تزكية النفس : السيد كاظم الحائري ٤

فهذا المِقياس حاله حال المِقياسين الأوَّلين في عدم الصحَّة.

وأيضاً يمكن أن نمثِّل في خصوص اللذّة والألم بأنَّ المريض الذي تضعف نفسه عن الحِمْية من الغذاء الذي يضرُّه، فيأكل ذلك الغذاء، ويضرِّر به نفسه، لا يحسُّ بتأنيب الضمير والوجدان في ترك الحِمْية ولا بالخيانة والخسَّة، في حين أ نّه حينما يكشف سرَّ أخيه مثلاً يحسُّ بكلِّ ذلك. فهذه وأمثالها من الأمثلة الوجدانيّة خير دليل على بطلان هذا المِقياس على تحقيق وتفصيل موجودين في تقريرنا لبحث الأُصول لأُستاذنا الشهيد الصدر  في الجزء الأوّل من القسم الثاني من مباحث الأُصول[1].

وللمحقِّق الخراسانيّ  بيان لربط الحسن والقبح بالمصلحة والمفسدة

وبالملائمة والمنافرة للقوّة العاقلة[1].

وحاصله : الاستفادة ممَّا ذهب إليه الفلاسفة: من أنَّ الوجود خير محض، وأنَّ العدم شرٌّ محض، فكلُّ شيء كان أوسع وجوداً كان أوسع خيريّة، وكلُّ ما كان أضأل وجوداً وجانب العدم أغلب عليه كان أكثر شرِّيّة، واتِّصافُ بعض الوجودات بالشرِّ يكون باعتبار ما يلازمها أو يترتَّب عليها من الأعدام، كما أنَّ اتِّصاف بعض الأعدام بالخير يكون باعتبار ما يلازمها أو يترتَّب عليها من الوجودات، فالإنسان مثلاً أكثر خيراً وآثاراً من الحيوان; لكونه أوسع وأرقى وجوداً منه. وكذلك الحيوان أكثر بركة وآثاراً من النبات، والنبات من الجماد، وكذلك الكلام في تطبيق القاعدة على الأفعال، فكلُّ فعل يكون جانب الوجود فيه أوسع فهو أكثر خيريّةً، وكلُّ ما كان من الأفعال ضئيلاً وحقيراً، وكان جانب العدم هو الغالب عليه، كان أشدُّ شرِّيّة.

وكما أنَّ كلَّ قوّة من القوى في الإنسان كقوّة البصر والذوق والشمِّ وغير ذلك تنبسط وتنشرح بإدراك ما يلائمها، وتتضجَّر وتنكمش بإدراك ما ينافرها، فالباصرة ـ مثلاً ـ تنبسط لرؤية الحديقة والأزهار، وتتضجَّر لرؤية ما تستقبحه من صور الأشياء الكريهة، وكذلك الشامّة بالنسبة للروائح وغيرها من القوى، كذلك الحال في رئيس تلك القوى، وهي: القوة العاقلة، فتنبسِط لإدراك ما يلائمها، وتنكمش من إدراك ما ينافرها. ومِقياس الملائمة والمنافرة لها هي: درجة التسانخ وعدمه. وبما أنَّ القوّة العاقلة موجود بسيط ومجرَّد ومن أوسع الوجودات وأرقاها، فكلُّ فعل كان أوسع وجوداً كان أشبه وأنسب بالقوّة العاقلة وأكثر سنخيّة لها، فتنبسط القوّة العاقلة بإدراكه لها تصوِّراً وتصديقاً، وكلُّ فعل كان أضيق وجوداً

_______

[1] راجع الفوائد للمحقِّق الخراسانيّ: 330 ـ 332، ط ـ منشورات مكتبة بصيرتي في ذيل طبعة حاشيته على فرائد الأُصول.

وجانب العدم أكثر غلبةً عليه كان أكثر مباينة لتلك القوّة، فتنكمش منه، وهذا معنى إدراك العقل للحسن والقبح. وهذا يُوجِب لا محالة صحَّة مدح الفاعل وذمّه على الفعل الحسن أو القبيح.

أقول: إنَّ هذا المدح والذمِّ الوليدين لمجرد ملائمة القوّة العاقلة أو منافرتها إنَّما هو من سنخ مدح ذي الصورة الحسنة أو ذي الصورة القبيحة الملائمة للقوة الباصرة أو المنافرة لها، ومن سنخ مدح ذي الطعم الشهيّ أو ذمِّ ذي الطعم الكريه، أو الرائحة الشهيّة والكريهة الملائمين أو المنافرين للذائقة والشامَّة. وهذا غير المدح والذمِّ الخُلُقيين.

