أن يقصروا به عليه كما هو مذهب الأشعرية (1) والامامية (2)، أو تؤخذ معه أمور أخرى وهي فعل الواجب وتجنب القبيح كما هو مذهب المعتزلة (3)، ولا يخالف جمهور المتكلمين في هذه المسألة إلا الكرامية (4)، فإن المنافق عندهم يسمى مؤمنا، ونظروا إلى مجرد الظاهر، فجعلوا النطق اللساني وحده إيمانا. والمدحة: هيئة المدح، كالركبة، هيئة الركوب، والجلسة هيئة الجلوس (5)، والمعنى مطروق جدا، ومنه في الكتاب العزيز كثير، كقوله تعالى: ” وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ” (6) وفي الأثر النبوي: ” لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك “، وقال الكتاب (7) من ذلك ما يطول ذكره، فمن جيد ذلك قول بعضهم: الحمد لله على نعمه التي منها إقدارنا على الاجتهاد في حمدها، وإن عجزنا عن إحصائها وعدها. وقالت الخنساء بنت عمرو بن الشريد: فما بلغت كف امرئ متناول * بها المجد إلا والذي نلت أطول (8) (1) الأشعرية هم أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، المنتسب إلى أبي موسى الأشعري، وهي جماعة الصفاتية، الذين يثبتون لله تعالى الصفات الأزلية، كالعلم والقدرة والحياة وغيرها. وانظر الكلام عليهم في الملل والنحل للشهرستاني 1: 58 – 94. (2) الامامية هم القائلون بإمامة علي رضي الله عنه بعد النبي عليه السلام، وهم فرق متعددة ذكرهم الشهرستاني في الملل والنحل 1: 144 – 154. (3) المعتزلة ويسمون أصحاب العدل والتوحيد، انظر أيضا الكلام عليهم، وتعداد فرقهم في المصدر السابق 1: 49 – 78. (4) الكرامية هم أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام، عدهم الشهرستاني من جماعة الصفاتية، لأنهم كانوا ممن يثبتون الصفات، إلا أنهم انتهوا فيها إلى التجسيم والتشبيه، الملل والنحل 1: 99 – 104. (5 – 5) أ: ” كالركبة والجلسة هيئة الركوب والجلوس “. (6) سورة إبراهيم 34، النحل 18. (7) ب: ” في الكتاب “، وكلمة ” في ” مقحمة. (8) ديوانها 184، والرواية هناك فما بلغت كف امرئ متناول * بها المجد إلا حيث ما نلت أطول وما بلغ المهدون في القول مدحة * ولا صفة إلا الذي فيك أفضل (٥٩)
ولا حبر المثنون في القول مدحة * وإن أطنبوا إلا وما فيك أفضل * * * ومن مستحسن ما وقفت عليه من تعظيم الباري عز جلاله بلفظ (1) ” الحمد ” قول بعض الفضلاء في خطبة أرجوزة علمية: الحمد لله بقدر الله * لا قدر وسع العبد ذي التناهي والحمد لله الذي برهانه * أن ليس شأن ليس فيه شانه والحمد لله الذي من ينكره * فإنما ينكر من يصوره وأما قوله ” الذي لا يدركه “، فيريد أن همم النظار وأصحاب الفكر وإن علت وبعدت فإنها لا تدركه تعالى، ولا تحيط به. وهذا حق لان كل متصور فلا بد أن يكون محسوسا، أو متخيلا، أو موجودا من فطرة النفس، والاستقراء يشهد بذلك. مثال المحسوس السواد والحموضة، مثال المتخيل إنسان يطير، أو بحر من دم، مثال الموجود من فطرة النفس تصور الألم واللذة. ولما كان الباري سبحانه خارجا عن هذا أجمع (2) لم يكن متصورا. فأما قوله: ” الذي ليس لصفته حد محدود ” فإنه يعني بصفته هاهنا كنهه وحقيقته يقول: ليس لكنهه حد فيعرف بذلك الحد قياسا على الأشياء المحدودة، لأنه ليس بمركب، وكل محدود مركب. ثم قال: ” ولا نعت موجود ” أي (3) ولا يدرك بالرسم، كما تدرك الأشياء برسومها، وهو أن تعرف بلازم من لوازمها، وصفة من صفاتها. ثم قال: ” ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود “، فيه إشارة إلى الرد على من قال: إنا (1) أ: ” بلفظة “. (2) ب: ” جميعا “. (3) ب: ” لا يدرك “، من غير واو. (٦٠)
نعلم كنه الباري سبحانه لا في هذه الدنيا بل في الآخرة، فإن القائلين برؤيته في الآخرة يقولون: إنا نعرف حينئذ كنهه، فهو عليه السلام رد قولهم، وقال: إنه لا وقت أبدا على الاطلاق تعرف فيه حقيقته وكنهه، لا الآن ولا بعد الآن، وهو الحق، لأنا لو رأيناه في الآخرة وعرفنا كنهه لتشخص تشخصا يمنع من حمله على كثيرين، ولا يتصور أن يتشخص هذا التشخص إلا ما يشار إلى جهته، ولا جهة له سبحانه. وقد شرحت هذا الموضع في كتابي المعروف ب ” زيادات النقضين (1) “، وبينت أن الرؤية المنزهة عن الكيفية التي يزعمها أصحاب الأشعري لا بد فيها من إثبات الجهة، وأنها لا تجري مجرى العلم، لان العلم لا يشخص المعلوم، والرؤية تشخص المرئي، والتشخيص لا يمكن إلا مع كون المتشخص ذا جهة. واعلم أن نفي الإحاطة مذكور في الكتاب العزيز في مواضع، منها قوله تعالى: ” ولا يحيطون به علما ” (2) ومنها قوله: ” ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ” (3) وقال بعض الصحابة: العجز عن درك الإدارك إدراك، وقد غلا محمد بن هانئ فقال في ممدوحة المعز أبي تميم معد بن المنصور العلوي: أتبعته فكري حتى إذا بلغت * غاياتها بين تصويب وتصعيد (4) رأيت موضع برهان يلوح وما * رأيت موضع تكييف وتحديد (5) وهذا مدح يليق بالخالق تعالى، ولا يليق بالمخلوق. فأما قوله: ” فطر الخلائق… ” إلى آخر الفصل، فهو تقسيم مشتق من الكتاب العزيز، فقوله: ” فطر الخلائق بقدرته ” من قوله تعالى: ” قال من رب السماوات والأرض (١) كذا في ب، وفي أ: ” زيادات التقصير “، ولم أعثر على ذكر له في كتب التراجم والفهارس. (٢) سورة طه ١١٠. (٣) سورة الملك ٤. (4) ديوانه 210. (5) الديوان: ” برهان يبين “. (٦١)