الوقت- حدّثت خدمة “غوغل إيرث” صورها الجوية لقطاع غزة، لتكشف من منظور الأقمار الصناعية حجم الدمار الهائل الذي خلفته أكثر من عامين من الحرب الإسرائيلية، في مشهد وصفه متابعون بأنه أقرب إلى “صحراء من الركام” منه إلى مدن كانت تعج بالحياة قبل سنوات قليلة. وتُظهر الصور الجديدة اختفاء أحياء سكنية بأكملها تحت الأنقاض، وتحول مساحات حضرية واسعة كانت مكتظة بالسكان إلى أراضٍ قاحلة خالية من أي معالم عمرانية يمكن التعرف عليها، في توثيق بصري مباشر يصعب معه على أي جهة، مهما بلغت قدرتها على التضليل الإعلامي، إنكار حجم ما تعرض له القطاع من دمار ممنهج وشامل طال كل مناحي الحياة فيه. وقد أشارت مجلة “نيوزويك” الأمريكية إلى أن هذه المشاهد المحدثة، التي تغطي مساحات القطاع بأكمله على مدار قرابة ثلاث سنوات من الحرب، أعادت تسليط الضوء بقوة على حجم الخسائر البشرية والعمرانية معاً، وعلى ضخامة التحديات التي تنتظر سكان غزة في أي مرحلة مقبلة لإعادة الإعمار.
أرقام أممية توازي ما ترصده عدسة الفضاء
تتقاطع هذه الصور الفضائية الصادمة مع أرقام موثقة رصدتها مؤسسات أممية متخصصة، إذ أفادت وكالة “يونوسات” التابعة للأمم المتحدة بأن نحو 82 بالمئة من جميع المباني في قطاع غزة تعرضت للضرر أو الدمار الكامل، فيما تجاوزت نسبة الوحدات السكنية المتضررة أو المدمرة 90 بالمئة من إجمالي المساكن في القطاع بأكمله. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 90 بالمئة من مستشفيات غزة إما تضررت بشكل جزئي أو دُمرت كلياً، فيما قدّر المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في السكن اللائق أن ما يزيد على مئتي ألف طن من المتفجرات ألقيت على القطاع خلال نحو عامين من القصف المتواصل، مخلفة وراءها ما يقارب 60 مليون طن من الحطام والأنقاض التي لا تزال تغطي أجزاء واسعة من المناطق السكنية حتى اليوم. كما كشف تقرير للأمم المتحدة أن نحو 1.9 مليون شخص نزحوا خلال الحرب، اضطر كثير منهم للانتقال مرات متكررة بين مناطق مختلفة هرباً من القصف، فيما فقد أكثر من 60 بالمئة من إجمالي سكان القطاع منازلهم بشكل كامل، وهي أرقام تعكس أن الكارثة الإنسانية توازي في حجمها الكارثة العمرانية التي توثقها الصور الفضائية.
غزة ومستشفى الشفاء: نموذج مصغر لحجم التدمير الشامل
تقدّم الصور الجديدة تفاصيل دقيقة عن التحولات الجذرية التي طرأت على المشهد العمراني في مدينة غزة تحديداً، حيث توثق دماراً واسعاً في محيط مجمع مستشفى الشفاء، الذي تعرض لعمليات عسكرية إسرائيلية مكثفة خلال الحرب، وباتت ملامح المنطقة المحيطة به مختلفة جذرياً عما كانت عليه قبل اندلاع الحرب. وكانت إسرائيل قد بررت استهدافها للمجمع الطبي باتهامات لحركة حماس باستخدامه غطاءً لإخفاء مركز قيادة عسكري ومنشآت تحت الأرض، وهي اتهامات نفتها الحركة والعاملون في المستشفى بشكل قاطع، دون أن تقدم إسرائيل حتى الآن أدلة مستقلة مقنعة تدعم هذه الرواية بما يوازي حجم الدمار الفعلي الذي لحق بمنشأة طبية يُفترض أن تحظى بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني.