ولاُستاذنا الشهيد الصدر  حديث مفصَّل في مناقشة كلام المحقِّق الخراساني  أقتصر هنا على نقل قطعة منه مع تلخيصها، وهي: أنَّ المقصود بملائمة العقل ومنافرته لما يدركه من الفعل بسبب السنخيّة وعدم السنخيّة إِن كان هو التسانخ وعدمه مع المُدرَك بالعرض ـ وهو واقع الفعل ـ فقد حُقِّق في محله أنَّ المُدرَك الحقيقيّ ليس هو ذاك، وأنّ الإدراك وكذلك الحبّ والبغض ونحو ذلك كلِّها تُصَبُّ على الصور لا على ذوات الصور الخارجيّة.

وإِن كان هو التسانخ وعدمه مع المُدرَك بالذات ـ وهي الصورة ـ فالمُدرَك بالذات دائماً على حدٍّ سواء من حيث التجرد وسعة الوجود، بلا فرق بين أن يكون المُدرَك بالعرض وسيعاً أو ضيقاً، فإنَّ من أَوليّات علم النفس في الفلسفة أنَّ إدراكات قوّة واحدة تناسب تلك القوّة في التجرّد وسعة الوجود على نهج واحد، فليس ـ مثلاً ـ إدراك الأمر المادِّي مادِّياً والمجرّد مجرّداً، بل إدراك ماهو من أرقى الوجودات يساوي من حيث التجرُّد والمسانخة للعقل إدراك ماهو من أخسِّ الوجودات، كالبياض ـ مثلاً ـ الذي هو وجود عرضيٌّ حالٌّ في وجود مادِّيٍّ وما للمُدرَك بالعرض من السعة والضيق أو الخيريّة والشرِّيّة لا يسري إلى المُدرَك

بالذات، وإنَّما يحكم على المُدرَك بالذات بأحكام وخصائص المُدرَك بالعرض بمنطق الفناء، ولا يُوجب الفناء سريان الخصائص والآثار من الخارج إلى الصورة حقيقة، فصورةُ النار ـ مثلاً ـ لن تحرق بفنائها في ذي الصورة، وإدراك الوسيع أو الضيِّق لن يكون وسيعاً أو ضيقاً بلحاظ المدرك بالعرض، كي يترتَّب على ذلك انبساط القوّة العاقلة وانقباضها; ولذا ترى وجداناً أنَّ القوّة العاقلة ليس الأولى بها أن تدرك العدل فقط دون الظلم، كما كان الأَولى بالقوّة الباصرة أن تدرك الصورة الحسنة دون القبيحة، والأولى بالقوّة الشامّة أن تشمَّ الروائح العطرة دون الكريهة. هذا ما أردنا الاقتصار عليه من نقل كلام أُستاذنا الشهيد  [1].

وفي نهاية البحث عن مقياسيّة المصلحة والمفسدة بودِّي أن أُشير إلى أنَّ إنكارنا لهذا المِقياس إنَّما يعني مغايرة عنوانيْ الحسن والقبح أو الفضيلة والرذيلة لعناوين اللذّة والألم أو الكمال والنقص، وعدم الملازمة فيما بينها، فلو كنتَ تلتذُّ بإيذاء الآخرين أو تحصل على كمال علميِّ من وراء اغتصاب شخص لتعليمه إيّاك من دون رضاه مثلاً، فهذه رذيلة لك وليست فضيلة، وهذا لا ينافي كون حفظ مصالح الناس أو درء المفاسد عنهم أمراً حسناً في ذاته بحكم العقل، وتوريطهم في المفاسد أمراً قبيحاً بحكم العقل، ولكنْ لا يجوز لك ـ أيضاً ـ توفير المصلحة لشخص بإدخال المفسدة على شخص آخر وإِن صغرت المفسدة وكبرت المصلحة; لأنَّ توفير المصلحة للناس مستحب في منطق العقل العملي، وإدخال المفسدة على الناس حرام في منطق العقل العملي.

وقد اتّضح بما ذكرناه: أنَّ مِقياسيّة المصلحة والمفسدة أو اللذّة والألم إِن كانت بمعنى مِقياسيّة المصلحة أو اللذّة الشخصيتين، فهذا مِقياس باطل; لما أشرنا إليه من بعض النقوض.

وإِن كانت بمعنى مِقياسيّة المصلحة أو اللذّة النوعيتين، فتوفير مصلحة الناس يمكن أن يجعل مصداقاً من مصاديق الفضيلة الثابت حسنها بمِقياس آخر، وليس هذا العنوان هو المِقياس الأوّلي للحسن والقبح وإلاّ لورد عليه النقض أيضاً، وإن شئت فاجعل هذا تصديقاً في الجملة بمِقياسيّة المصلحة والمفسدة بالمعنى الصغرويّ دون الكبرويِّ.

شاهد أيضاً

ماهي أوضاع الحرب بين أمريكا وايران

75 ماهي أوضاع الحرب بين أمريكا وايران تشير آخر التقارير إلى أن الحرب بين الولايات …