، 117 جا الجزء الأول لا خلافة نوع من الموجود الارضي كانوا في الأرض قبل الانسان وانقرضوا ثم أراد الله تعالى أن يخلفهم بالإنسان كما إحتمله بعض المفسرين ، وذلك لأن الجواب الذي اجاب سبحانه به عنهم وهو تعليم آدم الأسماء لا يناسب ذلك ، وعلى هذا فالخلافة غير مقصورة على شخص آدم عن بل بنوه يشاركونه فيها من غير إختصاص ، ويكون معنى تعليم الأسماء إبداع هذا العلم في الإنسان بحيث يظهر منه آثاره تدريجاً دائماً ولو اهندي إلى السبيل أمكنه أن يخرجه من القوة الى الفعل ، ويؤيد عموم الخلافة قوله تعالى و اذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ( الاعراف – ،٦٩ وقوله تعالى ثم جعلنا كم خلائف في الارض ، يونس ١٤، وقوله تعالى ه ويجعلكم خلفاء الأرض النحل – ٦٢. وثانياً : إنه سبحانه لم ينف عن خليفة الارض الفساد وسفك الدماء ، ولا كذب الملائكة في دعويهم التسبيح والتقديس ، وقررهم على ما ادعوا ، بل انما أبدا شيئا آخر وهو أن هناك أمراً لا يقدر الملائكة على حمله ولا تتحمله وتتحمله هذا الخليفة الارضي فانه يحكي عن الله سبحانه أمراً ويتحمل منه سراً ليس في وسع الملائكة ، ولا محالة يتدارك بذلك أمر الفساد وسفك الدماء ، وقد بدل سبحانه قوله : قال إني أعلم ما لا تعلمون ثانياً بقوله : ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض ، والمراد بــــــذا الغيب هو الأسماء لا علم آدم بها فإن الملائكة ما كانت تعلم أن هناك أسماء لا يعلمونها ، لا أنهم كانوا يعلمون وجود أسماء كذلك ويجهلون من آدم أنه يعلمها ، وإلا لما كان لسؤاله تعالى إياهم عن الأسماء وجه وهو ظاهر بل كان حق المقام أن يقتصر بقوله : قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم حتى يتبين لهم أن آدم يعلمها لا أن يسئل الملائكة عن ذلك ، فإن هذا السياق يعطي أنهم ادعوا الخلافة وأذعنوا بإنتفائها عن آدم وكان اللازم أن يعلم الخليفة بالأسماء فسئلهم عن الأسماء فجهلوها وعلمها آدم ، فثبت بذلك لياقته لها وإنتفائها عنهم، وقد ذيل سبحانه السؤال بقوله : إن كنم صادقين ، وهو مشعر بأنهم كانوا إدعوا شيئاً كان لازمه العلم بالأسماء . وقوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم ، مشعر بأن هذه الأسماء أو أن مسمياتها كانوا موجودات أحياء عقلاء ، محجوبين تحت حجاب الغيب وأن العلم بأسمائهم كان غير نحو العلم الذي عندنا بأسماء الأشياء ، وإلا كانت الملائكة بانباء آدم إياهم بها صورة البقرة آية ٣٣٣٠. ۱۱۷ عالمين وصائرين مثل آدم مساوين معه ، ولم يكن في ذلك اكرام لآدم ولا كرامة حيث علمه الله سبحانه أسماء ولم يعلمهم ، ولو علمهم إياها كانوا مثل آدم أو أشرف منه ، ولم يكن في ذلك ما يقنعهم أو يبطل حجتهم ، وأي حجة تتم في أن يعلم الله تعالى رجلاً علم اللغة ثم يباهي به ويتم الحجة على ملائكة مكرمين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون بأن هذا خليفتي وقابل لكرامتي دونكم ؟ ويقول تعالى أنبوني باللغات التي سوف يضعها الآدميون بينهم الإفهام والتفهم إن كنتم صادقين في دعويكم أو مسئلتكم خلافتي ، على أن كمال اللغة هو المعرفة بمقاصد القلوب والملائكة لا تحتاج فيها الى التكلم ، وانما تتلقى المقاصد من غير واسطة ، فلهم كمال فوق كمال التكلم ، وبالجملة فما حصل للملائكة من العلم بواسطة انباء آدم لهم بالأسماء هو غير ما حصل لآدم من حقيقة العلم بالأسماء بتعليم الله تعالى فأحد الأمرين كان ممكناً في حق الملائكة وفي مقدرتهم دون الآخر ، وآدم انما استحق الخلافة الإلهية بالعلم بالأسماء دون انبائها إذ الملائكة انما قالوا في مقام الجواب : سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا ، فنفوا العلم . فقد ظهر مما مر