وبالتالي لنفي عدله سبحانه، وإليك بيان الشبهة: إن ما علم الله سبحانه تحققه من أفعال العباد، فهو واجب الصدور، وما علم عدمه فهو ممتنع الصدور منه، وإلا انقلب علمه جهلا، وليس فعل العبد خارجا عن كلا القسمين، فهو إما ضروري الوجود، أو ضروري العدم، ومعه لا مفهوم للاختيار، إذ هو عبارة عما يجوز فعله أو تركه، مع أن الأول لا يجوز تركه، والثاني لا يجوز فعله. وقد وقع هذا الدليل عند الرازي موقع القبول، وقال: ولو اجتمع جملة العقلاء لم يقدروا على أن يوردوا على هذا الوجه حرفا إلا بالتزام مذهب هشام: وهو أنه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها. (1) إن هذه الشبهة لا تختص بعلمه سبحانه، بل تسري أيضا في مجال إرادته، فإن ما في الكون غير خارج عن إرادته، وعند ذلك تتوجه الشبهة التي قررها الشريف الجرجاني (المتوفى عام 816 ه) بالنحو التالي: قالوا: ما أراد الله وجوده من أفعال العباد وقع قطعا، وما أراد عدمه منها، لم يقع قطعا، فلا قدرة للإنسان على شئ منهما. (2) وأظن أن الرازي قد بالغ في شأن هذه الشبهة، وأنه لو تأمل فيما حققه الأعلام حول كيفية تعلق علمه وإرادته سبحانه بمعلومه ومراده لتجلت الحقيقة ناصعة. وحاصل ما حققه الفطاحل من أعلام الفلسفة والكلام، هو ما يلي: إن علمه الأزلي لم يتعلق بصدور كل فعل عن فاعله على وجه الإطلاق، بل (١) شرح المواقف: ٨ / ١٥٥. (٢) شرح المواقف: ٨ / 156. (٥١) تعلق علمه بصدور كل فعل عن فاعله حسب الخصوصيات الموجودة فيه. وعلى ضوء ذلك تعلق علمه الأزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر، بلا شعور، كما تعلق علمه الأزلي بصدور الرعشة من المرتعش، عالما بلا اختيار، ولكن تعلق علمه سبحانه بصدور فعل الإنسان الاختياري منه بقيد الاختيار والحرية. وبالتالي: تعلق علمه بوجود الإنسان وكونه فاعلا مختارا، وصدور فعله عنه اختيارا – فمثل هذا العلم – يؤكد الاختيار ويدفع الجبر عن ساحة الإنسان. وإن شئت قلت: إن العلة إذا كانت عالمة شاعرة، ومريدة ومختارة كالإنسان، فقد تعلق علمه بصدور أفعالها منها بتلك الخصوصيات وانصباغ فعلها بصبغة الاختيار والحرية، فلو صدر فعل الإنسان منه بهذه الكيفية لكان علمه سبحانه مطابقا للواقع غير متخلف عنه، وأما لو صدر فعله عنه في هذا المجال عن جبر واضطرار بلا علم وشعور أو بلا اختيار وإرادة، فعند ذلك يتخلف علمه عن الواقع. يقول العلامة الطباطبائي (1321 – 1402 ه): إن العلم الأزلي متعلق بكل شئ على ما هو عليه، فهو متعلق بالأفعال الاختيارية بما هي اختيارية، فيستحيل أن تنقلب غير اختيارية. وبعبارة أخرى: المقضي هو أن يصدر الفعل عن الفاعل الفلاني اختيارا، فلو انقلب الفعل من جهة تعلق القضاء به، غير اختياري ناقض القضاء نفسه. (1) هذا هو حال تعلق علمه سبحانه بالأشياء والأفعال، وقد عرفت أنه لا يستلزم الجبر وبالتالي لا يستلزم خلاف عدله. (1) تعليقة الأسفار: 6 / 318. (٥٢) وبذلك تعلم كيفية تعلق إرادته سبحانه بالأشياء والأفعال، وأن القول بسعة إرادته لا تستلزم الجبر شريطة أن نتأمل في متعلق إرادته، فنقول: إن إرادته لم تتعلق بصدور فعل الإنسان منه سبحانه مباشرة وبلا واسطة، بل تعلقت بصدور كل فعل من علته بالخصوصيات التي اكتنفتها. مثلا تعلقت إرادته سبحانه على أن تكون النار مبدأ للحرارة بلا شعور وإرادة، كما تعلقت إرادته على صدور الرعشة من المرتعش مع العلم ولكن لا بإرادة واختيار، وهكذا تعلقت إرادته في مجال الأفعال الاختيارية للإنسان على صدورها منه مع الخصوصيات الموجودة فيه، المكتنفة به من العلم والاختيار وسائر الأمور النفسانية. وصفحة الوجود الإمكاني زاخرة بالأسباب والمسببات المنتهية إليه سبحانه، فمثل هذه الإرادة المتعلقة على صدور فعل الإنسان بقدرته المحدثة واختياره الفطري، تؤكد الاختيار ولا تسلبه منه. ومع ذلك كله ليس فعل الإنسان فعلا خارجا عن نطاق قدرته سبحانه غير مربوط به، كيف وهو بحوله وقوته يقوم ويقعد ويتحرك ويسكن، ففعل الإنسان مع كونه فعله بالحقيقة دون المجاز، فعل الله أيضا بالحقيقة فكل حول يفعل به الإنسان فهو حوله، وكل قوة يعمل بها فهي قوته. إلى هنا تبين أن تعلق إرادته سبحانه بالأفعال والأشياء لا تستلزم الجبر وكون الإنسان مجبورا في أعماله. هذا كله حول ما أفاده المحققون فلنرجع إلى القرآن بغية استكشاف رؤيته حول هذا الموضوع. (٥٣)