الإمامة الإلهية (بحوث الشيخ محمد السند) – ج 1 / الصفحات: ٨١ – ١٠٠
الثاني: عدم إمكان وصول البشرية إلى الاحاطة بتمام تلك الحقيقة الواقعية وان كانت الاصابة النسبية مستمرة وهذا وان لم يزلزل الحقائق المتوصل إليها إلا انها لا تعني تمام الواقع.
وهذان الامران يستلزمان دوام حاجة البشرية إلى التشريع السماوي والنبوة المحمدية لأن رب الواقعية هو المحيط تماماً بها كما يثبت بذلك عدم احاطة البشرية بكنه غايات التشريع السماوي والمصالح المخبوّة فيه.
ثالثاً: اما جواب ما يدعى من انبعاث الإرادة دوماً من الاعتبار والذي ذهب إليه العلامة الطباطبائي فهو يستدعي ان نلقي نظرة على ما سطره يراعه الشريف في رسالة الاعتبار والتي تعتبر حصيلة البحث الأصولي في ذلك الوقت.
تحليل مختصر لنظرية الاعتبار:
وملخص ما ذكره العلامة:
أ – ان الاعتبار يمثل جانبا من نشاطات العقل العملي ومدركاته وشأناً من شؤونه.
ب ـ ان كل موجود يسعى نحو كماله، فالفاعل غير الارادي يوجد له صراط معين يسير فيه، اما الموجود الارادي فانه يسعى نحو كماله من خلال ارادته.
ج ـ ان الفاعل الارادي في تحريك ارادته يسعى نحو تحقيق ما هو غير موجود، اما ما هو موجود فلا يسعى لتحصيله كما هو واضح.
د ـ ان الارادة تنطلق من قضايا غير حقيقية أي لا واقع خارجي فعلي لها، فلا محالة تكون القضايا اعتبارية وهي التي تولد الارادة ومن دونها لا يمكن للإرادة ان تنطلق.
بعض تلامذة العلامة يصور الخديعة بنحو اخر وذلك بان الخديعة التي تقوم بها هي تصوير ان حاجات البدن هي حاجات الروح، ويجعلها ضرورية لها، وتفسير هبوط آدم إنه هبوط ادراكي حيث جعلت الروح البدن جزء حقيقة نفسها، فجعلت كمالات البدن وحاجاته هي حاجات لها فأول خديعة هى من جعل البدن جزء من الروح. خدعت بها الفطرة الانسانية اياه لتتوصل بها إلى الخير بالذات والكمال المطلق الحقيقي.
و ـ ان نسبة الضرورة تعني الوجوب وهو متقدم على الحرمة كما ان الاستحباب متقدم على الكراهة وذلك لأن الشعور بالحاجات والضرورات متقدم على الشعور بالمضرات والمؤذيات التي نسبة الامتناع.
ز – مثال آخر على نشأة اعتبار آخر هو اعتبار الملكية وكيفية حصوله: هو أنه رأى وجود نسبة حقيقية بين الإنسان وسلطته على اعضائه وتصرفه بها كما يشاء، فجعل هذه السلطة بين الأمر الخارجي وبين نفسه حتى يستطيع التصرف والاستفادة منه وحده ولا ينازعه فيه أحد.
ح ـ وأول اعتبار اجتماعي نشأ هو اعتبار الالفاظ ودلالتها على المعاني، ثم بعد ذلك تولد اعتبار العقد والمعاملات، واعتبار الرئاسة وذلك لأن في الإنسان توجد قوة العقل التي تكون مهيمنة على بقيه القوى، فانتزع العقل هذه النسبة وجعلها في مملكة صغيرة هي مملكه الأسرة ورئاسة وهيمنة ربها ثم للمجتمع.
وجوه التأمل في نظرية العلامة:
لا يخفى ما في النظرية من ظرافة ودقة نظر ويظهر كذلك مدى أهميتها في صياغة الفكر البشري، وهذا لا يمنع من وجود بعض التأملات لنا عليها:
١ ـ اننا نتفق مع العلامة في:
ان العقل النظري لا يحرك الارادة، لذا سوف يأتي في الفصل الثاني ان التوحيد النظري من دون التوحيد العملي، وهو تولي ولىّ الله الذي يهدي لإرادات الله ومشيئاته، لا يوجب تحرك الإنسان بل توجد مراتب أخرى متوسطة حتى تصل إلى مدركات العقل العملي.
