امام الحق، وارث النبى وعلى، على شاكله هولاء ممن يبحثون عن سلطان او جاه وانما كان هدفه انقاذ الدين واعلاء كلمه الحق. لم تكن حقبه امامه الحسين، (ع)، فى مكه، فتره راكده. ّه الحسين ومن الواضح انها كانت حافله بالحوارات بين وجوه الامه الذين جمعهم موسم الحج ومحاوله اللحاق بابى عبدالل (ع)، وثنيه عن مسيره المزمع الى العراق وان تناقضت الدوافع. ومن ناحيه اخرى مثل خروج الحسين (ع) الى مكه واباءه البيعه بارقه امل لمن يرغبون فى التخلص من بنى اميه والسير ّه خلف رايه اهل البيت عليهم السلام، فاجتمعوا فى الكوفه فى منزل سليمان بن صرد الخزاعى فذكروا هلاك معاويه فحمدوا الل واثنوا عليه، وقال سليمان بن صرد: ان معاويه قد هلك وان حسينا لم يبايع يزيد وقد خرج الى مكه وانتم شيعته وشيعه ابيه، فان كنتم تعلمون انكم ناصروه ومجاهدو عدوه ونقتل انفسنادونه فاكتبوا اليه واعلموه، وان خفتم الوهن والفشل فلا تغروا الرجل فى نفسه. قالوا: لا بل نقاتل عدوه ونقتل انفسنا دونه. قال: فاكتبوا اليه.