الرئيسية / اخبار اسلامية / الولاء والولاية من كتب الفكر الاسلامي 13
368a1ba9-2ccc-4d02-b830-e755a05fbe5e

الولاء والولاية من كتب الفكر الاسلامي 13

فما معنى التقرب إلى الله؟
إن كثرة تعاطينا لمفاهيم اعتبارية واجتماعية مما نستخدمه في حياتنا اليومية غالباً ما تسبب لنا الوقوع في الخطأ، وتجعل بعض الألفاظ المستعملة في المعارف الإسلامية تنحرف عن معانيها الأصلية وتتخذ معاني اعتبارية.

إننا عندما نستعمل كلمة (التقرب) في غير مفاهيمها الاجتماعية، فإنما نريد مفهومها الحقيقي. فقد نقول، مثلاً: بقرب ذلك الجبل عين ماء. أو: وصلت قرب ذلك الجبل فهنا يكون المراد من القرب هو المعنى الحقيقي، أي من حيث المسافة بعداً أو قرباً، وهي الفاصلة الحقيقية التي تفصلنا عن الشيء، ولا علاقة لذلك بفاصلة اعتبارية ومتفق عليها.

ولكن عندما نقول أن فلاناً قد نال مقاماً قريباً من فلان، أو عندما نقول إن فلاناً قد تقرب إلى فلان بالعمل الفلاني، فما هو القصد من القرب هنا؟

هل نقصد أن المسافة بينهما قد قلت، كما لو كانت من قبل 500 مترٍ وأصبحت الآن 100 متر؟ طبعاً لا. لو كان الأمر كذلك لكان الخادم أقرب الناس إلى المخدوم في غرفته.

إنما نقصد أن الخادم بما قام به من خدمة راقت في عين المخدوم قريباً من نفسه, وهو لم يكن كذلك من قبل، وإنه اقترب منه بذلك أكثر، فكانت النتيجة أن المخدوم راح يولي الخادم عناية أكبر. إذن، يكون استعمال القرب هنا استعمالاً مجازياً وليس استعمالاً حقيقياً، لأنه لا علاقة له بوجود كياني الخادم والمخدوم في مكان قريب بعض من بعض, إنما الكلام يدور على العلاقة الروحية الخاصة التي تنشأ بين المخدوم والخادم لسبب ما، فالأثر الناتج عن ذلك يعبر عنه بالقرب تشبيهاً ومجازاً.

فما هو القرب من الله؟ أهو قرب حقيقي أم هو قرب مجازي؟ أحقاً أن العبادة بالطاعة والعبادة والسلوك والإخلاص يرتفعون نحو الله، ويتقربون منه، وتقل الفاصلة بينهما، بحيث تتضاءل حتى تنعدم ويحصل ما يعبر عنه القرآن بتعبير(لقاء الرب)؟ أم أن هذه كلها تعبيرات مجازية ولا تعني الاقتراب من الله، وأن ليس هناك قرب أو بعد من الله، وإن القرب من الله لا يختلف شيئاً من القرب من شخصية اجتماعية، أي أن الله يرضى عن عبد فتزداد عنايته به ويكثر لطفه عليه؟

هنا يظهر سؤال آخر. ترى ما معنى رضا الله؟ إن الله لا تعتوره الحوادث بحيث يكون مرة غير راض ثم يرضى، أو أن يكون راضياً ثم يصبح غير راضٍ. فيكون الجواب الذي لا محيص عنه هو أن الرضا وعدم الرضا هنا مجازيان أيضاً، والمقصود بالرضا هو آثار رحمته ولطفه التي سبغها على العبد في حالة طاعته وعبوديته، ولا شيء غير ذلك.

فما هي تلك الرحمة وما هو ذلك اللطف؟ هنا تتباين الإجابات، فهناك من يرى الرحمات تشمل الأمور المعنوية والمادية، والمعنوية هي المعارف واللذة الحاصلة منها، والمادية هي الجنة والحور العين والقصور. وهناك بعض آخر لا يعترف بالرحمات المعنوية، ويقصر ألطاف الله على الناس بما ينالونه في الجنة من الحور والقصور والتفاح والكمثري. وهذا الكلام يعني أنه كلما ازداد تقرب أولياء الله إلى الله إزدادت قصورهم وحورهم وتفاحهم وفواكههم وبساتينهم.

يستنتج من أقوال منكري القرب الحقيقي من الله, أن طاعة الله وعبادته لا تغير علاقة الله بالعبد(وهو ما يقول به أصحاب القرب الحقيقي) ولا تغير علاقة العبد بالله، فمن حيث القرب الحقيقي يتساوى أول شخص في العالم، أي النبي الكريم(ص)، وأشقى الناس من أمثال فرعون وأبي جهل.
الحقيقة هي أن هذا الخطأ ناشئ عن نوع من التفكير المادي بالنسبة للإنسان والله، وعلى الأخص بالنسبة للإنسان.

إنّ من يرى الإنسان وروحه مجرد كمية من الماء والطين، ولا يريد أن يعترف بقول الله:
{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}[48] أو أنه يحمله على محمل المجاز، لا يسعه إلا أن ينكر القرب الحقيقي.

ولكن ما الذي يدعونا إلى أن نفترض الإنسان حقيراً وترابياً إلى هذا الحد، بحيث نضطر إلى تأويل كل شيء ونوجهه تلك الوجهة؟ إنّ الله كمال مطلق وغير محدود.

حقيقة الوجود تساوي الكمال، وكل كمال يرجع إلى حقيقة الوجود التي هي حقيقة أصيلة مثل العلم، والقوة، والحياة، والإرادة، والرحمة، والخير، وغيرها.
إنّ الكائنات في أصل خلقتها، كلما كانت أكمل في وجودها، أي كلما كانت أقوى وأشد في وجودها، كانت أقرب إلى ذات الله التي هي الكمال المحض، فمن الطبيعي أن الملائكة أقرب إلى الله من الجمادات والنباتات، وبهذا السبب نفسه يكون بعض الملائكة أقرب إلى الله من بعضهم الآخر، فبعضهم يأمر وبعضهم يطيع، وهذا الاختلاف في المراتب قرباً وبعداً، يتعلق، في الواقع، بأصل الخلق أو بما يصطلح عليه باسم(قوس النزول).

إنّ الكائنات، وعلى الأخص الإنسان، تشملهم آية:
{ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}[49].
وعلى الإنسان، بحكم مرتبة وجوده، أن يحقق هذه العودة في صورة الطاعة والعمل الاختياري والقيام بالواجب اختيارياً.

إنّ الإنسان باجتيازه طريق طاعة الله, إنما يطوي في الواقع درجات الإقتراب من الله، أي أنه يطوي المراتب من مرتبة الحيوانية إلى مرتبة ما فوق الملائكية. إنّ هذا الإرتقاء والصعود ليس أمراً تشريفياً أو إدارياً متفقاً عليه، كأن يكون ارتقاء من درجة بسيطة إلى درجة وزير، أو من مجرد عضو في حزب إلى مركز قيادة الحزب، وإنما هو ارتقاء على سلم الوجود، وازدياد في الشدة والقوة والكمال، أي أنه ازدياد واستكمال في العلم والقوة والحياة والإرادة والمشيئة، واتساع دائرة النفوذ والتصرف. إنّ التقرب إلى الله يعني في الحقيقة اجتياز مراحل الوجود والإقتراب من قلب الوجود اللامتناهي.
وعليه، فإن من المستحيل أن لا يصل الإنسان،

بعد الطاعة والعبودية واجتياز صراط العبودية إلى مقام الملائكة أو إلى أبعد من ذلك المقام، أو أن يكون في الأقل متمتعاً بالكمالات الملائكية, إن القرآن يؤكد مقام الإنسان بقوله:

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}[50]حقاً ينبغي القول بأن من ينكر مقام الإنسان فهو إبليس!.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الأنعام، الآية: 90.
[2] المائدة، الآية: 55.
[3] تفسير الطبري، ج 6 ص 288 ـ 289.
[4] الكشاف، ج 1، ص 505، طبع مصر، سنة 1373.
[5] التفسير الكبير، ج 12، ص 30، طبع مصر، سنة 1357.
[6] ريحانة الأدب، المجلد 5، ص 311.
[7] التوبة، الآية: 71.
[8] المنافقون، الآية: 8.
[9] يونس، الآية: 72.
[10] التفسير الكبير للفخر الرازي ج 27، ص 166. و(الرفض) بمعنى الطرد والترك. ويوصف الشيعي بالرافض لأسباب خاصة.
[11] (الكنى والألقاب) للمحدث القمي و(نور الأبصار) للشبلنجي، ص 104.
[12] الكنى والألقاب للمحدث القمي.
[13] التفسير الكبير للفخر الرازي، ج 47، ص 166 والكشاف للزمخشري، ج 4 ذيل 32 سورة الشورى. كذلك جاء في آخر الخطبة 232 من خطب الإمام علي (ع) قوله: (فإنه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حق ربه وحق رسوله وأهل بيته مات شهيداً، ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته لسيفه).
[14] قصيّ، مع ضم القاف وتشديد الياء، إسم جدّ الرسول(ص) الرابع.
[15] سلسلة الذهب.
[16] وسائل الشيعة، ج1، ص 159، الطبعة الجديدة.
[17] البقرة، الآية: 257.
[18] يونس، الآية: 62.
[19] التوبة، الآية: 71.
[20] آل عمران، الآية: 104.
[21] الأحزاب، الآية: 21.
[22] آل عمران، الآية: 31.
[23] أنظر الرسالة التي كتبها قوام الدين الجاسبي القمي، وهو من فضلاء الحوزة العلمية بقم، بأمر من آية الله البروجردي، بشأن أسانيد هذا الحديث. وقد طبعتها دار التقريب بين المذاهب الإسلامية ونشرتها.
[24] الصواعق المحرقة, ص 90 .
[25] فصلت، الآية: 42.
[26] الصواعق المحرقة، ص 135.
[27] يختلف معنى هذه الجملة بحسب اختلاف معنى (ولاء).
[28] حلية الأولياء، ج 1، ص 86.
[29] المائدة، الآية: 55.
[30] النساء، الآية: 59.
[31] الأحزاب، الآية: 6.
[32] الحشر، الآية: 7.
[33] النساء، الآية: 65.
[34] الأحزاب، الآية: 6.
[35] التوبة، الآية: 103.
[36] الكافي، ج1، ص 103.
[37] الرسالة 26.
[38] القصص، الآية: 41.
[39] النازعات، الآية: 85.
[40] الذاريات، الآية: 4.
[41] الإسراء: الآية: الأخيرة.
[42] الزمر، الآية: 42.
[43] السجدة، الآية: 11.
[44] النحل، الآية: 28.
[45] هود، الآية: 57.
[46] الأنعام، الآية: 61.
[47] الأعراف، الآية: 188.
[48] الحجر، الآية: 29.
[49] البقرة، الآية: 156.
[50] البقرة، الآية: 34.

شاهد أيضاً

0

أقوال علماء الشيعة والجمهور في مصحف الإمام علي (عليه السلام)

02 أخبار مصحف الإمام علي عليه السلام في كتب الجمهور: روى الصنعاني (ت211هـ) بسنده عن عكرمة، ...