مفاهيم القرآن (العدل والإمامة) – الشيخ جعفر السبحاني – ج 1٠

فنقول: أما سعة إرادته سبحانه للأشياء والأفعال وعدم خروج فعل الإنسان عن حيطة علمه وإرادته فهذا مما يثبته القرآن الكريم بوضوح، فمن حاول أن يخرج فعل الإنسان من حيطة إرادته فقد خالف البرهان أولا، وخالف نص القرآن ثانيا. إذ كيف يمكن أن يقع في سلطانه ما لا يريد؟ ولذلك يقول سبحانه: إن الإنسان لا يشأ شيئا إلا ما شاء الله، وأن إيمان كل نفس بإذنه ومشيئته، وإن كل فعل خطير وحقير لا يتحقق إلا بإذنه.
يقول سبحانه:
* (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) *. (1) * (ما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) *. (2) * (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) *. (3) وهذه الآيات الناصعة صريحة في عدم خروج فعل الإنسان عن مجاري إرادته سبحانه، وقد أكدت ما نزل به الوحي، الروايات المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أئمة أهل البيت عليهم السلام.
وبما أن خروج فعل الإنسان عن حيطة إرادته ومشيئته يستلزم تحديد إرادته، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رد تلك المزعمة:
” من زعم أن الخير والشر بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه “. (4)
(١) التكوير: ٢٩.
(٢) يونس: ١٠٠.
(٣) الحشر: ٥ – (٤) بحار الأنوار: ٥ / 51، أبواب العدل، الباب 1، الحديث 85.
(٥٤)
وبما أن خروج أفعال الإنسان عن حيطة إرادته يستلزم تحديدا في سلطانه، يقول الإمام الصادق عليه السلام: والله أعز من أن يكون في سلطانه ما لا يريد. (1) وقد ورد في الحديث القدسي قوله: ” يا بن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد “. (2) يقول الإمام الباقر عليه السلام: ” لا يكون شئ في الأرض ولا في السماء إلا بهذه الخصال السبع: بمشية، وإرادة، وقدر، وقضاء، وإذن، وكتاب، وأجل، فمن زعم أنه يقدر على نقض واحدة منهن فقد كفر “. (3) لا يليق لموحد أن يشك في سعة إرادته وتعلقه بكل ما كان وما هو كائن وما يكون إلا أن اللازم هو إمعان النظر في متعلقها، فهل تعلق بأصل صدور الفعل عن الإنسان، أو تعلق بصدوره عنه بقيد الاختيار، والأول لا يفارق الجبر، والثاني نفس الاختيار والعدل، وقد علمت أن إرادته كما تتعلق بأصل صدوره، فهكذا تتعلق بكيفية صدوره من الاختيار، وعند ذلك لا تكون سعة إرادته ذريعة لتوهم الجبر وخلاف العدل.
* إيضاح آيات ثلاث قد مضى الكلام في سعة إرادته وتعلقها بكل شئ، لكن هناك آيات ربما
(١) بحار الأنوار: ٥ / ٤١، أبواب العدل، الباب ١، الحديث ٦٤.
(٢) توحيد الصدوق: الباب ٥٥، الحديث ٦، ١٠، ١٣.
(٣) بحار الأنوار: ٥ / 121، باب القضاء والقدر، الحديث 65.
(٥٥)
توحي إلى خروج أفعال العباد عن دائرة إرادته وهي:
1 – * (وما الله يريد ظلما للعباد) *. (1) فالظلم الصادر من العباد فعل من أفعالهم، خارج عن حيطة إرادته.
2 – * (ولا يرضى لعباده الكفر…) *. (2) فالكفر من أفعال العباد، فهو ليس مرضيا لله سبحانه.
3 – * (والله لا يحب الفساد) *. (3) لكن إيضاح مفاد الآية الأولى يتوقف على التدبر في الفقرات التي تسبقها، وهي:
* (وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب * مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد) *. (4) إن الإمعان في الآية يكشف على أن المراد من الظلم هو الهلاك والإبادة، ومعنى الآية أنه سبحانه لا يريد إهلاك عباده وإبادتهم، فإن هلكوا وأبيدوا فإنما هو لأجل ما اقترفوه من الذنوب، وعلى هذا فالظلم المنفي هو الإبادة والإهلاك بلا سبب الاستحقاق. وأين هذا من خروج أفعال العباد على وجه الإطلاق من حيطة إرادته؟!
وأما الآية الثانية والثالثة فلا صلة لها بالإرادة التكوينية وإنما تهدف إلى عدم أمره تشريعا بالكفر والفساد، فوزان هاتين الآيتين وزان قوله سبحانه: * (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (5)) *، وقوله سبحانه: * (إن الله
(١) غافر: ٣١.
(٢) الزمر: ٧ – (٣) البقرة: ٢٠٥.
(٤) غافر: ٣٠ – ٣١.
(٥) الأعراف: ٢٨.
(٥٦)

شاهد أيضاً

قاليباف على خطى لاريجاني؛ في يد من منصة إطلاق الحرب الإدراكية؟

قاليباف على خطى لاريجاني؛ في يد من منصة إطلاق الحرب الإدراكية؟ 🔹 في هذه الأيام، …