تزكية النفس بشكل مختصر 3

المِقياس الثالث ـ الدين أو الوحي:

وطبعاً مِقياسيّة الدين تتوقَّف على كونه ديناً حقّاً. وقد ثبت في محلِّه أ نّه ليس لأحد حقُّ العبادة والتديّن بدينه على آخر إلاّ الله سبحانه وتعالى، ولا دين يجب اتِّباعه عدا الدين النازل حقاً من السماء.

والدين الحقُّ يكون مِقياساً للحسن والقبح بأحد معنيين:

إمَّا بمعنى كشفه عن الحسن والقبح; لأنَّ الله يأمر بالحسن وينهى عن القبيح، كما قد يكشف الدين ـ أيضاً ـ عن المصالح والمفاسد.

وإمَّا بمعنى أنَّ أمر الله ونهيه موضوع لحسن الطاعة وقبح المعصية على أساس

ولاية الله ـ سبحانه وتعالى ـ القائمة إمَّا على مبدأ وجوب شكر المنعم، أو على مبدأ المالكيّة الحقيقيّة نتيجة الخالقيّة والمخلوقيّة.

فالدين في الحقيقة: إمَّا كاشف عن الحسن والقبح الثابتين بمِقياس آخر أو محقّق لمصداق حسن وقبح ثابتين بمِقياس آخر. وإِن شئت فاجعل هذا الكلام تصديقاً لمِقياسيّة الدين في الحسن والقبح بمعنى صغروي لا كبروي.

المِقياس الرابع ـ 

المصلحة والمفسدة، أو اللذّة والألم، أو الكمال والنقص، أو السعادة والشقاء، أو النفع والضرر:

والواقع أنَّ هنا عنوانين قد يُفترض أحدهما أو كلاهما مِقياساً للفضيلة والرذيلة: أحدهما عنوان اللذّة والألم، والآخر عنوان الكمال والنقص. وهذان العنوانان أحدهما غير الآخر: فالعلم والقدرة والشجاعة مثلاً كمال ولو لم يلتذّ صاحبها بها، والجهل والعجز والجبن نقص ولو لم يتأ لَّم صاحبها بها، فقد يُفترض أنَّ الأوّل هو المِقياس للفضيلة والرذيلة، وقد يُفترض أنَّ الثاني هو المِقياس لهما، إلاَّ أ نَّنا لم نشأ أن نفرد لكلِّ واحد منهما بحثاً مستقلاً; لأنَّ الفوارق البحثيّة بينهما ليست بنحو تقتضي الإفراد.

وقد يُفترض أنَّ المِقياس هو الجامع بينهما الذي إِن شئت فعبِّر عنه بالسعادة والشقاء، أو بالنفع والضرر، أو بالمصلحة والمفسدة.

وعلى أيّة حال فتعليقنا على كون المِقياس للفضيلة والرذيلة هي اللذّة والألم، أو الكمال والنقص هو: أنَّه يكفي لتنبيه الوجدان إلى بطلان ذلك إلفات النظر إلى بعض الأمثلة ولو الافتراضيّة التي لا واقع خارجي لها: فلو كان كشفك سرّ أخيك موجباً لالتذاذك الكبير بذلك من دون أن يتأ لَّم أخوك به; وذلك على أساس أنَّ أخاك لا يطَّلع على هذا الكشف كي يتألَّم به، أو كان كشفك سرّ أخيك مُقدَّمة

لتحصيلك درجة كبيرة من العلم، فكان مقدار تأثير ذلك في كمالك النفسي بالعلم أكثر بكثير من مقدار تأثير ذلك في نقص ملكة كتمان السرِّ التي هي ـ أيضاً ـ كمال نفسي، أو ضمن لك قادر تثق بقدرته أ نَّك لو كشفت لنا سرَّ فلان فسوف نعيد لنفسك ملكة كتمان السرّ بأقوى ممّا كانت قبل الكشف بكثير، فالوجدان والضمير المدركان للقضايا الخُلُقيّة ـ والتي هي أُمور واقعيّة في رأينا وأُمور وهميّة في رأي بعض ـ يقضيان بأنَّ كلَّ هذا لا يكون مسوِّغاً لكشف السرِّ الموجب للإحساس بالخيانة والخجل ووخز الضمير واقعاً أو وهماً.

وهذا يعني: أنَّ عنوان الفضيلة والرذيلة على ماهما عليه من واقعيّة أو وهميّة عنوان ثالث غير عنواني اللذّة والألم، والكمال والنقص، وإِن أمكن التعبير عن الجامع بين اثنين منها أو الثلاثة بالمصلحة والمفسدة، أو الضرر والنفع، أو السعادة والشقاء.

فهذا المِقياس حاله حال المِقياسين الأوَّلين في عدم الصحَّة.

