الفصل الأول: الهجرة والجهاد
أولاً: ماذا نعني بالهجرة والجهاد؟
ثانياً: جهاد النفس
ثالثاً: دور الجهاد والهجرة في تربية الإنسان
رابعاً: الظروف الموضوعية للجهاد والهجرة
خامساً: انتظار الفرج
13
8
أولاً: ماذا نعني بالهجرة والجهاد؟
يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾1.
الهجرة والجهاد هما الركنان الأساسيان اللذان يستند إليهما الإسلام من الناحية الاجتماعية، وقد حرص القرآن الكريم على إحاطتهما بقدسية خاصة كلّما تحدّث عنهما، كما أنّه عظّم وقدّس درجة المهاجرين والمجاهدين أكبر تعظيم وتقديس.
الهجرة تعني التخلي عن البيت والأهل والوطن، والابتعاد عنهم والتوجّه إلى ديار الإيمان حفظاً للدِّين من الضَّياع. وفي الكثير من الآيات القرآنية نرى كلمتي الهجرة والجهاد قد ذكرتا معاً: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾2.
في الصدر الأوّل للإسلام، كان المسلمون ينقسمون إلى قسمين هما: المهاجرون والأنصار، فالأنصار هم سكان المدينة – يثرب – الذين آووا ونصروا، والمهاجرون هم الذين هجروا ديارهم وقدموا إلى المدينة إنقاذاً لدينهم.
1 سورة النساء، الآية: 100.
2 سورة الأنفال، الآية: 74.
15
9
والهجرة هي كالجهاد، حكم غير ثابت في الشَّرع الإسلامي ولكنّه من أركانه الأساسية وأحكامه الحية، بمعنى أنّ من المحتمل أن تطرأ ظروف تصبح معها الهجرة واجباً شرعياً وفرضاً يجب على المسلم أداؤه.
ودفعاً لوقوع بعض الاشتباهات والتَّناقضات في فهم حكمي الجهاد والهجرة، نتعرّض هنا لبحث هذا الموضوع بشيءٍ من التّفصيل.
لقد ورد للهجرة وكذلك للجهاد تفسير آخر غير ما تقدم، فقد فسرت الهجرة بهجر المعاصي والذّنوب والابتعاد عنها؟! لو أخذنا بهذا التفسير لأصبح جميع التائبين في العالم مهاجرين، لأنّهم هجروا الذّنوب والمعاصي ونأوا عنها، أمثال فضيل بن غياض وبشر الحافي وغيرهما كثير.
نموذج “الفضيل بن عيّاض”
(فضيل بن عياض) كان في بدء أمره سارقاً، لاهياً، ثمّ تغيرت حاله، فهجر جميع الذّنوب وتاب إلى الله توبة نصوحاً، وأصبح بعدها من العلماء، فهو لم يتحوّل إلى رجل متق وحسب، بل أصبح أيضاً معلماً ومربياً للعديد من الناس، في حين كان في مطلع حياته لصّاً وقاطع طريق وشرساً ومؤذياً حتى ضجّ الناس منه ومن شرّه وأذاه. فضيل بن عياض هذا كان يهمّ مرّة كعادته بسرقة بيت، وعندما تسلق الجدار وهمَّ بالنزول إلى داخل البيت رأى رجلاً زاهداً عابداً يقوم الليل، يصلّي صلاته ويدعو ويقرأ القرآن، فسمع فضيل الرجل وهو
16
10
يقرأ القرآن بصوت خاشع حزين، وكان أوّل ما طرق سمعه من قراءة الرجل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾1.
فضيل الذي سمع هذه الآية: وهو فوق الجدار، أحس وكأنّ الآية: أوحيت إليه هو، تخاطبه هو، فالآية: قد هزَّته بعنف، حتى قال: “اللَّهمَّ بلى… اللَّهمَّ بلى… لقد آن الأوان، وهذا هو”، فنزل عن الجدار، وهجر منذ ذلك الحين كلّ الذّنوب، فلا سرقة بعدها، ولا خمر ولا ميسر ولا غيرها من باقي الذّنوب التي كان مبتلى بها، ابتعد عنها بكل جهده… أرجع الحقوق التي كان قد اغتصبها إلى أصحابها، وأدّى ما عليه من حقوق الله، وجبر ما كان قد فات منه. إذن.. ففضيل هذا مهاجر أيضاً لأنّه هجر السيّئات وابتعد عنها.
نموذج بشر الحافي
وفي عصر الإمام الكاظم عليه السلام كان في بغداد رجلٌ معروفٌ يُقال له بشر، وكان ممّن يشار إليه بالبنان. وحدث يوماً أن كان الإمام الكاظم عليه السلام مارّاً من أمام بيت بشر، فاتفق أن فتحت جارية باب الدار لإلقاء بعض الفضلات “قمامة” وحين رمت بها في الطريق سألها الإمام عليه السلام قائلاً: يا جارية! هل صاحب هذا الدار حرٌّ أم عبدٌ؟! فأجابته الجارية وهي مستغربة من سؤاله هذا وبشر رجل معروف بين الناس وقالت: بل هو حرّ. فقال الإمام عليه السلام: “صدقت لو كان
1 سورة الحديد، الآية: 16.
17
11
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله