الفصل الرابع العدل الإلهي وفاعلية الإنسان قد تعرفت على مظاهر عدله في التكوين والتشريع، وحان البحث في بيان باقي المباحث التي لها صلة بالعدل الإلهي، وهي تتمحور حول فاعلية الإنسان، ونقاطها الرئيسية هي:
1 – العدل الإلهي وحرية الإرادة الإنسانية.
2 – العدل الإلهي وعلمه السابق بأفعال العباد.
3 – العدل الإلهي والقضاء والقدر القطعيان.
4 – العدل الإلهي وخلود العقاب.
وقد تناول الحكماء والمتكلمون هذه الأبحاث من زوايا مختلفة واحتدم النقاش حولها، وبما أن رائدنا في هذه البحوث هو القرآن الكريم فنحن نتناولها من ذلك الجانب ونترك جوانبها الأخرى إلى الكتب المعدة في هذا المجال.
(٣٨)
* العدل الإلهي وحرية الإرادة الإنسانية البحث عن حرية الإرادة، وأن الإنسان هل هو فاعل مجبور أو فاعل مختار؟ من المسائل الفلسفية التي تمتد جذورها في تاريخ الفكر الإنساني، ومنذ ذلك الحين اتجهت أنظار كافة الناس صوبها لأنها تمس جانبا من حياتهم العملية، وبذلك أصبحت دراسة تلك المسألة لا تقتصر على الحكماء فحسب بل شملت أكثر الناس.
إن الرؤية القرآنية تتلخص في أن الإنسان حر فيما شاء وأراد، وهي تشطب بقلم عريض على مزعمة المشركين بتعلق مشيئة الله سبحانه بعبادتهم الأوثان ولذلك صاروا مجبورين على الشرك. يقول سبحانه في رد تلك المزعمة: * (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون) *. (1) فهذه الآية تعكس لنا بوضوح جانبا من عقيدة المشركين في عصر الرسالة وأنهم كانوا يؤمنون بالجبر، وإن كل ما يصدر منهم فهو خاضع لإرادته سبحانه إرادة سالبة للاختيار.
ويقول سبحانه في موضع آخر مبينا تلك العقيدة الفاسدة: * (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون) *. (2)
(١) الأنعام: ١٤٨.
(٢) الأعراف: ٢٨.
(٣٩)
فإن الفقرة الأولى من الآية تعكس عقيدة المشركين وأنه لولا أمره ومشيئته لما كنا مشركين، لكن الفقرة الثانية ترد عليها ببيان أن الشرك ظلم وقبيح، والله لا يأمر بهما، وبالتالي لا تتعلق مشيئته بهما.
والعجب أن تلك العقيدة السخيفة لم تجتث بل بقيت عالقة في أذهان عدة من الصحابة حتى بعد بزوغ نجم الإسلام.
روى السيوطي عن عبد الله بن عمر: إنه جاء رجل إلى أبي بكر، فقال:
أرأيت الزنا بقدر؟
قال: نعم. قال: فإن الله قدره علي ثم يعذبني؟! قال: نعم يا بن اللخناء، أما والله لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك. (1) وليس الخليفة الأول وحده ممن كان يحتج بالقدر السالب للاختيار، بل كان غيره على هذه الفكرة. روى الواقدي عن أم الحارث الأنصارية، وهي تحدث عن فرار المسلمين يوم حنين، قالت: مر بي عمر بن الخطاب منهزما، فقلت: ما هذا؟ فقال عمر: أمر الله. (2) نرى أن عمر يلجأ إلى أمر الله وقضائه، وأن الهزيمة كانت أمرا قطعيا لأنه سبحانه شاءها وأرادها، دون أن ينظر إلى سائر الأسباب التي حدت بهم إلى تلك الهزيمة.
لقد اتخذ الأمويون مسألة القدر أداة تبريرية لأعمالهم السيئة وكانوا ينسبون وضعهم بما فيه من شتى ضروب العيث والفساد إلى القدر، قال أبو هلال العسكري: إن معاوية أول من زعم أن الله يريد أفعال العباد كلها. (3)
(1) تاريخ الخلفاء: 95.
(2) مغازي الواقدي: 3 / 904.
(3) الأوائل: 2 / 125.
(٤٠)