![[image] - مركز الأبحاث العقائدية](https://www.aqaed.com/book/66/5/bb.gif)
![[image] - مركز الأبحاث العقائدية](https://www.aqaed.com/book/66/5/bb.gif)
لكن نختلف مع العلامة في تحديد القضايا الحقيقية، فقد ذكر ان كل ما ليس له تحقق خارجي فعلي فهو قضية اعتبارية، وهذا غير صحيح وغفلة منه(قدس سره)، وذلك لأن القضية الحقيقة لا تساوي القضية الخارجية بل هي تشمل ما يكون الموضوع فيها حاك عن وجودات في ظرف الاستقبال، وما تكون حاكية عن وجود تقديري، وما تكون حاكية عن موضوعات ممتنعة وهي القضايا غير البتية التي ليس فيها سوى فرض الوجود وهذا أمر متسالم عليه، وبناء عليه فإن القضية التي يتصورها العقل ويحكم بها العقل العملي هي غير حاصلة في الخارج فعلاً لكنها ليست اعتباراً محضا بل تكون قضية حقيقية.
٢ ـ لقد حصر العلامة(رحمه الله)الحاجة إلى الاعتبار لانه مولد للأرادة وهذا غير صحيح بل ان الحاجة للاعتبار هو امر آخر ذكره المتكلمون والأصوليون حاصله:
ان الارادة تنبعث من مدركات العقل العملي ومدركات العقل العملي هى من الكليات الفوقانية كحسن العدل وقبح الظلم، ومن هذه المدركات التي تمثل رأس مال العقل العملي ينطلق في سلسلة ادراكاته، وكذلك يستطيع ادراك الكليات القريبة وفوق المتوسطة كحسن الصدق وقبح الكذب، اما الكليات النازلة والجزئيات الحقيقية فإن العقل العملي لا يصل اليها كما في قبح القمار، ونكاح الشغار، ناهيك عن الجزئيات الحقيقية المتكثرة وغير المتناهية، من هنا يحتاج إلى ضابطة تكون كاشفة عن حسن هذه الأمور وقبحها وهذه الضابطة تكون بالاعتبار، فالاعتبار وظيفته الكشف عن الحقائق وما تخبأه من حسن وقبح، وحينئذ الارادة تنطلق من هذا الاعتبار الكاشف لا من كونه اعتباراً محضاً.
والاعتبار انما يكون كاشفا صائباً للواقع في حال صدوره من العقل اللامحدود
ونضيف على ما ذكره العلامة وتكملة لما ذكرناه من الحاجة للاعتبار.
ـ إنه قد يتساءل لماذا لجأ إلى الاعتبار – الذي هو انشاء – في الكشف عن الحقائق ولم يلتجأ إلى الأخبارعن حقيقة الافعال الخارجية؟.
والجواب عنه:
أ ـ ان الجزئيات غير متناهية فاذا اعتمد اسلوب الأخبارالتفصيلي فهذا يعني اخبارات غير متناهية لعدم تناهي الافعال وعدم تناهي الاشخاص فيجب ان يكون اخبارا لكل أحد. ويترتب عليه ان يجعل كل الناس انبياء، وأنّ لا يخطئ الكل في فعل وهذا يبطل عالم الامتحان والابتلاء.
ب ـ ان برهان النظام الأصلح يقتضي وجود مراتب في العلم والوجود. والأخبارالتفصيلي لكل أحد يقتضي عدم وجود مراتب ويبطل النظام الأصلح.
ج ـ ان الأخبارقد يؤدي إلى اختلاط الجزئيات حيث ان الجزئي قد تكون له جهة حسن، وله قبح من جهة أخرى هي العامة، وقد يختلف الجزئي الواحد في تقديم جهة على جهة عن جزئي آخر فلا تنضبط القضايا بضابط معين، بخلاف ما لو جعل ضابط يكون غالب المطابقة للواقع فانه ينظم حالة الإنسان بنحو افضل. فالاعتبار أحد أمثلته القانون الوضعي حيث يراد من وضعه أن يكون كشفه غالبيا.