ان العلم بأسماء هؤلاء المسميات يجب أن يكون بحيث يكشف عن حقائقهم وأعيان وجوداتهم ، دون مجرد ما يتكفله الوضع اللغوي من اعطاء المفهوم فهؤلاء المسميات المعلومة حقائق خارجية ، ووجودات عينية وهي مع ذلك مستورة تحت ستر الغيب غيب السموات والأرض، والعلم بها على ما هي عليها كان اولاً ميسوراً ممكنا لموجود أرضي لا ملك سماوي ، وثانيا : دخيلا في الخلافة الالهية . والاسماء في قوله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها، جمع محلى باللام وهو يفيد العموم على ما صرحوا به ، مضافاً الى انه مؤكد بقوله : كلها ، فالمراه بها كل اسم يقع المسمى ولا تقييد ولا عهد ، ثم قوله : عرضهم ، دال على كون كل اسم أي مسماه ذا حيوة وعلم وهو مع ذلك تحت حجاب الغيب ، غيب السموات والارض . واضافة الغيب الى السموات والارض وان امكن أن يكون في بعض الموارد اضافة من ، فيفيد التبعيض لكن المورد وهو مقام اظهار تمام قدرته تعالى واحاطته وعجز الملائكة ونقصهم يوجب كون اضافة الغيب الى السموات والأرض اضافة اللام ، فيفيد أن الاسماء امور غائبة عن العالم السماوي والارضي ، خارج محيط الكون ، واذا تأملت هذه الجهات ج الجزء الأول ۱۱۸ اعني عموم الاسماء وكون مسمياتها أولي حيوة وعلم و كونها غيب السموات والأرض قضيت بإنطباقها بالضرورة على ما اشير اليه في قوله تعالى : ه وان من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر معلوم ، ، الحجر – ۲۱ ، حيث أخبر سبحانه بأنه كل ما يقع عليه اسم شيء فله عنده تعالى خزائن مخزونة باقية عنده غير نافدة ، ولا مقدرة بقدر ، ولا محدودة بجد ، وأن القدر والحد في مرتبة الانزال والخلق ، وأن الكثرة التي في هذه الخزائن ليست من جنس الكثرة العددية الملازمة للتقدير والتحديد بل تعدد المراتب والدرجات، وسيجيء بعض الكلام فيها في سورة الحج انشاء الله تعالى . فتحصل ان هؤلاء الذين عرضهم الله تعالى على الملائكة موجودات عالية محفوظة عند الله تعالى ، محجوبة بحجب الغيب ، أنزل الله سبحانه كل اسم في العالم بخيرها وبركتها و اشتق كل ما في السموات والأرض من نورها وبهائها، وأنهم على كثرتهم وتعددهم لا يتعددون تعدد الأفراد ، ولا يتفاوتون تفاوت الاشخاص ، وانما يدور الأمر هناك مدار المراتب والدرجات ونزول الاسم من عند هؤلاء انما هو بهذا القسم من النزول. وقوله تعالى : وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون وكان هذان القسمان من الغيب النسي الذي هو بعض السموات والأرض ، ولذلك قوبل به قوله : أعلم غيب السموات والارض ، ليشمل قسمي الغيب أعني الخارج عن العالم الارضى والسماوي وهير الخارج عنه وقوله تعالى : كنتم تكتمون ، تقييد الكتمان بقوله : كنتم ، مشعر بأن هناك امراً مكتوماً في خصوص آدم وجعل خلافته ، ويمكن أن يستظهر ذلك من قوله تعالى في الآية التالية : ) فسجدوا الا ابليس أبي واستكبر وكان من الكافرين ( . فيظهر أن ابليس كان كافراً قبل ذلك الحين، وأن إبانه عن السجدة كان مرتبطاً بذلك فقد كان أضمره هذا . ويظهر بذلك أن سجدة الملائكة وإباء إبليس عنها كانت واقعة بين قوله تعالى : قال اني أعلم ما لا تعلمون وبين قوله : اعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون، ويظهر السر أيضاً في تبديل قوله : اني أعلم ما لا تعلمون ثانياً بقوله : اني أعلم غيب السموات والارض . سورة البقرة آية ٣٠ – ٣٣ 119 بحث رواني ( في تفسير العياشي عن الصادق ان ، قال : ما علم الملائكة بقولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، لولا انهم قد كانوا رأوا من يفسد فيها ويسفك الدماء اقول : يمكن أن يشير بها الى دورة في الأرض سابقة على دورة بني آدم هذه كما وردت فيه الأخبار ولا ينافي ذلك