فالفرق بين الكلام والكتاب بوجه كالفرق بين الأمر والفعل فالفعل زماني متجدد كما ستعلم والأمر بريء عن التغير والتجدد والكلام غير قابل للنسخ والتبديل بخلاف الكتاب :
واعلم أن الأمر منه تكويني ومنه تشريعي والأمر التكويني موجب للطاعة والقبول
كإطاعة الملك والملكوت بخلاف الأمر التشريعي لأنه أمر بالواسطة فتطرق إليه الإباء والعصيان والطاعة والإتيان « فمنهم من أطاع ومنهم من عصى » .
واعلم أن النازل على أكثر الأنبياء عليهم السلام من اللَّه هو الكتاب دون كلام اللَّه .
وهذا القرآن الذي أنزل على محمد صلَّى اللَّه عليه وآله كلام اللَّه وكتابه جميعا باعتبارين وأما سائر الكتب السماوية المنزلة على سائر المرسلين سلام اللَّه عليهم أجمعين فإنها ليست بكلام اللَّه بل كتب يدرسونها ويكتبون بأيديهم .
فهذا المنزل بما هو كلام اللَّه نور من أنوار اللَّه المعنوية النازل من عنده على قلب من يشاء من عباده المحبوبين
« بِالْحَقِّ أَنْزَلْناه ُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ » . وهو بما هو كتاب نقوش وأرقام وصور وألفاظ وفيها آيات أحكام نازلة من السماء نجوما على صحائف قلوب المحبين وألواح نفوس الطالبين وغيرهم يكتبونها في صحائفهم وألواحهم الحسية بحيث يتلوها كل تال ويقرؤها كل قار ويتكلم بها كل متكلم وبها يهتدون وبما فيها يعملون ويتساوى في هداها الناس العوام والخواص والأنبياء والأمم
وفيه كرائم أخلاق اللَّه التي تخلق بها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله
لقوله :
« وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » وكان خلقه القرآن كما نقل .
ويدل على ذلك قوله
« هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِه ِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » بيان ذلك : أن القرآن نور
كما مر من قوله :
« قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ » فإذا خرجت به نفوس أمته من الظلمات إلى النور صاروا متصفين بالنور متخلقين به فإذا كان حال الأمة هذا الحال فما ظنك بحال نبيهم صلى اللَّه عليه وآله .
دقيقة كشفية واعلم أنه قد يكون شيء واحد كلاما وكتابا باعتبارين لما علمت أن الأمر كلام والفعل كتاب وأن القائم بالمتكلم كلام والصادر منه كتاب .
فالإنسان مثلا لكونه ذا درجات بحسب النفس والبدن وهو بحسب كل مقام غير خارج عن الهوية الإنسانية إذا تكلم بألفاظ وحروف مسموعة فإذا نسبت تلك الألفاظ والحروف إلى نفسه كان كتابا له وفعلا صادرا عنه صنعه وكتبه في لوح الهواء وفي مخارج الحروف من الأعضاء
وإذا نسبت إلى شخص بدنه كان كلاما قائما بشخصه لا كتابة صادرة عنه .
وكذا القياس إذا تحدث بحديث النفس كان باعتبار نسبته إلى عقله المجرد بالصدور كتابا ومن حيث قيامه بالنفس واتصافها به كلاما لها فهو كتاب لعقله وكلام لنفسه .
وكذا الحال في الكتابة الموجودة في لوح وقرطاس يمكن اعتبار الحالين فيها بالصدور والقيام ولو بتعمل .
تأمل في ذلك فإنه دقيق لطيف يرفع به الخلاف بين الطائفتين .