أزمة المضائق وشتاء أوروبا القاسي

الوقت – مع اقتراب فصل الشتاء، يجد سوق الطاقة الأوروبي نفسه مرةً أخرى أمام صدمة جيوسياسية، غير أن منبع الأزمة هذه المرة ليس حقول الغاز الروسية، بل ممرّان مائيان حيويان في غرب آسيا.

فالاضطراب الحاد في حركة السفن عبر مضيق هرمز، وانعدام الأمن في باب المندب، رفعا تكلفة الحصول على النفط والغاز، وزادا من المخاوف بشأن قدرة أوروبا على اجتياز الشتاء المقبل.

كان مضيق هرمز، قبل اندلاع الحرب على إيران، ممرّاً يومياً لنحو 125 سفينة تجارية كبرى، إذ كان يمر عبره نحو 20٪ من تجارة النفط الخام والغاز الطبيعي المسال (LNG) العالمية. لكن بعد إغلاق هذا الممر من قِبل إيران، انخفض إمداد الطاقة بشكل حاد، وبحسب بيانات “كبلر” لتتبع الشحن، بلغ متوسط عدد السفن العابرة لمضيق هرمز في الأسابيع الأخيرة تسع سفن يومياً فقط، فيما عبرت باب المندب في الأسبوع الماضي 116 سفينة.

هذا التراجع في حركة الملاحة وإمدادات النفط عبر هذين الممرين، أثّر بشكل مباشر على سوق الطاقة. وقالت الوكالة الدولية للطاقة إن الاضطراب في هرمز طال نحو خُمس الإمدادات العالمية من الغاز المسال، ما أدى إلى قفزة في الأسعار وتزايد التقلبات في السوق. وقد بلغ سعر النفط الآن نحو 105 دولارات، وما زال في مسار تصاعدي، وهذا الارتفاع في أسعار حاملات الطاقة انعكس سلباً على السوق الأوروبي أكثر من غيره.

وبحسب تقرير وكالة الطاقة، كان متوسط سعر الغاز في أوروبا خلال الربع الثاني من عام 2026 أعلى بنحو 32٪ عن الفترة نفسها من العام الماضي. كما أفادت رويترز مؤخراً بأن سعر الغاز الأوروبي قفز من نحو 30 يورو للميغاواط/ساعة إلى نحو 80 يورو.

وكتبت صحيفة “إل باييس” الإسبانية في هذا الشأن: “مضيق هرمز، وباب المندب، وتوقف خط أنابيب النفط الشرقي-الغربي في السعودية، وأخيراً الأضرار التي لحقت بمصافي روسيا، كل ذلك تسبب في أكبر قفزة في الأسعار منذ عام 2022”.

وتُظهر تقلبات أسعار النفط والغاز أن الممرات الرئيسية، كمضيق هرمز وباب المندب، قادرة – في حال تصاعد التوترات الإقليمية – على تعطيل التدفق الفعلي للنفط وبرامج النقل، وأن أي خلل في هذه النقاط يعني عادةً ارتفاع تكاليف اللوجستيات، وإطالة أمد الشحن، وتزايد مخاطر التبادل التجاري، وكل هذه العوامل تنعكس بدورها على الأسعار.

إجراءات التقشف الأوروبية

بما أنه لا توجد آفاق واضحة لوقف الحرب بين إيران وأمريكا، ولا في اليمن أيضاً، فإن الأوروبيين بدؤوا بالفعل بالاستعداد لشتاء قاسٍ، ولهذا شرعوا في اتخاذ إجراءات تقشفية.

وطلبت المفوضية الأوروبية من الدول الأعضاء خفض استهلاك الغاز والكهرباء من أجل كبح جماح الأسعار.

ودعا دان يورغنسن، مفوض الطاقة والإسكان في الاتحاد الأوروبي، الوزراء الأوروبيين إلى التفكير – عند الضرورة – في إجراءات لخفض الطلب. وتشمل المقترحات المطروحة تحديد درجة حرارة المباني العامة، وتجنّب تدفئة الأماكن الخارجية، وإطفاء الإنارة غير الضرورية.

والضغط الأكبر يقع على مخزونات الغاز، إذ تشير التقارير الأوروبية إلى أن مستوى المخزونات في سبتمبر بلغ نحو 68 إلى 70٪ من السعة، وهو لا يزال أدنى من مستويات السنوات الماضية. كما تواجه ألمانيا – بصفتها صاحبة أكبر طاقة تخزينية للغاز في أوروبا – مستوى امتلاء أقل من المعتاد.

وفي ظل هذه الظروف، تكتسب حالة مخزونات الغاز أهميةً مضاعفةً. فعلى مخزونات أوروبا، عشية الشتاء، أن تغطي احتياجات الأسر واستهلاك الصناعات ومحطات الطاقة معاً. وكلما انخفض مستوى المخزون، ازدادت حساسية السوق تجاه أي موجة برد مفاجئة، وأصبح التنافس على شراء شحنات الغاز المسال قادراً على دفع الأسعار للارتفاع أكثر فأكثر.

