الرئيسية / اخبار اسلامية / يا فاطمة اشفعي لي في الجنة – بمناسبة وفاة السيدة كريمة أهل البيت
000

يا فاطمة اشفعي لي في الجنة – بمناسبة وفاة السيدة كريمة أهل البيت

تنبيه

قد تقدّم أن الإمام الكاظم (عليه السلام) هو الذي اشترى السيدة تكتم حيث بعث هشاماً لابتياعها له، ومرّ آنفاً أن حميدة المصفّاة أم الإمام الكاظم (عليه السلام) هي التي اشترتها وظاهر ذلك هو التنافي.

ولكن يمكن الجمع بين الروايتين بأن يقال: إن الإمام الكاظم (عليه السلام) اشتراها جارية لأمّه فمكثت عند أمّه مدّة، ثم وهبتها أمّه إليه، وبذلك يرتفع التنافي بين الروايتين.

وعلى أي تقدير فقد ذكرت الروايات أن السيدة تكتم كانت ذات حظوة عند الإمام (عليه السلام)، وموضع عنايته، فإنّها لما ولدت له الرضا (عليه السلام) سمّاها الطاهرة.(1)

وكان لها عدّة أسماء منها: تكتم، ونجمة، وأروى، وسكن، وسمانة، وأمّ البنين، وقيل: خيزران، وصقر، وشقراء.(2)

1 – عيون أخبار الرضا: ج1، ص15.

2 – منتهى الآمال: ج2، ص404-405.
تعدد الأسماء

ومما يناسب المقام الإشارة إلى ظاهرة تعدد أسماء الجواري والعبيد، والملاحظ أن لأمهات الأولاد عدّة أسماء، فإن لأم الإمام الرضا (عليه السلام) كما مرّ عشرة أسماء، ولغيرها من أمهات الأئمة (عليهم السلام) عدّة أسماء، وهي ظاهرة تثير الالتفات، ووراءها حكمة لعلّنا نستطيع استجلاءها من خلال ما تسعفنا به المصادر التي تناولت هذه الظاهرة أو أشارت إليها.

ونقول: إن لهذه الظاهرة أصلاً شرعياً، فقد ورد النص بذلك، واستفاد الفقهاء منه استحباب تغيير اسم العبد أو الجارية، أما النص فهو ما رواه الكليني في الكافي بسنده عن ابن أبي عمير (عن رجل) عن زرارة، قال: كنت جالساً عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فدخل عليه رجل، ومعه ابن له، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما تجارة ابنك؟ فقال: التنخّس، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): لا تشتر شيناً ولا عيباً، وإذا اشتريت رأساً فلا ترينّ ثمنه في كفة الميزان، فما من رأس يرى ثمنه في كفة الميزان فأفلح، وإذا اشتريت رأساً فغيّر اسمه وأطعمه شيئاً حلواً إذا ملكته، وتصدق عنه بأربعة دراهم.(1)

قال المحقق في الشرائع: ويستحبّ لمن اشترى مملوكاً أن يغيّر اسمه.(2)

وقال العلامة في القواعد: ويستحبّ لمن اشترى مملوكاً تغيير اسمه وإطعامه حلواً والصّدقة عنه بشيء.(3)

وقال في التذكرة: يكره للرجل إذا اشترى مملوكاً أن يريه ثمنه في الميزان، ويستحبّ له تغيير اسمه، وأن يطعمه شيئاً من الحلاوة، وأن يتصدّق عنه بأربعة دراهم.(4)

وقال صاحب الحدائق: ومنها أنّه يستحبّ لمن يشتري مملوكاً أن يغيّر اسمه، وأن يطعمه شيئاً من الحلو، وأن يتصدّق عنه بشيء.(5)

وغيرها من الأقوال الكثيرة الدالّة على ذلك، والتي يظهر منها الاتفاق على هذا الحكم، وإن كان أمراً استحبابيّاً.

ويبدو الجانب الأخلاقي واضحاً في هذا الحكم، فإن للرقيّة واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان – وصيرورته آلة لا يملك من أمره شيئاً – آثاراً سيئة خطيرة.

ولم تكن الرّقية تشريعاً إلهيّاً، وليس في الإسلام حكم بمشروعية الاسترقاق الابتدائي، وإنّما كان الرّق نظاماً سائداً بين الناس قبل الإسلام في الأمم السابقة.

ولمّا جاء الإسلام كان هذا النظام قائماً بين الناس فأقرّه ووضع له أحكاماً خاصّة من شأنها القضاء عليه قضاءً تامّاً في معالجة حكيمة لهذه المسألة المهمّة.

وفي الأحكام الجزائية التي وضعها الإسلام عند المخالفات الشرعية أكبر شاهد على ذلك، إضافة إلى ما ندب إليه الدين، ورغّب فيه، ووعد عليه الثواب ونيل الدرجات، وإثارة الشعور الإنساني وتحريك الجانب العاطفي عند الأحرار نحو العبيد الذين قهرتهم ظروف معينة أصبحت فيها أمورهم وشؤونهم بأيدي غيرهم.

