إيران والعراق: اختبار السيادة والعروة التي لا تنفصم

إيران والعراق: اختبار السيادة والعروة التي لا تنفصم

الشيخ غريب رضا

لم يكن القرار الأخير للحكومة العراقية بمنع الرحلات الجوية إلى إيران مجرد إجراءٍ فنيٍّ أو لوجستيٍّ عابر، بل تحول في نظر الكثيرين إلى «اختبارٍ حقيقيٍ للسيادة الوطنية» في بغداد. إن استقراء ردود الأفعال الصادرة عن مختلف أطياف المجتمع العراقي -من حوزات النجف وكربلاء إلى جماهير البصرة وساحة التحرير في بغداد- يرسخ حقيقةً لا مراء فيها: وهي أن الشعب العراقي، ولا سيما نخبُه، وفصائل المقاومة، والجماهير الواعية، باتت أكثر حساسيةً ورفضاً لـ «الإملاءات الأمريكية» التي تتدخل في صميم السياسة الخارجية للبلاد.

إن هذه الأزمة، بحدودها الراهنة، تستدعي التوقف عند ثلاث نقاط جوهرية تعكس نبض الشارع العراقي:

أولاً: صدى المرجعية وخطاب العلماء الثوري
لم يتوقف الاعتراض عند حدود السياسة، بل انتقل إلى أروقة الحوزات العلمية ومنابر العلماء. لقد شهدت الساحة الدينية حراكاً لافتاً؛ حيث أدان عدد من العلماء والمراجع، ومن خلال البيانات الصادرة عن كبار الفقهاء والتجمعات الاعتراضية، هذه الإجراءات التي تُعتبر مساساً بحقوق المسلمين وتكريساً للهيمنة الأجنبية. إن المواقف الصادرة عن بعض المراجع والعلماء الثوريين لم تكن مجرد رأيٍ فقهي، بل كانت «بياناتٍ سيادية» تؤكد أن أي قرار يمس الروابط الروحية والعلمية بين النجف وطهران هو قرارٌ يتنافى مع مصلحة الأمة وكرامة العراق. هذا الخطاب الديني المعتدل والصلب في آنٍ واحد، أعطى الشرعية الشعبية للاحتجاجات وجعل من القضية قضية «مبدأ وكرامة» لا مجرد قضية «سفر وتنقل».

ثانياً: تحدي “استقلال القرار” وصدى ذلك في البرلمان
بالنسبة للمواطن العراقي وممثليه في البرلمان، فإن هذا القرار لا ينمُّ عن مصلحةٍ وطنيةٍ عراقيةٍ صرفة، بقدر ما يُقرأ كإذعانٍ لتوجيهات واشنطن في إطار سياسة «الضغوط القصوى». لقد أدركت القوى السياسية والنخب الفاعلة في العراق أن الهدف من هذه الضغوط هو النيل من العلاقات الاستراتيجية بين طهران وبغداد. إن أصوات الاعتراض التي صدحت في أروقة البرلمان العراقي تمثل «لاءً كبيرةً» لابتزاز البيت الأبيض، وهي تعبيرٌ صريحٌ عن رفض تحويل بغداد إلى أداةٍ لتنفيذ العقوبات الأمريكية ضد الجيران؛ وهذا الموقف هو مطالبةٌ مشروعةٌ باستعادة “استقلال القرار السياسي” الذي بات خطاً أحمر للممثلين المخلصين لآمال الشعب.

ثالثاً: الروابط التاريخية وميثاق “الدم والجهاد”
إن إيران والعراق ليسا مجرد جارين تجمعهما الحدود الجغرافية؛ بل إن الروابط الدينية، والعلمية، والاقتصادية العميقة قد نسجت علاقةً تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة. وفي الذاكرة الجمعية للعراقيين، لم تكن إيران يوماً طرفاً أجنبياً، بل كانت الشريك الصادق الذي لم يتوانَ عن تقديم الدعم في أحلك أيام الهجوم الوحشي لداعش، حينما كان العالم بأسره يراقب سقوط المدن العراقية بصمت. وفي هذا السياق، جاءت مواقف الحوزات العلمية والمحافل الدينية في العراق لتؤكد أن هذه القيود غير منطقية ومثيرة للفرقة، مشددةً على أن الصمت إزاءها لا ينسجم مع مصالح الأمة وروابط الجوار المقدسة.

رابعاً: “الدبلوماسية الشعبية” ومقاومة الإملاءات
ولإدراك مدى اتساع هذه الموجة الاحتجاجية، يكفي تأمل المشهد في الساحات وعلى منصات التواصل الاجتماعي؛ فمن ساحة التحرير في بغداد إلى البصرة الفيحاء، جسّد العراقيون حالةً من «الوعي الميداني»، مطالبين بإلغاء هذه القيود فوراً. وعلى الجبهة الرقمية، تحولت منصات التواصل إلى ساحةٍ للمقاومة؛ حيث نشر المستخدمون العراقيون ذكريات الصمود المشترك ضد داعش، وفضحوا دور «السفارة الأمريكية» في فرض هذه القرارات، مما شكل «دبلوماسيةً رقميةً» شعبيةً أثبتت أن «جدار الثقة» بين الشعبين أقوى من كل المحاولات الخارجية لتمزيقه.

إن ما نشهده اليوم في العراق، من تحرك نواب البرلمان إلى نبض الساحات، هو رسالةٌ واضحةٌ وقويةٌ للحكومة العراقية مفادها: «إن الشعب العراقي لن يسمح بأن تُضحَّى بالعلاقات الاستراتيجية مع الجارة إيران على مذبح الألاعيب السياسية الأمريكية الفاشلة». إن هذا الحراك هو مطالبةٌ بالعودة إلى سياسةٍ خارجيةٍ مستقلةٍ وعزيزة، تعي أن مصلحة العراق تكمن في متانة جواره، لا في الخضوع للإملاءات. وعلى الحكومة العراقية أن تدرك أن أي تعاملٍ مع الضغوط الخارجية على حساب هذه الروابط التاريخية، سيصطدم بوعي وبصيرة الشعب العراقي الذي يعرف جيداً من كان معه في أيام العسرة، ومن يريد له العزلة والانكسار.

شاهد أيضاً

ماهي اخر تطورات الحرب بين أمريكا وايران

72 حتى اليوم 28 سبتمبر 2026، المشهد بين الولايات المتحدة وإيران دخل مرحلة دقيقة جدًا: …