د ـ ان وساطة الاعتبارين الحقيقين هي وساطة اثباتية باعتبار كشفه عن الواقع، ولا يتبعه الإنسان لأنه اعتبار بل لأنه كاشف من الواقع، وما ذلك إلا لأن الإنسان لا ينطلق الا من الحقائق، وما ذكره من أن أول اعتبار هو الأكل ونحوه فمحل إشكال إذ لا داعي فيه إلى الاعتبار حيث ان الاكل يعتبر مكملا للبدن، ويشعر الإنسان
وحل هذا الاشكال يتم بالتدقيق فيما بيناه من الحاجة إلى الاعتبار إذ انما يلجأ اليه العقل لجهة كشفه عن جهات الحسن والقبح في الفعل فهذا الاعتبار يساوق الحقيقة، لأنه يكون كاشفا عن أمر واقعي، وليس بما هو اعتبار محض، ومن هنا لا يتبع الفاعل الارادي أي معتبر كان بل يتحرى المعتبر المطّلع على جهات الحسن والقبح. وخير مثال على ذلك الاعتبار التشريعي الإلهي فيتبعه الإنسان لأنه صادر من عقل لا محدود ومن المحيط بكل شيء، فهو كاشف عن الواقع والتكوين، وهكذا الاعتبار في القانوني الوضعي لأنه يقتضي صدوره من الكُمّلين في مجتمع بشري ما فيتبعه لهذا الكشف ايضاً، ومن ثَمّ ذكر ارسطو أنه لا يمكن ان يصدر التقنين الا ممن يكون انسانا إلهيا.
اما ما ذكر من الاثارة وهي التغير في التشريع وعدم الثبات فيمكن الجواب عنه بما يلي:
١ ـ ان الحسن والقبح واقعيان فأحكام العقل العملي ليست متغيرة وقد برهنا على ذلك.
٢ ـ ان الاعتبار ليس امرا اعتباطيا يقوم به كل أحد بل لاجل الكشف عن الواقع فيجب ان يتولاه من تكون له تلك القدرة، وآية ذلك ان المقنن الوضعي لا يوكل كل من هب ودبّ بل يتخير من افراد المجتمع فئة خاصة تمتلك الخبرة والتجربة.
٣ ـ هناك نظريتان مشهورتان احدهما المسماة بنظرية التضاد او الديالكتيكية،
٤ ـ انا نسلم بوجود ثابت وبوجود متغير، لكن المشكلة في تحديد ضابط كل منهما. فمنطقة الثبات كما اشرنا اليها سابقا هي منطقة الكليات العالية كحسن العدل وقبح الظلم والكليات المتوسطة القريبة من العالية كالأخلاق الفاضلة المنبعثة عن الملكات الفاضلة. أما ما دونها وهي منطقة الاعتبار فهي تحتاج إلى ضوابط لمعرفة المتغير والثابت.
ونستطيع ان نستفيد من القانون الوضعي وتقسيمه لتقريب فكرة الثابت والمتغير في الاعتبار بعد ثبوت أن لغة القانون والاعتبار واحدة. فإن القانون الوضعي على ثلاثة اقسام الدستور – التشريعات البرلمانية – التشريعات الوزارية، فالقسم الأول غير قابل للتغير عادة(١)، والقسم الثاني اقل ثباتا اما الثالث فهو دائم التغير وهكذا في الاعتبار فنجد بعض الاعتبارات غير قابلة للتغيير والبعض الاخر يحصل فيه التغيير والتبديل.
لكن ما هي ضابطة الأمور والاعتبارات المتغيرة. لقد ذكر هناك ضوابط متعددة نذكر منها:
٢ ـ من الأمور التي تؤدي إلى تغير الاحكام هو تبدل الموضوع الجزئي.