وبعد الحرب الأوكرانية، لجأت أوروبا إلى مصدّرين آخرين للغاز المسال تعويضاً عن تراجع الواردات الروسية، غير أن تلك المسارات البديلة نفسها باتت اليوم عرضةً للاضطراب. وفي هذا السياق، أعلنت شركة قطر للطاقة المملوكة للدولة، يوم الاثنين، تمديد التعليق الإلزامي لشحنات الغاز المسال المتجهة إلى أوروبا وآسيا.

وبحسب تقرير رويترز، تراجعت صادرات قطر من الغاز المسال بنسبة 96٪ منذ أبريل، إذ لم يتم تسليم سوى 18 شحنة حتى نهاية أغسطس، مقارنة بـ5٠9 شحنات في الفترة نفسها من العام الماضي. من هنا، غدت النرويج أكثر من أي وقت مضى مصدراً حيوياً لأوروبا، غير أن طاقتها الإنتاجية لا تكفي لسدّ كل العجز القائم.

تحذيرات الخبراء

وقد حذّر الخبراء أيضاً من الشتاء المقبل. حيث قال ماركو زالفرانك، رئيس قسم التداول التجاري في شركة “أكسبو هولدينغ” السويسرية: “إذا تزامن انخفاض الإمدادات مع موجة برد شديدة في أوروبا وآسيا، فقد ترتفع الأسعار إلى أكثر من 100 يورو للميغاواط/ساعة. وحتى إن انخفضت الأسعار، فلا نتوقع عودتها فوراً إلى مستويات ما قبل الحرب، أي أقل من 30 يورو، إذ من المرجح أن يبقى قدر من عدم اليقين مخيّماً على السوق”.

كما أكدت آنا ماريا يالر، المحللة في معهد اقتصاد الطاقة والتحليل المالي: “نأمل ألا يكون شتاء هذا العام، كسابقه، شديد البرودة في أوروبا. فإذا اشتد البرد، قد نواجه مشكلات جدية”.

هذا في وقت تشير فيه تقارير الأرصاد الجوية إلى ارتفاع احتمال حدوث موجة إل نينيو قوية جداً في الخريف والشتاء، فيما تحدثت الدراسات حول موجات “إل نينيو الفائقة” السابقة عن نمط يبدأ ببداية دافئة نسبياً، تعقبها موجة برد أشدّ حدّةً في منتصف يناير وأواخره في شمال أوروبا.

ومن هنا، فإذا تزامن برد يناير مع ضعف مخزونات الغاز، واضطراب سوق الديزل، وتراجع طاقة التكرير، ومحدودية القدرة الإنتاجية الفائضة، فإن أوروبا ستواجه أزمةً متعددة الأبعاد. وقد ذكرت رويترز أنه في حال اشتدّ برد الشتاء وبقيت صادرات قطر محدودةً، فإن التنافس بين أوروبا وآسيا على شحنات الغاز المسال قد يدفع الأسعار للارتفاع مجدداً.

ويحذّر الخبراء من أن ارتفاع أسعار النفط، بسبب استمرار إغلاق المضائق وتراجع الإمدادات، ليس سوى العلامة الأولى، وأن الضغط التالي سيطال الديزل، ثم قطاعي النقل والزراعة، ثم أسعار المنتِجين وتضخم المستهلكين، وينتهي الأمر بمطالبات سياسية للتعويض عن هذه التكاليف.

علاوةً على ذلك، تحوّل دور أمريكا إلى أحد أهم محاور الخلاف السياسي حول هذه الأزمة. إذ يقول منتقدو واشنطن إن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران كانت الشرارة التي فجّرت موجة جديدة من الاضطراب في سوق الطاقة، وأن استمرار المواجهة بين طهران وواشنطن يحول دون عودة مسارات الطاقة بشكل كامل إلى ما كانت عليه قبل الحرب. وكانت إيران قد اقترحت مؤخراً إعادة فتح هرمز، إلا أن دونالد ترامب رفض هذا العرض، لتبقى أزمة الطاقة مستمرةً دون حل.

وفي نهاية المطاف، تقف أوروبا على أعتاب الشتاء في مواجهة عدة مخاطر متزامنة تتعلق بالطاقة، وإذا استمر انخفاض الإمدادات من المضائق وحلّ البرد القارس معها، فإن ارتفاع أسعار الطاقة لن يثقل كاهل الأسر وحدها، بل سيرفع أيضاً تكاليف الإنتاج الصناعي، ما سينعكس سلباً على النمو الاقتصادي في القارة الأوروبية.

ماهو الجديد بين أمريكا وإيران

الحرب قائمة بين الحوثيين والسعودية

كيف سيكون الرد الإيراني على قرار ترامب حظر الطيران الايراني

منذ أربعين سنة وأمريكا تفرض عقوبات على إيران هل نفعت؟

ماهي اخر تطورات الحرب بين أمريكا وايران

ناصر ونصر الله” أضواء في نفق الأمة المظلم

ضوء أخضر أمريكي: كيف تحول “وقف إطلاق النار” إلى غطاء لاغتيالات مستمرة

إيران والعراق: اختبار السيادة والعروة التي لا تنفصم

@@@@@@@

شاهد أيضاً

الامامة والحكومة في الأسلام – الشيخ الانصاري

بسم الله الرّحمن الرحّيم الحمدلله وسلام علي عباده الذين اصطفي وبعد فقد اطلعني أستاذي الجليل …