کتاب المحجة البيضاء 8

يستغفر له من في السماوات و من في الأرض حتّى الحيتان في الماء، و فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إنّ العلماء ورثة الأنبياء، و إنّ الأنبياء لم يورّثوا درهما و لا دينارا إنّما ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظّ وافر»؟ قال: نعم‌ [1].

و أسند بعض العلماء [2] إلى أبي يحيى بن زكريّا بن يحيى الساجيّ أنّه قال:

كنّا نمشي في أزقّة البصرة إلى باب بعض المحدّثين فأسرعنا في المشي و كان معنا رجل ماجن[1]فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة- كالمستهزء- فما زال عن مكانه حتّى جفّت رجلاه.

و أسند أيضا إلى أبي داود السجستاني أنّه قال: كان في أصحاب الحديث رجل خليع[2]إلى أن سمع بحديث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ الملائكة لتضع بأجنحتها لطالب العلم» فجعل في رجليه مسمارين من حديد و قال: أريد أن أطأ أجنحة الملائكة فأصابته الاكلة في رجليه.

و ذكر أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل التميميّ هذه الحكاية في شرح مسلم و قال:

فشلّت رجلاه و سائر أعضائه.

(فصل) و من‌ [3] طريق الخاصّة

ما رويناه بالإسناد الصحيح إلى أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا عن آبائه عن النبيّ صلّى اللّه عليه و عليهم أجمعين أنّه قال: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم، فاطلبوا العلم في مظانّه، و اقتبسوه من أهله، فإنّ تعلّمه للَّه حسنة، و طلبه عبادة، و المذاكرة به تسبيح، و العمل به جهاد، و تعليمه من لا يعلمه صدقة، و

[1] اى الذي لاحياء له.

[2] اى المخلوع.

[1] أخرجه أبو داود في سننه ج 2 ص 285. و ابن ماجه تحت رقم 223. و في روضة الواعظين ص 12، و قد مر.

[2] نقله أيضا من منية المريد.

[3] منقول من المنية أيضا.
بذله لأهله قربة إلى اللّه تعالى لأنّه معالم الحلال و الحرام، و منار سبيل الجنّة، و المونس في الوحشة، و الصاحب في الغربة و الوحدة، و المحدّث في الخلوة، و الدّليل على السرّاء و الضرّاء، و السّلاح على الأعداء، و الزّين عند الأخلاّء، يرفع اللّه تعالى به أقواما فيجعلهم في الخير قادة، تقتصّ آثارهم، و يقتدى بفعالهم، و ينتهى إلى آرائهم، ترغب الملائكة في خلّتهم، و بأجنحتها تمسحهم، و في صلواتها تبارك عليهم،

و يستغفر لهم كلّ رطب و يابس حتّى حيتان البحر و هو أمّه، و سباع البرّ و أنعامه، إنّ العلم حياة القلوب من الجهل، و ضياء الأبصار من الظلمة، و قوّة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الأخيار، و مجالس الأبرار، و الدرجات العلى في الآخرة و الأولى، الذكر فيه يعدل بالصيام و مدارسته بالقيام، به يطاع الربّ و يعبد، و به توصل الأرحام و يعرف الحلال و الحرام، العلم إمام و العمل تابعه، يلهمه السعداء، و يحرمه الأشقياء، فطوبى لمن لم يحرمه اللّه تعالى من حظّه»[1].

و عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه أنّه قال: «أيّها الناس اعلموا أنّ كمال الدّين طلب العلم و العمل به، ألا و إنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إنّ المال مقسوم مضمون لكم قد قسّمه عادل بينكم و قد ضمنه و سيفي لكم، و العلم مخزون عند أهله و قد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه» [1].

و عنه عليه السّلام العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، و إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها إلّا خلف منه» [2].

و عنه عليه السّلام قال: «كفى بالعلم شرفا أن يدّعيه من لا يحسنه و يفرح إذا نسب إليه، و كفي بالجهل ذمّا أن يبرّئ منه من هو فيه» [3].

و عنه عليه السّلام: انّه قال لكميل بن زياد: «يا كميل العلم خير من المال العلم يحرسك‌

[1] البحار ج 1 ص 166 و 171 نقله من أمالى الصدوق و الشيخ، و أخرجه ابن عبد البر في العلم كما في المختصر ص 27. و في بعض النسخ [تقتبس آثارهم‌] مكان «تقتص آثارهم».

[1] الكافي ج 1 ص 30.

[2] روى الصفار نحوه في البصائر.

[3] ما عثرت عليه الا في منية المريد ص 6.
و أنت تحرس المال، و العلم حاكم و المال محكوم عليه، و المال ينقصه النفقة، و العلم يزكو على الإنفاق» [1].

و عنه عليه السلام أيضا «العلم أفضل من المال بسبعة: الأوّل أنّه ميراث الأنبياء و المال ميراث الفراعنة، الثاني أنّ العلم لا ينقص بالنفقة و المال ينقص بها، الثالث يحتاج المال إلى الحافظ و العلم يحفظ صاحبه، الرابع العلم يدخل في الكفن و يبقى المال، الخامس المال يحصل للمؤمن و الكافر و العلم لا يحصل إلّا للمؤمن خاصّة، السادس جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في أمور دينهم و لا يحتاجون إلى صاحب المال، السابع العلم يقوّي الرجل على المرور على الصراط و المال يمنعه» [2].

و عنه عليه السّلام «قيمة كلّ امرئ ما يعلمه»- و في لفظ آخر ما يحسنه- [3].

و عن زين العابدين عليه السّلام «لو يعلم النّاس ما في طلب العلم لطلبوه و لو بسفك المهج و خوض اللّجج [1]، إنّ اللّه تعالى أوحى إلى دانيال أنّ أمقت عبادي إليّ الجاهل المستخفّ بحقّ أهل العلم، التارك للاقتداء بهم، و أنّ أحبّ عبادي عندي التقيّ الطالب للثواب الجزيل، اللّازم للعلماء، التابع للحلماء، القائل عن الحكماء»[2].

و عن الباقر عليه السّلام قال: «من علّم باب هدى فله مثل أجر من عمل به، و لا ينقص أولئك من أجورهم شيئا، و من علّم باب ضلالة كان عليه مثل أوزار من عمل به، و لا ينقص أولئك من أوزارهم شيئا» [4].

و عنه عليه السّلام «عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد» [5].

[1] المهج جمع مهجة و هي الدم، أو دم القلب خاصة، اى بما يتضمن اراقة دمائهم، و اللجج جمع لجة و هي معظم الماء.

[2] رواه الكليني في الكافي ج 1 ص 35. و فيه «القابل عن الحكماء».

[1] رواه الصدوق في الخصال ج 1 ص 87. و ابن عبد البر في العلم كما في المختصر ص 29. و ابن شعبة في التحف ص 170 مرسلا.

[2] ما عثرت عليه الا في المنية.

[3] نهج البلاغة أبواب الحكم تحت رقم 81.

[4] الكافي ج 1 ص 35.

[5] الكافي ج 1 ص 33.

شاهد أيضاً

مآثر العلماء في الطريق الى الله ٥٦

#دورة_في_جهاد_النفس • الدرس السابع : الدعوة إلى الله – الفصل الثالث : النقاط الأساسية قد …