ما مر أن الملائكة فهمت ذلك من قوله تعالى : إني جاعل في الارض خليفة ، بل لا يتم الخبر بدون ذلك ، والا كان هذا القول قياساً من الملائكة مذموما كقياس ابليس و في تفسير العياشي أيضا عنه عنا قال زرارة : دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقال : أي شيء عندك من احاديث الشيعة فقلت : ان عندي منها شيئاً كثيراً فقد همت أن او قد لها ناراً فأحرقها فقال علي از وارها تنس ما أنكرت منها فخطر على بالي الآدميون فقال : ما كان علم الملائكة حيث قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ قال : وكان يقول ابو عبد الله عل اللان : اذا حدث بهذا الحديث هو كسر على القدرية ، ثم قال أبو عبد الله عل : ان آدم عليا ان كان له في السماء خليل من الملائكة ، فلما هبط آدم من السماء الى الأرض استوحش الملك وشكى الى الله تعالى وسأله أن يأذن له ، فأذن له فهيط عليه فوجده قاعداً في قفرة من الأرض، فلمار آه آدم وضع بده على رأسه وصاح صيحة ، قال أبو عبد الله عل : يروون أنه أسمع عامة الخلق فقال له الملك : يا آدم ما أراك الا وقد عصيت ربك وحملت على نفسك ما لا تطيق ، اتدري ما قال لنا الله فيك فرددنا عليه ؟ قال : لا ، قال : قال : اني جاعل في الأرض خليفة ، قلنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ فهو خلقك أن تكون في الاره أيستقيم أن تكون في السماء ؟ قال أبو عبد عبد الله عله والله عزى بها آدم ثلثاً . أقول : ويستفاد من الرواية ان جنة آدم كانت في السماء وسيجيء فيه روايات آخر أيضاً . و في تفسير العياشي ايضاً عن أبي العباس عن أبي عبد الله تان ، قال : سألته ۱۲۰ جا الجزء الأول عن قول الله : وعلم آدم الاسماء كلها ، ماذا علمه ؟ قال : الارضين والجبال والشعاب والأودية ، ثم نظر الى بساط تحته ، فقال : وهذا البساط مما علمه . و في التفسير ايضاً عن الفضيل بن العباس عن أبي عبد الله لا لا قال : سألته عن قول الله : وعلم آدم الأسماء كلها ما هي ؟ قال : أسماء الاودية والنبات والشجر و الجبال من الأرض . و في التفسير أيضاً عن داود بن سرحان المطار ، قال : كنت عند أبي عبد الله علان فدعا بالخوان فتغذينا ثم دعا بالطست والدست سنانه فقلت : جملت فداك ، قوله : و علم آدم الاسماء كلها، الطت والدست سنانه منه ، فقال ان : الفجاج والأودية وأهوى بيده كذا وكذا . و في المعاني عن الصادق الان : إن الله عز وجل علم آدم أسماء حججه كلها ثم عرضهم وهم أرواح على الملائكة فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين بأنكم أحق بالخلافة في الأرض لتسبيحكم وتقديسكم من آدم فقالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم . قال الله تبارك وتعالى : يا آدم أنبتهم بأسمائهم فلما أنيتهم بأسمائهم وقفوا على عظيم منزلتهم عند الله عز ذكره ، فعلوا أنهم أحق بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه وحججه على بريته ، ثم غيبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم وحبتهم ، وقال لهم : ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون . أقول : وبالرجوع إلى ما مر من البيان تعرف معنى هذه الروايات وان لا منافاة بين هذه وما تقدمها ، إذ قد تقدم أن قوله تعالى : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه تعطي أنه ما من شيء إلا وله في خزائن الغيب وجود ، وأن هذه الأشياء التي قبلنا إنما وجدت بالنزول من هناك ، وكل اسم وضع بحيال مسمى من هذه المسميات فهي اسم لما في خزائن الغيب، فسواء قيل : إن الله علم آدم ما في خزائن غيبه من الأشياء وهي غيب السموات والأرض ، أو قيل : إنه علم آدم أسماء كل شيء وهي غيب السموات والأرض كان المؤدي والنتيجة واحداً وهو ظاهر . ۱۲۱