فقد نصب اللَّه لها أقواما قد استفرغوا جهدهم في تحصيلها وفنوا أعمارهم في شرحها وتفصيلها شكر اللَّه حسنات مساعيهم وأثابهم جنات الأعمال
« جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » .
فالمقصد الأول وهو المعروف بمعرفة الربوبية مشتمل كما أشرنا إليه على ثلاث مراتب معرفة الذات الإلهية ومعرفة صفاتها وأسمائها ومعرفة أفعالها .
أما معرفة الذات فهي أضيقها مجالا وأرفعها منالا وأبعدها عن الفكر والذكر إذ حقيقة الواجب جل مجده هوية بسيطة غير متناهية الشدة في النورية والوجود وحقيقته عين التشخص والتعين لا مفهوم له ولا مثل ولا مجانس ولا مشابه ولا حد له ولا برهان عليه بل هو البرهان على كل شيء فلا أعرف من ذاته ولا شاهد عليه بل هو الشاهد على الكل
ولهذا ورد النهي عن التفكر في ذات اللَّه لقوله صلى اللَّه عليه وآله :
« تفكروا في آلاء اللَّه ولا تتفكروا في ذات اللَّه »
ولأنه تحترق النفس في إدراك أشعة نور وجهه فكيف في نور وجهه فلا يمكن الوصول إلى معرفة ذاته إلا بفناء السالك عن نفسه وباندكاك جبل إنيته حتى شهد ذاته تعالى على ذاته كما قال بعض العارفين
« عرفت ربي بربي ولو لا ربي ما عرفت ربي »
وعن أبي عبد اللَّه عليه السلام
« من زعم أنه يعرف اللَّه بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك
لأن حجابه ومثاله وصورته غيره وإنما هو واحد متوحد وكيف توحده من زعم أنه عرفه بغيره .
وإنما عرف اللَّه من عرفه باللَّه فمن لم يعرفه به فليس يعرفه وإنما يعرف غيره »
ولأجل ذلك لا يشتمل القرآن من معرفة الذات في الأغلب إلا على تقديسات محضة وتنزيهات صرفة وسلوب عن نقائص وإمكانات كقوله : « لا إِله َ إِلَّا هُوَ »
وكقوله :
« لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ »
وكقوله :
« وَا للهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ » وكسورة الإخلاص أو على تلويحات وإشارات إلى التعظيم المطلق