٣ ـ وجود التزاحم والورود بالعناوين الثانوية كالعسر والحرج والضرر على صعيد الاحكام الاجتماعية والأمور العامة، لكن ليلتفت ان الحكم الثانوي لا يكون إلا مؤقتا دائماً ولا ينقلب إلى الدوام لانه خروج عن مقتضاه.
٤ ـ الاختلاف في الاحراز ومدى رعاية الضوابط الموضوعة سواء في فهم القانون الالهي او القانون الوضعي فكم نجد من فقهاء القانون يختلفون في تفسير القواعد القانونية، وهكذا في فقهاء الشريعة حيث يختلفون في تفسير وفهم بعض النصوص الالهية.
وهذا الاختلاف لا يتناول الكليات الفوقانية وذلك لانها ثابتة وغير متغيرة، والأمور الثابتة اكثر وضوحا والخفاء فيها يقل بل يندر والخفاء يظهر في الجزئيات والمتوسطات ـ التي هي ذات درجات كثيرة وعرض عريض ـ حيث تتداخل
و يتلخص من كل ما مر:-
١ ـ ان الاساس للأحكام الشرعية هو الحسن والقبح العقليين وهما برهانيان وهذا يعني أن لا تبدل فيهما ولا تغير.
٢ ـ ان منشأ الحاجة للاعتبار هو محدودية العقل البشري، فتظهر عناية ولطف واجب الوجود بأن يبين لهم تشريعات ثابتة في تلك المنطقة التي لايدركها العقل المحدود.
٣ ـ ان جهات التغير والتبدل في الاعتبار هي غالباً في منطقة الجزئيات.
التنبيه الرابع:
في تبعية الولاية التشريعية للولاية التكوينية
والمقصود من هذا البحث بيان انّ من له صلاحية التشريع وسن القوانين يجب ان يكون له مقام تكويني خاص. فبعد اتفاق جميع الموحدين أن المشرّع الأول والمحيط بالواقع وحقائق الوجود هو الله عز وجل. يرد التساؤل والبحث ان هل اُعطيت صلاحية مقدار من التشريع للبشر؟ واذا كان بالايجاب فأي بشر هو الذي يمكنه سن القوانين؟
للاجابة عن هذا التساؤل يوجد مسلكان:
احدهما: النقل والاستدلال بالايات القرآنية والروايات الشريفة الدالة على هذه التبعية من نحو قوله تعالى: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً(١)}(٢)، {لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(٣).
ومن امثلة الروايات ما ورد أن الصلاة الرباعية كانت ثنائية فأوكل التشريع للرسول فجعلها رباعية وغيرها من الروايات.
المسلك الثاني:- العقل وهذا هو المقصود بالبحث هنا فيمكن اقامة وجوه ثلاث لاثبات تلك التبعية.
٣- الأحزاب ٣٣: ٢١.
الوجه الأول:
وهو ما ذكرناه سابقا في التنبيه الثاني من وجه الحاجة إلى الاعتبار حيث بينا.
أ ـ الحاجة إلى التشريع والقانون لتنظيم الاجتماع ولمسيرة الإنسان في هذه الحياة.
ب ـ ان العقل البشري لمحدوديته لا يستطيع التوصل إلى الواقع ولا يحيط بجهات الحسن والقبح والموازنة بينها.
ح – يحتاج العقل المحدود إلى من يسن له تلك القوانين، فتتم صياغة الحقائق عن طريق قضايا اعتبارية قانونية.
وحتى لا تكون هذه الصياغات جهلا يجب ان تكون مطابقة للواقع فيجب ان يتصف من يسن تلك التشريعات ان يكون له علم متصل ومرتبط بالذات المقدسة وإلا لأصاب التشريع والتقنين التغيير والتبديل كما نراه في التشريعات الوضعية الحديثة على مرّ الزمان.
د ـ ان من رحمة الله بعباده ورأفته بهم ان يوصل العباد إلى كمالاتهم ويُبعدهم عن نقائصهم، فطبقا لذلك ولما ذكره المتكلمون بقاعدة اللطف او ما ذكره الفلاسفة بقاعدة العناية الالهية، يجعل الباري تعالى في بني الإنسان من له ذلك الاتصال الغيبي وتلك المنزلة الرفيعة.
