علوم القرآن محاضرات القاها حجة الاسلام السيد محمد باقر الحكيم

وفي الظروف المحيطة به والقرائن الحالية التي اقترنت بنزوله، فهو يعرف في أي
وقت نزلت وفي أي الاشخاص والجماعات، ولأجل أي غرض أو هدف.
وحتى أولئك الذين يرون صحة الرجوع إلى القياس وغيره من الأدلة الظنية
انما يصح ذلك في رأيهم أو يقولون بحجية هذه الأدلة إذا فقدوا الدليل والنص على
الحكم الشرعي والمعرفة الاسلامية، أي (إذا انسد باب العلم) إلى هذه الحقائق كما
يعبر الأصوليون.
وأما إذا كانت الفرصة قائمة وموجودة للوصول إلى الحكم الشرعي والمعرفة،
من خلال طريق العلم ووسائل الاثبات اليقينية فلا يصح ذلك بالاجماع.
وهذا ما عناه وأكده أهل البيت (عليهم السلام) في هذه الروايات الكثيرة وهو الذي
كان
سببا رئيسا في هذا القدر من الانكار والاستنكار على مدرسة الرأي.
والايمان بصحة هذا الامر هو الذي دعا جماعة كبيرة من كبار فقهاء الجمهور في
عصور الأئمة المختلفة للرجوع إلى أهل البيت (عليهم السلام) من أجل أن يعرفوا هذه
الحقائق اليقينية، وتأثروا بهم في مختلف مجالات المعرفة وخصوصا في
التفسير (١).
وهنا نشير إلى بعض الروايات التي تعكس هذا التصور والفهم للموقف من
قبل أهل البيت (عليهم السلام):
١ – الرواية التي رواها ثقة الاسلام الكليني وكذلك الصدوق في العقائد عن
سليم بن قيس والتي تقدمت الإشارة إليها في هذا الموضوع.
٢ – ما رواه ثقة الاسلام الكليني بسند صحيح عن أبي الصباح (الكناني) قال:
والله قال لي جعفر بن محمد (عليهما السلام): إن الله علم نبيه (صلى الله عليه وآله)
التنزيل والتأويل، فعلمه
——————–
(١) تناولنا هذا الموضوع في كتابنا ” دور أهل البيت في الحياة الاسلامية ” الذي نأمل منه
تعالى أن يوفقنا لاكماله وطبعه.
(٣١٦)
رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام)، ثم قال وعلمنا – والله – الحديث
.(١)
٣ – عن موسى بن عقبة ان معاوية (بن أبي سفيان) أمر الحسين (عليه السلام) ان
يصعد
المنبر فيخطب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
نحن حزب الله الغالبون وعترة نبيه الأقربون، وأحد الثقلين اللذين جعلنا
رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثاني كتاب الله، فيه تفصيل لكل شئ لا يأتيه الباطل
من بين
يديه ولا من خلفه، والمعول علينا في تفسيره لا نتظنى تأويله بل نتبع حقائقه،
فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله مقرونة. قال الله تعالى:
(… أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه
إلى الله والرسول…) (٢) وقال:
(ولو ردوه إلى الرسول والى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه
منهم…) (٣).
وروى الطبري نحوه في بشارة الاسلام بسنده عن الحسن بن علي (٤).
٤ – وروى الكليني بسند صحيح عن أبي عبيدة (الحذاء) قال: قال أبو جعفر
(الباقر) (عليه السلام): ” من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة
وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه ” (٥).
وروى أيضا بسند معتبر في حديث عن أبي الحسن موسى (الكاظم) (عليه السلام)
——————–
(١) وسائل الشيعة :١٨ ١٣٥ الحديث .١٩
(٢) النساء: .٥٩
(٣) النساء: .٨٣
(٤) وسائل الشيعة :١٨ ١٤٤ الحديث .٤٥
(٥) المصدر السابق: ٩ الحديث ١ ولاحظ أحاديث هذا الباب والتأكيد الذي ورد عن أئمة
أهل البيت بعدم الفتيا أو القضاء بغير علم، وأهمية التعلم ووجوبه.
(٣١٧)
قال: ” ما لكم والقياس، انما هلك من قبلكم بالقياس… ثم قال:
إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به، وإذا جاءكم ما لا تعلمون فها (وأومأ بيده إلى
فيه) ثم قال:
إن أبا حنيفة كان يقول: قال علي (عليه السلام) وقلت، وقالت الصحابة وقلت، ثم
قال:
أكنت تجلس إليه؟ قلت: لا، ولكن هذا كلامه، فقلت: أصلحك الله، أتى
رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناس بما يكتفون به في عهده؟ قال: نعم. وما
يحتاجون إليه يوم
القيامة. فقلت: فضاع من ذلك شئ؟ فقال لا هو عند أهله ” (١).
معالم نظرية أهل البيت (عليهم السلام) في التفسير:
