و الحكمة البالغة و الموعظة الحسنة، و العلم النافع، و العرفان التامّ، و الخلق السجحة، و المعالم و المعارف، و الظرائف و الطرائف، و الغرر و الدّرر. و الأنوار و الأزهار، و العدل و الصدق، و الورع و التقى، و الحقّ و الحقيقة، و الأصول و الفروع المتّبعة، و الحكم و الآثار، و الكلم الطيّب، و القول البليغ، و المنطق السليم، و الصوب المستقيم،
و الرأي الصائب، و الفكرة الناضجة، كلّها في مقال إنسان يغترف من بحار علوم آل اللّه، و يقتبس من تلكم الأنوار، و يتّخذ المعالم من معادنها، و لا يتّبع السبل، و يقتفي آثار أولئك الأئمّة، و يرى السعادة و الفوز و الفلج في الاقتداء بهم، و الاستنارة برشدهم، و المضيّ وراء ضوئهم.
فالمتكلّم بغير هداهم أخبط من حاطب ليل يخبط خبط عشواء، و يختلط الحابل بالنابل، و المصلح بغير هديهم متطلّب في الماء جذوة نار، و العارف الناسك بغير مناسكهم يتيه في واد السّدر، و السائر إلى اللّه بغير سيرتهم يضلّ عن رشده، و يقوده الهوى السائد، و يستحوذ عليه الشيطان، و يجرّ عليه الويلات، و يدخله إلى حضيض التعاسة، و مأزق الشقاء و الدمار، و يسفّه إلى العار و الشنار.
خذ مثالا يلمسك الحقيقة باليد كتاب «إحياء العلوم» للغزّالي، و تهذيبه «المحجّة البيضاء» لمولانا الفيض القاشانيّ.
و نحن لا نمضي إلّا على ضوء الحقيقة، و نتّبع موازين القسط، و لا نصغي حقّ ذي فضل، و يهمّنا جدّا النزوع إلى حكم الأدب، أدب العلم و الدّين، أدب الحجاج، أدب الكتاب، أدب المقال، و لسنا ممّن يبخس الناس أشياءهم، و لا نستسيغ الوقيعة في عالم من الأمّة المسلمة، و التقوّل و الاجتراء عليه و الغرّة به، و لا يروقنا الكلام في مؤلّف بما يمسّ كرامته، أو يحطّ شيئا من مكانته، بل نكبر رجال العلم و الفضيلة كائنا من كان، من أيّ عنصر، من أيّ شعب، من أيّ مذهب، من أيّ بيئة، و نعطي كلّ ذي قدر حقّه،
و لكلّ منهم مقام معلوم، غير أنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع، و التمويه على الحقائق، و الصفح عنها، و السكوت عن ردّ الباطل، و الغضّ عن لفت نظر الملإ الديني إلى الواقع لا يرتضيه الدّين و العقل و المنطق و الاعتبار الصحيح، و لا مندوحة لنا عن الإصحار بالحقّ، و الإجهار بالصواب، و إماطة الستر عن وجه الشبه، فنقول:
[إشارة إلى نواقص كتاب إحياء العلوم]
أمّا «إحياء العلوم» فإنّه مهما كان مؤلّفه متضلّعا من الفقه و العلم و العرفان و الحكمة و البيان و الفكرة و الرواية و الأخلاق تراه قد اقتحم مزاعم حرجة، أحرجته المآزق، و استشكلت عليه المواقف، و أعضل به البحث، و تعايا عليه المخرج كما أعيا الداء الطبيب، تجده يعلّي أسس الحقّ على شفا جرف هار، و يدعم دعواه المجرّدة بتافه القول، و يرميه على عواهنه،
و يتمسّك بالسقر و البقر و بيّنات غير، فجاء كتابه عيبة السقطات، و سفط السفسطات، مشحونا بالخرافات، بين دفّتيه ترّهات، و ملء غضونه تافهات، و قد أفرد الحافظ ابن الجوزي في الرّدّ عليه كتابا أسماه «إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء»، و فصّل القول في الرّد عليه في الجزء التاسع من «المنتظم» و في «تلبيس إبليس» ص 357 و ذكرنا جملة ممّا أورد عليه في الجزء الحادي عشر من كتابنا الغدير.