وبذلك يثبت ان من تكون له الولاية التشريعية وصلاحية سن القوانين فان له ولاية تكوينية واتصال غيبي بالذات المقدسة.
الوجه الثاني:
ويعتمد على:
١ ـ ملاحظة الجهاز الادراكي للانسان وتفصيل قواه العقلية وكيفية توصله للنتائج، وقد ذكر الفلاسفة ان هناك جهازين يحكمان اداركات الإنسان احدهما الجهاز القلبي وهو يعني بالعلم الحضوري ومراتبه اربعة قلب، وسر، وخفي وأخفى.
وهذه القوى النازلة تكون منصاعة إلى قوة العقل العملي بحسب الفطرة الإلهية الأصلية وهو يمارس هيمنته وتوجيهه لها.
٢ ـ ذكرنا في التنبيه الأول ما يميز العقل العملي عن النظري، فالادراك لأي قضية يمر عبر افعال ثلاث احدها الفحص والبحث في الفكر، الثاني ادراك النتيجة المتولدة من المقدمات، الثالث الاذعان بتلك النتيجة والتسليم بها وقد اشار صدر المتألهين في رسالته في التصوير والتصديق وتبعه جل المتأخرين ان النتيجة والحكم في القضية لا يعتبر جزءاً للقضية. فالتصور وهو الصورة الحاصلة لدى الذهن تارة تكون مؤدية ومؤثرة في حصول الحكم فتكون تصديقا وتارة لا تكون مؤثرة فتسمى تصورا. وهاتان المقدمتان هي من ادراك العقل النظري فهو يدرك النتيجة المتولدة من المقدمات، لكن هذا غير الاذعان والحكم الذي هو من افعال العقل العملي ويفسر العلامة الطباطبائي الحكم بأنه(١)قيام النفس بدمج صورة الموضوع مع صورة المحمول في صورة واحدة وقد تقدم منا الإشارة إلى ان المراد من وجوب المعرفة هو الفعل الثالث ومن هنا قلنا بامكانية كونه واجباً شرعياً.
٣ ـ كثير من المفكرين يتوهمون بان العلاقة والارتباط بين المقدمات (الصغرى والكبرى) والنتيجة والعلاقة بين النتيجة والحكم والاذعان، هي علاقة العلية والمعلولية بمعنى استحالة تخلف النتيجة عن مقدماتها واستحالة تخلف الاذعان عن النتيجة. لكن الحق ان الفلاسفة اثبتوا خلاف ذلك. فقد ذكر السبزواري في منظومته في بحث القياس ان الرابطة ليست هي رابطة العلة والمعلول بل المقدمات
وهذه الامراض هي التي تصيب قوى الإنسان في ادراكاته الحصولية، وهناك امراض تصيب درجات اداركه الحضورية، حيث تمنعه من الترقي الوجودي وتمنعه من الوصول بل ومن الاتصال بالصقع الربوبي، فيبتعد اكثر عن ساحة الحق ويصير بينه وبين الحقائق حاجبا وساترا لا يزول إلا بالتقوى والعمل الصالح ولقد قال عز من قائل {اتَّقُوا اللهَ يُعَلِّمُكُمُ اللهُ}(١).
ومن هذه المقدمات الاربعة تنتقل إلى ما نريد التوصل اليه وهو إنه مع وجود هذه المراحل في ادراك الإنسان، ووجود مثل تلك الموانع والعوائق التي تؤثر في صدور القرار الصحيح والفعل النافع، كيف يمكن تقليده صلاحية التقنين والتشريع، فيجب ان يمتلك زمام التشريع والتقنين من يكون جهازه الادراكي في مأمن من تلك العوائق والموانع ويكون محلا لافاضة العلوم عليها من العوالم العلوية وتنزلها في مأمن من تشويش ومشاغبة قوى النفس الدنيا.
هذا أذ أرادنا تشريعا يكون مظهرا للحقائق الواقعية ومطابقا وصحيحا.
