8

فقه الأحزان

البكاء على الميت

يقول الشهيد الثاني قدس سره : “إعلم أن البكاء بمجرده غير منافٍ للصبر ولا للرضا بالقضاء، وإنما هو طبيعة بشرية، وجِبِلَّة إنسانية، ورحمة رحيميَّةٌ أو حبيبيَّةٌ، فلا حرج في إبرازها ولا ضرر في إخراجها، ما لم تشتمل على أحوالٍ تؤذِنُ بالسَّخط وتنبئُ عن الجزع وتَذْهَبُ بالأجر، من شقِّ الثوب، ولطم الوجه وضرب الفخذ وغيرها.

وقد ورد البكاء في فقدان الأحبة عن النبي صلى الله عليه وآله و سلم ، ومن قبله من لدن آدم عليه السلام، وبعده من آله وأصحابه مع رضاهم وصبرهم وثباتهم” 10.

ففي الرواية عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم بيد عبد الرحمن بن عوف، فأتى إبراهيم وهو يجود بنفسه، فوضعه في حجره، فقال له: “يا بُنيَّ، إني لا أملك لك من الله تعالى شيئاً وذرفت عيناه، فقال له عبد الرحمن: يا رسول الله تبكي، أولم تنهَ عن البكاء؟ فقال صلى الله عليه وآله و سلم : إنما نهيت عن النوح، عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لعب ولهو ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة، خمشُ وجوه وشقُّ

10- الشهيد الثاني – مسكن الفؤاد عند فقد الأحبّة والأولاد – ص 93


جيوب ورنة شيطان، إنما هذه رحمة، ومن لا يَرحَم لا يُرحم، ولولا أنه أمرُ حق ووعدُ صدقٍ وسبيلٌ نأتيه وأن آخرنا سيلحق أولنا، لحزنا عليك حزناً أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون، تبكي العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يُسْخِطُ الرَّب عز وجل” 11.

وفي رواية أخرى: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم -إلى أن قال الراوي- ودمعت عيناه، فقالوا يا رسول الله تبكي وأنت رسول الله، فقال: “إنَّما أنا بشر، تدمع العين ويفجع القلب ولا نقول ما يُسْخِطُ الرَّب، يا إبراهيم إنَّا بك لمحزونون”، وقال صلى الله عليه وآله و سلم : “يوم مات إبراهيم ما كان من حزن في القلب أو في العين، فإنما هو رحمة، وما كان من حزن باللسان وباليد، فهو من الشيطان” 12.

فالبكاء حالة إنسانية ومشاعر نبيلة تُنْبِىءُ عن محبَّة الفقيد والأسى على فراقه, والأكمل أن تُطعم بالمشاعر الدينيَّة ليستحقّ المرء فيها الأجر، كالحزن على ما يصيب الميت من هول المُطَّلع، وما يلقاه في عالم البرزخ والحساب.

فالبكاء الحقيقيّ ينبغي أن يكون على حالة الميت, لا على فقده, فإن الميت تنتظره أهوالٌ عظيمة, ومواقف مهولة, من هول

11- الشهيد الثاني -مسكن الفؤاد عند فقد الأحبّة والأولاد – ص 93

12- السيد البروجردي – جامع أحاديث الشيعة – ج 3 ص 471


المطلع إلى حساب القبر وضغطته, وما يلاقي من أعماله في عالم البرزخ, فمن كانت حالته أنه قادم على هذه الأمور, فهو الذي ينبغي البكاء عليه لا على مجرد فقده, ولنِعْمَ ما فعل أبو ذر رضي الله عنه لما مات ذرٌّ ابنه، فقد مسح أبو ذر القبر بيده, ثم قال:”… أما والله ما بي فقدُك, وما عليَّ من غضاضة, ومالي إلى أحدٍ سوى الله من حاجة, ولولا هولُ المُطَّلع لسرني أن أكون مكانك, ولقد شغلني الحزنُ لكَ عنِ الحزنِ عليكَ, والله ما بكيتُ لك ولكن بكيتُ عليك, فليت شعري ماذا قلت، وماذا قيل لك، ثم قال رضي الله عنه: اللهمَّ إني قد وهبت له ما افترضتَ عليه من حقي، فهبْ له ما افترضت عليهِ من حقك، فأنت أحق بالجود مني” 13.

وخلاصة الأمر، إن البكاء على الميت والفقيد ليس عيباً, إلا أن الجزع والاعتراض على القضاء, والتصرفات الخارجة عن التأثر العاطفي الطبيعي هي التي منعها الشرع الأقدس, وستكون لنا وقفة تفصيلية عليها إن شاء الله تعالى

شاهد أيضاً

16

فقه المسجد

 آداب المسجد تمهيد ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. حينما يكون ...