ردود فعل دولية تعكس صدمة حقيقية أمام حجم الكارثة
أثارت هذه الصور المحدثة تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي وبين مسؤولين أوروبيين، إذ علّقت عضو البرلمان الأوروبي باري أندروز على المشاهد قائلة إن الأمر يبدو وكأن عمالقة مزقوا كل شيء كان قائماً في هذه المناطق، مضيفة أن ما تبقى من مبانٍ متأرجحة فوق الأرض يبدو وكأن أسناناً وحشية مزقت أجزاءه، بينما بدا كل شيء آخر وكأنه دُهس بالأقدام. هذا التوصيف اللافت من مسؤولة أوروبية رسمية يعكس حجم الصدمة التي أحدثتها الصور حتى لدى أوساط سياسية غربية اعتادت عادة التعامل بحذر ودبلوماسية مع توصيف ما يجري في غزة، ما يشير إلى أن حجم الدمار الموثق بصرياً بات يتجاوز قدرة الخطاب الدبلوماسي المعتاد على التخفيف من وطأته أو تبريره.
توثيق يفتح الباب أمام تساؤلات حول إخفاء أدلة الجرائم
تكتسب هذه الصور الفضائية أهمية إضافية في سياق تحقيقات استقصائية سابقة كشفت جانباً مقلقاً آخر من التعامل الإسرائيلي مع الأنقاض، إذ أظهر تحقيق أجرته شبكة “سي بي سي نيوز” الكندية صوراً التقطتها الأقمار الصناعية توثق عمليات ضغط وإزالة إسرائيلية ممنهجة للحطام والركام في مواقع متعددة داخل القطاع، وهي مخلفات قد تحتوي، وفق التحقيق ذاته، على رفات بشرية وأدلة محتملة على جرائم حرب لم يجرِ توثيقها أو التحقيق فيها بعد. هذا التزامن بين تحديث صور “غوغل إيرث” التي توثق حجم الدمار الكلي، والكشف عن عمليات إزالة ممنهجة للأنقاض التي قد تخفي أدلة جنائية، يثير تساؤلات جدية حول ما إذا كانت هذه العمليات تهدف فعلياً إلى إزالة العوائق أمام إعادة الإعمار، أم أنها تخفي في جانب منها محاولة متعمدة للتخلص من أدلة قد تُستخدم مستقبلاً في أي مساءلة قانونية دولية محتملة.
عدسة لا تكذب أمام رواية يصعب تصديقها
في نهاية المطاف، تمثل هذه الصور الفضائية المحدثة شهادة بصرية موضوعية يصعب الطعن في مصداقيتها أو اتهامها بالانحياز، كونها صادرة عن تقنية تصوير محايدة لا تخضع لأي رواية سياسية من أي طرف من أطراف الصراع. وحين تتقاطع هذه الشهادة البصرية مع أرقام أممية موثقة عن نسب الدمار، وشهادات ميدانية عن استمرار انهيار المباني المتضررة على قاطنيها حتى بعد سريان وقف إطلاق النار، يصبح من الصعب على أي طرف دولي الاستمرار في التعامل مع ما جرى في غزة بوصفه “أضراراً جانبية” لعملية عسكرية محدودة، بل يفرض هذا التوثيق البصري الشامل مساءلة جدية حول حجم المسؤولية القانونية والأخلاقية عن هذا الدمار الممنهج. ويبقى السؤال الأهم معلقاً: هل تتحول هذه الصور الموثقة، إلى جانب أدلة أخرى متراكمة، إلى أساس فعلي لمحاسبة قانونية دولية جادة، أم أن مصيرها سيكون كمصير الوثائق والتقارير السابقة التي تراكمت دون أن تفضي إلى أي مساءلة حقيقية لمرتكبي هذا الدمار الشامل؟