وأيضاً يمكن أن نمثِّل في خصوص اللذّة والألم بأنَّ المريض الذي تضعف نفسه عن الحِمْية من الغذاء الذي يضرُّه، فيأكل ذلك الغذاء، ويضرِّر به نفسه، لا يحسُّ بتأنيب الضمير والوجدان في ترك الحِمْية ولا بالخيانة والخسَّة، في حين أ نّه حينما يكشف سرَّ أخيه مثلاً يحسُّ بكلِّ ذلك. فهذه وأمثالها من الأمثلة الوجدانيّة خير دليل على بطلان هذا المِقياس على تحقيق وتفصيل موجودين في تقريرنا لبحث الأُصول لأُستاذنا الشهيد الصدر  في الجزء الأوّل من القسم الثاني من مباحث الأُصول[1].

وللمحقِّق الخراسانيّ  بيان لربط الحسن والقبح بالمصلحة والمفسدة

وبالملائمة والمنافرة للقوّة العاقلة[1].

وحاصله : الاستفادة ممَّا ذهب إليه الفلاسفة: من أنَّ الوجود خير محض، وأنَّ العدم شرٌّ محض، فكلُّ شيء كان أوسع وجوداً كان أوسع خيريّة، وكلُّ ما كان أضأل وجوداً وجانب العدم أغلب عليه كان أكثر شرِّيّة، واتِّصافُ بعض الوجودات بالشرِّ يكون باعتبار ما يلازمها أو يترتَّب عليها من الأعدام، كما أنَّ اتِّصاف بعض الأعدام بالخير يكون باعتبار ما يلازمها أو يترتَّب عليها من الوجودات، فالإنسان مثلاً أكثر خيراً وآثاراً من الحيوان; لكونه أوسع وأرقى وجوداً منه. وكذلك الحيوان أكثر بركة وآثاراً من النبات، والنبات من الجماد، وكذلك الكلام في تطبيق القاعدة على الأفعال، فكلُّ فعل يكون جانب الوجود فيه أوسع فهو أكثر خيريّةً، وكلُّ ما كان من الأفعال ضئيلاً وحقيراً، وكان جانب العدم هو الغالب عليه، كان أشدُّ شرِّيّة.

وكما أنَّ كلَّ قوّة من القوى في الإنسان كقوّة البصر والذوق والشمِّ وغير ذلك تنبسط وتنشرح بإدراك ما يلائمها، وتتضجَّر وتنكمش بإدراك ما ينافرها، فالباصرة ـ مثلاً ـ تنبسط لرؤية الحديقة والأزهار، وتتضجَّر لرؤية ما تستقبحه من صور الأشياء الكريهة، وكذلك الشامّة بالنسبة للروائح وغيرها من القوى، كذلك الحال في رئيس تلك القوى، وهي: القوة العاقلة، فتنبسِط لإدراك ما يلائمها، وتنكمش من إدراك ما ينافرها. ومِقياس الملائمة والمنافرة لها هي: درجة التسانخ وعدمه. وبما أنَّ القوّة العاقلة موجود بسيط ومجرَّد ومن أوسع الوجودات وأرقاها، فكلُّ فعل كان أوسع وجوداً كان أشبه وأنسب بالقوّة العاقلة وأكثر سنخيّة لها، فتنبسط القوّة العاقلة بإدراكه لها تصوِّراً وتصديقاً، وكلُّ فعل كان أضيق وجوداً


[1] راجع الفوائد للمحقِّق الخراسانيّ: 330 ـ 332، ط ـ منشورات مكتبة بصيرتي في ذيل طبعة حاشيته على فرائد الأُصول.

وجانب العدم أكثر غلبةً عليه كان أكثر مباينة لتلك القوّة، فتنكمش منه، وهذا معنى إدراك العقل للحسن والقبح. وهذا يُوجِب لا محالة صحَّة مدح الفاعل وذمّه على الفعل الحسن أو القبيح.

أقول: إنَّ هذا المدح والذمِّ الوليدين لمجرد ملائمة القوّة العاقلة أو منافرتها إنَّما هو من سنخ مدح ذي الصورة الحسنة أو ذي الصورة القبيحة الملائمة للقوة الباصرة أو المنافرة لها، ومن سنخ مدح ذي الطعم الشهيّ أو ذمِّ ذي الطعم الكريه، أو الرائحة الشهيّة والكريهة الملائمين أو المنافرين للذائقة والشامَّة. وهذا غير المدح والذمِّ الخُلُقيين.

شاهد أيضاً

آية الله الأعرافي: نصر الله حقيقة خالدة ومدرسة حيَّة.. وحدة الساحات حقيقة استراتيجيَّة.. الحوزات العلميَّة إلى جانب حزب الله

في رسالة وجَّهها إلى الشيخ نعيم قاسم.. آية الله الأعرافي: نصر الله حقيقة خالدة ومدرسة …