وهذا الإنسان الذي يمتلك تلك القابلية هو الذي يكون مظهرا للرضا الالهي وللغضب الالهي وللعزائم الالهية وذلك لا يكون الا بأن تتساوى كل حركاته وسكناته بلحاظ التأثر بالعوالم العلوية.
ومن لا يمتلك تلك المكانة والقابلية فلن يكون تشريعه سالما وصحيحا ومن هنا قلنا بأن الولاية التشريعية تابعة للمقام التكويني الخاص.
والمقام الأكمل الذي يصل اليه المشرع والمسن للقوانين هو مقام العصمة، وهي كما لا يخفى على درجات فبعضهم أصحاب شرائع، وبعضهم اولوا عزم،
الوجه الثالث:
السنن التكويني والسنن التشريعي.
ذكرنا فيما سبق ان الإنسان يركز ويستند في علومه إلى نوع محدود من العصمة وذلك من خلال البديهيات الموجودة في العقل البشري والتي ينتهي اليها في كل قضية، وبدونها يحل الاضطراب في الفكر البشري، كما اشرنا فيما سبق إلى ان مدركات العقل العملي والنظري هي الكليات الفوقانية، ولمحدودية العقل البشري احتاج إلى التقنين والاعتبار لضبط الجزئيات الخارجية وان التفكير البشري في تنزل العلوم الكلية إلى الجزئيات يمر بمراحل متعددة وبجملة من البراهين التي يستعين بها لاحراز التفكير الصحيح. وهما البرهان النظري ورأس ماله العلوم البديهية او البرهان العياني الذي يتصل بالجزئيات، ويضمن اختيار الفعل الاصلح عن طريق قوة الفطنة والتروي التي تستلم من العقل العملي والبرهان النظري النتائج الصادقة الحقيقية. وتستخدم قوة الفطنة القوى الادراكية الجزئية والقوى العمالة السفلية حيث الغضب الرافع للموانع والشهوة المولدة للشوق وبهذا الشكل يصدر الفعل الجزئي صحيحاً غير خاطئ.
التنبيه الخامس:
العلاقة بين العقل العملي والعقل النظري
نلاحظ بعض الظواهر التي يتحد فيها حكم العقلين وان اختلف طريقهما من امثلة ذلك قاعدة اللطف الكلامية المعروفة ومدركها العقل العملي، وقاعدة العناية الفلسفية ومدركها العقل النظري وهما قاعدتان ينتجان نتائج متشابهة بنحو كبير.
وهكذا في بحث العقوبة الاخروية بمقتضى المعاد الجسماني وكون القبح والحسن عقليين، فان العقل العملي يحكم بالعقوبة الاخروية حيث ان مدح الله ثوابه وذمه عقابه أو أن مدح الفعل بالكمال المنتهي إليه وذم الفعل بالنقص، والعقل النظري يحكم به بالعقوبة الاخروية بتوسط نظرية تجسم الأعمال وهكذا سوف نجد موازاة بين قواعد أخرى يحكم بها العقلان. فهذا الارتباط بينهما ليس ارتباطاً عفويا وصدفة وانما له منشأ تكويني.
بيان ذلك: أن ضابطة مدركات العقل العملي هو ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله، وما ينبغي فعله هو الحب التكويني الفطري والانجذاب نحو الكمال فلذا هو يطلبه طلبا تكوينيا ويبتغيه كغاية، وما لا ينبغي فعله هو خلافه أي ما تنفر منه تكوينا.
والكمال هو الخير والوجود والنقص هو الشر والعدم، وضابطة مدركات العقل النظري هي الوجود ونفي الوجود، فمباحث الحكمة النظرية مرتبطة بالكمال والوجود، ومباحثه تؤثر في العقل العملي الذي ينجذب تكويناً نحو الكمال الذى
المبحث الرابع
حجية المعارف القلبية
والبحث فيها من جهات:-
الجهة الأولى:
في بيان المراد من المعارف القلبية.
ان الحديث عن المعارف القلبية متشعب وطويل وسوف نتناول منه ما يهمنا في بحثنا وعن المقدار الذي يكون فيه حجة متميزة عن غير الحجة.