هذا غير ما فتحه الإسلام من أبواب تمكّن العبد من الدخول فيها للانطلاق من قيد الرقيّة، فإن لذلك دوراً آخر ساهم في القضاء على هذه المشكلة.

نعم سوّغ الإسلام الاسترقاق في حالة واحدة، وليست هي أمراً ابتدائياً كما ذكرنا، وهي ما ذكرته المصادر الفقهيّة من جواز الاسترقاق في حالة الحروب بين المسلمين وبين غيرهم من الملل الكافرة، ولكن على ضوء شرائط معينة، في حالات خاصّة، وقد تكفّلت الكتب الفقهيّة ببيان ذلك ضاربة بذلك أروع المثل الأخلاقية.

وإنّما ساغ ذلك لأنه عمل جزائي لوقوفه في مواجهة الإسلام ومحاربته، وقد كان في معرض القتل، ألا أنّه لمّا وقع أسيراً كان جزاؤه أن يسترقّ، وفي ذلك تخفيف وامتنان عليه، على أن هناك حلولاً ذكرت في الفقه تعالج حالة الاسترقاق يتمكّن من خلالها الخروج من هذه الحالة.

ومن ذلك يظهر أنّ الاسترقاق ليس مقصوداً في الشرع لذاته، ولا غرضاً من أغراضه، وإنّما هو أمر استثنائي وظرف طارئ اقتضى ذلك، ولسنا في مقام دراسة هذه الناحية، وتكفينا هذه الإشارة الإجمالية التي يتضح من خلالها عظمة الإسلام وسموّ أحكامه وشرف مقاصده ونبل أهدافه.

ثم نقول: إن هذا الإنسان الذي قهرته الظروف فجعلت منه آلة لا يملك من أمره شيئاً، يمرّ بمعاناة وآلام نفسانية خطيرة، وتعتصره المرارة حيث يرى نفسه عبداً حقيراً يستعبده غيره، ممّن قد يكون دونه شرفاً ومكانة فتنهدم معنويّاته وتنسدّ في وجهه الآمال والأحلام، وربّما ينتقل من يد تصفع إلى أخرى تلطم، وهكذا يعيش محطّماً قد ارتبط مصيره بأيدي الباعة والنخّاسين.

ومن هنا تتجلّى الحكمة في استحباب تغيير اسمه عند الشّراء لأنّه بذلك يبدأ حياة جديدة ينسى فيها ماضية البائس، وأيّامه السوداء، وفي ذلك إعانة له على نسيان أو تناسي عهده السابق وتخفيف لآلامه ومعاناته.

وفي إطعامه الحلو دلالة أخرى: فإنّ فيها إشعاراً ببداية عهد جديد لا مرارة فيه، وهكذا في التصدّق عنه بشيء.

وأمّا كراهة أن يرى ثمنه فهي أوضح دلالة وأجلى بياناً في مراعاة الشعور وحفظ الكرامة الإنسانية التي دأب الإسلام على مراعاتها والحفاظ عليها في جميع الأحوال والظروف.

ولسنا نقول: إنّ ما يعانيه هذا الإنسان من الهوان دائمي التحقق والوقع، وإنّما هو مقتضى طبيعة الاسترقاق وشأنه، وإلا فقد ينتقل المملوك من يد رحيمة إلى يد أرحم، ومن عطف إلى ما هو أشد عطفاً وشفقة وحنواً، وربما كانت سعادة امرئ أن يعيش مملوكاً لا أن يعيش طليقاً، وفي ما يذكره التاريخ من قصة زيد بن حارثة حيث فضّل الحياة مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على الحياة مع أبيه حتى بلغ الأمر أن تبنّاه النبي (صلّى الله عليه وآله) فكان يدعى زيد بن محمد بعد أن تبرّأ منه أبوه إلى أن نزل قوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ)(6).

وفي ما حدّث به التاريخ من سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) وأولاده مع مماليكهم شواهد تدلّ على أنّ ما ذكرناه ليس مطّرداً وفي جميع الأحوال، فإن كثيراً من أولئك العبيد والجواري قد بلغوا مبلغاً من العلم والفضيلة والشّرف انحنى لهم التاريخ إجلالاً لمقامهم واعترافاً بسموّ ذواتهم، وإكباراً لعظمتهم، لأنّهم حلّوا بقلوب عطوفة، ونفوس رحيمة، وعقول ناضجة مدبّرة، مكّنتهم من تسنّم أرقى الدرجات.

إذن فتغيير الاسم يكشف عن حكمة بالغة أراد منها الشّرع أن يخفّف من شيء من المعاناة التي قد ينالها من قهرته الظروف فساقته إلى سوق الرقيق.