بعد أن عرفنا منطلقات أهل البيت (عليهم السلام) إلى القرآن الكريم وتفسيره، يحسن
بنا أن نشير إلى معالم نظرية أهل البيت في التفسير، حيث يمكن أن نلخصها في
المعالم الأربعة التالية:
الأول: الوحدة البيانية للقرآن:
النظر إلى القرآن الكريم كوحدة لفظية وكلامية متكاملة بحيث لا يمكن أن نفهم
فقراته أو آياته إلا من خلال النظر إلى جميع أبعاد وجوانب هذه الوحدة اللفظية
وكذلك إلى جميع فقراتها.
ويعتمد هذا الفهم للقرآن الكريم على رؤية علمية وواقعية مستنبطة من القرآن
الكريم وطبيعة الظروف التي أحاطت بنزوله.
——————–
(١) وسائل الشيعة :١٨ ٢٣ حديث .٣ راجع أيضا حديث ٥ و ١٦ و ١٨ و ٣٣ و ٤١ و ٤٩
وغيرها من أحاديث الباب ٦ من أبواب صفات القاضي ج .١٨
(٣١٨)
فالقرآن الكريم كما نعرف هو (… كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم
خبير) (١). فهو (كلام واحد) يعبر عن تصور متكامل وشامل للكون والحياة
والدين، ولكن شاءت الحكمة الإلهية أن ينزل هذا الكلام بشكل تدريجي
و (منجما) لتحقيق أغراض عديدة تحدثنا عنها في محله من علوم القرآن، كما أشار
إليه القرآن الكريم نفسه (٢).
وقد أحاطت بالنزول التدريجي هذا ظروف وأحداث تلقي الضوء على معانيه
وأهدافه من ناحية، وكان لها تأثير في أسلوب العرض والبيان والمقاصد أحيانا
أخرى.
فقد يأتي البيان في البداية (عاما) لمصلحة سياسية أو تربوية أو لرسم الأساس
الفكري والمنطلقات النظرية، ثم يأتي تخصيص هذا (العام) وبيان الاستثناءات
التي تقتضيها المصالح السياسية أو الاجتماعية، خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار
أن بعض هذه التخصيصات جاءت من السنة النبوية الشريفة، وهو شئ يقبله
جمهور علماء الاسلام استنادا لقوله تعالى: (… ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم
عنه فانتهوا…) (٣).
أو يثبت القرآن الكريم موقفا سياسيا أو حكما شرعيا مراعيا تطور الدعوة
والرسالة وحركتها في أرض الواقع، ثم (ينسخ) ذلك الموقف والحكم بعد أن تتغير
الظروف وتتطور لصالح تثبيت حكم آخر أكثر انسجاما مع تطور المرحلة
واستقرار الكيان السياسي أو الأوضاع الاجتماعية (٤).
——————–
(١) هود: .١
(٢) تحدثنا عن هذه الظاهرة وأغراضها في أبحاث علوم القرآن الصفحة…
(٣) الحشر: .٧
(٤) تحدثنا عن تفسير النسخ وأهدافه وكذلك الغرض من العموم والخصوص والاطلاق
والتقييد في أبحاث علوم القرآن، راجع الصفحة…
(٣١٩)
ومن هنا فلا يمكن أن يفهم القرآن الكريم بشكل صحيح دون الإحاطة
الكاملة بكل هذه الابعاد والجوانب (العام والخاص) و (الناسخ
والمنسوخ)…
وفي جانب آخر اقتضت الحكمة الإلهية في نزول القرآن الكريم أن يكون
مشتملا على الآيات (المحكمة) التي هي أم الكتاب والاخرى (المتشابهة) التي
لا بد من ارجاعها إلى الآيات المحكمة لفهمها والاستفادة منها (١) حيث تعتمد
عملية تقريب الصورة للمعاني القرآنية واحاطتها بالابعاد المتعددة للمعنى على
هذه الآيات المتشابهة إضافة إلى أن طبيعة المداليل اللفظية تقبل الاحتمالات
المتعددة – كما سوف نشير إليه في بحث قريب – الامر الذي يفرض التشابه في
الكلام ومن ثم يمكن تحديد الصورة وفهمها بشكل كامل من خلال الرجوع إلى
المحكمات أو المقارنة بين المتشابهات المتعددة.
وعلى هذا الأساس كان يوجه أهل البيت الانتقاد إلى أولئك المفسرين الذين
كانوا يمارسون عملية التفسير دون هذه الإحاطة.
ففي رواية رواها البرقي في المحاسن عن أبي الوليد البحراني ثم البحري، عن أبي
جعفر (عليه السلام)، أن رجلا قال له: أأنت الذي تقول ليس شئ من كتاب الله إلا
معروف؟ ” قال: ليس هكذا قلت. إنما قلت: ليس شئ من كتاب الله إلا عليه
دليل ناطق عن الله في كتابه مما لا يعلمه الناس… إلى أن قال: إن للقرآن ظاهرا
وباطنا ومعانيا وناسخا ومنسوخا ومحكما ومتشابها وسننا وأمثالا وفصلا ووصلا
——————–
(١) ذكرنا السبب في اشتمال القرآن الكريم على الآيات المتشابهة في بحث المحكم
والمتشابه.
(٣٢٠)

شاهد أيضاً

بصــــــائر الدرجــــــات

(9) حدثنا أحمد بن محمد عن محمد بن سنان عن أبي الجارود عن الأصبغ بن …