الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد

فصل (فيما يلزم المكلف)

الذي يلزم المكلف أمران: علم، و عمل. فالعمل تابع للعلم و مبني عليه.

و الذي يلزم العلم به أمران: التوحيد، و العدل.

فالعلم بالتوحيد لا يتكامل إلا بمعرفة خمسة أشياء: أحدها معرفة ما يتوصل به الى معرفة اللّه تعالى، و الثاني معرفة اللّه على جميع صفاته، و الثالث معرفة كيفية استحقاقه لتلك الصفات، الرابع معرفة ما يجوز عليه و ما لا يجوز، الخامس معرفته بأنه واحد لا ثاني له في القدم.

و العدل لا يتم العلم به الا بعد العلم بأن أفعاله كلها حكمة و صواب، و أنه ليس في أفعاله قبيح و لا إخلال بواجب. و يتفرع من ذلك وجوب معرفة خمس أشياء: أحدها معرفة حسن التكليف و بيان شروطه و ما يتعلق به، و الثاني معرفة النبوة و بيان شروطها، و الثالث معرفة الوعد و الوعيد و ما يتعلق بهما،

و الرابع معرفة الإمامة و شروطها، و الخامس معرفة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

فأنا إن شاء اللّه أبين فصلا فصلا من ذلك على أخصر ما يمكن و أوجزه، و أردف ذلك بما يجب العمل به من الشرعيات على هذا المنهاج إن شاء اللّه.

و من جهته التوفيق و التسديد.

القسم الأول الأصول الاعتقادية

فصل (في ذكر بيان ما يتوصل به الى ما ذكرناه)

لا طريق إلى معرفة هذه الأصول التي ذكرناها الا بالنظر في طرقها، و لا يمكن الوصول الى معرفتها من دون النظر.

و انما قلنا ذلك لان الطريق إلى معرفة الأشياء أربعة لا خامس لها:

(أولها) أن يعلم الشيء ضرورة لكونه مركوزا في العقول، كالعلم بأن الاثنين أكثر من واحد، و أن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في حالة واحدة، و ان الجسمين لا يكونان في مكان واحد في حالة واحدة، و الشيء لا يخلو من أن يكون ثابتا أو منفيا، و غير ذلك مما هو مركوز في العقول.

(و الثاني) أن يعلم من جهة الإدراك إذا أدرك و ارتفع اللبس، كالعلم بالمشاهدات و المدركات بسائر الحواس [1].

(و الثالث) أن يعلم بالأخبار، كالعلم بالبلدان و الوقائع و أخبار الملوك و غير ذلك.


[1] في ر «و الذي كان لسائر الحواس».

(و الرابع) أن يعلم بالنظر و الاستدلال.

و العلم باللّه تعالى ليس بحاصل من الوجه الأول، لأن ما يعلم ضرورة لا يختلف العقلاء فيه بل يتفقون عليه، و لذلك لا يختلفون في أن الواحد لا يكون أكثر من اثنين و ان الشبر لا يطابق الذراع. و العلم باللّه فيه خلاف بين العقلاء فكيف يجوز أن يكون ضروريا.

و ليس الإدراك أيضا طريق الى العلم بمعرفة اللّه تعالى، لأنه تعالى ليس بمدرك بشيء من الحواس على ما سنبينه فيما بعد، و لو كان مدركا محسوسا لأدركناه مع صحة حواسنا و ارتفاع الموانع المعقولة.

و الخبر أيضا لا يمكن أن يكون طريقا الى معرفته، لان الخبر الذي يوجب العلم هو ما كان مستندا الى مشاهدة و ادراك، كالبلدان و الوقائع و غير ذلك، و قد بينا أنه ليس بمدرك، و الخبر الذي لا يستند إلى الإدراك لا يوجب العلم. ألا ترى أن جميع المسلمين يخبرون من خالفهم بصدق محمد (صلى اللّه عليه و آله) فلا يحصل لمخالفيهم العلم به لان ذلك طريقه الدليل، و كذلك جميع الموحدين يخبرون الملحدة بحدوث العالم فلا يحصل لهم العلم به لان ذلك طريقه الدليل.

فاذا بطل أن يكون طريق معرفته الضرورة أو المشاهدة أو الخبر، لم يبق الا أن يكون طريقه النظر.

فان قيل: أين أنتم عن تقليد [الإباء و] [1] المتقدمين؟

قلنا: التقليد ان أريد به قبول قول الغير من غير حجة- و هو حقيقة التقليد- فذلك قبيح في العقول، لان فيه اقداما على ما لا يأمن كون ما يعتقده عند التقليد جهلا لتعريه من الدليل، و الاقدام على ذلك قبيح في العقول. و لأنه ليس في العقول تقليد الموحد أولى من تقليد الملحد إذا رفعنا النظر و البحث عن أوهامنا


[1] الزيادة من ر.

و لا يجوز أن يتساوى الحق و الباطل.

فان قيل: نقلد المحق دون المبطل.

قلنا: العلم بكونه محقا لا يمكن حصوله الا بالنظر، لأنا ان علمناه بتقليد آخر أدى الى التسلسل، و ان علمناه بدليل فالدليل الدال على وجوب القبول منه يخرجه من باب التقليد، و لذلك لم يكن أحدنا مقلدا للنبي أو المعصوم فيما نقبله منه، لقيام الدليل على صحة ما يقوله.

و ليس يمكن أن يقال: نقلد الأكثر و نرجع إليهم. و ذلك لان الأكثر قد يكونون على ضلال، بل ذلك هو المعتاد المعروف. أ لا ترى أن الفرق المبطلة بالإضافة إلى الفرق المحقة جزء من كل و قليل من كثير.

و لا يمكن أن يعتبر أيضا بالزهد و الورع، لان مثل ذلك يتفق في المبطلين فلذلك ترى رهبان النصارى على غاية العبادة و رفض الدنيا مع أنهم على باطل فعلم بذلك أجمع فساد التقليد.

فان قيل: هذا القول يؤدي الى تضليل أكثر الخلق و تكفيرهم، لأن أكثر من تعنون من العقلاء لا يعرفون ما يقولونه من الفقهاء و الأدباء و الرؤساء و التجار و جمهور العوام و لا يهتدون الى ما يقولونه، و انما يختص بذلك طائفة يسيرة من المتكلمين، و جميع من خالفهم يبدعهم في ذلك، و يؤدي الى تكفير الصحابة و التابعين [و أهل الأمصار، لأنه معلوم أن أحدا من الصحابة و التابعين] [1] لم يتكلم فيما تكلم فيه المتكلمون و لا سمع منه حرف واحد و لا نقل عنهم شيء منه، فكيف يقال بمذهب يؤدي الى تكفير أكثر الأمة و تضليلها، و هذا باب ينبغي أن يزهد فيه و يرغب عنه.

قيل: هذا غلط فاحش و ظن بعيد، و سوء ظن بمن أوجب النظر المؤدي


[1] الزيادة ليست في ر.

إلى معرفة اللّه، و لسنا نريد بالنظر المناظرة و المحاجة و المخاصمة و المحاورة التي يتداولها المتكلمون و يجري بينهم، فان جميع ذلك صناعة فيها فضيلة و ان لم تكن واجبة، و انما أوجبنا النظر الذي هو الفكر في الأدلة الموصلة الى توحيد اللّه تعالى و عدله و معرفة نبيه و صحة ما جاء به، و كيف يكون ذلك منهيا عنه أو غير واجب و النبي (عليه السلام) لم يوجب القبول منه على أحد إلا بعد إظهار الأعلام و المعجزة من القرآن و غيره، و لم يقل لأحد أنه يجب عليك القبول من غير آية و لا دلالة.

و كذلك تضمن القرآن من أوله الى آخره التنبيه على الأدلة و وجوب النظر [1].

قال اللّه تعالى أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ مِنْ شَيْءٍ [2].

و قال أَ فَلٰا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَ إِلَى السَّمٰاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ.

وَ إِلَى الْجِبٰالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [3].

و قال وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلٰا تُبْصِرُونَ [4].

و قال قُتِلَ الْإِنْسٰانُ مٰا أَكْفَرَهُ. مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ. مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ [5] الاية.

و قال:


[1] في نسخة ج «النظم».

شاهد أيضاً

آداب العشرة في أحاديث الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام 3

آداب العشرة في أحاديث الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام 3 ٧ ـ إستحباب …