الفصل الثاني: النظرة الإسلامية في الموت
أولاً: ما هي طبيعة الموت؟
ثانياً: الاتجاه الأصيل في نظرته للموت
ثالثاً: متى يُطلب الموت؟
رابعاً: الإطار الاجتماعي للشهادة
خامساً: كيف نوجد المشاعر اتجاه الشهيد؟
سادساً: تربة الشهيد
سابعاً: نموذج ليلة الشهيد
37
31
الفصل الثاني: النظرة الإسلامية في الموت
أولاً: ما هي طبيعة الموت؟
ثمة اتجاهات متباينة في نظرتها إلى الموت.
– فاتّجاه يرى أنّ علاقة الإنسان بالعالم، وعلاقة الروح بالجسد، هي نوع من العلاقة التي تربط السجين بالسجن، وغريق البئر بالبئر والطير بالقفص.
والموت في رأي هذا الاتّجاه الفكري خلاص وحريّة، والانتحار بموجبه مشروع.
وتنسب إلى (ماني) المعروف هذه النظرية، وبموجبها يكتسب الموت صفة إيجابية مطلوبة، إذ إنّه نجاة من سجن وخروج من بئر وتحرر من قفص، وليس فيه ما يدعو إلى الأسف بل إنّه يدعو إلى الابتهاج.
– واتّجاه ثان يرى أنّ الموت عدم وفناء، خلافاً للحياة التي هي وجود وبقاء.. والإنسان يميل غريزياً وبالبداهة إلى ترجيح الوجود على الفناء، ولذلك فهو يفضل الحياة – بأي صورة كانت – على الموت. يتحدث (المولوي) عن (جالينوس) الطبيب الاسكندراني المعروف أنّه قال: إنّي أفضل أن أبقى حيّاً حتى ولو قدر أن أعيش في بطن بغلة ورأسي خارجها. هذا الاتّجاه ينظر إلى الموت نظرة سلبية تماماً.
39
32
الفصل الثاني: النظرة الإسلامية في الموت
– والاتّجاه الآخر يرفض أن يكون الموت إبادة وفناء.. ويرى أنّه انتقال من عالم إلى آخر، ويرفض أن تكون علاقة الإنسان بالعالم، وعلاقة الروح بالجسد، من نوع علاقة السجين بالسجن، أو الغريق بالبئر أو الطير بالقفص، ويذهب إلى أنّها كعلاقة الطالب بالمدرسة وعلاقة الفلاح بالمزرعة.
الطالب يعاني في دراسته مصاعب متعددة كابتعاده عن الأهل والأحبة وعن الوطن أحياناً، ويتقيد بجدران الصف والمدرسة.
لكن الطريق الوحيد لسعادة هذا الطالب في المجتمع ينحصر في إنهاء دراسته بنجاح.
والمزارع يتحمل في حقله أنواع التّعب، ويعاني من ابتعاده عن أهله وأطفاله. لكن عمله في المزرعة هو الذي يوفر له وسيلة حياة مرضية في كنف عائلته طول أيّام السنة.
ثانياً: الاتجاه الأصيل في نظرته للموت
وكيف يستقبل الموت أصحاب هذا الاتّجاه الأخير؟
هؤلاء يخافون من الموت وينفرون منه إن كانوا قد أضاعوا عمرهم، وأتلفوا حياتهم، وارتكبوا المعاصي والآثام.. لكنهم يستقبلون الموت ببشر وسرور، ويترقبونه بفارغ الصبر إن كانوا قد أدوا ما عليهم من مسؤولية في الحياة، ونجحوا في اجتياز المرحلة الدنيويّة، شأنهم في ذلك شأن الطالب الذي جدّ واجتهد بنجاح في دراسته ويوّد بلهفة
40
33
الفصل الثاني: النظرة الإسلامية في الموت
أن يعود إلى وطنه وإلى أحضان أهله وأحبائه، وكالمزارع الذي بذل غاية جهده في عمله، ويأمل بشوق شديد أن ينتهي من عمله، ويأخذ ما جنته يداه إلى بيته.
هذا الطالب يصارع رغبته في العودة إلى وطنه قبل انتهاء دراسته، ويأبى على نفسه أن يترك دراسته ناقصة. وهكذا المزارع لا يضحي بعمله وواجبه من أجل تحقيق أمله.
شأن أولياء الله شأن هذا الطالب. ينظرون بعين الشوق والأمل إلى الموت باعتباره نقلة إلى العالم الآخر، وهذا الأمل يعتمل في نفوسهم، فلا يقرّ له قرار، يقول الإمام عليّ عليه السلام: “ولولا الأجل الذي كتب الله عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب، وخوفاً من العقاب”1.
ومع هذا، فأولياء الله لا يلقون بأنفسهم نحو الموت، إذ يرون العمر فرصة وحيدة للعمل والتكامل، ويعلمون أنّهم يستطيعون اجتياز مراحل أسمى على سلّم التكامل إن استمروا على قيد الحياة، فيطلبون من الله أن يطيل أعمارهم.
ومن هنا فلا تعارض بين شوق المؤمنين إلى الموت وطلبهم طول العمر.
1 نهج البلاغة: الخطبة 193.
41
34
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله