( 2 ) قاعدة في أن الجهل بهذه المعارف الإلهية وجحودها مع وجود الاستعداد وقوة التعلم ومكنة التحصيل رأس الشقاوات والعقوبات وأنه مادة كل مرض ونفاق نفساني ومغرس كل شجرة ملعونة وشجرة خبيثة في الدنيا والآخرة
وهو منشأ العذاب الأليم والخسران العظيم والحسرة والندامة يوم القيامة .
والوجه في أن من نسي ذكر اللَّه يكون من أهل العذاب وأنه يحشر أعمى وأصم أن بناء الآخرة على المعرفة والذكر لأنها نشأة إدراكية ودار حيوانية كما سنبين فعمارتها بالاعتقادات والعلم والنيات الصالحة والإدراكات الخالصة وبناء الدنيا على الظلمة المادية وعمارتها بالأمور الشهوية والأماني الباطلة .
لأنها نشأة كدرة جرمانية
« وَمَنْ كانَ فِي هذِه ِ أَعْمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا » ثم إن من جهل باللَّه جهل بالأشياء كلها لما تقرر من أن العلم بذات السبب لا يحصل إلا من جهة العلم بسببها ومن جهل بالأشياء كان من الهالكين في الآخرة لما مر من أن وجود الآخرة وجود إدراكي فيكون منسيا عند اللَّه إذ لو كان مذكورا كان موجودا في نفسه إذ المعلومية لا ينفك عنه الموجودية في الأمور التي وجودها وجود إدراكي وصورتها صورة إدراكية
وقال أيضا :
« نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ »
وهذا بمنزلة عكس النقيض لقوله :
« من عرف نفسه فقد عرف ربه » على ما أوضحناه قوله تعالى :
جعل اللَّه سبحانه الجهل باللَّه وآياته منشأ الرجوع إلى نار الجحيم والعذاب الأليم وذلك لأن نفوس الجهال أبدا متوجهة نحو لذات الأجسام وأغراض الدنيا وشهواتها إذ لا تعرف غير هذه الأمور .
وأما العارف الرباني فنفسه لأجل الاستكمال بالعلم والإعراض عن الأمور الدنيوية الجسمانية متوجهة دائما نحو العالم القدس الإلهي راغبة إلى قربه تعالى لأن من أحب شيئا كان حشره اللَّه إليه والجاهل لا يحب إلا الأمور الباطلة والأماني العاجلة الزائلة .
ولا شك أن الدنيا وشهواتها أمور باطلة وهمية فكان حشره إلى عالم البوار والشرور والظلمات فمآله إلى نار الحجيم ونصيبه العذاب الأليم . قوله تعالى :
اعلم أن الكفر الذي هو منشأ العذاب الأليم الشديد هو ضرب من الجهل أعني المركب مع الاعتقاد المشفوع بالاستكبار والعناد لا مجرد الجهل البسيط بالمعارف ولذلك وصف اللَّه تعالى أولئك الكافرين بمحبة الدنيا والصد عن سبيل اللَّه وطريق الحق والضلال والاعوجاج عن سبيله .
لا شبهة في أن هذه الأوزار والأحمال التي يثقل ظهر القلب ويمنع النفس عن الصعود إلى الدرجات العلى ليست أجساما ثقيلة محسوسة بل هي من باب الهيئات النفسانية والأعراض التعلقية التي تجر النفس عن عالم النور إلى عالم الغرور من سلاسل الشهوات وأغلال التعلقات .
قوله تعالى :
« فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ » لما بين في موضعه من أن الأخلاق والملكات ستصير صورا جوهرية يتصور بها النفس الإنسانية ويتلبس بها في الآخرة فيكون لها شعارا ودثارا .
ثم إن الهيئات المتمكنة في نفوس الأشقياء المبعدين من دار الكرامة هي من باب الشهوات الدنيوية واللذات الحيوانية والأغراض البهيمية فهي حاصلة من القوى العمالة للأجرام السفلية بالتقطيع والجمع والتفريق والتحليل والتركيب
« يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ أي ينزل عليهم من القواهر العلوية ما يتسخن به أبدانهم و
« يُصْهَرُ بِه ِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ من قوة قوية لفاعل غليظ شديد يدعوهم إلى الأعمال الطبيعية وخدمة الشهوات الشيطانية واشتعال النيرانات الكامنة .
ويقمعهم عن الميل إلى جهة السعادة وجانب القدس ويردهم إلى الجحيم التي وردوها أولا
« كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها بواسطة سماع وعظ أو نصيحة أو قراءة آية أو رواية حديث أو صحبة عالم « أُعِيدُوا فِيها لغلبة دواعي سلطان الطبيعة على قلوبهم القاسية واستيلاء النفس الأمارة بالسوء على نفوسهم .
فهذه الآيات دلت علىأن رأس الشقاوة ومنشأ العذاب الأليم هو الكفر الذي ضرب من الجهل والاحتجاب عن الحق بما يلزمه من الأعمال والملكات المؤدية إلى البعد عن دار الكرامة ومعدن الرحمة والانغمار في بحر الظلمة الجرمية والهوى في الهاوية السفلية والقرية الظلمانية الظالم أهلها كما أن أصل كل سعادة وبهجة هو الإيمان باللَّه وكلماته وآياته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والخروج من هذه النشأة الدنية المظلمة والصعود إلى عالم الطهارة والقدس والنور من عالم الطبيعة ومعدن الرجس والظلمة والدثور .