الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر

الفصل الأول

حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وأهميتهما

تمهيد في معناهما

جاء في كتب اللغة أن المعروف : ما يستحسن من الافعال ، وكلّ ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه [١].

والمنكر : كل ما قبّحه الشرع وحرّمه وكرّهه [٢].

وقيل عن المعروف : هو اسم لكلِّ فعل يُعْرَف بالعقل أو الشرع حسنه. والمنكر : ما ينكر بهما [٣] ، أي كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه أو تتوقف في استقباحه واستحسانه ، فتحكم بقبحه الشريعة [٤].

وجاء في مجمع البيان أنّ المعروف : الطاعة ، والمنكر : المعصية.


[١] لسان العرب / ابن منظور ٩ : ٢٣٩.

[٢] لسان العرب ٥ : ٢٣٣.

[٣] مفردات ألفاظ القرآن / الراغب الاصفهاني : ٣٣١.

[٤] مفردات ألفاظ القرآن : ٥٠٥.

وكل ما أمر اللّه ورسوله به فهو معروف ، وما نهى اللّه ورسوله عنه فهو منكر [١].

موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

لا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمورد من الموارد ، ولا مجال من المجالات ، بل هو شامل لجميع ما جاء به الإسلام من مفاهيم وقيم ، فهو شامل للتصورات والمبادئ التي تقوم على أساسها العقيدة الإسلامية ، وشامل للموازين والقيم الإسلامية التي تحكم العلاقات الانسانية ، وشامل للشرائع والقوانين ، وللاوضاع والتقاليد ، وبعبارة اُخرى هو دعوة إلى الإسلام عقيدة ومنهجا وسلوكا ؛ بتحويل الشعور الباطني بالعقيدة إلى حركة سلوكية واقعية ، وتحويل هذه الحركة إلى عادة ثابتة متفاعلة ومتصلة مع الاوامر والارشادات الإسلامية ، ومنكمشة ومنفصلة عن مقتضيات النواهي الإسلامية.

وقد بيّن الإمام الحسين 7 موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائلاً :

«… بدأ اللّه بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر فريضة منه ، لعلمه بأنّها إذا أديت وأقيمت استقامت الفرائض كلّها هينها وصعبها ؛ وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام ، مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم ، وقسمة الفيء والغنائم ، وأخذ الصدقات من مواضعها ، ووضعها في حقها … » [٢].

وقد تجلّت هذه الشمولية بوصية رسول اللّه 6 لمعاذ بن جبل


[١] مجمع البيان في تفسير القرآن / الطبرسي ١ : ٤٨٣.

[٢] تحف العقول / ابن شعبة الحرّاني : ١٦٨.

حينما ولاّه على أحد البلدان :

«يا معاذ علمهم كتاب اللّه وأحسن أدبهم على الاخلاق الصالحة ، وانزل الناس منازلهم ـ خيّرهم وشرهم ـ وانفذ فيهم أمر اللّه … وأمت أمر الجاهلية إلاّ ما سنّه الإسلام ، واظهر أمر الإسلام كلّه ، صغيره وكبيره ، وليكن أكثر همّك الصلاة فإنّها رأس الإسلام بعد الاقرار بالدين ، وذكّر الناس باللّه واليوم الآخر واتبع الموعظة » [١].

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستتبع جميع مقوّمات الشخصية الانسانية في الفكر والعاطفة والسلوك ، لتكون منسجمة مع المنهج الالهي في الحياة ، وتكون هذه المقومات متطابقة مع بعضها ، فلا ازدواجية بين الفكر والعاطفة ولا بينهما وبين السلوك ، وهي وحدة واحدة يكون فيها الولاء والممارسة العملية للّه وحده ولمنهج التوحيد الذي دعا إليه في جميع مفاهيمه وقيمه.

المبحث الأول

حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إنّ الإسلام ليس مجرد تفكير وتدبّر وخشوع يتحرك في داخل العقول والقلوب ، وإنّما هو منهج حياة واقعي ، يدعو إلى استنهاض الهمم والعزائم وتقوية الارادة ؛ لتنطلق في الواقع مجسدة للمفاهيم والقيم الالهية بصورة عملية ، وهو يدعو إلى النهوض بالتكاليف الالهية في عالم الضمير


[١] تحف العقول : ١٩.

وعالم الواقع على حدٍّ سواء ، والاستقامة على ضوئها.

وبما ان الإنسان يحمل في جوانحه الاستعدادات المختلفة للخير والشر وللفضيلة والفجور ، ويتأثر بالعوامل الخارجية كالمغريات والمثيرات المتنوعة ، اضافة إلى دور الشيطان في الوسوسة والاغراء ، فهو بحاجة إلى من يهديه ويرشده ويقوّم له تصوراته وعواطفه وممارساته العملية ، لتكون موصولة بالعقيدة والشريعة الإسلامية ، ولهذا شرّع الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليقوم به الإنسان المسلم إيقاظا للقلوب البشرية الغافلة ، وتحريكا للارادات الضعيفة لتستقيم على أساس المفاهيم والموازين الالهية.

فأوجب سبحانه وتعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجعله من التكاليف الأساسية ؛ لأنّه غاية الدين كما عبّر عنه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب 7 :

«غاية الدين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة الحدود » [١].

وقال 7 :

«قوام الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة الحدود » [٢].


[١] تصنيف غرر الحكم : ٣٣٢.

[٢] تصنيف غرر الحكم : ٣٣٢.

ص14

شاهد أيضاً

ماهي أوضاع الحرب بين أمريكا وايران

75 ماهي أوضاع الحرب بين أمريكا وايران تشير آخر التقارير إلى أن الحرب بين الولايات …