يتفق الفلاسفة على أن هناك نحوين من الادراكات التي يتوصل بها الإنسان لمعرفة الحقائق الأول هي الادراكات العقلية والثاني هو الادراكات القلبية، وضابطة التفصيل بينهما يعتمد على كيفية الادراك فالأول يتم عن طريق الصور الحصولية للأشياء والثاني يتم عن طريق الادراكات الحضورية وهو الارتباط بالشيء ارتباطاً ما.
توضيح ذلك: ان الادراكات العقلية تعتمد على الصور ويختلف مدى ارتباط هذه الصور بالمادة حسب المراتب.
ففي الصورة الحسية فان نفس الصورة وان كانت مجردة عن الخارج إلا ان لها ثلاثة تعلقات:
١ ـ من جهة الابعاد الطول والعرض والعمق.
٢ ـ من جهة المشخصات والالوان.
٣ ـ لابد من محاذات وجود خارجي محسوس، ففيها تجرد عن نفس المادة ولها ثلاث تعلقات من لوازم المادة.
واما في العقل العملي والنظري ففيه تجردات تامة لكن يبقى له تعلق بالصور.
والنفس في ادراكها لهذه الصور المختلفة لها إياب وذهاب وخلط وترتيب وربط بين هذه الصور المختلفة، فقد تغرب عن الصور الحسية اي الوهمية أو الخيالية وتحمل المعنى الوهمي على المعنى الحسي وهكذا.
وهذا ما يسمى في الاصطلاح ان النفس لها حركة تجرد وتعلق.
اما المعارف القلبية فهي أشد تجردا حيث لا تتعلق بالصور كما في الادراكات العقلية بل هو الارتباط بالشيء بنحو ما.
وللنفس أيضا اياب وذهاب في مراتب المعارف القلبية الاربعة وهي:-
١ ـ القلب وهو الارتباط بحقائق الاشياء من دون توسط الصور المادية، نعم يدرك في هذه المرحلة الصور العينية البرزخية كما في سماع انين الموتى من الصالحين وكذلك تشمل ادراكات عالم المثال، و يقال حينئذ انها تدرك صور الجوهر المثالي.
٢ ـ السر وهي الادراكات التي فوق عالم البرزخ والمثال فهي اكثر سعة من مرتبة القلب واكثر احاطة وجودية.
الخفي والاخفى وهي المرتبة المتعلقة بالانوار الربوبية وادراك الاسماء الالهية.
اذا اتضح ذلك نقول:
١ ـ إنه كما ان الادراكات العقلية موجودة في كل انسان لكن قد لا يستطيع
٣ ـ ان مدرسة أهل البيت عليهم السلام تبنت الرؤية القلبية للذات المقدسة لا الرؤية الحصولية الوهمية ولا الخيالية ولا الحسية وأما الرؤية العقلية بتوسط المعاني المجردة فقد أثبتتها العديد من الروايات الواردة عنهم المتضمنة للتنبيه على لزوم الوحدة والبساطة في المعاني والصفات وعدم تطرق التركيب العقلي التحليلي فيها، وأنه الفارق في التوصيف العقلي للذات الواجبة عن الممكنات وهو متطابق مع ما قام عليه البرهان الحكمي.
وفي بعض الروايات(١) انه لو احيل الادراك بالمعاني العقلية لكانت المعرفة أمر لا يطاق عند عامة البشر، كما أن الروايات نبهت على أن المعبود هو المحكي بالمعاني العقلية وهو المسمى لا نفس المعاني العقلية وهي الاسم. فالذات المقدسة لا تقتنص بحس ولا بوهم ولا بخيال لعدم الحدود والمقدار فيه. فكيف يمكن اقتناصها بتلك القوى واثبات الرؤية الحسية لها، نعم الادراكات العقلية هي الحالة الوسط بين الادراكات الصورية النازلة وبين الادراكات القلبية، ولذا فهي بوابة على الغيب لكنها تبقى معان حاكية وليست هي نفس المحكي أي ليست هي نفس الواقع، وهذه الادراكات العقلية بهذا المقدار، والحاكية عن أقصى غيب