أقول- و أنا مصحّح الكتاب-: فمن الضروري أن نورد هاهنا بعض ما أشار إليه شيخنا الأميني من عثرات أبي حامد الغزّاليّ في إحيائه ثمّ نرجع إلى بقيّة ما أملاه.
قال في كتاب رياضة النفس من الإحياء: كان بعض الشيوخ في ابتداء إرادته يكسل عن القيام فألزم نفسه القيام على رأسه طول اللّيل ليسمح بالقيام على الرّجل.
أقول: هل مساغ لهذا العمل الفادح عند العقل و الطبيعة و الاعتبار؟ و هذا كتاب اللّه العزيز يخاطب نبيّه الأقدس بقوله: «طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى» و نحن نحيل الحكم في هذا الترة و فيما يليه من قصص خرافة إلى العقل السليم، و الشريعة السهلة السمحة، و الطبيعة المطّردة، و قبل كلّها إلى سنّة اللّه الّتي لا تبديل لها.
و قال أيضا في الكتاب: عالج بعضهم حبّ المال بأن باع جميع ماله و رمى به في البحر.
و قال في كتاب ترتيب الأوراد: إنّ إبراهيم التيميّ يمكث أربعة أشهر لم يطعم
و لم يشرب و ذلك لرؤيا رآها، و نقل قصّتها.
و قال أيضا: إنّ كهمس بن منهال يختم القرآن في كلّ شهر تسعين مرّة، و ما لم يفهمه رجع و قرأه مرّة أخرى.
و قال أيضا: كان كرز بن وبرة مقيما بمكّة فكان يطوف في كلّ يوم سبعين أسبوعا، و في كلّ ليلة سبعين أسبوعا، و كان مع ذلك يختم القرآن في اليوم و اللّيلة مرّتين.
فحسب ذلك فكان عشرة فراسخ، و يكون في كلّ أسبوع ركعتان فهو مائتان و ثمانون ركعة، و ختمتان للقرآن و عشرة فراسخ.
و قال في كتاب التوحيد و التوكّل: قال أبو سعيد الخراز: دخلت البادية بغير زاد فأصابني فاقة فرأيت المرحلة من بعيد، فسررت بأن وصلت، ثمّ فكّرت في نفسي أنّي سكنت و اتّكلت على غيره و آليت أن لا أدخل المرحلة إلّا أن أحمل إليها، فحفرت لنفسي في الرمل حفرة و واريت جسدي فيها إلى صدري فسمعت صوتا في نصف اللّيل عاليا: يا أهل المرحلة إنّ للَّه تعالى وليّا حبس نفسه في هذا الرمل فألحقوه، فجاء جماعة فأخرجوني إلى القرية.
و قال أيضا: قال أبو حمزة الخراساني: حججت سنة من السنين فبينا أنا أمشي في الطريق إذ وقعت في بئر، فنازعني نفسي أن أستغيث، فقلت: لا و اللّه لا أستغيث فما استتممت هذا الخاطر حتّى مرّ برأس البئر رجلان فقال أحدهما للآخر: تعال حتّى نسدّ رأس هذا البئر لئلاّ يقع فيه أحد، فأتوا بقصب و بارية و طمّوا رأس البئر فهممت أن أصيح، فقلت في نفسي: إلى من أصيح؟ هو أقرب منهما و سكنت، فبينا أنا بعد ساعة إذا أنا بشيء جاء و كشف عن رأس البئر و أدلى رحله و كأنّه يقول: تعلّق بي في همهمة له كنت أعرف ذلك، فتعلّقت به فأخرجني فإذا هو سبع.
و قال أيضا: فقد حكي عن عابد أنّه عكف في مسجد و لم يكن له معلوم، فقال له الإمام: لو اكتسبت لكان أفضل لك، فلم يجبه حتّى أعاد عليه ثلاثا، فقال في الرابعة: يهوديّ في جوار المسجد قد ضمن لي كلّ يوم رغيفين، فقال: إن كان صادقا في ضمانه فعكوفك في المسجد خير لك، فقال: يا هذا لو لم تكن إماما تقف بين يدي اللّه
و بين العباد مع هذا النقص في التوحيد كان خيرا لك، إذ فضّلت وعد يهوديّ على ضمان اللّه تعالى بالرزق.
و قال: قال إمام المسجد لبعض المصلّين: من أين تأكل؟ فقال: يا شيخ اصبر حتّى أعيد الصلاة الّتي صلّيتها خلفك ثمّ أجيبك.