“نبيل” المقاومة شهيدًا

“نبيل” المقاومة شهيدًا

ليلى عماشا

في البدايات، في زمن الطلقات القليلة وسكينة المعسكرات التي تدرّبت فيها العين على مقاومة المخرز، في تلك الأيّام المثقلة بالهمّ اليوميّ وبالعدوان الذي يحسب احتلال بيروت “نزهة”، كانت ثلّة قليلة من “فتية آمنوا بربّهم” قد عزمت على النصر، ورأت فيه وعد الله الذي ينصر من ينصره.. 

كان الشيخ نبيل قاروق، وهو طالب العلوم الدينية في قمّ المقدّسة، ينظر من داخل قاعات الدراسة نحو أرضه المحتلّة، والتي يمعن العدوّ في تدنيسها.. لذلك، لم تكن صلته بالسيّدين الشهيدين السيد حسن نصرالله والسيّد هاشم صفيّ الدين فقط صلة زمالة أو مسار مشترك في الدراسة الحوزوية، لقد كان ثالثهما في القتال وفي الثورة.. تشهد على روحه الاستشهادية حقبة الاجتياح، في العام ١٩٨٢، حين عاد من إيران ليشارك في التصدّي لدبابات العدوّ، ويقاتل.. ليعود بعدها إلى الجمهورية لمتابعة دراسته ولقاء الإمام الخمينيّ (قد) واطلاعه على تفاصيل الوضع في لبنان.

في العام ١٩٩١، عرف الجنوب “شيخ المقاومة” لا بصفته نائبًا لمسؤول منطقة الجنوب في حزب الله السيد هاشم صفيّ الدين، أيضًا بصفته رجلًا ترابيًا امتزجت روحه بروح كلّ مجاهد.. وبعدها حين تولّى مهمّة المسؤول التنظيمي في الجنوب عُرف بالقائد الذي يوجد ويحضر؛ حيث يوجد مجاهدو الخطّ الأوّل: يخطّط، ينسّق، يرتّب تفاصيل العمليات الجهادية كلها ضدّ العدو من المسافة صفر.

لم يقتصر دوره طوال مدة تولّيه هذه المسؤولية الثقيلة على العمل الجهاديّ، والتي استمرّت حتى العام ٢٠١٠، تولّى أيضًا دورًا سياسيًا محوريًا في الجنوب؛ حيث نسّق والتقى وتابع مع الجهات والأحزاب والقوى السياسية الحاضرة جنوبًا.. وبات بالنسبة إلى كلّ عامل في الشأن العام جنوبًا، مرجعية سياسية موثوقة ومحبّبة..كما في العمل الجهاديّ والسياسيّ، كذلك في العمل الدينيّ، ما قصّر شيخ المقاومة النبيل، حيث عرفته المنابر خطيبًا بليغًا، وصوتًا يأنس إليه السامعون إذ يغدق عليهم بالموقف المصقول حبًّا وجهادًا..

تلك الصفات جميعها؛ خوّلته، منذ العام 2010 إلى العام 2018، تولّي منصب نائب رئيس الهيئة التنفيذية في حزب الله، رفيق عمره والجهاد السيّد الشهيد هاشم صفيّ الدين، ليكونا معًا فريقًا هو العضد للسيد حسن نصرالله.. بعد أن أتمّ ما عليه في هذا الملفّ، انتقل إلى قيادة “وحدة الأمن الوقائي”.. حين بدأت حرب الإسناد في تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٣، لم يفترق الشيخ قاووق عن أرض القتال في الجنوب، ظلّ ملاصقًا للمجاهدين على خطوط النار، ولولا أن طلب إليه قائده وعزيزه السيد نصرالله اتخاذ ما يكفي من إجراءات الحيطة والأمن، ما كان سيغادر الميدان المباشر برهة..

منذ الثمانينيّات إلى لحظة التحاقه بهم، عرف الشهداء الشيخ نبيل قاووق عن قرب، في ساحات الجهاد كلها، رأوه، ووجدوا فيه خير قائد ومبلّغ وسند.. لم تكن مسؤوليته تقتصر يومًا على المتابعة العملية للملفات الجهادية والتنظيمية الأكثر حساسية، لقد كانت تتعدّى كلّ ذلك لنصبح صلة إنسانية مباشرة مع كلّ مجاهد، مع كلّ شهيد.. بذلك صار نبيل المقاومة رفيقًا للشهداء كلهم.. يعرفهم ويعرفونه من المسافة الأقرب.. يحضر في بيوت عوائلهم فردًا عزيزًا منها، يواسي أباءاهم وأمهاتهم، يمسح بعاطفته النبيلة على وجوه أيتامهم، ويمنّي النفس بخاتمة تشبه خاتمتهم.. ومن عرفه، يعرف تمامًا كيف كان وقع استشهاد عزيز روحه على قلبه.. ويعرف أن بمقدار حزنه يومها، كان قراره حازمًا بمواصلة الطريق، وتحقيق النصر.

حين أُعلن خبر استشهاد السيّد حسن نصرالله وتولى صفيّه أمانة الأمانة العامّة لحزب الله، كلّف الشيخ قاووق بمهام مباشرة تتعلّق بالوصل مع وحدات المقاومة العاملة في الجنوب وإبلاغ القادة الميدانيين بتفاصيل العمليات التي يجب أن توجع عمق العدوّ في فلسطين المحتلّة: لم يمتلك برهة ترف الاستكانة للحزن أمام هول الفقد الذي حزّ بقلبه، فالمعركة على أشدّها، وأولو البأس لا يستريحون، ولو قصم قلوبهم خبر استشهاد السيّد حسن: باشر مهامه متنقّلًا بين مقرّه المؤقت وغرفة العمليات التي يتابع منها التنسيق مع الميدان وإبلاغ المجاهدين بالتوجيهات اللازمة..

في المساء، وفيما كان يواصل تنفيذ تلك المهمة، أغار الطيران المعادي مستهدفًا شقة في الشياح، لتزفّ المقاومة بعدها في الليل شيخها النبيل شهيدًا، ملتحقًا بعزيزه السيّد حسن، وبقافلة الشهداء الذين سبقوه، والذين عرفهم منذ أن كان فتىً.. فتى نبيل شبّ في صفوف المقاومة، وشاب فيها، واستشهد..

شاهد أيضاً

آية الله الأعرافي: نصر الله حقيقة خالدة ومدرسة حيَّة.. وحدة الساحات حقيقة استراتيجيَّة.. الحوزات العلميَّة إلى جانب حزب الله

في رسالة وجَّهها إلى الشيخ نعيم قاسم.. آية الله الأعرافي: نصر الله حقيقة خالدة ومدرسة …