ومن المحتمل أن يكون تعدّد الأسماء للشخص الواحد لكونها تتضمن معاني وإشارات إلى خصائص المسمّى، وهذا الأمر نقف عليه في كثير من الناس أحراراً كانوا أو عبيداً، فإن لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) أكثر من اسم يحمل أكثر من معنى وأكثر من لقب كذلك، كما للأئمة (عليهم السلام) وللصدّيقة الزهراء (عليها السلام)، وكان ذلك محل عناية من الآداب الشرعية التي لم تغفل هذا الجانب فرغّبت في اختيار الاسم الحسن واللقب الحسن والكنية الحسنة.

ومن المحتمل أيضاً أن تعدد الأسماء لم يكن عن شيء من ذلك ولا سيّما في العبيد والجواري، إذ لا يعيشون حياة مستقرّة، ولا يهمّ البائع أو المشتري اسم سلعته، فيضع بإزائها اسماً ما لمجرّد التمييز، فتجتمع عدة أسماء للشخص الواحد نتيجة ذلك.

ولعلّ هناك وجوهاً أخرى لم ندركها بعد وراء تعدّد الأسماء، إلا أن في ما ذكرناه قد يكشف بعض الوجه في تعدّد أسماء أمّهات الأئمة (عليهم السلام).

وبذلك لا نحتاج إلى تكلّف البحث عن المعنى الاشتقاقي لمعنى الاسم وتطبيق المعنى المناسب على المسمّى كما حاول بعضهم(7) أن يوجد المناسبة ولو كانت بعيدة ليستنتج الوجه في التسمية.

وإنّما لا نحتاج إلى ذلك لأنّنا لا نعلم الواضع لهذه الأسماء، لنلتمس الوجه اللائق في التسمية بالاسم المعين، نعم إذا كان الواضع معروفاً وهو عالم بمداليل الألفاظ قاصداً لمعانيها فلابد من حمل كلام الحكيم على ما يناسبه من المعاني، صيانة لكلامه عن اللّغو، قد مرّ أن الإمام الكاظم (عليه السلام) أطلق اسم الطاهرة على السيدة تكتم بعد أن أنجبت الإمام الرضا (عليه السلام).

فهذه التسمية منه (عليه السلام) تكشف عن معنى عظيم في المسّمى صدر من المعصوم في شأن أمّ المعصوم، وهو العالم بحقائق الأمور الذي يضع الأشياء في مواضعها، وهو نظير ما ورد عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام)، فقد جاء في كتاب الكافي أنّه (عليه السلام) لما بعث من يشتري حميدة أمّ الإمام الكاظم (عليه السلام) وجيء بها إليه، قال لها: ما اسمك؟ قالت: حميدة، فقال (عليه السلام): حميدة في الدنيا محمودة في الآخرة.(8)

فإنّه وإن لم تكن التسمية منه (عليه السلام) إلا أنّه إقرار لها وإمضاء منه، بل فسّره (عليه السلام) بتفسير يكشف عن معنى عظيم في هذه المرة الطاهرة، وقد وصفها الإمام الصادق (عليه السلام) كما في الكافي بقوله: حميدة مصفّاة من الأدناس كسبيكة الذهب، ما زالت الأملاك تحرسها حتى أدّيت إليّ كرامة من الله لي، والحجّة من بعدي.(9)

وبناء على هذا لبقية الأسماء إن كانت على الوجه الذي ذكرناه فهو، وإلا فلا داعي للتكلّف في التماس معنى مناسب فإنّ بعض ما ذكر من المعاني وتطبيقه عليها بعيد جداً.

هذا، وقد ذكرت ستة أسماء أخرى لأم الإمام الرضا (عليه السلام) غير ما ذكرناه، وهي: سكينة وسلامة، وتحيّة، ونجية، وسها، وشهد.(10)

والى هنا تبيّن أن أمّ الإمام الرضا (عليه السلام) والسيدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) من سيدات النساء، وقد بلغت من الشّرف والفضل والطّهر والعفاف والكمال أعلى المراتب وأرفع الدّرجات، حتى أصبحت قرينة المعصوم وأمّاً للمعصوم. فسلام الله عليها وتحيّاته وبركاته.

1 – الفروع من الكافي: ج5، باب شراء الرقيق، الحديث 14، ص212.

2 – شرائع الإسلام: ج2، ص58.

3 – قواعد الأحكام، ص130.

4 – تذكرة الفقهاء: ج2، ص500.

5 – الحدائق الناضرة: ج19، ص417.

6 – مجمع البيان في تفسير القرآن: ج7، ص335-337.

7 – كريمة أهل البيت (عليهم السلام) (فارسي) ص83-86.

8 – الأصول من الكافين ج1، باب مولد أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام). الحديث 1، ص477.

9 – الأصول من الكافي: ج1، باب مولد أبي الحسن موسى (عليه السلام) الحديث 2، ص477.

10 – كريمة أهل البيت (عليهم السلام)، ص86.

شاهد أيضاً

0

الأخوة في الإسلام‏ أصناف الإخوان‏

07)4  الفاجر: فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: »لا تصحب الفاجر فيعلّمك من فجوره«. ...